سورة
اية:

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: فسدِّدْ وجهك واستمر على الدين الذي شرعه اللّه لك من الحنيفية ملة إبراهيم الذي هداك اللّه لها، وكملها لك غاية الكمال، ولازم فطرتك السليمة التي فطر اللّه الخلق عليها، فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيد، وأنه لا إله غيره. وقوله تعالى: { لا تبديل لخلق اللّه} قال بعضهم: معناه لا تبدلوا خلق اللّه، فتغيروا الناس عن فطرتهم التي فطرهم التي فطرهم اللّه عليها، فيكون خبراً بمعنى الطلب، كقوله تعالى: { ومن دخله كان آمناً} وهو معنى حسن صحيح، وقال آخرون هو خبر على بابه، ومعناه أنه تعالى ساوى بين خلقه كلهم في الفطرة، ولا تفاوت بين الناس في ذلك، ولهذا قال ابن عباس { لا تبديل لخلق اللّه} أي لدين اللّه، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (ما من مولود يولد إلا على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء) ثم يقول: { فطرة اللّه التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق اللّه ذلك الدين القيم} ""أخرجه البخاري عن أبي هريرة ورواه أيضاً مسلم"". وروى الإمام أحمد عن الأسود بن سريع قال: أتيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وغزوت معه، فأصبت ظفراً. فقاتل الناس يومئذ حتى قتلوا الولدان، فبلغ ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: (ما بال أقوام جاوزهم القتل اليوم حتى قتلوا الذرية)؟ فقال رجل: يا رسول اللّه أما هم أبناء المشركين؟ فقال: (لا إنما خياركم أبناء المشركين، ثم قال: لا تقتلوا ذرية، لا تقتلوا ذرية، وقال: كل نسمة تولد على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها فأبواها يهودانها أو ينصرانها) ""أخرجه الإمام أحمد في مسنده والنسائي في كتاب السير""، وعن جابر بن عبد اللّه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه فإذا عبر عنه لسانه إما شاكراً وإما كفوراً) ""أخرجه أحمد عن جابر بن عبد اللّه مرفوعاً"". وروى الإمام أحمد عن عياض بن حمار: أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خطب ذات يوم فقال في خطبته: (إن ربي عزَّ وجلَّ أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني في يومي هذا: كل مال نحلته عبادي حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فأضلتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن لا يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً، ثم إن اللّه عزَّ وجلَّ نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابًا لا يغسله الماء تقرؤه نائماً ويقظان، ثم إن اللّه أمرني أن أحرق قريشاً، فقلت: رب إذاً يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة، قال: استخرجهم كما استخرجوك، واغزهم نغزك، وأنفق فسننفق عليك، وابعث جيشاً نبعث خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك. قال: وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مسقط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، ورجل عفيف متعفف ذو عيال. قال: (وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زِبْر ( لا زِبْر: بكسر الزاي وفتحها: أي لا عقل له ) له، الذين هم فيكم تبع لا يبتغون أهلاً ولا مالاً، والخائن الذي لا يخفى له طمع - وإن دق - إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك)، وذكر البخيل والكذاب والشنْظير الفحَّاش (""أخرجه أحمد ومعنى الشنظير: السيء الخلق البذيء اللسان""). وقوله تعالى: { ذلك دين القيم} أي التمسك بالشريعة والفطرة السليمة هو الدين القيم المستقيم { ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أي فلهذا لا يعرفه أكثر الناس فهم عنه ناكبون، كما قال تعالى: { وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} ، وقال تعالى: { وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل اللّه} الآية. وقوله تعالى: { منيبين إليه} قال ابن جريح: أي راجعين إليه { واتقوه} أي خافوه وراقبوه { وأقيموا الصلاة} وهي الطاعة العظيمة { ولا تكونوا من المشركين} أي بل كونوا من الموحدين المخلصين له العبادة لا يريدون بها سواه، قال ابن جرير: مر عمر رضي اللّه عنه بمعاذ بن جبل، فقال عمر: ما قوام هذه الأمة؟ قال معاذ: ثلاث وهن المنجيات: الإخلاص، وهي الفطرة، فطرة اللّه التي فطر الناس عليها، والصلاة وهي الملة، والطاعة وهي العصمة، فقال عمر صدقت. وقوله تعالى: { من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون} أي لا تكونوا من المشركين الذين قد فرقوا دينهم أي بدلوه وغيروه وآمنوا ببعض وكفروا ببعض؛ كاليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأوثان وسائر أهل الأديان الباطلة مما عدا أهل الإسلام، كما قال تعالى: { إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى اللّه} الآية، فأهل الأديان قبلنا اختلفوا فيما بينهم على آراء باطلة، وكل فرقة منهم تزعم أنهم على شيء، وهذه الأمة أيضاً اختلفوا فيما بينهم على نحل كلها ضلالة إلا واحدة، وهم أهل السنّة والجماعة المتمسكون بكتاب اللّه وسنّة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وبما كان عليه الصدر الأول من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين في قديم الدهر وحديثه، كما رواه الحاكم في مستدركه أنه: سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن الفرقة الناجية منهم قال: (من كان على ما أنا عليه اليوم وأصحابي).

