سورة
اية:

كَذَٰلِكَ الْعَذَابُ ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ

تفسير بن كثير

هذا مثل ضربه اللّه تعالى لكفّار قريش،فيما أهدى إليهم من الرحمة العظيمة، وهو بعثة محمد صلى اللّه عليه وسلم إليهم، فقابلوه بالتكذيب والرد والمحاربة، ولهذا قال تعالى: { إنا بلوناهم} أي اختبرناهم { كما بلونا أصحاب الجنة} وهي البستان المشتمل على أنواع الثمار والفواكه، { إذ أقسموا ليصرمنَّها مصبحين} أي حلفوا ليجذن ثمرها ليلاً، لئلا يعلم بهم فقير ولا سائل، ولا يتصدقوا منه بشيء، { ولا يستثنون} أي فيما حلفوا به، { فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون} أي أصابتها آفة سماوية، { فأصبحت كالصريم} قال ابن عباس: أي كالليل الأسود، وقال السدي: مثل الزرع إذا حصد أي هشيماً يبساً، عن ابن مسعود قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (إياكم والمعاصي، إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به رزقاً قد كان هيء له) ثم تلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: { فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون فأصبحت كالصريم} ""أخرجه ابن أبي حاتم"". قد حرموا خير جنتهم بذنبهم، { فتنادوا مصبحين} أي وقت الصبح نادى بعضهم بعضاً ليذهبوا إلى الجذاذ أي القطع، { أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين} أي تريدون الصرام، قال مجاهد: كان حرثهم عنباً، { فانطلقوا وهم يتخافتون} أي يتناجون فيما بينهم، بحيث لا يُسْمِعُون أحداً كلامهم، ثم فسر عالم السر والنجوى ما كانوا يتخافتون به، فقال تعالى: { فانطلقوا وهم يتخافتون أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين} أي يقول بعضهم لبعض لا تمكنوا اليوم فقيراً يدخلها عليكم، قال تعالى: { وغدوا على حرد} أي قوة وشدة، وقال مجاهد: على جد، وقال عكرمة: على غيظ، { قادرين} أي عليها فيما يزعمون ويرومون، { فلما رأوها قالوا إنا لضالون} أي فلما وصلوا إليها وأشرفوا عليها، وهي على الحالة التي قال اللّه عزَّ وجلَّ، قد استحالت عن تلك النضارة والزهوة وكثرة الثمار، إلى أن صارت سوداء مدلهمة لا ينتفع بشيء منها، فاعتقدوا أنهم قد أخطؤوا الطريق، ولهذا قالوا: { إنا لضالون} أي قد سلكنا إليها غير الطريق فتهنا عنها، ثم تيقنوا أنها هي فقالوا { بل نحن محرومون} أي بل هي هذه، ولكن نحن لا حظ لنا ولا نصيب. وقال تعالى: { قال أوسطهم} ، أي أعدلهم وخيرهم قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة { ألم أقل لكم لولا تسبحون} ! قال مجاهد والسدي: أي لولا تستثنون، وكان استثناؤهم في ذلك الزمان تسبيحاً، وقال ابن جرير: هو قول القائل إن شاء اللّه""، وقيل: { لولا تسبحون} أي هلا تسبحون اللّه وتشكرونه على ما أعطاكم وأنعم به عليكم { وقالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين} أتوا بالطاعة حيث لا تنفع، وندموا واعترفوا حيث لا ينجع، ولهذا قالوا: { إنا كنا ظالمين . فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون} أي يلوم بعضهم بعضاً، على ما كانوا أصروا عليه من منع المساكين، فما كان جواب بعضهم لبعض إلا الاعتراف بالخطيئة والذنب، { قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين} أي اعتدينا وبغينا وجاوزنا الحد حتى أصابنا ما أصابنا { عسى ربنا أن يبدلنا خيراً منها إنا إلى ربنا راغبون} قيل: راغبون في بذلها لهم في الدنيا، وقيل: احتسبوا ثوابها في الدار الأخرة، واللّه أعلم. ذكر بعض السلف أن هؤلاء قد كانوا من أهل اليمن، وقيل: كانوا من أهل الحبشة وكان أبوهم قد خلف لهم هذه الجنة، وكان يسير فيها سيرة حسنة، فكان ما يستغل منها يرد فيها ما تحتاج إليه، ويدخر لعياله قوت سنتهم، ويتصدق بالفاضل، فلما مات وورثه بنوه قالوا: لقد كان أبونا أحمق، إذ كان يصرف من هذه شيئاً للفقراء، ولو أنا منعناهم لتوفر ذلك علينا، فلما عزموا على ذلك عوقبوا بنقيض قصدهم، فأذهب اللّه ما بأيديهم بالكلية رأس المال والربح والصدقة فلم يبق لهم شيء، قال اللّه تعالى { كذلك العذاب} أي هكذا عذاب من خالف أمر اللّه، وبخل بما آتاه اللّه وأنعم به عليه، ومنع حق المسكين والفقير، وبدّل نعمة اللّه كفراً، { ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون} أي هذه عقوبة الدنيا وعذاب الآخرة أشق.

