سورة
اية:

رُدُّوهَا عَلَيَّ ۖ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً أنه وهب لداود سليمان أي نبياً، كما قال عزَّ وجلَّ: { وورث سليمان داود} أي في النبوة، وإلا فقد كان له بنون غيره، فإنه قد كان عنده مائة امرأة حرائر، وقوله تعالى: { نعم العبد إنه أواب} ثناء على سليمان بأنه كثير الطاعة والعبادة والإنابة إلى اللّه عزَّ وجلَّ، وقوله تعالى: { إذ عرض عليه بالعشيّ الصافنات الجياد} أي إذ عرض على سليمان عليه الصلاة والسلام في حال مملكته وسلطانه الخيل الصافنات، قال مجاهد: وهي التي تقف على ثلاث وطرف حافر الرابعة، والجياد السراع وكذلك قال غير واحد من السلف، وعن إبراهيم التيمي قال: كانت الخيل التي شغلت سليمان عليه الصلاة والسلام عشرين ألف فرس فعقرها، وعن عائشة رضي اللّه عنها قالت: قدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من غزوة تبوك أو خيبر وفي سهوتها ستر، فهبت الريح، فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة رضي اللّه عنها لعب، فقال صلى اللّه عليه وسلم: (ما هذا يا عائشة؟) قالت رضي اللّه عنها: بناتي، ورأى بينهن فرساً له جناحان من رقاع، فقال صلى اللّه عليه وسلم: ما هذا الذي أرى أوسطهن؟ قال رضي اللّه عنها: فرس، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: فرس له جناحان قالت رضي اللّه عنها: ! أما سمعت أن سليمان عليه الصلاة والسلام كانت له خيل لها أجنحة؟ قالت رضي اللّه عنها: فضحك صلى اللّه عليه وسلم حتى رأيت نواجذه" "أخرجه أبو داود في السنن من حديث عائشة رضي اللّه عنها". وقوله تبارك وتعالى: { فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب} ذكر غير واحد من السلف والمفسرين: أنه اشتغل بعرضها حتى فات وقت صلاة العصر، والذي يقطع به أنه لم يتركها عمداً، بل نسياناً، كما شغل النبي صلى اللّه عليه وسلم يوم الخندق عن صلاة العصر، حتى صلاها بعد الغروب؛ وذلك ثابت في الصحيحين عن جابر رضي اللّه عنه قال: جاء عمر رضي اللّه عنه يوم الخندق بعد ما غربت الشمس، فجعل يسب كفار قريش، ويقول: يا رسول اللّه، واللّه ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: واللّه ما صليتها، فقال: فقمنا إلى بطحان فتوضأ نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم للصلاة وتوضأنا لها، فصلى العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب، ويحتمل أنه كان سائغاً في ملتهم تأخير الصلاة لعذر الغزو والقتال، والأول أقرب، لأنه قال بعده: { ردوها عليَّ فطفق مسحاً بالسوق والأعناق} قال الحسن البصري: لا واللّه لا تشغليني عن عبادة ربي آخر ما عليك، ثم أمر بها فعقرت، وقال السدي: ضرب أعناقها وعراقيبها بالسيوف وروي عن ابن عباس أنه قال: جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها بيده حباً لها، والأظهر قول الحسن والسدي ، ولهذا عوضه اللّه عزَّ وجلَّ ما هو خير منها، وهو الريح التي تجري بأمره رخاء حيث أصاب، غدوها شهر ورواحها شهر، فهذا أسرع وخير من الخيل.

تفسير الجلالين

{ ردُّوها عليَّ } أي الخيل المعروضة فردوها { فطفق مسحا } بالسيف { بالسوق } جمع ساق { والأعناق } أي ذبحها وقطع أرجلها تقربا إلى الله تعالى حيث اشتغل بها عن الصلاة بلحمها فعوضه الله خيرا منها وأسرع، وهي الريح تجري بأمره كيف شاء .

