سورة
اية:

عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى متوعداً لهذا الخبيث، الذي أنعم اللّه عليه بنعم الدنيا، فكفر بأنعم اللّه وبدلها كفراً، وقابلها بالجحود بآيات اللّه والافتراء عليها، وقد عدّد اللّه عليه نعمه حيث قال تعالى: { ذرني ومن خلقت وحيداً} أي خرج من بطن أمه وحده لا مال له ولا ولد، ثم رزقه اللّه تعالى: { مالاً ممدوداً} أي واسعاً كثيراً، قيل: ألف دينار، وقيل: مائة ألف دينار، وقيل أرضاً يستغلها، وقيل غير ذلك، وجعل له { بنين شهوداً} قال مجاهد: لا يغيبون، أي حضوراً عنده لا يسافرون، وهم قعود عند أبيهم يتمتع بهم ويتملى بهم، وكانوا فيما ذكره السدي ثلاثة عشر، وقال ابن عباس ومجاهد: كانوا عشرة، وهذا أبلغ في النعمة، وهو إقامتهم عنده، { ومهدت له تمهيداً} أي مكنته من صنوف المال والأثاث وغير ذلك، { ثم يطمع أن أزيد . كلا إنه كان لآياتنا عنيداً} أي معانداً وهو الكفر على نعمه بعد العلم. قال اللّه تعالى: { سأرهقه صعوداً} . روى ابن أبي حاتم، عن أبي سعيد عن النبي صلى اللّه عليه وسلم { سأرهقه صعوداً} قال: (هو جبل في النار من نار يكلف أن يصعده، فإذا وضع يده ذابت، وإذا رفعها عادت) ""رواه ابن أبي حاتم و البزار وابن جرير""، وقال ابن عباس { صعوداً} صخرة في جهنم يسحب عليها الكافر على وجهه، وقال السدي: { صعوداً} : صخرة ملساء في جهنم يكلف أن يصعدها، وقال مجاهد: { سأرهقه صعوداً} أي مشقة من العذاب، وقال قتادة: عذاباً لا راحة فيه، واختاره ابن جرير، وقوله تعالى: { إنه فكر وقدر} أي إنما أرهقناه صعوداً لبعده عن الإيمان لأنه فكّر { وقدّر} أي تروّى ماذا يقول في القرآن حين سئل عن القرآن ففكّر ماذا يختلق من المقال { وقدّر} أي تروّى { فقتل كيف قدّر . ثم قتل كيف قدّر} دعاء عليه { ثم نظر} أي أعاد النظرة والتروي { ثم عبس} أي قبض بين عينيه وقطّب { وبسر} أي كلح كره، ومنه قول توبة بن حمير: وقد رابني منها صدود رأيته ** وإعراضها عن حاجتي وبُسُورها وقوله تعالى: { ثم أدبر واستكبر} أي صرف عن الحق، ورجع القهقرى مستكبراً عن الانقياد للقرآن { فقال إن هذا إلا سحر يؤثر} أي هذا سحر ينقله محمد عن غيره ممن قبله ويحكيه عنهم، ولهذا قال: { إن هذا إلا قول البشر} أي ليس بكلام اللّه، وهذا المذكور في هذا السياق هو الوليد بن المغيرة المخزومي، أحد رؤساء قريش لعنه اللّه، قال ابن عباس: (دخل الوليد بن المغيرة على أبي بكر، فسأله عن القرآن، فلما أخبره خرج على قريش فقال: يا عجباً لما يقول ابن أبي كبشة فواللّه ما هو بشعر، ولا بسحر، ولا بهذي من الجنون، وإن قوله لمن كلام اللّه، فلما سمع بذلك النفر من قريش ائتمروا، وقالوا: واللّه لئن صبا الوليد لتصبو قريش، فلما سمع بذلك أبو جهل بن هشام قال: أنا واللّه أكفيكم شأنه، فانطلق حتى دخل عليه بيته، فقال الوليد: ألم تر إلى قومك قد جمعوا لك الصدقة؟ فقال: ألست أكثرهم مالاً وولداً؟ فقال أبو جهل: يتحدثون أنك إنما تدخل على ابن أبي قحافة لتصيب من طعامه، فقال الوليد: أقد تحدث به عشيرتي؟ فلا واللّه لا أقرب ابن أبي قحافة ولا عمر ولا ابن أبي كبشة، وما قوله إلا سحر يؤثر، فأنزل اللّه على رسوله صلى اللّه عليه وسلم: { ذرني ومن خلقت وحيداً} إلى قوله { لا تبقي ولا تذر} ""أخرجه العوفي عن ابن عباس""وقال قتادة: زعموا أنه قال: واللّه لقد نظرت فيما قال الرجل، فإذا هو ليس بشعر وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ليعلو وما يعلى عليه وما أشك أنه سحر فأنزل اللّه: { فقتل كيف قدّر} الآية، { ثم عبس وبسر} قبض ما بين عينيه وكلح، وروى ابن جرير عن عكرمة: أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم، فقرأ عليه القرآن فكأنه رقّ له، فبلغ ذلك أبا جهل بن هشام، فأتاه فقال: أي عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالاً، قال: لم؟ قال: يعطونكه، فإنك أتيت محمداً تعرض لما قبله، قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالاً، قال: فقل فيه قولاً يعلم قومك أنك منكر لما قال، وأنك كاره له، قال: فماذا أقول فيه؟ فواللّه ما منكم رجل أعلم بالأشعار مني ولا أعلم برجزه ولا بقصيده، ولا بأشعار الجن، واللّه ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا، واللّه إن لقوله الذي يقوله لحلاوة، وإنه ليحطم ما تحته، وإنه ليعلو وما يعلى قال: واللّه لا يرضى قومك حتى تقول فيه، قال فدعني حتى أتفكر فيه، فلما فكر قال: إن هذا إلا سحر يؤثره عن غيره، فنزلت: { ذرني ومن خلقت وحيداً} حتى بلغ { تسعة عشر} ""رواه ابن جرير"". وقد زعم السدي أنهم لما اجتمعوا في دار الندوة ليجمعوا رأيهم على قول يقولونه فيه قبل أن يقدم عليهم وفود العرب للحج ليصدونهم عنه، فقال قائلون: شاعر، وقال آخرون: ساحر، وقال آخرون: كاهن، وقال آخرون: مجنون، كما قال تعالى: { انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلاً} ، كل هذا والوليد يفكر فيما يقوله فيه، ففكر وقدر، ونظر وعبس وبسر، فقال: إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر""قال اللّه تعالى: { سأصليه سقر} أي سأغمره فيها من جميع جهاته، ثم قال تعالى: { وما أدراك ما سقر} ؟ وهذا تهويل لأمرها وتفخيم، ثم فسر ذلك بقوله تعالى: { لا تبقي ولا تذر} أي تأكل لحومهم وعروقهم وعصبهم وجلودهم، ثم تبدل غير ذلك وهم في ذلك لا يموتون ولا يحيون. وقوله تعالى: { لواحة للبشر} قال مجاهد: أي للجلد، وقال أبو رزين: تلفح الجلد لفحة فتدعه أسود من الليل، وقال ابن عباس: تحرق بشرة الإنسان، وقوله تعالى: { عليها تسعة عشر} أي من مقدمي الزبانية، عظيم خلقهم، غليظ خُلُقهم، روى ابن أبي حاتم، عن البراء في قوله تعالى: { عليها تسعة عشر} قال: إن رهطاً من اليهود سألوا رجلاً من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن خزنة جهنم، فقال: اللّه ورسوله أعلم، فجاء رجل فأخبر النبي صلى اللّه عليه وسلم، فأنزل اللّه تعالى عليه ساعتئذ { عليها تسعة عشر} فأخبر أصحابه ""رواه ابن أبي حاتم"". وروى الحافظ البراز عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال: يا محمد، غلب أصحابك اليوم، فقال: (بأي شيء)؟ قال: سألتهم يهود: هل أعلمكم نبيكم عدة خزنة أهل النار؟ قالوا: لا نعلم حتى نسأل نبينا صلى اللّه عليه وسلم، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (أفغلب قوم يسألون عما لا يعلمون فقالوا: لا نعلم، حتى نسأل نبينا صلى اللّه عليه وسلم ؟ عليَّ بأعداء اللّه، لكنهم قد سألوا نبيهم أن يريهم اللّه) جهرة فأرسل إليهم فدعاهم، قالوا: يا أبا القاسم كم عدة خزنة أهل النار؟ قال: (هكذا) وطبّق كفيه، ثم طبق كفيه مرتين وعقد واحدة، وقال لأصحابه: (إن سئلتم عن تربة الجنة فهي الدرمك) فلما سألوه فأخبرهم بعدة خزنة أهل النار، قال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (ما تربة الجنة) فنظر بعضهم إلى بعض، فقالوا: خبزة يا أبا القاسم، فقال: (الخبز من الدرمك) ""رواه البزار وأحمد والترمذي"".

