سورة
اية:

قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ۚ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ ۚ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ

تفسير بن كثير

يحتج تعالى على المشركين باعترافهم بوحدانيته وربوبيته على وحدانية إلاهيته، فقال تعالى: { قل من يرزقكم من السماء والأرض} أي من ذا الذي ينزل من السماء ماء المطر، فيشق الأرض شقاً بقدرته ومشيئته، فيخرج منها { حبا وعنبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا} أإله مع اللّه؟ فسيقولون: اللّه { أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه} ؟ وقوله: { أمن يملك السمع والأبصار} أي الذي وهبكم هذه القوة السامعة، والقوة الباصرة، ولو شاء لذهب بها ولسلبكم إياها، كقوله تعالى: { قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار} الآية، وقال: { قل أرأيتم إن أخذ اللّه سمعكم وأبصاركم} الآية، وقوله: { ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي} أي بقدرته العظيمة ومنته العميمة، وقوله: { ومن يدبر الأمر} أي من بيده ملكوت كل شيء، وهو المتصرف الحاكم الذي لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، فالملك كله العلوي والسفلي فقيرون إليه خاضعون لديه، { فسيقولون الله} أي وهم يعلمون ذلك ويعترفون به، { فقل أفلا تتقون} ؟ أي أفلا تخافون منه أن تعبدوا معه غيره بآرائكم وجهلكم؟ وقوله: { فذلكم اللّه ربكم الحق} الآية، أي فهذا الذي اعترفتم بأنه فاعل ذلك كله هو ربكم وإلهكم الحق الذي يستحق أن يفرد بالعبادة، { فماذا بعد الحق إلا الضلال} ؟ أي فكل معبود سواه باطل لا إله إلا هو واحد لا شريك له، { فأنى تصرفون} أي فكيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة ما سواه؟ وأنتم تعلمون أنه الرب الذي خلق كل شيء والمتصرف في كل شيء، وقوله: { كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا} أي كما كفر هؤلاء المشركون واستمروا على شركهم، وعبادتهم مع اللّه غيره مع أنهم يعترفون بأنه الخالق الرازق المتصرف في الملك وحده، الذي بعث رسله بتوحيده، فلهذا حقت عليهم كلمة اللّه أنهم أشقياء من ساكني النار، كقوله: { قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين} .

