سورة
اية:

وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا ۖ وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى منبهاً على قدرته التامة وسلطانه العظيم، في خلقه الأشياء وقهره لجميع المخلوقات فقال: { أولم ير الذين كفروا} أي الجاحدون لإلهيته العابدون معه غيره، ألم يعلموا أن اللّه هو المستقل بالخلق المستبد بالتدبير، فكيف يليق أن يعبد معه غيره أو يشرك به ما سواه؟ ألو يروا أن السماوات والأرض { كانتا رتقا} أي كان الجميع متصلاً بعضه ببعض متلاصق متراكم بعضه فوق بعض في ابتداء الأمر، ففتق هذه من هذه فجعل السماوات سبعاً والأرض سبعا، وفصل بين السماء الدنيا والأرض بالهواء، فأمطرت السماء وأنبتت الأرض؛ ولهذا قال: { وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون} أي وهم يشاهدون المخلوقات تحدث شيئاً فشيئاً عياناً، وذلك كله دليل على وجود الصانع الفاعل المختار القادر على ما يشاء: وفي كل شيء له آية * تدل على أنه واحد عن عكرمة قال، سئل ابن عباس: الليل كان قبل أو النهار؟ فقال: أرأيتم السماوت والأرض حين كانتا رتقاً هل كان بينهما إلا ظلمة؟ ذلك لتعلموا أن الليل قبل النهار. وروى ابن أبي حاتم، عن ابن عمر: أن رجلاً أتاه يسأله عن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما؟ قال: اذهب إلى ذلك الشيخ، فاسأله، ثم تعال فأخبرني بما قال لك، قال، فذهب إلى ابن عباس فسأله، فقال ابن عباس: نعم، كانت السماوات رتقاً لا تمطر وكانت الأرض رتقاً لا تنبت، فلما خلق للأرض أهلاً فتق هذه بالمطر وفتق هذه بالنبات، فرجع الرجل إلى ابن عمر فأخبره، فقال ابن عمر، قد كنت أقول: ما يعجبني جراءة ابن عباس في تفسير القرآن فالآن علمت أنه قد أوتي في القرآن علماً، وقال عطية العوفي: كانت هذه رتقاً تمطر فأمطرت وكانت هذه رتقاً لا تنبت فأنبتت، وقال سعيد بن جبير: كانت السماء والأرض ملتزقتين فلما رفع السماء وأبرز منها الأرض كان ذلك فتقهما الذي ذكر اللّه في كتابه، وقال الحسن وقتادة: كانتا جميعاً ففصل بينهما بهذا الهواء، وقوله: { وجعلنا من الماء كل شيء حي} أي أصل كل الأحياء. عن أبي هريرة قال، قلت: يا رسول اللّه إني إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني، فأنبئني عن كل شيء، قال: (كل شيء خلق من ماء) قال، قلت: أنبئني عن أمرٍ إذا عملت به دخلت الجنة؟ قال: (أفش السلام، وأطعم الطعام، وصل الأرحام، وقم بالليل والناس نيام، ثم ادخل الجنة بسلام) ""الحديث أخرجه الإمام أحمد وإسناده على شرط الصحيحين، وأخرج ابن أبي حاتم بعضه"". وقوله تعالى: { وجعلنا في الأرض رواسي} أي جبالاً أرسى الأرض بها وثقلها لئلا تميد بالناس أي تضطرب وتتحرك فلا يحصل لهم قرار عليها لأنها غامرة في الماء إلا مقدار الربع، فإنه باد للهواء والشمس ليشاهد أهلها السماء وما فيها من الآيات الباهرات والحكم والدلالات، ولهذا قال: { أن تميد بهم} وقوله { وجعلنا فيها فجاجا سبلا} أي ثغراً في الجبال يسلكون فيها طرقاً، من قطر إلى قطر ومن إقليم إلى إقليم، كما هو المشاهد في الأرض يكون الجبل حائلاً بين هذه البلاد وهذه البلاد، فيجعل اللّه فيه فجوة ثغرة ليسلك الناس فيها من ههنا إلى ههنا، ولهذا قال: { لعلهم يهتدون} ، وقوله { وجعلنا السماء سقفا محفوظا} أي على الأرض وهي كالقبة عليها، كما قال: { والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون} ، وقال: { أفلم ينظرون إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج} ، والبناء هو نصب القبة كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (بني الإسلام على خمس) أي خمسة دعائم وهذا لا يكون إلا في الخيام كما تعهده العرب، { محفوظاً} أي عالياً محروساً أن ينال، وقال مجاهد مرفوعاً، وقوله: { وهم عن آياتها معرضون} كقوله: { وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون} أي لا يتفكرون فيما خلق اللّه فيها من الاتساع العظيم والارتفاع الباهر، وما زينت به من الكواكب الثوابت والسيارات في ليلها ونهارها، من هذه الشمس التي تقطع الفلك بكماله في يوم وليلة، فتسير غاية لا يعلم قدرها إلا اللّه، الذي قدّرها وسخّرها وسيّرها، ثم قال منبهاً على بعض آياته { وهو الذي خلق الليل والنهار} أي هذا في ظلامه وسكونه، وهذا بضيائه وأنسه، يطول هذا تارة ثم يقصر أخرى وعكسه الآخر، { والشمس والقمر} هذه لها نور يخصها وحركة وسير خاص، وهذا بنور آخر وفلك آخر وسير آخر وتقدير آخر، { كل في فلك يسبحون} أي يدورون. قال ابن عباس: يدورون كما يدرو المغزل في الفلكة، قال مجاهد: فلا يدور المغزل إلا بالفلكة ولا الفلكة إلا بالمغزل، كذلك النجوم والشمس والقمر لا يدورون إلا به ولا يدور إلا بهن، كما قال تعالى: { فالق الإصباح وجعل الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً ذلك تقدير العزيز العليم} .