تفسير الجلالين

{ عليها تسعة عشر } ملكا خزنتها قال بعض الكفار وكان قويا شديد البأس أنا أكفيكم سبعة عشر واكفوني أنتم اثنين قال تعالى:

تفسير القرطبي

قوله تعالى { عليها تسعة عشر} أي على سقر تسعه عشر من الملائكة يلقون فيها أهلها. ثم قيل : على جملة النار تسعة عشر من الملائكة هم خزنتها؛ مالك وثمانية عشر ملكا. ويحتمل أن تكون التسعة عشر نقيبا، ويحتمل أن يكون تسعة عشر ملكا بأعيانهم. وعلى هذا أكثر المفسرين. الثعلبي : ولا ينكر هذا، فإذا كان ملك واحد يقبض أرواح جميع الخلائق كان أحرى أن يكون تسعة عشر على عذاب بعض الخلائق. وقال ابن جريج : نعت النبي صلى الله عليه وسلم خزنة جهنم فقال : [فكأن أعينهم البرق، وكأن أفواههم الصياصي، يجرون أشعارهم، لأحدهم من القوة مثل قوة الثقلين، يسوق أحدهم الأمة وعلى رقبته جبل، فيرميهم في النار، ويرمي فوقهم الجبل]. قلت : وذكر ابن المبارك قال : حدثنا حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس، عن رجل من بني تميم قال : كنا عند أبي العوام، فقرأ هذه الآية { وما أدراك ما سقر. لا تبقى ولا تذر. لواحة للبشر. عليها تسعة عشر} فقال ما تسعة عشر؟ تسعة عشر ألف ملك، أو تسعة عشر ملكا؟ قال : قلت : لا بل تسعة عشر ملكا. فقال : وأنى تعلم ذلك؟ فقلت : لقول الله عز وجل { وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا} قال : صدقت هم تسعة عشر ملكا، بيد كل ملك منهم مرزبة لها شعبتان، فيضرب الضربة فيهوي بها في النار سبعين ألفا. وعن عمرو بن دينار : كل واحد منهم يدفع بالدفعة الواحدة في جهنم أكثر من ربيعة ومضر. خرج الترمذي عن جابر بن عبدالله. قال : قال ناس من اليهود لأناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : هل يعلم نبيكم عدد خزنة جهنم؟ قالوا : لا ندري حتى نسأل نبينا. فجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد غُلب أصحابك اليوم؛ فقال : (وماذا غلبوا)؟ قال : سألهم يهود : هل يعلم نبيكم عدد خزنة جهنم؟ قال : (فماذا قالوا) قال : قالوا لا ندري حتى نسأل نبينا. قال : (أفغلب قوم سئلوا عما لا يعلمون، فقالوا لا نعلم حتى نسأل نبينا؟ لكنهم قد سألوا نبيهم فقالوا أرنا الله جهرة، علي بأعداء الله! إني سائلهم عن تربة الجنة وهي الدرمك). فلما جاؤوا قالوا : يا أبا القاسم كم عدد خزنة جهنم؟ قال : (هكذا وهكذا) في مرة عشرة وفي مرة تسعة. قالوا : نعم. قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : (ما تربة الجنة) قال : فسكتوا هنيهة ثم قالوا : أخبزة يا أبا القاسم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (الخبز من الدرمك). قال أبو عيسى : هذا حديث غريب، إنما نعرفه من هذا الوجه من حديث مجالد عن الشعبي عن جابر. وذكر ابن وهب قال : حدثنا عبدالرحمن بن زيد، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في خزنة جهنم : [ما بين منكبي أحدهم كما بين المشرق والمغرب]. وقال ابن عباس : ما