تفسير الجلالين

{ قل } لهم { من يرزقكم من السماء } بالمطر { والأرض } بالنبات { أمَّن يملك السمع } بمعنى الأسماع، أي خلقها { والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبِّر الأمر } بين الخلائق { فسيقولون } هو { الله فقل } لهم { أفلا تتقونـ } ـه فتؤمنون .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ مَنْ يَرْزُقكُمْ مِنْ السَّمَاء وَالْأَرْض } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { قُلْ } يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاَللَّهِ الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام { مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاء } الْغَيْث وَالْقَطْر وَيُطْلِع لَكُمْ شَمْسهَا وَيُغْطِش لَيْلهَا وَيُخْرِج ضُحَاهَا . { وَ } مِنْ { الْأَرْض } أَقْوَاتكُمْ وَغِذَاءَكُمْ الَّذِي يُنْبِتهُ لَكُمْ وَثِمَار أَشْجَارهَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ مَنْ يَرْزُقكُمْ مِنْ السَّمَاء وَالْأَرْض } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { قُلْ } يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاَللَّهِ الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام { مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاء } الْغَيْث وَالْقَطْر وَيُطْلِع لَكُمْ شَمْسهَا وَيُغْطِش لَيْلهَا وَيُخْرِج ضُحَاهَا . { وَ } مِنْ { الْأَرْض } أَقْوَاتكُمْ وَغِذَاءَكُمْ الَّذِي يُنْبِتهُ لَكُمْ وَثِمَار أَشْجَارهَا .' يَقُول : أَمْ مَنْ ذَا الَّذِي يَمْلِك أَسْمَاعكُمْ وَأَبْصَاركُمْ الَّتِي تَسْمَعُونَ بِهَا أَنْ يَزِيد فِي قُوَاهَا أَوْ يَسْلُبكُمُوهَا فَيَجْعَلكُمْ صُمًّا , وَأَبْصَاركُمْ الَّتِي تُبْصِرُونَ بِهَا أَنْ يُضِيئهَا لَكُمْ وَيُنِيرهَا , أَوْ يَذْهَب بِنُورِهَا فَيَجْعَلكُمْ عُمْيًا لَا تُبْصِرُونَ .يَقُول : أَمْ مَنْ ذَا الَّذِي يَمْلِك أَسْمَاعكُمْ وَأَبْصَاركُمْ الَّتِي تَسْمَعُونَ بِهَا أَنْ يَزِيد فِي قُوَاهَا أَوْ يَسْلُبكُمُوهَا فَيَجْعَلكُمْ صُمًّا , وَأَبْصَاركُمْ الَّتِي تُبْصِرُونَ بِهَا أَنْ يُضِيئهَا لَكُمْ وَيُنِيرهَا , أَوْ يَذْهَب بِنُورِهَا فَيَجْعَلكُمْ عُمْيًا لَا تُبْصِرُونَ .' يَقُول : وَمَنْ يُخْرِج الشَّيْءَ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّت .يَقُول : وَمَنْ يُخْرِج الشَّيْءَ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّت .' يَقُول : وَيُخْرِج الشَّيْءَ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيّ . وَقَدْ ذَكَرْنَا اِخْتِلَاف الْمُخْتَلِفِينَ مِنْ أَهْل التَّأْوِيل وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل عِنْدنَا فِي ذَلِكَ بِالْأَدِلَّةِ الدَّالَّة عَلَى صِحَّته فِي سُورَة آلِ عِمْرَان بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع .يَقُول : وَيُخْرِج الشَّيْءَ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيّ . وَقَدْ ذَكَرْنَا اِخْتِلَاف الْمُخْتَلِفِينَ مِنْ أَهْل التَّأْوِيل وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل عِنْدنَا فِي ذَلِكَ بِالْأَدِلَّةِ الدَّالَّة عَلَى صِحَّته فِي سُورَة آلِ عِمْرَان بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع .' وَقُلْ لَهُمْ : مَنْ يُدَبِّر أَمْرَ السَّمَاء وَالْأَرْض وَمَا فِيهِنَّ وَأَمْركُمْ وَأَمْر الْخَلْق .وَقُلْ لَهُمْ : مَنْ يُدَبِّر أَمْرَ السَّمَاء وَالْأَرْض وَمَا فِيهِنَّ وَأَمْركُمْ وَأَمْر الْخَلْق .' يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَسَوْفَ يُجِيبُونَك بِأَنْ يَقُولُوا الَّذِي يَفْعَل ذَلِكَ كُلّه اللَّه .يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَسَوْفَ يُجِيبُونَك بِأَنْ يَقُولُوا الَّذِي يَفْعَل ذَلِكَ كُلّه اللَّه .' يَقُول : أَفَلَا تَخَافُونَ عِقَاب اللَّه عَلَى شِرْككُمْ وَادِّعَائِكُمْ رَبًّا غَيْر مَنْ هَذِهِ الصِّفَة صِفَته , وَعِبَادَتكُمْ مَعَهُ مَنْ لَا يَرْزُقكُمْ شَيْئًا وَلَا يَمْلِك لَكُمْ ضُرًّا وَلَا نَفْعًا .يَقُول : أَفَلَا تَخَافُونَ عِقَاب اللَّه عَلَى شِرْككُمْ وَادِّعَائِكُمْ رَبًّا غَيْر مَنْ هَذِهِ الصِّفَة صِفَته , وَعِبَادَتكُمْ مَعَهُ مَنْ لَا يَرْزُقكُمْ شَيْئًا وَلَا يَمْلِك لَكُمْ ضُرًّا وَلَا نَفْعًا .'

تفسير القرطبي

المراد بمساق هذا الكلام الرد على المشركين وتقرير الحجة عليهم؛ فمن اعترف منهم فالحجة ظاهرة عليهم، ومن لم يعترف فيقرر عليه أن هذه السموات والأرض لا بد لهما من خالق؛ ولا يتمارى في هذا عاقل. وهذا قريب من مرتبة الضرورة. { من السماء} أي بالمطر. { والأرض} بالنبات. { أمن يملك السمع والأبصار} أي من جعلهما وخلقهما لكم. { ومن يخرج الحي من الميت} أي النبات من الأرض، والإنسان من النطفة، والسنبلة من الحبة، والطير من البيضة، والمؤمن من الكافر. { ومن يدبر الأمر} أي يقدره ويقضيه. { فسيقولون الله} لأنهم كانوا يعتقدون أن الخالق هو الله؛ أو فسيقولون هو الله إن فكروا وأنصفوا { فقل} لهم يا محمد. { أفلا تتقون} أي أفلا تخافون عقابه ونقمته في الدنيا والآخرة.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة يونس الايات 29 - 31


سورة يونس الايات 31 - 35

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

أي: أن الحق سبحانه يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: اسألهم هذا السؤال، ولا يسأل هذا السؤال إلا مَنْ يثق في أن المسئول لو أدار في ذهنه كل الأجوبة، فلن يجد جواباً غير ما عند السائل.