تفسير الجلالين

{ وجلعنا السماء سقفاً } للأرض كالسقف للبيت { محفوظاً } عن الوقوع { وهم عن آياتها } من الشمس والقمر والنجوم { معرضون } لا يتفكرون فيها فيعلمون أن خالقها لا شريك له .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَحْفُوظًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا } لِلْأَرْضِ مَسْمُوكًا . وَقَوْله : { مَحْفُوظًا } يَقُول : حَفِظْنَاهَا مِنْ كُلّ شَيْطَان رَجِيم . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18548 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { سَقْفًا مَحْفُوظًا } قَالَ : مَرْفُوعًا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 18549 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَحْفُوظًا } ... الْآيَة : سَقْفًا مَرْفُوعًا , وَمَوْجًا مَكْفُوفًا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَحْفُوظًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا } لِلْأَرْضِ مَسْمُوكًا . وَقَوْله : { مَحْفُوظًا } يَقُول : حَفِظْنَاهَا مِنْ كُلّ شَيْطَان رَجِيم . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18548 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { سَقْفًا مَحْفُوظًا } قَالَ : مَرْفُوعًا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 18549 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَحْفُوظًا } ... الْآيَة : سَقْفًا مَرْفُوعًا , وَمَوْجًا مَكْفُوفًا . ' وَقَوْله : { وَهُمْ عَنْ آيَاتهَا مُعْرِضُونَ } يَقُول : وَهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ عَنْ آيَات السَّمَاء وَيَعْنِي بِآيَاتِهَا : شَمْسهَا وَقَمَرهَا وَنُجُومهَا . { مُعْرِضُونَ } يَقُول : يُعْرِضُونَ عَنْ التَّفَكُّر فِيهَا وَتَدَبُّر مَا فِيهَا مِنْ حُجَج اللَّه عَلَيْهِمْ وَدَلَالَتهَا عَلَى وَحْدَانِيَّة خَالِقهَا , وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُون الْعِبَادَة إِلَّا لِمَنْ دَبَّرَهَا وَسَوَّاهَا , وَلَا تَصْلُح إِلَّا لَهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18550 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَهُمْ عَنْ آيَاتهَا مُعْرِضُونَ } قَالَ : الشَّمْس وَالْقَمَر وَالنُّجُوم آيَات السَّمَاء . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم ; قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله .وَقَوْله : { وَهُمْ عَنْ آيَاتهَا مُعْرِضُونَ } يَقُول : وَهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ عَنْ آيَات السَّمَاء وَيَعْنِي بِآيَاتِهَا : شَمْسهَا وَقَمَرهَا وَنُجُومهَا . { مُعْرِضُونَ } يَقُول : يُعْرِضُونَ عَنْ التَّفَكُّر فِيهَا وَتَدَبُّر مَا فِيهَا مِنْ حُجَج اللَّه عَلَيْهِمْ وَدَلَالَتهَا عَلَى وَحْدَانِيَّة خَالِقهَا , وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُون الْعِبَادَة إِلَّا لِمَنْ دَبَّرَهَا وَسَوَّاهَا , وَلَا تَصْلُح إِلَّا لَهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18550 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَهُمْ عَنْ آيَاتهَا مُعْرِضُونَ } قَالَ : الشَّمْس وَالْقَمَر وَالنُّجُوم آيَات السَّمَاء . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم ; قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { أولم يرى الذين كفروا} قراءة العامة { أو لم} بالواو. وقرأ ابن كثير وابن محيصن وحميد وشبل بن عباد { ألم تر} بغير واو وكذلك هو في مصحف مكة. { أو لم ير} بمعنى يعلم. { الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا} قال الأخفش { كانتا} لأنهما صنفان، كما تقول العرب : هما لقاحان أسودان، وكما قال الله عز وجل { إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا} [فاطر : 41] قال أبو إسحاق { كانتا} لأنه يعبر عن السموات بلفظ الواحد بسماء؛ ولأن السموات كانت سماء واحدة، وكذلك الأرضون. وقال { رتقا} ولم يقل رتقين؛ لأنه مصدر؛ والمعنى كانتا ذواتي رتق. وقرأ الحسن { رتقا} بفتح التاء. قال عيسى بن عمر : هو صواب وهي لغة. والرتق السد ضد الفتق، وقد رتقت الفتق أرتقه فارتتق أي التأم، ومنه الرتقاء للمنضمة الفرج. قال ابن عباس والحسن وعطاء والضحاك وقتادة : يعني أنها كانت شيئا واحدا ملتزقتين ففصل الله بينهما بالهواء. وكذلك قال كعب : خلق الله السموات والأرض بعضها على بعض ثم خلق ريحا بوسطها ففتحها بها، وجعل السموات سبعا والأرضين سبعا. وقول ثان قال مجاهد والسدي وأبو صالح : كانت السموات مؤتلفة طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبع سموات، وكذلك الأرضين كانت مرتتقة طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبعا. وحكاه القتبي في عيون الأخبار له، عن إسماعيل بن أبي خالد في قول الله عز وجل { أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقاهما} قال : كانت السماء مخلوقة وحدها والأرض مخلوقة وحدها، ففتق من هذه سبع سموات، ومن هذه سبع أرضين؛ خلق الأرض العليا فجعل سكانها الجن والإنس، وشق فيها الأنهار وأنبت فيها الأثمار، وجعل فيها البحار وسماها رعاء، مسيرة خمسمائة عام؛ ثم خلق الثانية مثلها في العرض والغلظ وجعل فيها أقواما، أفواههم كأفواه الكلاب وأيديهم أيدي الناس؛ وآذانهم آذان البقر وشعورهم شعور الغنم، فإذا كان عند اقتراب الساعة ألقتهم الأرض إلى يأجوج ومأجوج، واسم تلك الأرض الدكماء، ثم خلق الأرض الثالثة غلظها مسيرة خمسمائة عام، ومنها هواء إلى الأرض الرابعة خلق فيها ظلمة وعقارب لأهل النار مثل البغال السود، ولها أذناب مثل أذناب الخيل الطوال، يأكل بعضها بعضا فتسلط على بني آدم. ثم خلق الله الخامسة [مثلها] في الغلظ والطول والعرض فيها سلاسل وأغلال وقيود لأهل النار. ثم خلق الله الأرض السادسة واسمها ماد، فيها حجارة سود بهم، ومنها خلقت تربة آدم عليه السلام، تبعث تلك الحجارة يوم القيامة وكل حجر منها