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب} لما ذكر داود ذكر سليمان و { أواب} معناه مطيع. { إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد} يعني الخيل جمع جواد للفرس إذا كان شديد الحضر؛ كما يقال للإنسان جواد إذا كان كثير العطية غزيرها؛ يقال : قوم أجواد وخيل جياد، جاد الرجل بماله يجود جودا فهو جواد، وقوم جود مثال قذال وقذل، وإنما سكنت الواو لأنها حرف علة، وأجواد وأجاود وجوداء، وكذك امرأة جواد ونسوة جود مثل نوار ونور، قال الشاعر : صناع بإشفاها حصان بشكرها ** جواد بقوت البطن والعرق زاخر وتقول : سرنا عقبة جوادا، وعقبتين جوادين، وعقبا جيادا. وجاد الفرس أي صار رائعا يجود جودة بالضم فهو جواد للذكر والأنثى، من خيل جياد وأجياد وأجاويد. وقيل : إنها الطوال الأعناق مأخوذ من الجيد وهو العنق؛ لأن طول الأعناق في الخيل من صفات فراهتها. وفي الصافنات أيضا وجهان : أحدهما أن صفونها قيامها. قال القتبي والفراء : الصافن في كلام العرب الواقف من الخيل أوغيرها. ومنه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (من سره أن يقوم له الرجال صفونا فليتبوأ مقعده من النار) أي يديمون له القيام؛ حكاه قطرب أيضا وأنشد قول النابغة : لنا قبة مضروبة بفنائها ** عتاق المهارى والجياد الصوافن وهذا قول قتادة. الثاني أن صفونها رفع إحدى اليدين على طرف الحافر حتى يقوم على ثلاث كما قال الشاعر : ألف الصفون فما يزال كأنه ** مما يقوم على الثلاث كسيرا وقال عمرو بن كلثوم : تركنا الخيل عاكفة عليه ** مقلدة أعنتها صفونا وهذا قول مجاهد. قال الكلبي : غزا سليمان أهل دمشق ونصيبين فأصاب منهم ألف فرس. وقال مقاتل : ورث سليمان من أبيه داود ألف فرس، وكان أبوه أصابها من العمالقة. وقال الحسن : بلغني أنها كانت خيلا خرجت من البحر لها أجنحة. وقاله الضحاك. وأنها كانت خيلا أخرجت لسليمان من البحر منقوشة ذات أجنحة. ابن زيد : أخرج الشيطان لسليمان الخيل من البحر من مروج البحر، وكانت لها أجنحة. وكذلك قال علي رضي الله عنه : كانت عشرين فرسا ذوات أجنحة. وقيل : كانت مائة فرس. وفي الخبر عن إبراهيم التيمي : أنها كانت عشرين ألفا، فالله أعلم. فقال: { إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي} يعني بالخير الخيل، والعرب تسميها كذلك، وتعاقب بين الراء واللام؛ فتقول : انهملت العين وانهمرت، وختلت وخترت إذا خدعت. قال الفراء : الخير في كلام العرب والخيل واحد. النحاس : في الحديث : (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة) فكأنها سميت خيرا لهذا. وفي الحديث : لما وفد زيد الخيل على النبي صلى الله عليه وسلم، قال له : (أنت زيد الخير) وهو زيد بن مهلهل الشاعر. وقيل : إنما سميت خيرا لما فيها من المنافع. وفي الخبر : إن الله تعالى عرض على آدم جميع الدواب، وقيل له : اختر منها واحدا فاختار الفرس؛ فقيل له : اخترت عزك؛ فصار اسمه الخير من هذا الوجه. وسمي خيلا؛ لأنها موسومة بالعز. وسمي فرسا لأنه يفترس مسافات الجو افتراس الأسد وثبانا، ويقطعها كالالتهام بيديه على كل شيء خبطا وتناولا. وسمي عربيا لأنه جيء به من بعد آدم لإسماعيل جزاء عن رفع قواعد البيت، وإسماعيل عربي فصارت له نحلة من الله؛ فسمى عربيا. و { حب} مفعول في قول الفراء. والمعنى إني آثرت حب الخير. وغيره يقدره مصدرا أضيف إلى المفعول؛ أي أحببت الخير حبا فألهاني عن ذكر ربي. وقيل : إن معنى { أحببت} قعدت وتأخرت من قولهم : أحب البعير إذا برك وتأخر. وأحب فلان أي طأطأ رأسه. قال أبو