ومثال ذلك من حياتنا ـ والله المثل الأعلى ـ إن جاء لك من يقول: أبي يهملني، فتمسك به، وتسأله: من جاء لك بهذه الملابس وذلك القلم ويُطعمك ويُعلِّمك؟ سيقول لك: أبي.

وأنت لا تسأله هذا السؤال إلا وأنت واثق أنه لو أدار كل الأجوبة فلن يجد جواباً إلا الذي تتوقعه منه، فليس عنده إجابة أخرى؛ لأنك لون كنت تعرف أنه سوف يجيبك إجابة مختلفة لما سألته فكأنك ارتضيت حكمه هو في المسألة.

والحق سبحانه وتعالى قال في بداية هذه الآية الكريمة: { قُلْ } كما أنزل عليه مثيلاتها مما بُدىء بقوله سبحانه: { قُلْ } مثل قوله سبحانه:


{  قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ }
[الصمد: 1].

وهذا ما اقتضاه خطاب الحق سبحانه دائماً للخَلْق، ويختلف عن خطاب الخَلْق للخَلْق، فحين تقول لابنك: " اذهب إلى عمِّك، وقُلْ له كذا ". فالابن يذهب إلى العمِّ ويقول له منطوق رسالة الأب، دون أن يقول له: " قُلْ " ، أما خطاب الحق سبحانه للخلق، فقد شاء سبحانه أن يبلِّغنا به رسوله الله صلى الله عليه وسلم كما نزل { قُلْ } فالرسول صلى الله عليه وسلم أمين في البلاغ عن الله تعالى، لا يترك كلمة واحدة من الوحي دون أن يبلِّغها للبشر، وما دام الحق سبحانه وتعالى هو الذي أمره، فهو يبلغ ما أمِرَ، حتى لا يحرم آذان خلق الله تعالى من كل لفظ صدر عن الله سبحانه.

وكذلك أمر الحق ـ سبحانه ـ هنا لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن يقول: { مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ } [يونس: 31].

ونحن نعلم أن الرزق هو ما يُنتفع به، والانتفاع الأول مُقوِّم حياة، والثاني تَرَفٌ أو كماليات حياة، والرزق الذي هو أصل الحياة هو ماء ينزل من السماء، ونبات يخرج من الأرض.

وهكذا قال الحق سبحانه السؤال والإجابة معروفة مقدَّماً، فلم يَقُلْ لرسوله صلى الله عليه وسلم: " أجِب أنت " بل ترك لهم أن يجيبوا بأنفسهم.

وكذلك جاء الحق سبحانه بسؤال آخر: { أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وٱلأَبْصَارَ } [يونس: 31].

والسمع والبصر هما السيدان لملَكَات الإدراك؛ لأن إدراك المعلومات له وسائل متعددة، إنْ أردتَ أنْ تُدرك رائحة؛ فبأنفك، وإن أردتَ أنْ تدرك نعومة؛ فبلمسك وببشرتك، وإنْ أردتَ أن تدرك مذاق شيء فبلسانك، وإنْ أردت أن تتكلم فبأجهزة الكلام وعمدتها اللسان، وإنْ أردتَ أن تسمع فبأذنك.

وكذلك تتجلَّى لك المرائي بعينيك، ثم تأتي إدراكات متعددة من الحواس؛ لتُكوِّن أشياء نسميها الخميرة، توجد منها القضية العقلية الأخيرة، فالطفل أمام النار يجد منظرها جميلاً جذاباً، لكن ما إن يلمسها حتى تلسعه؛ فلا يقرب منها أبداً من بعد ذلك؛ لأنه اختبرها بحواسه فارتكزت لديه القضية العقلية وهي أن هذه نار محرقة، واستقر هذا لديه يقيناً.وهكذا تكون الإدراكات الحسية إدراكات متعددة تصنع خميرة في النفس تتكون منها الإدراكات المعنوية.

إذن: فوسائل العلم للكائن الحي هي الحواس، وهذه الحواس تعطي العقل معطيات تنغرز فيه لتستقر من بعد ذلك في الوجدان؛ فتصبح عقائد.