تفسير الجلالين

{ فأقم } يا محمد { وجهك للدين حنيفا} مائلا إليه: أي أخلص دينك لله أنت ومن تبعك { فطرتَ الله } خلقته { التي فطر الناس عليها } وهي دينه أي: الزموها { لا تبديل لخلق الله } لدينه أي: لا تبدلوه بأن تشركوا { ذلك الدين القيّم } المستقيم توحيد الله { ولكن أكثر الناس } أي كفار مكة { لا يعلمون } توحيد الله.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَأَقِمْ وَجْهك لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَة اللَّه الَّتِي فَطَرَ النَّاس عَلَيْهَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَسَدِّدْ وَجْهك نَحْو الْوَجْه الَّذِي وَجَّهَك إِلَيْهِ رَبّك يَا مُحَمَّد لِطَاعَتِهِ , وَهِيَ الدِّين , { حَنِيفًا } يَقُول : مُسْتَقِيمًا لِدِينِهِ وَطَاعَته , { فِطْرَة اللَّه الَّتِي فَطَرَ النَّاس عَلَيْهَا } يَقُول : صَنْعَة اللَّه الَّتِي خَلَقَ النَّاس عَلَيْهَا ; وَنُصِبَتْ فِطْرَة عَلَى الْمَصْدَر مِنْ مَعْنَى قَوْله { فَأَقِمْ وَجْهك لِلدِّينِ حَنِيفًا } وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : فَطَرَ اللَّه النَّاس عَلَى ذَلِكَ فِطْرَة . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21288 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { فِطْرَة اللَّه الَّتِي فَطَرَ النَّاس عَلَيْهَا } قَالَ : الْإِسْلَام مُذْ خَلَقَهُمْ اللَّه مِنْ آدَم جَمِيعًا , يُقِرُّونَ بِذَلِكَ , وَقَرَأَ : { وَإِذْ أَخَذَ رَبّك مِنْ بَنِي آدَم مِنْ ظُهُورهمْ ذُرِّيَّتهمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسهمْ أَلَسْت بِرَبِّكُمْ ؟ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا } 7 172 قَالَ : { كَانَ النَّاس أُمَّة وَاحِدَة فَبَعَثَ اللَّه النَّبِيِّينَ } 2 213 بَعْد . 21289 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { فِطْرَة اللَّه } قَالَ : الْإِسْلَام . 21290 -حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَا : ثَنَا يُونُس بْن أَبِي صَالِح , عَنْ يَزِيد بْن أَبِي مَرْيَم , قَالَ : مَرَّ عُمَر بِمَعَاذِ بْن جَبَل , فَقَالَ : مَا قِوَام هَذِهِ الْأُمَّة ؟ قَالَ مُعَاذ : ثَلَاث , وَهُنَّ الْمُنْجِيَات : الْإِخْلَاص , وَهُوَ الْفِطْرَة { فِطْرَة اللَّه الَّتِي فَطَرَ النَّاس عَلَيْهَا } وَالصَّلَاة ; وَهِيَ الْمِلَّة وَالطَّاعَة ; وَهِيَ الْعِصْمَة , فَقَالَ عُمَر : صَدَقْت . * حَدَّثني يَعْقُوب , قَالَ : ثني اِبْن عُلَيَّة , قَالَ : ثَنَا أَيُّوب , عَنْ أَبِي قِلَابَة أَنَّ عُمَر قَالَ لِمُعَاذٍ : مَا قِوَام هَذِهِ الْأُمَّة ؟ ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوه . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَأَقِمْ وَجْهك لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَة اللَّه الَّتِي فَطَرَ النَّاس عَلَيْهَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَسَدِّدْ وَجْهك نَحْو الْوَجْه الَّذِي وَجَّهَك إِلَيْهِ رَبّك يَا مُحَمَّد لِطَاعَتِهِ , وَهِيَ الدِّين , { حَنِيفًا } يَقُول : مُسْتَقِيمًا لِدِينِهِ وَطَاعَته , { فِطْرَة اللَّه الَّتِي فَطَرَ النَّاس عَلَيْهَا } يَقُول : صَنْعَة اللَّه الَّتِي خَلَقَ النَّاس عَلَيْهَا ; وَنُصِبَتْ فِطْرَة عَلَى الْمَصْدَر مِنْ مَعْنَى قَوْله { فَأَقِمْ وَجْهك لِلدِّينِ حَنِيفًا } وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : فَطَرَ اللَّه النَّاس عَلَى ذَلِكَ فِطْرَة . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21288 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { فِطْرَة اللَّه الَّتِي فَطَرَ النَّاس عَلَيْهَا } قَالَ : الْإِسْلَام مُذْ خَلَقَهُمْ اللَّه مِنْ آدَم جَمِيعًا , يُقِرُّونَ بِذَلِكَ , وَقَرَأَ : { وَإِذْ أَخَذَ رَبّك مِنْ بَنِي آدَم مِنْ ظُهُورهمْ ذُرِّيَّتهمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسهمْ أَلَسْت بِرَبِّكُمْ ؟ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا } 7 172 قَالَ : { كَانَ النَّاس أُمَّة وَاحِدَة فَبَعَثَ اللَّه النَّبِيِّينَ } 2 213 بَعْد . 21289 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { فِطْرَة اللَّه } قَالَ : الْإِسْلَام . 