سورة
اية:

وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ ۖ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ

تفسير بن كثير

يخبرهم أنه رسول من اللّه يدعو إلى عبادة اللّه وحده، ولا يسألهم على ذلك أجراً، ثم هو يدعو الشريف والوضيع، فمن استجاب له فقد نجا، ويخبرهم أنه لا قدرة له على التصرف في خزائن اللّه، ولا يعلم من الغيب إلا ما أطلعه اللّه عليه، وليس هو بملك من الملائكة، بل هو بشرٌ مرسل مؤيد بالمعجزات، ولا أقول عن هؤلاء الذين تحتقرونهم وتزدرونهم، إنهم ليس لهم عند اللّه ثواب على أعمالهم { اللّه أعلم بما في أنفسهم} ، فإن كانوا مؤمنين، فلهم جزاء الحسنى.

تفسير الجلالين

{ ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا } إني { أعلم الغيب ولا أقول إني مَلَكٌ } بل أنا بشر مثلكم { ولا أقول للذين تزدري } تحتقر { أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم } قلوبهم { إني إذًا } إن قلت ذلك { لمن الظالمين } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا أَقُول لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِن اللَّه } وَقَوْله : { وَلَا أَقُول لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِن اللَّه } عَطْف عَلَى قَوْله : { وَيَا قَوْم لَا أَسْأَلكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا } وَمَعْنَى الْكَلَام : وَيَا قَوْم لَا أَسْأَلكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا , وَلَا أَقُول لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِن اللَّه الَّتِي لَا يُفْنِيهَا شَيْء , فَأَدْعُوكُمْ إِلَى اِتِّبَاعِي عَلَيْهَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا أَقُول لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِن اللَّه } وَقَوْله : { وَلَا أَقُول لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِن اللَّه } عَطْف عَلَى قَوْله : { وَيَا قَوْم لَا أَسْأَلكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا } وَمَعْنَى الْكَلَام : وَيَا قَوْم لَا أَسْأَلكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا , وَلَا أَقُول لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِن اللَّه الَّتِي لَا يُفْنِيهَا شَيْء , فَأَدْعُوكُمْ إِلَى اِتِّبَاعِي عَلَيْهَا .' { وَلَا أَعْلَم } أَيْضًا { الْغَيْب } يَعْنِي مَا خَفِيَ مِنْ سَرَائِر الْعِبَاد , فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَعْلَمهُ إِلَّا اللَّه , فَأَدَّعِي الرُّبُوبِيَّة وَأَدْعُوكُمْ إِلَى عِبَادَتِي . { وَلَا أَعْلَم } أَيْضًا { الْغَيْب } يَعْنِي مَا خَفِيَ مِنْ سَرَائِر الْعِبَاد , فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَعْلَمهُ إِلَّا اللَّه , فَأَدَّعِي الرُّبُوبِيَّة وَأَدْعُوكُمْ إِلَى عِبَادَتِي .' { وَلَا أَقُول } أَيْضًا { إِنِّي مَلَك } مِنْ الْمَلَائِكَة أُرْسِلْت إِلَيْكُمْ , فَأَكُون كَاذِبًا فِي دَعْوَايَ ذَلِكَ , بَلْ أَنَا بَشَر . مِثْلكُمْ كَمَا تَقُولُونَ , أُمِرْت بِدُعَائِكُمْ إِلَى اللَّه , وَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْت بِهِ إِلَيْكُمْ . { وَلَا أَقُول } أَيْضًا { إِنِّي مَلَك } مِنْ الْمَلَائِكَة أُرْسِلْت إِلَيْكُمْ , فَأَكُون كَاذِبًا فِي دَعْوَايَ ذَلِكَ , بَلْ أَنَا بَشَر . مِثْلكُمْ كَمَا تَقُولُونَ , أُمِرْت بِدُعَائِكُمْ إِلَى اللَّه , وَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْت بِهِ إِلَيْكُمْ .' { وَلَا أَقُول لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمْ اللَّه خَيْرًا } يَقُول : وَلَا أَقُول لِلَّذِينَ اِتَّبَعُونِي وَآمَنُوا بِاَللَّهِ وَوَحَّدُوهُ الَّذِينَ تَسْتَحْقِرهُمْ أَعْيُنكُمْ , وَقُلْتُمْ إِنَّهُمْ أَرَاذِلكُمْ : لَنْ يُؤْتِيَكُمْ اللَّه خَيْرًا , وَذَلِكَ الْإِيمَان بِاَللَّهِ . { وَلَا أَقُول لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمْ اللَّه خَيْرًا } يَقُول : وَلَا أَقُول لِلَّذِينَ اِتَّبَعُونِي وَآمَنُوا بِاَللَّهِ وَوَحَّدُوهُ الَّذِينَ تَسْتَحْقِرهُمْ أَعْيُنكُمْ , وَقُلْتُمْ إِنَّهُمْ أَرَاذِلكُمْ : لَنْ يُؤْتِيَكُمْ اللَّه خَيْرًا , وَذَلِكَ الْإِيمَان بِاَللَّهِ .' { اللَّه أَعْلَم بِمَا فِي أَنْفُسهمْ } يَقُول : اللَّه أَعْلَم بِضَمَائِر صُدُورهمْ وَاعْتِقَاد قُلُوبهمْ , وَهُوَ وَلِيّ أَمْرهمْ فِي ذَلِكَ , وَإِنَّمَا لِي مِنْهُمْ مَا ظَهَرَ وَبَدَا , وَقَدْ أَظْهَرُوا الْإِيمَان بِاَللَّهِ وَاتَّبَعُونِي , فَلَا أَطْرُدهُمْ وَلَا أَسْتَحِلّ ذَلِكَ . { اللَّه أَعْلَم بِمَا فِي أَنْفُسهمْ } يَقُول : اللَّه أَعْلَم بِضَمَائِر صُدُورهمْ وَاعْتِقَاد قُلُوبهمْ , وَهُوَ وَلِيّ أَمْرهمْ فِي ذَلِكَ , وَإِنَّمَا لِي مِنْهُمْ مَا ظَهَرَ وَبَدَا , وَقَدْ أَظْهَرُوا الْإِيمَان بِاَللَّهِ وَاتَّبَعُونِي , فَلَا أَطْرُدهُمْ وَلَا أَسْتَحِلّ ذَلِكَ .' { إِنِّي إذًا لَمِنْ الظَّالِمِينَ } يَقُول : إِنِّي إِنْ قُلْت لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَظْهَرُوا الْإِيمَان بِاَللَّهِ وَتَصْدِيقِي : لَنْ يُؤْتِيَهُمْ اللَّه خَيْرًا , وَقَضَيْت عَلَى سَرَائِرهمْ بِخِلَافِ مَا أَبْدَتْهُ أَلْسِنَتهمْ لِي عَلَى غَيْر عِلْم مِنِّي بِمَا فِي نُفُوسهمْ وَطَرَدْتهمْ بِفِعْلِي ذَلِكَ , لَمِنْ الْفَاعِلِينَ مَا لَيْسَ لَهُمْ فِعْله الْمُعْتَدِينَ مَا أَمَرَهُمْ اللَّه بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الظُّلْم . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13991 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَوْله : { وَلَا أَقُول لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِن اللَّه } الَّتِي لَا يُفْنِيهَا شَيْء , فَأَكُون إِنَّمَا أَدْعُوكُمْ لِتَتَّبِعُونِي عَلَيْهَا لِأُعْطِيَكُمْ مِنْهَا . { وَلَا أَقُول إِنِّي مَلَك } نَزَلْت مِنْ السَّمَاء بِرِسَالَةٍ , مَا أَنَا إِلَّا بَشَر مِثْلكُمْ . { وَلَا أَعْلَم الْغَيْب } وَلَا أَقُول اِتَّبِعُونِي عَلَى عِلْم الْغَيْب { إِنِّي إذًا لَمِنْ الظَّالِمِينَ } يَقُول : إِنِّي إِنْ قُلْت لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَظْهَرُوا الْإِيمَان بِاَللَّهِ وَتَصْدِيقِي : لَنْ يُؤْتِيَهُمْ اللَّه خَيْرًا , وَقَضَيْت عَلَى سَرَائِرهمْ بِخِلَافِ مَا أَبْدَتْهُ أَلْسِنَتهمْ لِي عَلَى غَيْر عِلْم مِنِّي بِمَا فِي نُفُوسهمْ وَطَرَدْتهمْ بِفِعْلِي ذَلِكَ , لَمِنْ الْفَاعِلِينَ مَا لَيْسَ لَهُمْ فِعْله الْمُعْتَدِينَ مَا أَمَرَهُمْ اللَّه بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الظُّلْم . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13991 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَوْله : { وَلَا أَقُول لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِن اللَّه } الَّتِي لَا يُفْنِيهَا شَيْء , فَأَكُون إِنَّمَا أَدْعُوكُمْ لِتَتَّبِعُونِي عَلَيْهَا لِأُعْطِيَكُمْ مِنْهَا . { وَلَا أَقُول إِنِّي مَلَك } نَزَلْت مِنْ السَّمَاء بِرِسَالَةٍ , مَا أَنَا إِلَّا بَشَر مِثْلكُمْ . { وَلَا أَعْلَم الْغَيْب } وَلَا أَقُول اِتَّبِعُونِي عَلَى عِلْم الْغَيْب '