إذن: فمراحل الإدراك هي: إدراك حسيٌّ، وتفكُّر عقليٌّ، فانتهاء عَقَدِيٌّ؛ ولذلك نسمِّي الدين عقيدة.

أي: أنك عقدت الشيء في يقينك بصورة لا تحلُّه بعدها من جديد لتحلّله، فهذا يُسمى عقيدة.

ولذلك حينما أراد الله ـ سبحانه وتعالى ـ أن يقصَّ علينا مراحل الإدراك في النفس الإنسانية؛ ليربي الإنسان معلوماته، قال الحق سبحانه:


{  وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }
[النحل: 78].

لذلك يقال: " كما ولدته أمه " ، أي: لم يُعْطَ القدرة على استخدام حواسِّه بعد، ثم يجعل له الحق سبحانه الحواس، ويجعله قادراً على استخدامها.

ولم يذكر بقية الحواس، بل جاء بالسيدين، وهما السمع والبصر؛ لأن آيات الكون تحتاج إلى الرؤية، وإبلاغ الرسل يحتاج للسماع، وهما أهم آلتين في البلاغ، فأنت ترى بالعين آيات الكون ومعجزات الرسل، وتسمع البلاغ بمنهج الله سبحانه وتعالى من الرسل.

وقد لفتنا الإمام علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ إلى العجائب فقال: " اعجبوا لهذا الإنسان، ينظر بشحمٍ، ويتكلم بلَحْمٍ، ويسمع بعظمٍ، ويتنفس من خَرْمٍ ".

فالصوت يطرق عظمة الأذن، ويرنّ على طبلتها، ونرى بشحمة العين، وننطق بلحمة اللسان.

وأضاف البعض: " ونشمْ بغضروف، ونلمس بجلد، ونفكر بعجين ". فالإنسان يولد وكأن مخه قطعة من العجين التي تعمل في استقبال المعلومات من الكون وتخزينها فيه، وهي التي ستكون ركيزة لتشكيل الفؤاد من بعد ذلك.

وجاء قول الحق سبحانه هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها بوسيلتين من وسائل الإدراك، وترك بقية الوسائل الثلاث الأخرى الظاهرة، مع أن العلم الحديث حين تلكم عن وظائف الأعضاء، احتاط للأمر وقرر أن هذه الحواس هي الحواس الخمس الظاهرة.

وهذا يعني أن هناك حواسّاً أخرى غير هذه سيكشف عنها، وهي حواس لم يكن القدماء يعرفونها، مثل حاسة البَيْنَ بَيْنَ، التي نفرق بها بين أنواع الأقمشة والأوراق وغيرها، وكثافة هذا النوع من ذلك، وهذه الحاسة توجد بين لمستين من إصبعين متقاربين.

وكذلك حاسة العَضَل التي تزن ثقل الأشياء، وتعرف حين تحمل ثقلاً ما مدى الإجهاد الذي يسببه لك، وهل يختلف عن إجهاد حَمْل ثقلٍ آخر.وحين نظر العلماء في معاني الألفاظ قالوا: " النظائر حين تخالف فلا بد من علّة للمخالفة " فالسمع آلة إدراك، والبصر آلة إدراك، فلماذا قال الحق سبحانه في آلة الإدراك " السمع " ، وقال في الآلة الثانية " الإبصار "؟، ولماذا جاء السمع بالإفراد، وجاء الإبصار بالجمع، ولم يأتْ بالاثنين على وتيرة واحدة؟

فنقول: إن المتكلم هو الله تعالى، وكل كلمة منه لها حكمة وموضوعة بميزان، وأنت، حين تسمع، تسمع أي صوت قادم من أي مكان، لكنك بالعين ترى من جهة واحدة، فإنْ أردتَ أن ترى ما على يمينك فأنت تتجه بعينيك إلى اليمين، وإنْ أردت أن ترى ما خلفك، فأنت تغيِّر من وقفتك، فالأذن تسمع بدون عمل منك، لكن البصر يحتاج إلى عمليات متعددة؛ لترى ما تريد.

وأيضاً فالسمع لا اختيار لك فيه، فأنت لا تستطيع أن تحجب أذنك عن سماع شيء، أما الإبصار فأنت تتحكم فيه بالحركة أو بإغلاق العين.