زيد : يقال : بعير محب، وقد أحب إحبابا وهو أن يصيبه مرض أو كسر فلا يبرح مكانه حتى يبرأ أو يموت. وقال ثعلب : يقال أيضا للبعير الحسير محب؛ فالمعنى قعدت عن ذكر ربي. و { حب} على هذا مفعول له. وذكر أبو الفتح الهمداني في كتاب التبيان : أحببت بمعنى لزمت؛ من قوله : مثل بعير السوء إذ أحبا قوله تعالى: { حتى توارت بالحجاب} يعني الشمس كناية عن غير مذكور؛ مثل قوله تعالى: { ما ترك على ظهرها من دابة} [فاطر : 45] أي على ظهر الأرض؛ وتقول العرب : هاجت باردة أي هاجت الريح باردة. وقال الله تعالى: { فلولا إذا بلغت الحلقوم} [الواقعة : 83] أي بلغت النفس الحلقوم. وقال تعالى: { إنها ترمي بشرر كالقصر} [المرسلات : 32] ولم يتقدم للنار ذكر. وقال الزجاج : إنما يجوز الإضمار إذا جرى ذكر الشيء أو دليل الذكر، وقد جرى ها هنا الدليل وهو قوله: { بالعشي} . والعشي ما بعد الزوال، والتواري الاستتار عن الأبصار، والحجاب جبل أخضر محيط بالخلائق؛ قاله قتادة وكعب. وقيل : هو جبل قاف. وقيل : جبل دون قاف. والحجاب الليل سمي حجابا لأنه يستر ما فيه. وقيل: { حتى توارت} أي الخيل في المسابقة. وذلك أن سليمان كان له ميدان مستدير يسابق فيه بين الخيل، حتى توارت عنه وتغيب عن عينه في المسابقة؛ لأن الشمس لم يجر لها ذكر. وذكر النحاس أن سليمان عليه السلام كان في صلاة فجيء إليه بخيل لتعرض عليه قد غنمت فأشار بيده لأنه كان يصلي حتى توارت الخيل وسترتها جدر الإصطبلات فلما فرغ من صلاته قال: { ردوها علي فطفق مسحا} أي فأقبل يمسحها مسحا. وفي معناه قولان : أحدهما أنه أقبل يمسح سوقها وأعناقها بيده إكراما منه لها، وليرى أن الجليل لا يقبح أن يفعل مثل هذا بخيله. وقال قائل هذا القول : كيف يقتلها؟ وفي ذلك إفساد المال ومعاقبة من لا ذنب له. وقيل : المسح ها هنا هو القطع أذن له في قتلها. قال الحسن والكلبي ومقاتل : صلى سليمان الصلاة الأولى وقعد على كرسيه وهي تعرض عليه، وكانت ألف فرس؛ فعرض عليه منها تسعمائة فتنبه لصلاة العصر، فإذا الشمس قد غربت وفاتت الصلاة، ولم يعلم بذلك هيبة له فاغتم؛ فقال: { ردوها علي} فردت فعقرها بالسيف؛ قربة لله وبقي منها مائة، فما في أيدي الناس من الخيل العتاق اليوم فهي من نسل تلك الخيل. قال القشيري : وقيل : ما كان في ذلك الوقت صلاة الظهر ولا صلاة العصر، بل كانت تلك الصلاة نافلة فشغل عنها. وكان سليمان عليه السلام رجلا مهيبا، فلم يذكره أحد ما نسي من الفرض أو النفل وظنوا التأخر مباحا، فتذكر سليمان تلك الصلاة الفائتة، وقال على سبيل التلهف { إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي} أي عن الصلاة، وأمر برد الأفراس إليه، وأمر بضرب عراقيبها وأعناقها، ولم يكن ذلك معاقبة للأفراس؛ إذ ذبح البهائم جائز إذا كانت مأكولة، بل عاقب نفسه حتى لا تشغله الخيل بعد ذلك عن الصلاة. ولعله عرقبها ليذبحها فحبسها بالعرقبة عن النفار، ثم ذبحها في الحال، ليتصدق بلحمها؛ أو لأن ذلك كان مباحا في شرعه فأتلفها لما شغلته عن ذكر الله، حتى يقطع عن نفسه ما يشغله عن الله، فأثنى الله عليه بهذا، وبين أنه أثابه بأن سخر له الريح، فكان يقطع عليها من المسافة في يوم ما يقطع مثله على الخيل في شهرين غدوا ورواحا. وقد قيل : إن الهاء في قوله: { ردوها علي} للشمس لا للخيل. قال ابن عباس : سألت عليا عن هذه الآية فقال : ما بلغك فيها؟ فقلت سمعت كعبا يقول : إن سليمان لما اشتغل بعرض الأفراس حتى توارت الشمس بالحجاب وفاتته الصلاة، قال: { إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي} أي آثرت { حب الخير عن ذكر ربي} الآية { ردوها علي} يعني الأفراس وكانت أربع عشرة؛ فضرب سوقها وأعناقها بالسيف، وأن الله سلبه ملكه أربعة عشر يوما؛ لأنه ظلم الخيل. فقال علي بن أبي طالب : كذب كعب لكن سليمان اشتغل بعرض الأفراس للجهاد حتى توارت أي غربت الشمس بالحجاب فقال بأمر الله للملائكة الموكلين بالشمس { ردوها} يعني الشمس فردوها حتى صلى العصر في وقتها، وأن أنبياء الله لا يظلمون لأنهم معصومون. قلت : الأكثر في التفسير أن التي توارت بالحجاب هي الشمس، وتركها لدلالة السامع عليها بما ذكر مما يرتبط بها ومتعلق بذكرها، حسب ما تقدم بيانه. وكثيرا ما يضمرون الشمس؛ قال لبيد : حتى إذا ألقت يدا في كافر ** وأجن عورات الثغور ظلامها والهاء في { ردوها} للخيل، ومسحها قال الزهري وابن كيسان : كان يمسح سوقها وأعناقها، ويكشف الغبار عنها حبا لها. وقال الحسن وقتادة وابن عباس. وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم رئي وهو يمسح فرسه بردائه. وقال : (إني عوتبت الليلة في الخيل) خرجه الموطأ عن يحيى بن سعيد مرسلا. وهوفي غير الموطأ مسند متصل عن مالك عن يحيى بن سعيد عن أنس. وقد مضى في { الأنفال} قوله عليه السلام : (وامسحوا بنواصيها وأكفالها) وروى ابن وهب عن مالك أنه مسح أعناقها وسوقها بالسيوف. قلت : وقد استدل الشبلي وغيره من الصوفية في تقطيع ثيابهم وتخريقها بفعل سليمان، هذا. وهو استدلال فاسد؛ لأنه لا يجوز أن ينسب إلى نبي معصوم أنه فعل الفساد. والمفسرون اختلفوا في معنى الآية؛ فمنهم من قال : مسح على أعناقها وسوقها إكراما لها وقال : أنت في سبيل الله؛ فهذا إصلاح. ومنهم من قال : عرقبها ثم ذبحها، وذبح الخيل وأكل لحمها جائز. وقد مضى في { النحل} بيانه. وعلى هذا فما فعل شيئا عليه فيه جناح. فأما إفساد ثوب صحيح لا لغرض صحيح فإنه لا يجوز. ومن الجائز أن يكون في شريعة سليمان جواز ما فعل، ولا يكون في شرعنا. وقد قيل : إنما فعل بالخيل ما فعل بإباحة الله جل وعز له ذلك. وقد قيل : إن مسحه إياها وسمها بالكي وجعلها في سبيل الله؛ فالله أعلم. وقد ضعف هذا القول من حيث إن السوق ليست بمحل للوسم بحال. وقد يقال : الكي على الساق علاط، وعلى العنق وثاق. والذي في الصحاح للجوهري : علط البعير علطا كواه في عنقه بسمة العلاط. والعلاطان جانبا العنق. قلت : ومن قال إن الهاء في { ردوها} ترجع للشمس فذلك من معجزاته. وقد اتفق مثل ذلك لنبينا صلى الله عليه وسلم. خرج الطحاوي في مشكل الحديث عن أسماء بنت عميس من طريقين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوحى إليه ورأسه في حجر علي، فلم يصل العصر حتى غربت الشمس؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أصليت يا علي) قال : لا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك فأردد عليه الشمس) قالت أسماء : فرأيتها غربت ثم رأيتها بعدما غربت طلعت على الجبال والأرض، وذلك بالصهباء في خيبر. قال الطحاوي : وهذان الحديثان ثابتان، ورواتهما ثقات. قلت : وضعف أبو الفرج ابن الجوزي هذا الحديث فقال : وغلو الرافضة في حب علي عليه السلام حملهم على أن وضعوا أحاديث كثيرة في فضائله؛ منها أن الشمس غابت ففاتت عليا عليه السلام العصر فردت له الشمس، وهذا من حيث النقل محال، ومن حيث المعنى فإن الوقت قد فات وعودها طلوع متجدد لا يرد الوقت. ومن قال : أن الهاء ترجع إلى الخيل، وأنها كانت تبعد عن عين سليمان في السباق، ففيه دليل على المسابقة بالخيل وهو أمر مشروع. وقد مضى القول فيه في { يوسف} .