تفسير القرطبي

قوله تعالى‏ { ‏قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي‏} ‏ أي على يقين؛ قاله أبو عمران الجوني‏.‏ وقيل‏:‏ على معجزة؛ وقد تقدم في ‏ { ‏الأنعام‏} ‏ هذا المعنى‏.‏ { ‏وآتاني رحمة من عنده‏} ‏ أي نبوة ورسالة؛ عن ابن عباس؛ ‏(‏وهي رحمة على الخلق‏)‏‏.‏ وقيل‏:‏ الهداية إلى الله بالبراهين‏.‏ وقيل‏:‏ بالإيمان والإسلام‏.‏ ‏ { فعميت عليكم‏} ‏ أي عميت عليكم الرسالة والهداية فلم تفهموها‏.‏ يقال‏:‏ عميت عن كذا، وعمي علي كذا أي لم أفهمه‏.‏ والمعنى‏:‏ فعميت الرحمة؛ فقيل‏:‏ هو مقلوب؛ لأن الرحمة لا تعمى إنما يعمى عنها؛ فهو كقولك‏:‏ أدخلت في القلنسوة رأسي، ودخل الخف في رجلي‏.‏ وقرأها الأعمش وحمزة والكسائي { ‏فعُمِّيت‏} ‏ بضم العين وتشديد الميم على ما لم يسم فاعله، أي فعماها الله عليكم؛ وكذا في قراءة أبي ‏ { ‏فعماها‏} ‏ ذكرها الماوردي‏.‏ ‏ { ‏أنلزمكموها‏} ‏ قيل‏:‏ شهادة أن لا إله إلا الله‏.‏ وقيل‏:‏ الهاء ترجع إلى الرحمة‏.‏ وقيل‏:‏ إلى البينة؛ أي أنلزمكم قبولها، ونوجبها عليكم‏؟‏ ‏!‏ وهو استفهام بمعنى الإنكار؛ أي لا يمكنني أن أضطركم إلى المعرفة بها؛ وإنما قصد نوح عليه السلام بهذا القول أن يرد عليهم‏.‏ وحكى الكسائي والفراء { ‏أنلزمكموها‏} ‏ بإسكان الميم الأولى تخفيفا؛ وقد أجاز مثل هذا سيبويه، وأنشد‏:‏ فاليوم أشرب غير مستحقب ** إثما من الله ولا واغل وقال النحاس‏:‏ ويجوز على قول يونس [في غير القرآن] أنلزمكمها يجري المضمر مجرى المظهر؛ كما تقول‏:‏ أنلزمكم ذلك‏.‏ { ‏وأنتم لها كارهون‏} ‏ أي لا يصح قبولكم لها مع الكراهة عليها‏.‏ قال قتادة‏:‏ والله لو استطاع نبي الله نوح عليه السلام لألزمها قومه ولكنه لم يملك ذلك‏.‏ قوله تعالى ‏ { ‏ويا قوم لا أسألكم عليه مالا‏} ‏ أي على التبليغ، والدعاء إلى الله، والإيمان به أجرا أي ‏ { ‏مالا‏} ‏ فيثقل عليكم‏.‏ ‏ { ‏إن أجري إلا على الله‏} ‏ أي ثوابي في تبليغ الرسالة‏.‏ ‏ { ‏وما أنا بطارد الذين آمنوا‏} ‏ سألوه أن يطرد الأراذل الذين آمنوا به، كما سألت قريش النبي صلى الله عليه وسلم أن يطرد الموالي والفقراء، حسب ما تقدم في { ‏الأنعام‏} ‏ بيانه؛ فأجابهم بقوله ‏ { ‏وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقو ربهم‏} ‏ يحتمل أن يكون قال هذا على وجه الإعظام لهم بلقاء الله عز وجل، ويحتمل أن يكون قاله على وجه الاختصام؛ أي لو فعلت ذلك لخاصموني عند الله، فيجازيهم على إيمانهم، ويجازي من طردهم‏‏} ‏ولكني أراكم قوما تجهلون‏} ‏ في استرذالكم لهم، وسؤالكم طردهم‏.