تفسير الجلالين

{ كذلك } أي مثل العذاب لهؤلاء { العذاب } لمن خالف أمرنا من كفار مكة وغيرهم { ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون } عذابها ما خالفوا أمرنا، ونزل لما قالوا إن بعثنا نعطى أفضل منكم:

تفسير الطبري

قَوْله تَعَالَى ذِكْره { كَذَلِكَ الْعَذَاب } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : كَفِعْلِنَا بِجَنَّةِ أَصْحَاب الْجَنَّة , إِذْ أَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ بِالَّذِي أَرْسَلْنَا عَلَيْهَا مِنَ الْبَلَاء وَالْآفَة الْمُفْسِدَة , فَعَلْنَا بِمَنْ خَالَفَ أَمْرنَا وَكَفَرَ بِرُسُلِنَا فِي عَاجِل الدُّنْيَا , { وَلَعَذَاب الْآخِرَة أَكْبَر } يَعْنِي عُقُوبَة الْآخِرَة بِمَنْ عَصَى رَبّه وَكَفَرَ بِهِ , أَكْبَر يَوْم الْقِيَامَة مِنْ عُقُوبَة الدُّنْيَا وَعَذَابهَا. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 26868 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { كَذَلِكَ الْعَذَاب وَلَعَذَاب الْآخِرَة أَكْبَر لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } يَعْنِي بِذَلِكَ عَذَاب الدُّنْيَا . 26869 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : اللَّه : { كَذَلِكَ الْعَذَاب } : أَيْ عُقُوبَة الدُّنْيَا { وَلَعَذَاب الْآخِرَة أَكْبَر لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } . 26870 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { كَذَلِكَ الْعَذَاب } قَالَ : عَذَاب الدُّنْيَا : هَلَاك أَمْوَالهمْ : أَيْ عُقُوبَة الدُّنْيَا . قَوْله تَعَالَى ذِكْره { كَذَلِكَ الْعَذَاب } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : كَفِعْلِنَا بِجَنَّةِ أَصْحَاب الْجَنَّة , إِذْ أَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ بِالَّذِي أَرْسَلْنَا عَلَيْهَا مِنَ الْبَلَاء وَالْآفَة الْمُفْسِدَة , فَعَلْنَا بِمَنْ خَالَفَ أَمْرنَا وَكَفَرَ بِرُسُلِنَا فِي عَاجِل الدُّنْيَا , { وَلَعَذَاب الْآخِرَة أَكْبَر } يَعْنِي عُقُوبَة الْآخِرَة بِمَنْ عَصَى رَبّه وَكَفَرَ بِهِ , أَكْبَر يَوْم الْقِيَامَة مِنْ عُقُوبَة الدُّنْيَا وَعَذَابهَا. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 26868 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { كَذَلِكَ الْعَذَاب وَلَعَذَاب الْآخِرَة أَكْبَر لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } يَعْنِي بِذَلِكَ عَذَاب الدُّنْيَا . 26869 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : اللَّه : { كَذَلِكَ الْعَذَاب } : أَيْ عُقُوبَة الدُّنْيَا { وَلَعَذَاب الْآخِرَة أَكْبَر لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } . 26870 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { كَذَلِكَ الْعَذَاب } قَالَ : عَذَاب الدُّنْيَا : هَلَاك أَمْوَالهمْ : أَيْ عُقُوبَة الدُّنْيَا . ' وَقَوْله : { لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } يَقُول : لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ يَعْلَمُونَ أَنَّ عُقُوبَة اللَّه لِأَهْلِ الشِّرْك بِهِ أَكْبَر مِنْ عُقُوبَته لَهُمْ فِي الدُّنْيَا , لَارْتَدَعُوا وَتَابُوا وَأَنَابُوا , وَلَكِنَّهُمْ بِذَلِكَ جُهَّال لَا يَعْلَمُونَ.وَقَوْله : { لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } يَقُول : لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ يَعْلَمُونَ أَنَّ عُقُوبَة اللَّه لِأَهْلِ الشِّرْك بِهِ أَكْبَر مِنْ عُقُوبَته لَهُمْ فِي الدُّنْيَا , لَارْتَدَعُوا وَتَابُوا وَأَنَابُوا , وَلَكِنَّهُمْ بِذَلِكَ جُهَّال لَا يَعْلَمُونَ.'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { كذلك العذاب} أي عذاب الدنيا وهلاك الأموال؛ عن ابن زيد. وقيل : إن هذا وعظ لأهل مكة بالرجوع إلى الله لما ابتلاهم بالجدب لدعاء النبي صلى الله عليه وسلم، أي كفعلنا بهم نفعل بمن تعدى حدودنا في الدنيا { ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون} وقال ابن عباس : هذا مثل لأهل مكة حين خرجوا إلى بدر وحلفوا ليقتلن محمدا صلي الله عليه وسلم وأصحابه، وليرجعن إلى مكة حتى يطوفوا بالبيت ويشربوا الخمر، وتضرب القينات على رءوسهم؛ فأخلف الله ظنهم وأسروا وقتلوا وانهزموا كأهل هذه الجنة لما خرجوا عازمين على الصرام فخابوا. ثم قيل : إن الحق الذي منعه أهل الجنة المساكين يحتمل أنه كان واجبا عليهم، ويحتمل أنه كان تطوعا؛ والأول أظهر، والله أعلم. وقيل : السورة مكية؛ فبعد حمل الآية على ما أصاب أهل مكة من القحط، وعلى قتال بدر.


www.alro7.net