بين منكبي الواحد منهم مسيرة سنة، وقوة الواحد منهم أن يضرب بالمقمع فيدفع بتلك الضربة سبعين ألف إنسان في قعر جهنم. قلت : والصحيح إن شاء الله أن هؤلاء التسعة عشر، هم الرؤساء والنقباء، وأما جملتهم فالعبارة تعجز عنها؛ كما قال الله تعالى { وما يعلم جنود ربك إلا هو} وقد ثبت في الصحيح عن عبدالله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها). وقال ابن عباس وقتادة والضحاك : لما نزل { عليها تسعة عشر} قال أبو جهل لقريش : ثكلتكم أمهاتكم! أسمع بن أبي كبشة يخبركم أن خزنة جهنم تسعة عشر، وأنتم الدهم - أي العدد - والشجعان، فيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منهم! قال السدي : فقال أبو الأسود بن كلدة الجمحي : لا يهولنكم التسعة عشر، أنا أدفع بمنكبي الأيمن عشرة من الملائكة، وبمنكبي الأيسر التسعة، ثم تمرون إلى الجنة؛ يقولها مستهزئا. في رواية : أن الحرث بن كلدة قال أنا أكفيكم سبعة عشر، واكفوني أنتم اثنين. وقيل : إن أبا جهل قال أفيعجز كل مائة منكم أن يبطشوا بواحد منهم، ثم تخرجون من النار؟ فنزل قوله تعالى { وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة} أي لم نجعلهم رجالا فتتعاطون مغالبتهم. وقيل : جعلهم ملائكة لأنهم خلاف جنس المعذبين من الجن والإنس، فلا يأخذهم ما يأخذ المجانس من الرأفة والرقة، ولا يستروحون إليهم؛ ولأنهم أقوم خلق الله بحق الله وبالغضب له، فتؤمن هوادتهم؛ ولأنهم أشد خلق الله بأسا وأقواهم بطشا. { وما جعلنا عدتهم إلا فتنة} أي بلية. وروي عن ابن عباس من غير وجه قال : ضلالة للذين كفروا، يريد أبا جهل وذويه. وقيل : إلا عذابا، كما قال تعالى { يوم هم على النار يفتنون. ذوقوا فتنتكم} [الذاريات : 14]. أي جعلنا ذلك سبب كفرهم وسبب العذاب. وفي { تسعة عشر} سبع قراءات : قراءة العامة { تسعة عشر} . وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وطلحة بن سليمان { تسعة عشر} بإسكان العين. وعن ابن عباس { تسعة عشر} بضم الهاء. وعن أنس بن مالك { تسعة وعشر} وعنه أيضا { تسعة وعشر} . وعنه أيضا { تسعة أعشر} ذكرها المهدوي وقال : من قرأ { تسعة عشر} أسكن العين لتوالي الحركات. ومن قرأ { تسعة وعشر} جاء به على الأصل قبل التركيب، وعطف عشرا على تسعة، وحذف التنوين لكثرة الاستعمال، وأسكن الراء من عشر على نية السكوت عليها. ومن قرأ { تسعة عشر} فكأنه من التداخل؛ كأنه أراد العطف وترك التركيب، فرفع هاء التأنيث، ثم راجع البناء وأسكن. وأما { تسعة أعشر} : فغير معروف، وقد أنكرها أبو حاتم. وكذلك { تسعة وعشر} لأنها محمولة على { تسعة أعشر} والواو بدل من الهمزة، وليس لذلك وجه عند النحويين. الزمخشري : وقرئ { تسعة أعشر} جمع عشير، مثل يمين وأيمن. قوله تعالى { ليستيقن الذين أوتوا الكتاب} أي ليوقن الذين أعطوا التوراة والإنجيل أن عدة خزنة جهنم موافقة لما عندهم؛ قال ابن عباس وقتادة والضحاك ومجاهد وغيرهم. ثم يحتمل أنه يريد الذين