‏ قوله تعالى ‏ { ‏ويا قوم من ينصرني من الله‏} ‏ قال الفراء‏:‏ أي يمنعني من عذابه‏.‏ ‏ { ‏إن طردتهم‏} ‏ أي لأجل إيمانهم‏.‏ { ‏أفلا تتذكرون‏} ‏ أدغمت التاء في الذال‏.‏ ويجوز حذفها فتقول‏:‏ تَذَكرون‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب‏} ‏ أخبر بتذلُّله وتواضعه لله عز وجل، وأنه لا يدعي ما ليس له من خزائن الله؛ وهي إنعامه على من يشاء من عباده؛ وأنه لا يعلم الغيب؛ لأن الغيب لا يعلمه إلا الله عز وجل‏.‏ { ‏ولا أقول إني ملك‏} ‏ أي لا أقول إن منزلتي عند الناس منزلة الملائكة‏.‏ وقد قالت العلماء‏:‏ الفائدة في الكلام الدلالة على أن الملائكة أفضل من الأنبياء؛ لدوامهم على الطاعة، واتصال عباداتهم إلى يوم القيامة، صلوات الله عليهم أجمعين‏.‏ وقد تقدم هذا المعنى في { ‏البقرة‏} ‏‏.‏ ‏} ‏ولا أقول للذي تزدري أعينكم‏} ‏ أي تستثقل وتحتقر أعينكم؛ والأصل تزدريهم حذفت الهاء والميم لطول الاسم‏.‏ والدال مبدلة من تاء؛ لأن الأصل في تزدري تزتري، ولكن التاء تبدل بعد الزاي دالا؛ لأن الزاي مجهورة والتاء مهموسة، فأبدل من التاء حرف مجهور من مخرجها‏.‏ ويقال‏:‏ أزريت عليه إذا عبته‏.‏ وزريت عليه إذا حقرته‏.‏ وأنشد الفراء‏:‏ يباعده الصديق وتزدريه ** حليلته وينهره الصغير { ‏لن يؤتيهم الله خيرا‏} ‏ أي ليس لاحتقاركم لهم تبطل أجورهم، أو ينقص ثوابهم‏.‏ { ‏الله أعلم بما في أنفسهم‏} ‏ فيجازيهم عليه ويؤاخذهم به‏.‏ { ‏إني إذا لمن الظالمين‏} ‏ أي إن قلت هذا الذي تقدم ذكره‏.‏ و‏ { ‏إذا‏} ‏ ملغاة؛ لأنها متوسطة‏.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة هود الايات 27 - 31


سورة هود الايات 31 - 35

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وهكذا يَسُدُّ نوح ـ عليه السلام ـ على هذا الملأ الكافر كل أسباب إعراضهم عن الإيمان، فإن ظنوا أن الإيمان يتطلب ثراءً، فنوح لا يملك خزائن لله، وهو لا يملك أكثر من هذا الملأ، وإن طلبوا أن يكشف لهم الغيب، فالغيب علمه عند الله تعالى وحده.