كالطود العظيم، وهي من كبريت تعلق في أعناق الكفار فتشتعل حتى تحرق وجوههم وأيديهم، فذلك قول عز وجل { وقودها الناس والحجارة} [البقرة : 24] ثم خلق الله الأرض السابعة واسمها عربية وفيها جهنم، فيها بابان اسم الواحد سجين والآخر الغلق، فأما سجين فهو مفتوح وإليه ينتهي كتاب الكفار، وعليه يعرض أصحاب المائدة وقوم فرعون، وأما الغلق فهو مغلق لا يفتح إلى يوم القيامة. وقد مضى في [البقرة] أنها سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة عام، وسيأتي له في آخر [الطلاق] زيادة بيان إن شاء الله تعالى. وقول ثالث قال عكرمة وعطية وابن زيد وابن عباس أيضا فيما ذكر المهدوي : إن السموات كانت رتقا لا تمطر، والأرض كانت رتقا لا تنبت، ففتق السماء بالمطر، والأرض بالنبات؛ نظيره قوله عز وجل { والسماء ذات الرجع. والأرض ذات الصدع} [الطارق : 11 - 12]. واختار هذا القول الطبري؛ لأن بعده { وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون} . قلت : وبه يقع الاعتبار مشاهدة ومعاينة؛ ولذلك أخبر بذلك في غير ما آية؛ ليدل على مال قدرته، وعلى البعث والجزاء. وقيل : يهون عليهم إذا يغضبو ** ن سخط العداة وإرغامها ورتق الفتوق وفتق الرتو ** ق ونقض الأمور وإبرامها قوله تعالى { وجعلنا من الماء كل شيء حي} ثلاث تأويلات : أحدها : أنه خلق كل شيء من الماء؛ قال قتادة الثاني : حفظ حياة كل شيء بالماء. الثالث : وجعلنا من ماء الصلب كل شيء حي؛ قال قطرب. { وجعلنا} بمعنى خلقنا. وروى أبو حاتم البستي في المسند الصحيح له حديث أبي هريرة قال : قلت يا رسول الله إذا رأيتك طابت نفسي، وقرت عيني، أنبئني عن كل شيء؛ قال : (كل شيء خلق من الماء) الحديث؛ قال أبو حاتم قول أبي هريرة { أنبئني عن كل شيء} أراد به عن كل شيء خلق من الماء، والدليل على صحة هذا جواب المصطفى إياه حيث قال : (كل شيء خلق من الماء) وإن لم يكن مخلوقا. وهذا احتجاج آخر سوى ما تقدم من كون السموات والأرض رتقا. وقيل : الكل قد يذكر بمعنى البعض كقول { وأوتيت من كل شيء} [النمل : 23] وقول { تدمر كل شيء} [الأحقاف : 25] والصحيح العموم؛ لقول عليه السلام : (كل شي خلق من الماء) والله أعلم. { أفلا يؤمنون} أي أفلا يصدقون بما يشاهدون، وأن ذلك لم يكن بنفسه، بل لمكون كونه، ومدبر أوجده، ولا يجوز أن يكون ذلك المكون محدثا. قوله تعالى { وجعلنا في الأرض رواسي} أي جبالا ثوابت. { أن تميد بهم} أي لئلا تميد بهم، ولا تتحرك ليتم القرار عليها؛ قاله الكوفيون. وقال البصريون : المعنى كراهية أن تميد. والميد التحرك والدوران. يقال : ماد رأسه؛ أي دار. ومضى في [النحل] مستوفى. { وجعلنا فيها فجاجا} يعني في الرواسي؛ عن ابن عباس. والفجاج المسالك. والفج الطريق الواسع بين الجبلين. وقيل : وجعلنا في الأرض فجاجا أي مسالك؛ وهو اختيار الطبري؛ لقوله { لعلهم يهتدون} أي يهتدون إلى السير في الأرض. { سبلا} تفسير الفجاج؛ لأن الفج قد يكون طريقا نافذا مسلوكا وقد لا يكون. وقيل : ليهتدوا بالاعتبار بها إلى دينهم. قوله تعالى { وجعلنا السماء سقفا محفوظا} أي محفوظا من أن يقع ويسقط على الأرض؛ دليله قوله تعالى { ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه} [الحج : 65]. وقيل : محفوظا بالنجوم من الشياطين؛ قاله الفراء. دليله قوله تعالى { وحفظناها من كل شيطان رجيم} [الحجر : 17]. وقيل : محفوظا من الهدم والنقض، وعن أن يبلغه أحد بحيلة. وقيل : محفوظا فلا يحتاج إلى عماد. وقال مجاهد : مرفوعا. وقيل : محفوظا من الشرك والمعاصي. { وهم} يعني الكفار { عن آياتها معرضون} قال مجاهد يعني الشمس والقمر. وأضاف الآيات إلى السماء لأنها مجعولة فيها، وقد أضاف الآيات إلى نفسه في مواضع، لأنه الفاعل لها. بين أن المشركين غفلوا عن النظر في السموات وآياتها، من ليلها ونهارها، وشمسها وقمرها، وأفلاكها ورياحها وسحابها، وما فيها من قدرة الله تعالى، إذ لو نظروا واعتبروا لعلموا أن لها صانعا قادرا فيستحيل أن يكون له شريك. قوله تعالى { وهو الذي خلق الليل والنهار} ذكرهم نعمة أخرى : جعل لهم الليل ليسكنوا فيه، والنهار ليتصرفوا فيه لمعايشهم { والشمس والقمر} أي وجعل الشمس آية النهار، والقمر آية الليل؛ لتعلم الشهور والسنون والحساب، كما تقدم في { سبحان} بيانه. { كل} يعني من الشمس والقمر والنجوم والكواكب والليل والنهار { في فلك يسبحون} أي يجرون ويسيرون بسرعة كالسابح في الماء. قال الله تعالى وهو أصدق القائلين { والسابحات سبحا} ويقال للفرس الذي يمد يده في الجري سابح. وفيه من النحو أنه لم يقل : يسبحن ولا تسبح؛ فمذهب سيبويه : أنه لما أخبر عنهن بفعل من يعقل وجعلهن في الطاعة بمنزلة من يعقل، أخبر عنهن بفعل من يعقل وجعلهن في الطاعة بمنزلة من يعقل، أخبر عنهن بالواو والنون ونحوه قال الفراء. وقد تقدم هذا المعنى في [يوسف]. وقال الكسائي : إنما قال { يسبحون} لأنه رأس آية، كما قال الله تعالى { نحن جميع منتصر} [القمر : 44] ولم يقل منتصرون. وقيل : الجري للفلك فنسب إليها. والأصح أن السيارة تجري في الفلك، وهي سبعة أفلاك دون السموات المطبقة، التي هي مجال الملائكة وأسباب الملكوت، فالقمر في الفلك الأدنى، ثم عطارد، ثم الزهرة، ثم الشمس، ثم المريخ، ثم المشتري، ثم زحل، والثامن فالك البروج، التاسع الفلك الأعظم. والفلك واحد أفلاك النجوم. قال أبو عمرو : ويجوز أن يجمع على فعل مثل أسد وأسد وخشب وخشب. وأصل الكلمة من الدوران، ومنه فلكة المغزل؛ لاستدارتها. ومنه قيل : فلك ثدي المرأة تفليكا، وتفلك استدار. وفي حديث ابن مسعود : تركت فرسي كأنه يدور في فلك. كأنه لدورانه شبهه بفلك السماء الذي تدور عليه النجوم. قال ابن زيد : الأفلاك مجاري النجوم والشمس والقمر. قال : وهي بين السماء والأرض. وقال قتادة : الفلك استدارة في السماء تدور بالنجوم مع ثبوت السماء. وقال مجاهد : الفلك كهيئة حديد الرحى وهو قطبها. وقال الضحاك : فلكها مجراها وسرعة مسيرها. وقيل : الفلك موج مكتوف ومجرى الشمس والقمر فيه؛ والله أعلم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الأنبياء الايات 29 - 32