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

من عجائب السياق القرآني في ذكر داود وسليمان أنهما يشتركان في مسألة واحدة، فلو نظرتَ إلى أول آية ذكرت سيدنا داود تجدها في سورة البقرة في قوله تعالى:
{  فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ.. }
[البقرة: 251]

وآخر ذكر له هنا في سورة (ص): { وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ.. } [ص: 30]

كذلك أول ذِكْر لسيدنا سليمان ورد في سورة البقرة في قوله تعالى:
{  وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ.. }
[البقرة: 102]

وآخر ذكر له في سورة (ص) في قوله تعالى:
{  وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ }
[ص: 34]

قوله تعالى: { وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ.. } [ص: 30] الوهْب: عطاءٌ بلا مقابل، فإنْ قُلْتَ: فالإنجاب كله يُعَدُّ بلا مقابل، نعم لكن الخالق سبحانه يهبك ذاتاً، ثم يزيد عليها هبة أخرى هي الصفات التي تتوفر للذات، مثل: الملك والحكمة وغيرها؛ لذلك الذين يطلبون الأشياء على غير مَظانِّها من الأسباب يطلبونها بالهبة، كما في قوله تعالى: { وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ.. } [ص: 35]

وقوله تعالى:
{  فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً }
[مريم: 5-6].

فسيدنا زكريا حين طلب من الله الولد كان شيخاً كبيراً، وكانت امرأته عاقراً، فالأسباب كلها ليست مُواتية وليست صالحة للإنجاب، لذلك طلبها على سبيل الهبة من الله، لا بالقانون والأسباب. وإنْ كانت الأسبابُ في ذاتها هبةً إلا أنها هبة عامة، لكن ما يلحق الذات من الصفات الخاصة تُعَدُّ هبة خاصة.

وقوله تعالى: { نِعْمَ ٱلْعَبْدُ } [ص: 30] نعرف أن نِعْم تُقَالُ للمدح، والمدح هنا بالصفة العقدية، وهي العبودية لله تعالى. وسبق أنْ قلنا: إن كلمة عبد وعبودية كلمة ممقوتة عند الناس ولهم الحق في مَقْتها، لأن العبودية للبشر يأخذ فيها السيدُ خَيْر عبده، لكن العبودية لله تعالى يأخذ العبد من خير سيده، فهذه هي العبودية الحقة التي تُعَدُّ عِزَّاً للعبد ورفعة.

لذلك لما تجلى الحق سبحانه على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بنعمة الإسراء والمعراج، قال:
{  سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ.. }
[الإسراء: 1] فكأن عبوديته لربه هي التي أوصلْته إلى هذه المنزلة.

لذلك - ولله المثل الأعلى - الرجل صاحب الصنعة (أسطى) أو معلم وتحت يده صبيان، يُقرِّب منهم المخلص الذي يُحسن صنعته، ويجيد الخضوع له والطاعة والخدمة، لذلك يختصه بمواهبه، ولا يضِنُّ عليه بخفايا الصَّنْعة ودقائقها، ويعطيه خصوصيات لا يعطيها لغيره.

ومع أنه - عليه السلام - كان مَلِكاً إلا أن ربه مدحه بصفة العبودية { نِعْمَ ٱلْعَبْدُ.. } [ص: 30] ثم بيَّن لنا مَناط المدح بالعبودية، فقال { إِنَّهُ أَوَّابٌ } [ص: 30] يعني: رجَّاع إلى الله إنْ هفت نفسه هفوة أنَّبَ نفسه عليها، ورجع إلى ربه، ويتوب إليه، لذلك يقول تعالى في بيان التوبة:
{  إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ.. }
[النساء: 17].

معنى
{  بِجَهَالَةٍ }
[النساء: 17] يعني: لم يخطط لها ولم يرتب للمعصية، وإذا حدثتْ منه لا يفرح بها ولا يجاهر، بل يحزن ويلوم نفسه
{  فَأُوْلَـٰئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً }
[النساء: 17-18].

وضربنا مثلاً لهذين النوعين بطلاب العلم الذين كانوا يسافرون في بعثات علمية إلى فرنسا، فكان منهم المستقيم الملتزم بمنهج الله، لكن تفاجئه إحدى الفتيات المنحرفات ليلاً، وتعرض نفسها عليه، وتظل تغريه حتى يرتكبَ معها الفاحشة، هذا فعلها بجهالة ودون قَصْد أو تدبير، على خلاف الآخر الذي يسعى إلى الفاحشة ويتتبع عناوين أصحابها، وهذا هو الذي يقصد المعصية ويسعى إليها.