ولم يَدَّعِ نوح أنه من جنس آخر غير البشر، إنما هو بشر مثلهم، لا يملك ما يجبرهم به على الطاعة، ثراءً، أو جاهاً، أو علم غيب.

ولن يطرد نوح عليه السلام مَنْ آمن مِنَ الضِّعاف الذين تزدريهم وتحتقرهم وتتهكَّم عليهم عيون هذا الملأ الكافر؛ لأن نوحاً يخشى سؤال الله ـ عَزَّ وجَلَّ ـ له إن سَدَّ في وجوه الضعاف أبواب الإيمان.

ولا بد من وقفة هنا عند قول الحق سبحانه:

{ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِيۤ أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْراً } [هود: 31].

ونلحظ هنا أن الخطاب قد حُوِّل إلى الغَيبة، فلم يخاطب نوح عليه السلام الضعاف ويقول لهم: إن الله سيمنع عنكم الخير، ذلك لأن الله سبحانه وتعالى هو العليم بما في نفوسهم، ولو قال نوح لهم مثل هذا القول لكان من الظالمين.

واللام في كلمة { لِلَّذِينَ } تعني الحديث عن الضعاف، لا حديثاً إلى الضعاف.

ومجيء " اللام " بمعنى " عن " له نظائر، مثل قول الحق سبحانه:


{  وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ }
[سبأ: 43].

وهم هنا لا يقولون للحق، ولكنهم يقولون عن الحق، وهكذا جاءت " اللام " بمعنى " عن ".

وهكذا أوضح نوح ـ عليه السلام ـ أنه لو طرد من يقال عنهم " أراذل " ، لكان معنى ذلك أنه يعلم النوايا، ونوح ـ عليه السلام ـ يعلم يقيناً أن الله هو الأعلم بما في النفوس؛ لذلك لا يضع نوح نفسه في موضع الظلم لا لنفسه ولا لغيره.

يقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: { قَالُواْ يٰنُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا }

لمسات بيانية - للدكتور / فاضل صالح السامرائي

ما دلالة ضمير الغائب في (يؤتيهم) في آية سورة هود (وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا)؟ ولماذا لم يستعمل يؤتيكم؟
قال تعالى في سورة هود في قصة نوح - عليه السلام - (وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (31)).
اللام لها معاني كما يقول النحاة ويقولون أن حروف الجرّ تخرج إلى معاني ويذكرون (من) لها معاني بعض وبين والابتداء. واللام في (للذين) لها معاني والنحاة يخرجونها تخريجين من حيث النحو ولكل منهما معنى خاصاً به:
? الأول أن تأتي بمعنى (عن) بمعنى لا أقول عن الذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا. (قطعاً سيقول هنا لن يؤتيهم لأنه يقول عنهم). وفي الآية نوح - عليه السلام - يخاطب الفئة الكافرة يحدّثهم عن المؤمنين الذين تزدري أعينهم. فلو كانت اللام بمعنى عن فاستعمال يؤتيهم صحيح لأنه يخاطب فئة عن الفئة الأخرى فيجب قول (لن يؤتيهم). وينتفي السؤال هنا أصلاً في هذه الحالة فهو لا يخاطب الذين تزدري أعينكم وإنما يخاطب الفئة الأخرى.
? والثاني أن اللام تفيد التعليل بمعنى لأجل هؤلاء أو لغرض هؤلاء فالأصح هنا أن يقول لن يؤتيهم الله خيراً. كما قيل: وضرائر الحسناء قلن لوجهها حسداً وبغضاً إنه لدميم (اللام في لوجهها تحتمل عن وجهها أو لوجهها).
ففي الحالتين استعمال يؤتيهم هو المناسب للآية.


www.alro7.net