آمنوا منهم كعبدالله بن سلام. ويحتمل أنه يريد الكل. ويزداد الذين آمنوا إيمانا { بذلك؛ لأنهم كلما صدقوا بما في كتاب الله آمنوا، ثم ازدادوا إيمانا لتصديقهم بعدد خزنة جهنم. { ولا يرتاب} أي ولا يشك { الذين أوتوا الكتاب} أي أعطوا الكتاب { والمؤمنون} أي المصدقون من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في أن عدة خزنة جهنم تسعة عشر. { وليقول الذين في قلوبهم مرض} أي في صدورهم شك ونفاق من منافقي أهل المدينة، الذين ينجمون في مستقبل الزمان بعد الهجرة ولم يكن بمكة نفاق وإنما نجم بالمدينة. وقيل : المعنى؛ أي وليقول المنافقون الذين ينجمون في مستقبل الزمان بعد الهجرة. { والكافرون} أي اليهود والنصارى { ماذا أراد الله بهذا مثلا} يعني بعدد خزنة جهنم. وقال الحسين بن الفضل : السورة مكية ولم يكن بمكة نفاق؛ فالمرض في هذه الآية الخلاف و { الكافرون} أي مشركو العرب. وعلى القول الأول أكثر المفسرين. ويجوز أن يراد بالمرض : الشك والارتياب؛ لأن أهل مكة كان أكثرهم شاكين، وبعضهم قاطعين بالكذب وقوله تعالى إخبارا عنهم { ماذا أراد الله} أي ما أراد { بهذا} العدد الذي ذكره حديثا، أي ما هذا من الحديث. قال الليث : المثل الحديث؛ ومنه { مثل الجنة التي وعد المتقون} أي حديثها والخبر عنها { كذلك} أي كإضلال الله أبا جهل وأصحابه المنكرين لخزنة جهنم { يضل الله} أي يخزي ويعمي { من يشاء ويهدي} أي ويرشد { من يشاء} كإرشاد أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل { كذلك يضل الله} عن الجنة { من يشاء ويهدي} إليها من يشاء { وما يعلم جنود ربك إلا هو} أي وما يدري عدد ملائكة ربك الذين خلقهم لتعذيب أهل النار { إلا هو} أي إلا الله جل ثناؤه وهذا جواب لأبي جهل حين قال : أما لمحمد من الجنود إلا تسعة عشر! وعن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم غنائم حنين، فأتاه جبريل فجلس عنده، فأتى ملك فقال : إن ربك يأمرك بكذا وكذا، فخشي النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون شيطانا، فقال : (يا جبريل أتعرفه)؟ فقال : هو ملك وما كل ملائكة ربك أعرف. وقال الأوزاعي : قال موسى يا رب من في السماء؟ قال ملائكتي. قال كم عدتهم يا رب؟ قال : اثني عشر سبطا. قال : كم عدة كل سبط؟ قال : عدد التراب ذكرهما الثعلبي. وفي الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم : (أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته لله ساجدا). قوله تعالى { وما هي إلا ذكرى للبشر} يعني الدلائل والحجج والقرآن. وقيل { وما هي} أي وما هذه النار التي هي سقر { إلا ذكري} أي عظة { للبشر} أي للخلق. وقيل : نار الدنيا تذكرة لنار الآخرة. قال الزجاج. وقيل : أي ما هذه العدة { إلا ذكري للبشر} أي ليتذكروا ويعلموا كمال قدرة الله تعالى، وأنه لا يحتاج إلى أعوان وأنصار؛ فالكناية على هذا في قوله تعالى { وما هي} ترجع إلى الجنود؛ لأنه أقرب مذكور.


www.alro7.net