سورة
اية:

وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ ۚ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عن استعجال قوم نوح نقمة اللّه وعذابه - والبلاء موكلٌ بالمنطق - قالوا: { يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا} أي حاججتنا فأكثرت من ذلك ونحن لا نتبعك، { فأتنا بما تعدنا} أي من النقمة والعذاب ادع بما شئت علينا فليأتنا ما تدعو به، { إن كنت من الصادقين قال إنما يأتيكم به اللّه إن شاء وما أنتم بمعجزين} أي إنما الذي يعاقبكم ويعجلها لكم اللّه الذي لا يعجزه شيء، { ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان اللّه يريد أن يغويكم} أي أيُّ شيء يجدي عليكم إبلاغي لكم وإنذاري إياكم ونصحي { إن كان اللّه يريد أن يغويكم} أي إغواءكم ودماركم، { هو ربكم وإليه ترجعون} أي هو مالك أزمة الأمور، المتصرف الحاكم العادل الذي لا يجور، له الخلق وله الأمر وهو المبدئ المعيد.

تفسير الجلالين

( ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم ) أي إغواءكم ، وجواب الشرط دل عليه "" ولا ينفعكم نصحي "" ( هو ربكم وإليه ترجعون ) قال تعالى :

تفسير الطبري

{ وَلَا يَنْفَعكُمْ نُصْحِي } يَقُول : وَلَا يَنْفَعكُمْ تَحْذِيرِي عُقُوبَته وَنُزُول سَطْوَته بِكُمْ عَلَى كُفْركُمْ بِهِ , { وَلَا يَنْفَعكُمْ نُصْحِي } يَقُول : وَلَا يَنْفَعكُمْ تَحْذِيرِي عُقُوبَته وَنُزُول سَطْوَته بِكُمْ عَلَى كُفْركُمْ بِهِ ,' { إِذْ أَرَدْت أَنْ أَنْصَح لَكُمْ } فِي تَحْذِيرِي إِيَّاكُمْ ذَلِكَ , لِأَنَّ نُصْحِي لَا يَنْفَعكُمْ لِأَنَّكُمْ لَا تَقْبَلُونَهُ . { إِذْ أَرَدْت أَنْ أَنْصَح لَكُمْ } فِي تَحْذِيرِي إِيَّاكُمْ ذَلِكَ , لِأَنَّ نُصْحِي لَا يَنْفَعكُمْ لِأَنَّكُمْ لَا تَقْبَلُونَهُ .' { إِنْ كَانَ اللَّه يُرِيد أَنْ يُغْوِيَكُمْ } يَقُول : إِنْ كَانَ اللَّه يُرِيد أَنْ يُهْلِككُمْ بِعَذَابِهِ. { إِنْ كَانَ اللَّه يُرِيد أَنْ يُغْوِيَكُمْ } يَقُول : إِنْ كَانَ اللَّه يُرِيد أَنْ يُهْلِككُمْ بِعَذَابِهِ.' { هُوَ رَبّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } يَقُول : وَإِلَيْهِ تُرَدُّونَ بَعْد الْهَلَاك . حُكِيَ عَنْ طَيْئ أَنَّهَا تَقُول : أَصْبَحَ فُلَان غَاوِيًا : أَيْ مَرِيضًا . وَحُكِيَ عَنْ غَيْرهمْ سَمَاعًا مِنْهُمْ : أَغْوَيْت فُلَانًا , بِمَعْنَى أَهْلَكْته , وَغَوِيَ الْفَصِيل : إِذَا فَقَدَ اللَّبَن فَمَاتَ . وَذُكِرَ أَنَّ قَوْل اللَّه : { فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا } 19 59 أَيْ هَلَاكًا . { هُوَ رَبّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } يَقُول : وَإِلَيْهِ تُرَدُّونَ بَعْد الْهَلَاك . حُكِيَ عَنْ طَيْئ أَنَّهَا تَقُول : أَصْبَحَ فُلَان غَاوِيًا : أَيْ مَرِيضًا . وَحُكِيَ عَنْ غَيْرهمْ سَمَاعًا مِنْهُمْ : أَغْوَيْت فُلَانًا , بِمَعْنَى أَهْلَكْته , وَغَوِيَ الْفَصِيل : إِذَا فَقَدَ اللَّبَن فَمَاتَ . وَذُكِرَ أَنَّ قَوْل اللَّه : { فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا } 19 59 أَيْ هَلَاكًا .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى‏: { ‏قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا‏} ‏ أي خاصمتنا فأكثرت خصومتنا وبالغت فيها‏.