وكلمة { أَوَّابٌ } [ص: 30] يعني: كثير الأَوْبة والرجوع، فهي صيغة مبالغة بمعنى رجَّاع إلى الحق، فهو لم يفرح بالمعصية، وإنما ندم عليها وتدارك خطأه وصوَّب طريقه، بدليل قوله تعالى بعدها: { إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ } [ص: 31]

العشيّ: ما بعد الظهر إلى المغرب، وعرض عليه مثل العرض العسكري الذي يستعرض فيه القائد جنوده وقواته. ومعنى { ٱلصَّافِنَاتُ } [ص: 31] جمع صَافِن، وهو الجَواد العريق الأصيل، وتستطيع أنْ تلاحظ الجواد الأصيلَ من وقفته، فهو لا يقف على أربع، إنما على ثلاث في رشاقة، وكأنه على أُهبة الاستعداد.

ومعنى { ٱلْجِيَادُ } [ص: 31] جمع: جَوَاد وهو القوي السريع، فلما عُرِضَتْ على سيدنا سليمان الصافناتُ الجيادُ من خَيْلِه وقواته، قال { إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ } [ص: 32] قالوا: الخير هنا يُرَاد به الخيل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الخيل مَعْقُود بنواصيها الخيرُ إلى يوم القيامة ".

وقال: " خَيْر ما ربيت فرس تُمسك عَنَانه، حتى تسمع كل صيحة تطير إليها ".

لذلك لما أمرنا ربنا أنْ نستعدَّ لأعداء الدين والمنهج، قال:
{  وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ.. }
[الأنفال: 60] أي: قوة عامة. ثم خَصَّ الخيل، فقال:
{  وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ.. }
[الأنفال: 60]

فلما عُرِضَتْ الخيل على سليمان قال { إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي.. } [ص: 32] يعني: حباً ليس للتباهي والخيلاء، كالذين يُربُّون الخيل للمظهر ودخول السباق وذياع الصيت، إنما أحببتها حباً صادراً عن ذِكْر ربي وذكر منهج ربي، الذي أمر بإعداد الخيل والرباط والقوة التي تستطيع أنْ تفرض منهج الله في الأرض.

{ حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ } [ص: 32] الفاعل هنا مستتر، والفاعل حين يأتي مستتراً لا بد أنْ يكون له مرجع كما تقول: جاءني رجل فأكرمتُه يعني: أكرمتُ الرجل المذكور.وقوله: { تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ } [ص: 32] مشهود في الشمس حين تغيب، فالمعنى حتى توارت الشمس وغابت.

وقالوا: إنه فاتته صلاة العشي لانشغاله باستعراض الخيل، فلما فاتَتْه الصلاة { رُدُّوهَا عَلَيَّ } [ص: 33] أي: الخيل، أرجعوها إليَّ { فَطَفِقَ.. } [ص: 33] شرع { مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ } [ص: 33]

يعني: يمسح على سُوق الخيل وأعناقها دلالةً على إكرامها والاهتمام بها، وخصَّ السُّوق والأعناق من الخيل لأنها أكرمُ ما فيها، فالأعناق بها الأعراف، والسُّوق أداة الحَمْل والجري، والمعنى أنه سُرَّ منها فمسح بيده على السُّوق والأعناق.

بعض المفسرين لهم رأي آخر، قالوا: المسح هنا يُراد به أنه أراد قَتْلها وذبْحها؛ لأنها أَلْهَتْهُ عن الصلاة، وهذا الكلام أقربُ إلى الإسرائيليات؛ لأن الخيل لم تشغله، بل هو الذي شغلها وشغل الدنيا كلها من حوله، فما ذنب الخيل؟

والعجيب أن في الإسرائيليات أشياء كثيرة تقدح في نبوة الأنبياء في بني إسرائيل، وكثيراً ما نراهم يتهمون أنبياءهم بما لا يليق أبداً بالأنبياء، والعلة في ذلك أن الذي يسرف على نفسه وهو تابع لدين يريد أنْ يلتمس فيمن جاءه بهذا الدين شيئاً من النقيصة ليبرر إسرافه هو على نفسه، من هنا اتهموا أنبياءهم وخاضوا في أعراضهم.


www.alro7.net