سورة الأنبياء الايات 32 - 43

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

سمَّي السماء سقفاً؛ لأن السماء كل ما علاَك فأظلّك، وفرْقٌ بين سقف من صنع البشر يعتمد على أعمدة ودعائم.. الخ، وسقف من صُنْع الخالق العظيم، سقف يغطي الأرض كلها ومحفوظ بلا أعمدة، سقف مَسْتوٍ لا نتوءَ ولا فتور.

والسماء أخذتْ دوراً تكوينياً خصَّها الله به كما خَصَّ آدم عليه السلام، فالخَلْق جميعاً خُلِقوا بكُنْ من أب وأم، أمّا آدم فقد خُلق خلقاً مباشراً بيد الله سبحانه، لذلك قال تعالى:
{  قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ... }
[ص: 75] وهذا شرف كبير لآدم.

وكذلك قال في خَلْق السماء:
{  وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ... }
[الذاريات: 47].

وفي آية أخرى قال سبحانه:
{  وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْحُبُكِ... }
[الذاريات: 7] يعني: محبوكة ومحكمة، والحبكة معناها أن ذراتها التي لا تُدرَك ملتحمة مع بعضها، ليس التحاماً كلياً إنما التحام ذرات؛ لذلك ترى السماء ملساء؛ ولذلك قال عنها الخالق عز وجل:
{  رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا }
[النازعات: 28].

ولك أن تلاحظ صنعة البشر إذا أراد أحدنا أنْ يبنيَ مثلاً، أو يصنع سقفاً، فالبناء يُبنى بمنتهى الدقة، ومع ذلك ترى طوبة بارزة عو طوبة، فيأتي عامل المحارة فيحاول تسوية الجدار، ويزنه بميزان الماء، ومع ذلك نجد في الجدار تعاريج، ثم يأتي عامل الدهانات، فيحاول إصلاح مثل هذه العيوب فيعد لها معجوناً ويكون له في الحائط دور هام.

وبعد أن يستنفد الإنسان كل وسائله في إعداد بيته كما يحب تأتي بعد عدة أيام، فترى الحق - سبحانه وتعالى - يُعدِّل على الجميع، ويُظهر لهم عيوب صنعتهم مهما بلغتْ من الدِّقة بقليل من الغبار ينزل عمودَياً فيرُيك بوضوح ما في الحائط من عيوب.

وإذا كانت صنعتة البشر تختلف باختلاف مهارة كل منهم وحَذَقة في عمله، فما بالك إنْ كان الصانع هو الله الذي يبني ويُسوِّي ويُزيِّن؟
{  ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ... }
[الملك: 3].

وانظر إلى أمهر الصُّناع الآن، يُسوِّي سقفاً لعدة حجرات، ويستخدم مادة واحدة ويُلوِّنها بلون واحد، لا بُدَّ أن تجد اختلافاً من واحدة للأخرى، حتى إنْ خلط العامل اللون مرة واحدة لكل الحجرات يأتي اللون مختلفاً، لماذا؟ لأنه حين يأخذ من هذا الخليط تجد ما يتبقى أكثر تركيزاً، فإذا لم يكمل العمل في نفس اليوم تجد ما تبقّى إلى الغد يفقد كمية من الماء تؤثر أيضاً في درجة اللون.