21290 -حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَا : ثَنَا يُونُس بْن أَبِي صَالِح , عَنْ يَزِيد بْن أَبِي مَرْيَم , قَالَ : مَرَّ عُمَر بِمَعَاذِ بْن جَبَل , فَقَالَ : مَا قِوَام هَذِهِ الْأُمَّة ؟ قَالَ مُعَاذ : ثَلَاث , وَهُنَّ الْمُنْجِيَات : الْإِخْلَاص , وَهُوَ الْفِطْرَة { فِطْرَة اللَّه الَّتِي فَطَرَ النَّاس عَلَيْهَا } وَالصَّلَاة ; وَهِيَ الْمِلَّة وَالطَّاعَة ; وَهِيَ الْعِصْمَة , فَقَالَ عُمَر : صَدَقْت . * حَدَّثني يَعْقُوب , قَالَ : ثني اِبْن عُلَيَّة , قَالَ : ثَنَا أَيُّوب , عَنْ أَبِي قِلَابَة أَنَّ عُمَر قَالَ لِمُعَاذٍ : مَا قِوَام هَذِهِ الْأُمَّة ؟ ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوه .' وَقَوْله { لَا تَبْدِيل لِخَلْقِ اللَّه } يَقُول : لَا تَغْيِير لِدِينِ اللَّه : أَيْ لَا يُصْلِح ذَلِكَ , وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَل . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ نَحْو الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21291 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { لَا تَبْدِيل لِخَلْقِ اللَّه } قَالَ : لِدِينِهِ. 21292 - حَدَّثني أَبُو السَّائِب , قَالَ : ثَنَا اِبْن إِدْرِيس , عَنْ لَيْث , قَالَ : أَرْسَلَ مُجَاهِد رَجُلًا يُقَال لَهُ قَاسِم إِلَى عِكْرِمَة يَسْأَلهُ عَنْ قَوْل اللَّه : { لَا تَبْدِيل لِخَلْقِ اللَّه } [ قَالَ ] : إِنَّمَا هُوَ الدِّين , وَقَرَأَ { لَا تَبْدِيل لِخَلْقِ اللَّه ذَلِكَ الدِّين الْقَيِّم } * حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا زَيْد بْن حُبَاب , عَنْ حُسَيْن بْن وَاقِد , عَنْ يَزِيد النَّحْوِيّ , عَنْ عِكْرِمَة { فِطْرَة اللَّه الَّتِي فَطَرَ النَّاس عَلَيْهَا } قَالَ : الْإِسْلَام . * قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ نَضْر بْن عَرَبِيّ , عَنْ عِكْرِمَة { لَا تَبْدِيل لِخَلْقِ اللَّه } قَالَ : لِدِينِ اللَّه . * قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : لِدِينِ اللَّه . * قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ عَبْد الْجَبَّار بْن الْوَرْد , عَنْ الْقَاسِم بْن أَبِي بَزَّة , قَالَ : قَالَ مُجَاهِد , فَسَلْ عَنْهَا عِكْرِمَة , فَسَأَلْته , فَقَالَ عِكْرِمَة : دِين اللَّه تَعَالَى مَا لَهُ أَخْزَاهُ اللَّه ؟ أَلَمْ يَسْمَع إِلَى قَوْله { فِطْرَة اللَّه الَّتِي فَطَرَ النَّاس عَلَيْهَا لَا تَبْدِيل لِخَلْقِ اللَّه } 21293 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { لَا تَبْدِيل لِخَلْقِ اللَّه } : أَيْ لِدِينِ اللَّه . * حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا حَفْص بْن غِيَاث , عَنْ لَيْث , عَنْ عِكْرِمَة , قَالَ : لِدِينِ اللَّه . 21294 - قَالَ : ثَنَا اِبْن عُيَيْنَة , عَنْ حُمَيْد الْأَعْرَج , قَالَ : قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر { لَا تَبْدِيل لِخَلْقِ اللَّه } قَالَ : لِدِينِ اللَّه . 21295 - قَالَ : ثَنَا الْمُحَارِبِيّ , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك { لَا تَبْدِيل لِخَلْقِ اللَّه } قَالَ : لِدِينِ اللَّه. 211296 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { لَا تَبْدِيل لِخَلْقِ اللَّه } قَالَ : دِين اللَّه . 21297 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي عَنْ مِسْعَر وَسُفْيَان , عَنْ قَيْس بْن مُسْلِم , عَنْ إِبْرَاهِيم , قَالَ { لَا تَبْدِيل لِخَلْقِ اللَّه } قَالَ : لِدِينِ اللَّه. * قَالَ : ثَنَا أَبِي عَنْ جَعْفَر الرَّازِيّ , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ إِبْرَاهِيم , قَالَ : لِدِينِ اللَّه . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : لَا تَغْيِير لِخَلْقِ اللَّه مِنْ الْبَهَائِم بِأَنْ يُخْصِيَ الْفُحُول مِنْهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21298 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا اِبْن فُضَيْل , عَنْ مُطَرِّف , عَنْ رَجُل , سَأَلَ اِبْن عَبَّاس , عَنْ خِصَاء الْبَهَائِم , فَكَرِهَهُ , وَقَالَ : { لَا تَبْدِيل لِخَلْقِ اللَّه } 21299 - قَالَ : ثَنَا اِبْن عُيَيْنَة , عَنْ حُمَيْد الْأَعْرَج , قَالَ : قَالَ عِكْرِمَة : الْإِخْصَاء . 