سورة
اية:

وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عن الإنسان، وما هو مجبول عليه من الأخلاق الدنيئة { إن الإنسان خلق هلوعاً} ، ثم فسره بقوله: { إذا مسه الشر جزوعاً} أي إذا مسه الضر فزع وجزع، وانخلع قلبه من شدة الرعب، أيس أن يحصل له بعد ذلك خير { وإذا مسه الخير منوعاً} أي إذا حصلت له نعمة من اللّه بخل بها على غيره، ومنع حق اللّه تعالى فيها. وفي الحديث: { شر ما في الرجُل: شح هالع وجُبن خالع) ""رواه أبو داود"". ثم قال تعالى: { إلا المصلين} أي إلا من عصمه اللّه ووفقه وهداه إلى الخير، ويسر له أسبابه وهم المصلون { الذين هم على صلاتهم دائمون} قيل: معناه يحافظون على أوقاتها وواجباتها، قاله ابن مسعود، وقيل: المراد بالدوام ههنا السكون والخشوع كقوله تعالى: { قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون} قاله عقبة بن عامر، ومنه الماء الدائم وهو الساكن الراكد؛ وهذا يدل على وجوب الطمأنينة في الصلاة؛ فإن الذي لا يطمئن في ركوعه وسجوده لم يسكن فيها ولم يدم، بل ينقرها نقر الغراب، فلا يفلح في صلاته؛ وقيل: المراد بذلك الذين إذا عملوا عملاً داوموا عليه، وأثبتوه كما جاء في الصحيح عن عائشة رضي اللّه عنها عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (أحب الأعمال إلى اللّه أدومها وإن قلّ)، قالت: وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا عمل عملاً داوم عليه، وقوله تعالى: { والذين في أموالهم حق معلوم . للسائل والمحروم} أي في أموالهم نصيب مقرر لذوي الحاجات، { والذين يصدقون بيوم الدين} أي يوقنون بالمعاد والحساب والجزاء، فهم يعملون عمل من يرجو الثواب ويخاف العقاب، ولهذا قال تعالى: { والذين هم من عذاب ربهم مشفقون} أي خائفون وجلون، { إن عذاب ربهم غير مأمون} أي لا يأمنه أحد إلا بأمان من اللّه تبارك وتعالى، وقوله تعالى: { والذين هم لفروجهم حافظون} أي يكفونها عن الحرام، ويمنعونها أن توضع في غير ما أذن اللّه فيه، ولهذا قال تعالى: { إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم} أي من الإماء، { فإنهم غير ملومين . فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} وقد تقدم تفسير هذا بما أغنى عن إعادته ههنا تقدم تفسيره في أول سورة { قد أفلح المؤمنون} ، وقوله تعالى: { والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون} أي إذا اؤتمنوا لم يخونوا، وإذا عاهدوا لم يغدروا، { والذين هم بشهاداتهم قائمون} أي محافظون عليها لا يزيدون فيها، ولا ينقصون منها ولا يكتمونها { ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} ، ثم قال تعالى: { والذين هم على صلاتهم يحافظون} أي على مواقيتها وأركانها وواجباتها ومستحباتها، فافتتح الكلام بذكر الصلاة، واختتمه بذكرها، فدل على الاعتناء بها والتنويه بشرفها، { أولئك في جنات مكرمون} أي مكرمون بأنواع الملاذ والمسار.

تفسير الجلالين

{ والذين هم بشهادتهم } وفي قراءة بالجمع { قائمون } يقيمونها ولا يكتمونها.