وجاء الحق ـ سبحانه وتعالى ـ بالسمع أولاً؛ لأن الأذن هي أول وسيلة إدراك تؤدي مهمتها في الإنسان، أما العين فلا تبدأ في أداء مهمتها إلا من بعد ثلاثة أيام إلى عشرة أيام غالباً.

وهنا يقول الحق سبحانه: { أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وٱلأَبْصَارَ } [يونس: 31].

والحق سبحانه يملكها؛ لأنه خالقها وهو القادر على أن يصونها، وهو القادر سبحانه على أن يُعَطِّلها، وقد أعطانا الحق مثالاً لهذا في القرآن فقال عن أصحاب الكهف:
{  فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي ٱلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً }
[الكهف: 11]

فَعَطَّل الله سبحانه أسماعهم بأن ضرب على آذانهم، فذهبوا في نوم استمر ثلاثة قرون من الزمن وازدادوا تسعاً.

كيف حدث هذا؟.. إن أقصى ما ينامه الإنسان العادي هو يوم وليلة، ولذلك عندما بعثهم الله تساءلوا فيما بينهم:
{  قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ }
[الكهف: 19].

ولكن هيئتهم لم تكن تدل على هذا، فإن شعورهم قد طالت جدّاً، بل إن لونها الأسود قد تبدل وأصبحوا شيباً وكهولاً، ولذلك قال الحق سبحانه:
{  لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً }
[الكهف: 18].

ونلحظ هنا ملحظاً يجب الانتباه إليه، ففي هذه الآية الكريمة يقول الحق سبحانه: { أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وٱلأَبْصَارَ } [يونس: 31].

بينما يقول في آية أخرى في سورة السجدة:
{  وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ }
[السجدة: 9].

ولا بد أن ننتبه إلى الفارق بين " الخَلْق " و " الجَعْل " ، و " الملْك " ، فالخلق قد عرفنا أمره، وملكية كل شيء لله ـ تعالى ـ أمر مُلْزِمٌ في العقيدة، ومعروف، أما " الجَعْل " ، فهو توجيه ما خلق إلى مهمته.

فأنت تجعل الطين إبريقاً، والقماس جلباباً، هذا على المستوى البشري، أما الحق سبحانه وتعالى فقد خلق المادة أولاً، ثم جعل من المادة سمعاً وبصراً، وزاد من بعد ذلك { أَمَّن يَمْلِكُ } ، فمن خَلَق هو الله تعالى، ومن جَعَلَ هو الله تعالى، ومن مَلَكَ هو الله تعالى.وهو سبحانه ينبهنا إلى ذلك، فالأشياء النافعة لابن آدم يخلقها الله سبحانه، ويجعلها، ثم يُملِّكها له.

أما ذات الإنسان وأبعاضه من سمع وبصر وغيرهما وإن كانت قد خُلقت في الإنسان، وجُعلت له للانتفاع بها، ولكنها ستظل مِلْكاً لله، يبقيها على حالها، او يخطفها أو يصيبها بآفة، أو يعطلها.

إذن: فهي خُلقت لله، وجُعلت من الله، وتظل مملوكة لله، ويُصيِّرها كيف يشاء، فدقات القلب والحب والكراهية والأمور اللا إرادية التي تعمل لصالح الإنسان هي مملكة الله.

والحق سبحانه ـ على سبيل المثال ـ جعل لكلِّ حيوان جلداً؛ ننتفع به وندبغه إلا جلدين اثنين: جلد الإنسان وجلد الخنزير، وقد حُرِّم استخدام جلد الإنسان؛ لكرامته عند خالقه، وحُرِّم استخدام جلد الخنزير؛ ليدُلَّ على حرمته ونجاسته.

وعلينا أن ننتبه إلى أن الحق سبحانه قد خَلَقَ وجَعَلَ ومَلَكَ، ودليل ملكية الحق ـ سبحانه وتعالى ـ أنه حَرَّم الجنة على المُنتحِر؛ لأنه لا يأخذ الحياة إلا واهبُ الحياة، فأنت أيها الإنسان لستَ مِلْكَ نفسك. ولا عذر لأحد ما دام قد وصله هذا البلاغ، وعليه أن يستوعبه أما من لايستوعب؛ فيلقى مصيره.

لذلك فإنه سبحانه هو الذي رزق، وهو ـ سبحانه ـ الذي يملك.

ثم يقول الحق سبحانه: { وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ } [يونس: 31].

ونحن نعلم أن لكل كائن في الوجود حياة تناسبه، بدليل قول الحق سبحانه:
{  كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ }
[القصص: 88].