21300 - قَالَ : ثَنَا حَفْص بْن غِيَاث , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : الْإِخْصَاء . وَقَوْله { لَا تَبْدِيل لِخَلْقِ اللَّه } يَقُول : لَا تَغْيِير لِدِينِ اللَّه : أَيْ لَا يُصْلِح ذَلِكَ , وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَل . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ نَحْو الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21291 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { لَا تَبْدِيل لِخَلْقِ اللَّه } قَالَ : لِدِينِهِ. 21292 - حَدَّثني أَبُو السَّائِب , قَالَ : ثَنَا اِبْن إِدْرِيس , عَنْ لَيْث , قَالَ : أَرْسَلَ مُجَاهِد رَجُلًا يُقَال لَهُ قَاسِم إِلَى عِكْرِمَة يَسْأَلهُ عَنْ قَوْل اللَّه : { لَا تَبْدِيل لِخَلْقِ اللَّه } [ قَالَ ] : إِنَّمَا هُوَ الدِّين , وَقَرَأَ { لَا تَبْدِيل لِخَلْقِ اللَّه ذَلِكَ الدِّين الْقَيِّم } * حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا زَيْد بْن حُبَاب , عَنْ حُسَيْن بْن وَاقِد , عَنْ يَزِيد النَّحْوِيّ , عَنْ عِكْرِمَة { فِطْرَة اللَّه الَّتِي فَطَرَ النَّاس عَلَيْهَا } قَالَ : الْإِسْلَام . * قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ نَضْر بْن عَرَبِيّ , عَنْ عِكْرِمَة { لَا تَبْدِيل لِخَلْقِ اللَّه } قَالَ : لِدِينِ اللَّه . * قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : لِدِينِ اللَّه . * قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ عَبْد الْجَبَّار بْن الْوَرْد , عَنْ الْقَاسِم بْن أَبِي بَزَّة , قَالَ : قَالَ مُجَاهِد , فَسَلْ عَنْهَا عِكْرِمَة , فَسَأَلْته , فَقَالَ عِكْرِمَة : دِين اللَّه تَعَالَى مَا لَهُ أَخْزَاهُ اللَّه ؟ أَلَمْ يَسْمَع إِلَى قَوْله { فِطْرَة اللَّه الَّتِي فَطَرَ النَّاس عَلَيْهَا لَا تَبْدِيل لِخَلْقِ اللَّه } 21293 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { لَا تَبْدِيل لِخَلْقِ اللَّه } : أَيْ لِدِينِ اللَّه . * حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا حَفْص بْن غِيَاث , عَنْ لَيْث , عَنْ عِكْرِمَة , قَالَ : لِدِينِ اللَّه . 21294 - قَالَ : ثَنَا اِبْن عُيَيْنَة , عَنْ حُمَيْد الْأَعْرَج , قَالَ : قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر { لَا تَبْدِيل لِخَلْقِ اللَّه } قَالَ : لِدِينِ اللَّه . 21295 - قَالَ : ثَنَا الْمُحَارِبِيّ , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك { لَا تَبْدِيل لِخَلْقِ اللَّه } قَالَ : لِدِينِ اللَّه. 211296 - حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { لَا تَبْدِيل لِخَلْقِ اللَّه } قَالَ : دِين اللَّه . 21297 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي عَنْ مِسْعَر وَسُفْيَان , عَنْ قَيْس بْن مُسْلِم , عَنْ إِبْرَاهِيم , قَالَ { لَا تَبْدِيل لِخَلْقِ اللَّه } قَالَ : لِدِينِ اللَّه. * قَالَ : ثَنَا أَبِي عَنْ جَعْفَر الرَّازِيّ , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ إِبْرَاهِيم , قَالَ : لِدِينِ اللَّه . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : لَا تَغْيِير لِخَلْقِ اللَّه مِنْ الْبَهَائِم بِأَنْ يُخْصِيَ الْفُحُول مِنْهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21298 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا اِبْن فُضَيْل , عَنْ مُطَرِّف , عَنْ رَجُل , سَأَلَ اِبْن عَبَّاس , عَنْ خِصَاء الْبَهَائِم , فَكَرِهَهُ , وَقَالَ : { لَا تَبْدِيل لِخَلْقِ اللَّه } 21299 - قَالَ : ثَنَا اِبْن عُيَيْنَة , عَنْ حُمَيْد الْأَعْرَج , قَالَ : قَالَ عِكْرِمَة : الْإِخْصَاء . 21300 - قَالَ : ثَنَا حَفْص بْن غِيَاث , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : الْإِخْصَاء . ' وَقَوْله : { ذَلِكَ الدِّين الْقَيِّم } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ إِقَامَتك وَجْهك لِلدِّينِ حَنِيفًا غَيْر مُغَيِّر وَلَا مُبَدِّل هُوَ الدِّين الْقَيِّم , يَعْنِي الْمُسْتَقِيم الَّذِي لَا عِوَج فِيهِ عَنْ الِاسْتِقَامَة مِنْ الْحَنِيفِيَّة إِلَى الْيَهُودِيَّة وَالنَّصْرَانِيَّة , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الضَّلَالَات وَالْبِدَع الْمُحْدَثَة . وَقَدْ وَجَّهَ بَعْضهمْ مَعْنَى الدِّين فِي هَذَا الْمَوْضِع إِلَى الْحِسَاب . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21301 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عُمَارَة , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُوسَى , قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو لَيْلَى , عَنْ بُرَيْدَة { ذَلِكَ الدِّين الْقَيِّم } قَالَ : الْحِسَاب الْقَيِّم وَقَوْله : { ذَلِكَ الدِّين الْقَيِّم } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ إِقَامَتك وَجْهك لِلدِّينِ حَنِيفًا غَيْر مُغَيِّر وَلَا مُبَدِّل هُوَ الدِّين الْقَيِّم , يَعْنِي الْمُسْتَقِيم الَّذِي لَا عِوَج فِيهِ عَنْ الِاسْتِقَامَة مِنْ الْحَنِيفِيَّة إِلَى الْيَهُودِيَّة وَالنَّصْرَانِيَّة , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الضَّلَالَات وَالْبِدَع الْمُحْدَثَة . وَقَدْ وَجَّهَ بَعْضهمْ مَعْنَى الدِّين فِي هَذَا الْمَوْضِع إِلَى الْحِسَاب . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21301 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عُمَارَة , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُوسَى , قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو لَيْلَى , عَنْ بُرَيْدَة { ذَلِكَ الدِّين الْقَيِّم } قَالَ : الْحِسَاب الْقَيِّم ' { وَلَكِنَّ أَكْثَر النَّاس لَا يَعْلَمُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَكِنَّ أَكْثَر النَّاس لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الدِّين الَّذِي أَمَرْتُك يَا مُحَمَّد بِهِ بِقَوْلِي { فَأَقِمْ وَجْهك لِلدِّينِ حَنِيفًا } هُوَ الدِّين الْحَقّ دُون سَائِر الْأَدْيَان غَيْره . { وَلَكِنَّ أَكْثَر النَّاس لَا يَعْلَمُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَكِنَّ أَكْثَر النَّاس لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الدِّين الَّذِي أَمَرْتُك يَا مُحَمَّد بِهِ بِقَوْلِي { فَأَقِمْ وَجْهك لِلدِّينِ حَنِيفًا } هُوَ الدِّين الْحَقّ دُون سَائِر الْأَدْيَان غَيْره .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها} فيه ثلاث مسائل: الأولى: قال الزجاج { فطرة} منصوب بمعنى اتبع فطرة الله. قال : لأن معنى { فأقم وجهك للدين} اتبع الدين الحنيف واتبع فطرة الله. وقال الطبري { فطرة الله} مصدر من معنى { فأقم وجهك} لأن معنى ذلك : فطر الله الناس ذلك فطرة. وقيل : معنى ذلك اتبعوا دين الله الذي خلق الناس له؛ وعلى هذا القول يكون الوقف على { حنيفا} تاما. وعلى القولين الأولين يكون متصلا، فلا يوقف على { حنيفا} . وسميت الفطرة دينا لأن الناس يخلقون له، قال جل وعز { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} الذاريات : 56]. ويقال: { عليها} بمعنى لها؛ كقوله تعالى: { وإن أسأتم فلها} الإسراء : 7]. والخطاب بـ { أقم وجهك} للنبي صلى الله عليه وسلم، أمره بإقامة وجهه للدين المستقيم؛ كما قال: { فأقم وجهك للدين القيم} الروم : 43] وهو دين الإسلام. وإقامة الوجه هو تقويم المقصد والقوة على الجد في أعمال الدين؛ وخص الوجه بالذكر لأنه جامع حواس الإنسان وأشرفه. ودخل في هذا الخطاب أمته باتفاق من أهل التأويل. و { حنيفا} معناه معتدلا مائلا عن جميع الأديان المحرفة المنسوخة. الثانية: في الصحيح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ما من مولود إلا يولد على الفطرة - في رواية على هذه الملة - أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء) ثم يقول أبو هريرة : واقرؤوا إن شئتم؛ { فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله} ، في رواية : (حتى تكونوا أنتم تجدعونها) قالوا : يا رسول الله؛ أفرأيت من يموت صغيرا؟ قال : (الله أعلم بما كانوا عاملين). لفظ مسلم. الثالثة: واختلف العلماء في معنى الفطرة المذكورة في الكتاب والسنة على أقوال متعددة؛ منها الإسلام؛ قاله أبو هريرة وابن شهاب وغيرهما؛ قالوا : وهو المعروف عند عامة السلف من أهل التأويل؛ واحتجوا بالآية وحديث أبي هريرة، وعضدوا ذلك بحديث عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس يوما : (ألا أحدثكم بما حدثني الله في كتابه، أن الله خلق آدم وبنيه حنفاء مسلمين، وأعطاهم المال حلالا لا حرام فيه فجعلوا مما أعطاهم الله حلالا وحراما..) الحديث. وبقوله صلى الله عليه وسلم : (خمس من الفطرة...) فذكر منها قص الشارب، وهو من سنن الإسلام، وعلى هذا التأويل فيكون معنى الحديث : أن الطفل خلق سليما من الكفر على الميثاق الذي أخذه الله على ذرية آدم حين أخرجهم من صلبه، وأنهم إذا ماتوا قبل أن يدركوا في الجنة؛ أولاد مسلمين كانوا أو أولاد كفار. وقال آخرون : الفطرة هي البداءة التي ابتدأهم الله عليها؛ أي على ما فطر الله عليه خلقه من أنه ابتدأهم للحياة والموت والسعادة والشقاء، وإلى ما يصيرون إليه عند البلوغ. قالوا : والفطرة في كلام العرب البداءة. والفاطر : المبتدئ؛ واحتجوا بما روي عن ابن عباس أنه قال : لم أكن أدري ما فاطر السموات والأرض حتى أتى أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما : أنا فطرتها؛ أي ابتدأتها. قال المروزي : كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا القول ثم تركه. قال أبو عمر في كتاب التمهيد له : ما رسمه مالك في موطئه وذكر في باب القدر فيه من الآثار - يدل على أن مذهبه في ذلك نحو هذا، والله أعلم. ومما احتجوا به ما روي عن كعب القرظي في قول الله تعالى: { فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة} الأعراف : 30] قال : من ابتدأ الله خلقه للضلالة صيره إلى الضلالة وإن عمل بأعمال الهدى، ومن ابتدأ الله خلقه على الهدى صيره إلى الهدى وإن عمل بأعمال الضلالة، ابتدأ الله خلق إبليس على الضلالة وعمل بأعمال السعادة مع الملائكة، ثم رده الله إلى ما ابتدأ عليه خلقه، قال : وكان من الكافرين. قلت : قد مضى قول كعب هذا في "الأعراف" وجاء معناه مرفوعا من حديث عائشة رضي الله عنها قالت : دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة غلام من الأنصار فقلت : يا رسول الله، طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه، قال : (أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب أبائهم، وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب أبائهم) خرجه ابن ماجة في السنن. وخرج أبو عيسى الترمذي عن عبدالله بن عمرو قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان فقال : (أتدرون ما هذان الكتابان)؟ فقلنا : لا يا رسول الله، إلا أن تخبرنا؛ فقال للذي في يده اليمنى : (هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء أبائهم وقبائلهم ثم أجمل على أخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا - ثم قال للذي في شماله - هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء أبائهم وقبائلهم ثم أجمل على أخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا...) وذكر الحديث، وقال فيه : حديث حسن. وقالت فرقة : ليس المراد بقوله تعالى: { فطر الناس عليها} ولا قوله عليه السلام : (كل مولود يولد على الفطرة) العموم، وإنما المراد بالناس المؤمنون؛ إذا لو فطر الجميع على الإسلام لما كفر أحد، وقد ثبت أنه خلق أقواما للنار؛ كما قال تعالى: { ولقد ذرأنا لجهنم} الأعراف : 179] وأخرج الذرية من صلب آدم سوداء وبيضاء. وقال في الغلام الذي قتله الخضر : طبع يوم طبع كافرا. وروى أبو سعيد الخدري قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر بنهار؛ وفيه : وكان فيما حفظنا أن قال : (ألا إن بني آدم خلقوا طبقات شتى فمنهم من يولد مؤمنا ويحيا مؤمنا ويموت مؤمنا، ومنهم من يولد كافرا ويحيا كافرا ويموت كافرا، ومنهم من يولد مؤمنا ويحيا مؤمنا ويموت كافرا، ومنهم من يولد كافرا ويحيا كافرا ويموت مؤمنا، ومنهم حسن القضاء حسن الطلب). ""ذكره حماد بن زيد بن سلمة في مسند الطيالسي"" قال : حدثنا علي بن زيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد. قالوا : والعموم بمعنى الخصوص كثير في لسان العرب؛ ألا ترى إلى قوله عز وجل: { تدمر كل شيء} الأحقاف : 25] ولم تدمر السموات والأرض. وقوله: { فتحنا عليهم أبواب كل شيء} الأنعام : 44] ولم تفتح عليهم أبواب الرحمة. وقال إسحاق بن راهويه الحنظلي : تم الكلام عند قوله: { فأقم وجهك للدين حنيفا} ثم قال: { فطرة الله} أي فطر الله الخلق فطرة إما بجنة أو نار، وإليه أشار النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : (كل مولود يولد على الفطرة) ولهذا قال: { لا تبديل لخلق الله} قال شيخنا أبو العباس : من قال هي سابقة السعادة والشقاوة فهذا إنما يليق بالفطرة المذكورة في القرآن؛ لأن الله تعالى قال: { لا تبديل لخلق الله} وأما في