تفسير الطبري

يَقُول : وَالَّذِينَ لَا يَكْتُمُونَ مَا اسْتُشْهِدُوا عَلَيْهِ , وَلَكِنَّهُمْ يَقُومُونَ بِأَدَائِهَا , حَيْثُ يَلْزَمهُمْ أَدَاؤُهَا غَيْر مُغَيَّرَة وَلَا مُبَدَّلَة.يَقُول : وَالَّذِينَ لَا يَكْتُمُونَ مَا اسْتُشْهِدُوا عَلَيْهِ , وَلَكِنَّهُمْ يَقُومُونَ بِأَدَائِهَا , حَيْثُ يَلْزَمهُمْ أَدَاؤُهَا غَيْر مُغَيَّرَة وَلَا مُبَدَّلَة.'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { إلا المصلين} دل على أن ما قبله في الكفار؛ فالإنسان اسم جنس بدليل الاستثناء الذي يعقبه كقوله تعالى { إن الإنسان لفي خسر. إلا الذين آمنوا} [العصر : 3]. النخعي : المراد بالمصلين الذي يؤدون الصلاة المكتوبة. ابن مسعود : الذين يصلونها لوقتها، فأما تركها فكفر. وقيل : هم الصحابة. وقيل : هم المؤمنون عامة، فإنهم يغلبون فرط الجزع بثقتهم بربهم ويقينهم. { الذين هم على صلاتهم دائمون} أي على مواقيتها. وقال عقبة بن عامر : هم الذين إذا صلوا لم يلتفتوا يمينا ولا شمالا. والدائم الساكن، ومنه : نهي عن البول في الماء الدائم، أي الساكن. وقال ابن جريج والحسن : هم الذين يكثرون فعل التطوع منها. { والذين في أموالهم حق معلوم} يريد الزكاة المفروضة، قاله قتادة وابن سيرين. وقال مجاهد : سوى الزكاة. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : صلة رحم وحمل كل. والأول أصح؛ لأنه وصف الحق بأنه معلوم، وسوى الزكاة ليس بمعلوم، إنما هو على قدر الحاجة، وذلك يقل ويكثر. { للسائل والمحروم} تقدم في [الذاريات ]. { والذين يصدقون بيوم الدين} أي بيوم الجزاء وهو يوم القيامة. وقد مضى في سورة [الفاتحة ] القول فيه. { والذين هم من عذاب ربهم مشفقون} أي خائفون. { إن عذاب ربهم غير مأمون} قال ابن عباس : لمن أشرك أو كذب أنبياءه. وقيل : لا يأمنه أحد، بل الواجب على كل أحد أن يخافه ويشفق منه. قوله تعالى‏ { ‏والذين هم لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون‏} ‏ تقدم القول فيه‏.‏ ‏ { ‏والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون‏} ‏ تقدم‏.‏ ‏ { ‏والذين هم بشهاداتهم قائمون‏} ‏ على من كانت عليه من قريب أو بعيد، يقومون بها عند الحاكم ولا يكتمونها ولا يغيرونها‏.‏ وقد مضى القول في الشهادة وأحكامها في سورة [ البقرة ]‏.‏ وقال ابن عباس‏ { ‏بشهاداتهم‏} ‏ أن الله واحد لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله‏.‏ وقرئ ‏ { ‏لأمانتهم‏} ‏ على التوحيد‏.‏ وهي قراءة ابن كثير وابن محيصن‏.‏ فالأمانة اسم جنس، فيدخل فيها أمانات الدين، فإن الشرائع أمانات ائتمن الله عليها عباده‏.‏ ويدخل فيها أمانات الناس من الودائع؛ وقد مضى هذا كله مستوفى في سورة [النساء ]‏.‏ وقرأ عباس الدوري عن أبي عمرو ويعقوب ‏ { ‏بشهاداتهم‏} ‏ جمعا‏.‏ الباقون ‏ { ‏بشهادتهم‏} ‏ على التوحيد، لأنها تؤدي عن الجمع‏.‏ والمصدر قد يفرد وإن أضيف إلى جمع، كقوله تعالى‏ { ‏إن أنكر الأصوات لصوت الحمير‏} ‏‏.‏ ‏[‏لقمان‏:‏ 19‏]‏ وقال الفراء‏:‏ ويدل على أنها ‏ { ‏بشهادتهم‏} ‏ توحيدا قوله تعالى‏ { ‏وأقيموا الشهادة لله‏} [‏الطلاق‏:‏ 2‏]‏‏قوله تعالى‏ { ‏والذين هم على صلاتهم يحافظون‏} ‏ قال قتادة‏:‏ على وضوئها وركوعها وسجودها‏.‏ وقال ابن جريج‏:‏ التطوع‏.‏ وقد مضى في سورة [المؤمنون ]‏.‏ فالدوام خلاف المحافظة‏.‏ فدوامهم عليها أن يحافظوا على أدائها لا يخلون بها ولا يشتغلون عنها بشيء من الشواغل، ومحافظتهم عليها أن يراعوا إسباغ الوضوء لها ومواقيتها، ويقيموا أركانها، ويكملوها بسننها وآدابها، ويحفظوها من الإحباط باقتراب المأثم‏.‏ فالدوام يرجع إلى نفس الصلوات والمحافظة إلى أحوالها‏.‏ ‏ { ‏أولئك في جنات مكرمون‏} ‏ أي أكرمهم الله فيها بأنواع الكرامات‏.


www.alro7.net