ومعنى: { مَّحْفُوظاً... } [الأنبياء: 32] أي: في بنية تكوينه؛ لأنه مُحْكَم لا اختلاف فيه، ولا يحفظ إلا الشيء النفيس، تحافظ عليه لنفاسته وأصالته. لكن من أيّ شيء يحفظه الله؟ يحفظها أن تمور، يحفظها أن تقع على الأرض إلا بإذنه.
{  وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ }
[الحج: 65].

وقال:
{  وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ بِأَمْرِهِ... }
[الروم: 25].

إذن: في خَلْق السماء عظمة خَلْق، وعظمة تكوين، وعظمة صيانة تناسب قدرته تعالى، وإنْ كانت لا تحتاج إلى صيانة لأنها صنعتنا.

ومن المسائل التي بيَّنها لنا الحق - سبحانه وتعالى - في أمر السماء مسألة استراق السمع، فكانت الشياطين قبل الإسلام تسترق السمع، لكن بعد رسالة محمد صلى الله عليه وسلم شاء الحق سبحانه ألاَّ يدلس على دعوته بسماع شيطان يُوحِي إلى أعدائه، فمنع الجن من استراق السمع بالشُّهُب، فقال سبحانه:
{  وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ * إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ }
[الحجر: 16-18].

ثم يقول سبحانه: { وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ } [الأنبياء: 32] كأن للسماء آيات خاصة بها، ففي الكون آيات كثيرة، وللسماء آياتها، فالشمس والقمر والنجوم والأفلاك من آياتها.

وبعد ذلك نسمع من رجال الأرصاد أن من كواكب السماء ما لم يَصِلْنا ضوؤه منذ خلق الله الأرض حتى الآن، مع أن سرعة الضوء ثلثمئة ألف كيلومتر في الثانية، ويمكن أن نفهم هذا في ضوء قوله تعالى:
{  وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ }
[الذاريات: 47].

لذلك يعطينا رسول الله صلى الله عليه وسلم صورة تقريبية لهذه المسألة، حتى لا نُرهق أنفسنا بالتفكير فيها: " ما السماوات والأرض وما بينهما بالنسبة لملْك الله إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة ".

ومع ذلك لما صعد رواد الفضاء للقمر سارع بعض علمائنا من منطلق حُبِّهم للإسلام وإخلاصهم للقرآن بالقول بأنهم صعدوا للسماء، وهذا هو المراد بقوله تعالى:
{  يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ }
[الرحمن: 33].

والمراد هنا: سلطان العلم الذي مكَّنَهم من الصعود.

لكن ما داموا نفذوا بِسلطن العلمِ، فلماذا قال بعدها:
{  يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ }
[الرحمن: 35] إذن السلطان المراد ليس هو سلطان العلم كما يظنون، إنما المراد سلطان مِنِّى، بإذني وإرادتي.

ولو كان الأمر كما يقولون لقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما أخبرهم بالمعراج: كيف تقول ذلك يا محمد وربك هو القائل:
{  يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ }
[الرحمن: 33].

إذن: المراد هنا سلطان من الله تعالى هو سبحانه الذي يأذن بهذه المسألة، فتُفتّح له أبواب السماء.

ثم ما علاقة القمر بالسماء؟ والكلام عن النفاذ من أقطار السماوات، وأين القمر من السماء؟ إن المسافة بين الأرض والقمر سنتان ضوئيتان، فالقمر - إذن - ما هو إلا ضاحية من ضواحي الأرض، كالمعادي مثلاً بالنسبة للقاهرة، فأَيُّ سماء هذه التي يتحدثون عنها؟!

وقوله تعالى: { مُعْرِضُونَ } [الأنبياء: 33] سبق أن تحدّثنا عن الإعراض، وهو الانصارف عن الشيء مِنْ أعرض يعني: أعطاه ظهره.

ثم يقول الحق سبحانه: { وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْلَّيْلَ.... }.


www.alro7.net