الحديث فلا؛ لأنه قد أخبر في بقية الحديث بأنها تبدل وتغير. وقالت طائفة من أهل الفقه والنظر : الفطرة هي الخلقة التي خلق عليها المولود في المعرفة بربه؛ فكأنه قال : كل مولود يولد على خلقة يعرف بها ربه إذا بلغ مبلغ المعرفة؛ يريد خلقة مخالفة لخلقة البهائم التي لا تصل بخلقتها إلى معرفته. واحتجوا على أن الفطرة الخلقة، والفاطر الخالق؛ لقول الله عز وجل: { الحمد لله فاطر السموات والأرض} فاطر : 1] يعني خالقهن، وبقوله: { وما لي لا أعبد الذي فطرني} يس : 22] يعني خلقني، وبقوله: { الذي فطرهن} الأنبياء : 56] يعني خلقهن. قالوا : فالفطرة الخلقة، والفاطر الخالق؛ وأنكروا أن يكون المولود يفطر على كفر أو إيمان أو معرفة أو إنكار قالوا : وإنما المولود على السلامة في الأغلب خلقة وطبعا وبنية ليس معها إيمان ولا كفر ولا إنكار ولا معرفة؛ ثم يعتقدون الكفر والإيمان بعد البلوغ إذا ميزوا. واحتجوا بقوله في الحديث : (كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء - يعني سالمة - هل تحسون فيها من جدعاء) يعني مقطوعة الأذن. فمثل قلوب بني آدم بالبهائم لأنها تولد كاملة الخلق ليس فيها نقصان، ثم تقطع آذانها بعد وأنوفها؛ فيقال : هذه بحائر وهذه سوائب. يقول : فكذلك قلوب الأطفال في حين ولادتهم ليس لهم كفر ولا إيمان، ولا معرفة ولا إنكار كالبهائم السائمة، فلما بلغوا استهوتهم الشياطين فكفر أكثرهم، وعصم الله أقلهم. قالوا : ولو كان الأطفال قد فطروا على شيء من الكفر والإيمان في أولية أمورهم ما انتقلوا عنه أبدا، وقد نجدهم يؤمنون ثم يكفرون. قالوا : ويستحيل في المعقول أن يكون الطفل في حين ولادته يعقل كفرا أو إيمانا، لأن الله أخرجهم في حال لا يفقهون معها شيئا، قال الله تعالى: { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا} النحل : 78] فمن لا يعلم شيئا استحال منه كفر أو إيمان، أو معرفة أو إنكار. قال أبو عمر بن عبدالبر : هذا أصح ما قيل في معنى الفطرة التي يولد الناس عليها. ومن الحجة أيضا في هذا قوله تعالى: { إنما تجزون ما كنتم تعملون} الطور : 16] و { كل نفس بما كسبت رهينة} المدثر : 38] ومن لم يبلغ وقت العمل لم يرتهن بشيء. وقال: { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} ولما أجمعوا على دفع القود والقصاص والحدود والآثام عنهم في دار الدنيا كانت الآخرة أولى بذلك. والله أعلم. ويستحيل أن تكون الفطرة المذكورة الإسلام، كما قال ابن شهاب؛ لأن الإسلام والإيمان : قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، وهذا معدوم من الطفل، لا يجهل ذلك ذو عقل. وأما قول الأوزاعي : سألت الزهري عن رجل عليه رقبة أيجزي عنه الصبي أن يعتقه وهو رضيع؟ قال نعم؛ لأنه ولد على الفطرة يعني الإسلام؛ فإنما أجزى عتقه عند من أجازه؛ لأن حكمه حكم أبويه. وخالفهم آخرون فقالوا : لا يجزي في الرقاب الواجبة إلا من صام وصلى، وليس في قوله تعالى: { كما بدأكم تعودون} الأعراف : 29] ولا في (أن يختم الله للعبد بما قضاه له وقدره عليه) : دليل على أن الطفل يولد حين يولد مؤمنا أو كافرا؛ لما شهدت له العقول أنه في ذلك الوقت ليس ممن يعقل إيمانا ولا كفرا، والحديث الذي جاء فيه : (أن الناس خلقوا على طبقات) ليس من الأحاديث التي لا مطعن فيها؛ لأنه انفرد به علي بن زيد بن جدعان، وقد كان شعبة يتكلم فيه. على أنه يحتمل قوله : (يولد مؤمنا) أي يولد ليكون مؤمنا، ويولد ليكون كافرا على سابق علم الله فيه، وليس في قوله في الحديث (خلقت هؤلاء للجنة وخلقت هؤلاء للنار) أكثر من مراعاة ما يختم به لهم؛ لا أنهم في حين طفولتهم ممن يستحق جنة أو نارا، أو يعقل كفرا أو إيمانا. قلت : وإلى ما اختاره أبو عمر واحتج له، ذهب غير واحد من المحققين منهم ابن عطية في تفسيره في معنى الفطرة، وشيخنا أبو العباس. قال ابن عطية : والذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظة أنها الخلقة والهيئة التي في نفس الطفل التي هي معدة ومهيأة لأن يميز بها مصنوعات الله تعالى، ويستدل بها على ربه ويعرف شرائعه ويؤمن به؛ فكأنه تعالى قال : أقم وجهك للدين الذي هو الحنيف، وهو فطرة الله الذي على الإعداد له فطر البشر، لكن تعرضهم العوارض؛ ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه) فذكر الأبوين إنما هو مثال للعوارض التي هي كثيرة. وقال شيخنا في عبارته : إن الله تعالى خلق قلوب بني آدم مؤهلة لقبول الحق، كما خلق أعينهم وأسماعهم قابلة للمرئيات