‏ والجدل في كلام العرب المبالغة في الخصومة؛ مشتق من الجدل وهو شدة الفتل؛ ويقال للصقر أيضا أجدل لشدته في الطير؛ وقد مضى هذا المعنى في { ‏الأنعام‏} ‏ بأشبع من هذا‏.‏ وقرأ ابن عباس { ‏فأكثرت جدلنا‏} ‏ ذكره النحاس‏.‏ والجدل في الدين محمود؛ ولهذا جادل نوح والأنبياء قومهم حتى يظهر الحق، فمن قبله أنجح وأفلح، ومن رده خاب وخسر‏.‏ وأما الجدال لغير الحق حتى يظهر الباطل في صورة الحق فمذموم، وصاحبه في الدارين ملوم‏.‏ { ‏فأتنا بما تعدنا‏} ‏ أي من العذاب‏.‏ ‏ { ‏إن كنت من الصادقين‏} ‏ في قولك‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏قال إنما يأتيكم به الله إن شاء‏} ‏ أي إن أراد إهلاككم عذبكم‏.‏ ‏ { ‏وما أنتم بمعجزين‏} ‏ أي بفائتين‏.‏ وقيل‏:‏ بغالبين بكثرتكم، لأنهم أعجبوا بذلك؛ كانوا ملؤوا الأرض سهلا وجبلا على ما يأتي‏.‏ قوله تعالى‏: { ‏ولا ينفعكم نصحي‏} ‏ أي إبلاغي واجتهادي في إيمانكم‏.‏ { ‏إن أردت أن أنصح لكم‏} ‏ أي لأنكم لا تقبلون نصحا؛ وقد تقدم في { ‏براءة‏} ‏ معنى النصح لغة‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏إن كان الله يريد أن يغويكم‏} ‏ أي يضلكم‏.‏ وهذا مما يدل على بطلان مذهب المعتزلة والقدرية ومن وافقهما؛ إذ زعموا أن الله تعالى لا يريد أن يعصي العاصي، ولا يكفر الكافر، ولا يغوي الغاوي؛ وأنه يفعل ذلك، والله لا يريد ذلك؛ فرد الله عليهم بقوله‏ { ‏إن كان الله يريد أن يغويكم‏} ‏‏.‏ وقد مضى هذا المعنى في ‏ { ‏الفاتحة‏} ‏ وغيرها‏.‏ وقد أكذبوا شيخهم اللعين إبليس على ما بيناه في ‏ { ‏الأعراف‏} ‏ في إغواء الله تعالى إياه حيث قال ‏ { ‏فبما أغويتني‏} [‏الأعراف‏:‏ 16‏]‏ ولا محيص لهم عن قول نوح عليه السلام‏ { ‏إن كان الله يريد أن يغويكم‏} ‏ فأضاف إغواءهم إلى الله سبحانه وتعالى؛ إذ هو الهادي والمضل؛ سبحانه عما يقول الجاحدون والظالمون علوا كبيرا‏.‏ وقيل‏ { ‏أن يغويكم‏} ‏ يهلككم؛ لأن الإضلال يفضي إلى الهلاك‏.‏ الطبري‏ { ‏يغويكم‏} ‏ يهلككم بعذابه؛ حكي عن طيء أصبح فلان غاويا أي مريضا، وأغويته أهلكته؛ ومنه { ‏فسوف يلقون غيا‏} ‏‏.‏ ‏[‏مريم‏:‏ 59‏]‏‏.‏ ‏} ‏هو ربكم‏} ‏ فإليه الإغواء، وإليه الهداية‏.‏ { ‏وإليه ترجعون‏} ‏ تهديد ووعيد‏.‏ قوله تعالى ‏ { ‏أم يقولون افتراه‏} ‏ يعنون النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ افترى افتعل؛ أي اختلق القرآن من قبل نفسه، وما أخبر به عن نوح وقومه؛ قال مقاتل‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ ‏(‏هو من محاورة نوح لقومه‏)‏ وهو أظهر؛ لأنه ليس قبله ولا بعده إلا ذكر نوح وقومه؛ فالخطاب منهم ولهم‏.‏ { ‏قل إن افتريته‏} ‏ أي اختلقته وافتعلته، يعني الوحي والرسالة‏.‏ { ‏فعلي إجرامي‏} ‏ أي عقاب إجرامي، وإن كنت محقا فيما أقوله فعليكم عقاب تكذيبي‏.‏ والإجرام مصدر أجرم؛ وهو اقتراف السيئة‏.‏ وقيل المعنى‏:‏ أي جزاء جرمي وكسبي‏.‏ وجرم وأجرم بمعنى؛ عن النحاس وغيره‏.‏ قال‏:‏ طريد عشيرة ورهين جرم ** بما جرمت يدي وجنى لساني ومن قرأ ‏ { ‏أجرامي‏} ‏ بفتح الهمزة ذهب إلى أنه جمع جرم؛ وذكره النحاس أيضا‏.‏ { ‏وأنا بريء مما تجرمون‏} ‏ أي من الكفر والتكذيب‏.‏