وما دام كل شيء سيأتي له وقت يهلك فيه، فمعنى ذلك أن لكل شيء حياة، إلا أن حياتنا نحن في ظاهر الأمر عبارة عن الحس والحركة، والإنسان يأكل الخضروات والخبز والفاكهة، ومن هذه المأكولات وغيرها يكوِّن الجسمُ الحيوانات المنوية في الرجل، والبويضات في المرأة، ومنهما يأتي الإنسان، وكذلك يخرج الكتكوت من البيضة المخصَّبة؛ لأن البيضة غير المخصبة لا تُخرِج كتكوتاً؛ فهي بدون حياة؛ ولذلك لا يتكون منها جنين، فهناك فرق بين قابلية الحياة، وبين الحياة نفسها.

وكذلك نواة التمرة، إذا ما ألقيتْ دون أن توضع في الأرض، فلن تكون نخلة أبداً، ولكن إذا ما زُرعتْ في الأرض، ووجدت لها البيئة المناسبة؛ خرجَتْ نخلة.

ثم يقول الحق سبحانه: { وَمَن يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ } [يونس: 31].

والتدبير هو عملية الإدارة لأي شيء؛ حتى يؤدي مهمته، وبالله من يُدير قلبك؟ ومن يدير حركة أمعائك؟ لتستخلص من الطعام ما يفيدك، ثم تخرج ما لا يفيدك.

إياك أن تقول: إنني أنا الذي أدير ذلك؟ ونقول: كنت طفلاً في مرحلة الطفولة، فهل كنت تدير حركة قلبك أو أمعائك؟ ومَنْ الذي يدير حركة رئتيك؟ إن الذي يديرها هو خالقها؛ لذلك اطمئنوا على حركة أجهزتكم التي لا دخل لكم فيها؛ لأن الذي خلقها فيكم قيُّوم لا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يؤوده حفظ ذلك.ويجيب مَنْ يسألهم الرسول صلى الله عليه وسلم على كل تلك الأسئلة ـ بأمر الله تعالى ـ الإجابة التي حددها الله سبحانه سلفاً { فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ } [يونس: 31].

إذن: أما كان يجب أن نرهف الآذان، ونُعْمِل الأبصار؛ لنرى قدرة الله سبحانه الذي وهب لنا كل تلك النعم من رزق، وسمع، وبصر، وإحياء ، وإماتة، وإحياء من ميت، وتدبير الأمر كله؟

أما كان يجب أن نقول: يا مَنْ خَلَقْتَنَا ماذا تنتظر مِنَّا؛ لنعمِّر الكون الذي أوجدتنا فيه؟ فكيف ـ إذن ـ يتجه البعض بالعبَادة لغير الله تعالى؛ لشمسٍ أو قمرٍ، أو ملائكة، أو نبيّ، أو صنمٍ؟ كيف ذلك والعبادة معناها إطاعة العابد للمعبود فيما يأمر به؟ وهل هناك إله بغير منهج يأمر به عباده، ومن عبد الشمس هل كَلَّفته بشيء؟.. لا.

إذن: يتساوى عندها مَنْ عبدها، ومَنْ لم يعبدها، وفي هذا نقض لألوهية كل معبود غير الله تعالى.

ولذلك يُنهي الحق سبحانه الآية بقوله: { أَفَلاَ تَتَّقُونَ } [يونس: 31].

فما دام الله سبحانه هو الذي خلق كل ذلك، وأنزل منهجاً، فعليكم أن تجعلوا بينكم وبينه وقاية؛ تحميكم من صفات الجلال، وتقرّبكم من آثار صفات الجمال وأن تسمعوا إلى البلاغ من الرسل عليهم السلام، وإلى مطلوباته سبحانه.

وما دام كل إنسان سيجيب عن أسئلة هذه الآية، ويعترف أن الخالف سبحانه والمالك هو الله تعالى، فعلى الإنسان أن يقي نفسه النار.

والعجيب أن الجميع يجيب بأن الله سبحانه هو الذي خَلَق، فالحق سبحانه يقول:
{  وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ }
[الزخرف: 87].

ويقول أيضاً:
{  وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ }
[لقمان: 25].

وما دام الله تعالى هو الذي خلق، وزرق، ودبَّر الأمر، فكيف تتركون عبادته وتتجهون لعبادة غيره؟

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { فَذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ }


www.alro7.net
يمكن مراسلتنا على
contactus@alro7.net