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة هود الايات 31 - 35

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

والمعنى هنا: إن كان الله سبحانه يريد أن يغويكم فلن تنتفعوا بالنصيحة إن أردت أن أنصحكم؛ لأن الآية بها تعدُّد الشرطين.

ومثال ذلك من حياتنا: حين يطرد ناظر المدرسة طالباً، عقاباً له على خطأ معين، فالطالب قد يستعطف الناظر، فيقول الناظر: " إن جئتني غداً أقبل اعتذارك إنْ كان معك والدك ".

وقول الناظر: " إن كان معك والدك " هو شرط متأخِّر، ولكنه كان يجب أن يتقدَّم.

وفي الآية الكريمة ـ التي نحن بصددها ـ جاء الشرط الأول متأخِّراً، ولكن هل يغوي الله سبحانه عِبادَه؟

لا، إنه سبحانه يهديهم، والغواية هي الضلال والبعد عن الطريق المستقيم.

والحق سبحانه يقول عن محمد صلى الله عليه وسلم:


{  مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ }
[النجم: 2].

وقال سبحانه عن آدم عليه السلام حين أكل من الشجرة:


{  وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ }
[طه: 121].

ونحن يجب ألاَّ نقع في الآفة التي يخطىء البعض بها، حين يستقبلون ألفاظ العقائد على أساس ما اشتهر به اللفظ من معنى؛ فالألفاظ لها معانٍ متعددة.

لذلك لا بد أن نعرض كل معاني اللفظ لنأخذ اللفظ المناسب للسِّياق.

ومثال ذلك هو قول الحق سبحانه:


{  فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلاَةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً }
[مريم: 59].

وقوله سبحانه هنا: { فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً }.

أي: سوف يلقون عذاباً، لأن غَيَّهم كان سبباً في تعذيبهم، فسمَّى العذاب باسم مُسبِّبه.

ومثل قول الحق سبحانه:


{  وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا }
[الشورى: 40].

والحق سبحانه لا يُسيء لعباده ، ولكنهم هم الذين يُسيئون لأنفسهم، فسمَّى ما يلقاهم من العذاب سيئةً.

وكذلك " الغَيُّ " يرد بمعنى " الإغواء " ، ويرد بمعنى الأثر الذي يترتب عن الغي من العذاب.

وقد عرض الحق سبحانه وتعالى في كتابه صوراً متعددة للإغواء، فآدم عليه السلام حين تَنكَّبَ عن الطريق، وأكل من الشجرة المحرَّمة رغم تحذير الحق سبحانه له ألاّ يقربها، قال الحق سبحانه وتعالى في هذا الموقف:


{  وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ }
[طه: 121].

وقد فعل آدم عليه السلام ذلك بحكم طبيعته البشرية، فأراد الله تعالى أن يعلمه أنه إذا خالف المنهج في " افعل " و " لا تفعل " ستظهر عورته وتبدو له سوءاته.

وهكذا أخذ آدم عليه السلام التجربة ليكون مُستعِداً لاستقبال المنهج والوَحْي.

وقد ذكر لنا الحق سبحانه كلمات الشيطان بقوله:


{  قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ }
[الحجر: 39].

ولكن هل أغوى الله ـ سبحانه ـ الشيطان؟

إن الحق سبحانه لا يُغْوِي، ولكنه يترك الخيار للمكلَّف إن شاء أطاع، وإن شاء عَصَى.

ولو أنه سبحانه وتعالى جعلنا مؤمنين لما كان لنا اختيار، فإن أطاع الإنسان نال عطاء الله، وإن ضَلَّ، فقد جعل الله له الاختيار، ووَجَّهه لغير المراد مع صلاحيته للمراد.

إذن: فالاختيار ليس مقصوراً على الإغواء بل فيه الهداية أيضاً، والإنسان قادر على أن يهتدي، وقادر على أن يضلَّ.

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ }


www.alro7.net