والمسموعات، فما دامت باقية على ذلك القبول وعلى تلك الأهلية أدركت الحق ودين الإسلام وهو الدين الحق. وقد دل على صحة هذا المعنى قوله : (كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء) يعني أن البهيمة تلد ولدها كامل الخلقة سليما من الآفات، فلو ترك على أصل تلك الخلقة لبقي كاملا بريئا من العيوب، لكن يتصرف فيه فيجدع أذنه ويوسم وجهه فتطرأ عليه الآفات والنقائص فيخرج عن الأصل؛ وكذلك الإنسان، وهو تشبيه واقع ووجهه واضح. قلت : وهذا القول مع القول الأول موافق له في المعنى، وأن ذلك بعد الإدراك حين عقلوا أمر الدنيا، وتأكدت حجة الله عليهم بما نصب من الآيات الظاهرة : من خلق السموات والأرض، والشمس والقمر، والبر والبحر، واختلاف الليل والنهار؛ فلما عملت أهواؤهم فيهم أتتهم الشياطين فدعتهم إلى اليهودية والنصرانية فذهبت بأهوائهم يمينا وشمالا، وأنهم إن ماتوا صغارا فهم في الجنة، أعني جميع الأطفال، لأن الله تعالى لما أخرج ذرية آدم من صلبه في صورة الذر أقروا له بالربوبية وهو قوله تعالى: { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا} الأعراف : 172]. ثم أعادهم في صلب آدم بعد أن أقروا له بالربوبية، وأنه الله لا إله غيره، ثم يكتب العبد في بطن أمه شقيا أو سعيدا على الكتاب الأول؛ فمن كان في الكتاب الأول شقيا عمر حتى يجري عليه القلم فينقض الميثاق الذي أخذ عليه في صلب آدم بالشرك، ومن كان في الكتاب الأول سعيدا عمر حتى يجري عليه القلم فيصير سعيدا، ومن مات صغيرا من أولاد المسلمين قبل أن يجري عليه القلم فهم مع آبائهم في الجنة، ومن كان من أولاد المشركين فمات قبل أن يجري عليه القلم فليس يكونون مع آبائهم؛ لأنهم ماتوا على الميثاق الأول الذي أخذ عليهم في صلب آدم ولم ينقض الميثاق، ذهب إلى هذا جماعة من أهل التأويل، وهو يجمع بين الأحاديث، ويكون معنى قوله عليه السلام لما سئل عن أولاد المشركين فقال : (الله أعلم بما كانوا عاملين) يعني لو بلغوا. ودل على هذا التأويل أيضا حديث البخاري عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم - الحديث الطويل حديث الرؤيا، وفيه قول عليه السلام : (وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإبراهيم عليه السلام، وأما الولدان حوله فكل مولود يولد على الفطرة). قال فقيل : يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (وأولاد المشركين). وهذا نص يرفع الخلاف، وهو أصح شيء روي في هذا الباب، وغيره من الأحاديث فيها علل وليست من أحاديث الأئمة الفقهاء؛ قاله أبو عمر بن عبدالبر. وقد روي من حديث أنس قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين فقال : (لم تكن لهم حسنات فيجزوا بها فيكونوا من ملوك الجنة، ولم تكن لهم سيئات فيعاقبوا عليها فيكونوا من أهل النار، فهم خدم لأهل الجنة) ذكره يحيى بن سلام في التفسير له. وقد زدنا هذه المسألة بيانا في كتاب التذكرة، وذكرنا في كتاب المقتبس في شرح موطأ مالك بن أنس ما ذكره أبو عمر من ذلك، والحمد لله. وذكر إسحاق بن راهويه قال : حدثنا يحيى بن آدم قال : أخبرنا جرير بن حازم عن أبي رجاء العطاردي قال : سمعت ابن عباس يقول : لا يزال أمر هذه الأمة مواتيا أو متقاربا - أو كلمة تشبه هاتين - حتى يتكلموا أو ينظروا في الأطفال والقدر. قال يحيى بن آدم فذكرته لابن المبارك فقال : أيسكت الإنسان على الجهل؟ قلت : فتأمر بالكلام؟ قال فسكت. وقال أبو بكر الوراق: { فطرة الله التي فطر الناس عليها} هي الفقر والفاقة؛ وهذا حسن؛ فإنه منذ ولد إلى حين يموت فقير محتاج، نعم، وفي الآخرة. قوله تعالى: { لا تبديل لخلق الله} أي هذه الفطرة لا تبديل لها من جهة الخالق. ولا يجيء الأمر على خلاف هذا بوجه؛ أي لا يشقى من خلقه سعيدا، ولا يسعد من خلقه شقيا. وقال مجاهد : المعنى لا تبديل لدين الله؛ وقال قتادة وابن جبير والضحاك وابن زيد والنخعي، قالوا : هذا معناه في المعتقدات. وقال عكرمة : وروي عن ابن عباس وعمر بن الخطاب أن المعنى : لا تغيير لخلق الله من البهائم أن تخصى فحولها؛ فيكون معناه النهي عن خصاء الفحول من الحيوان. وقد مضى هذا في "النساء". { ذلك الدين القيم} أي ذلك القضاء المستقيم؛ قاله ابن عباس. وقال مقاتل : ذلك الحساب البين. وقيل: { ذلك الدين القيم} أي دين الإسلام هو الدين القيم المستقيم. { ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أي لا يتفكرون فيعلمون أن لهم خالقا معبودا، وإلها قديما سبق قضاؤه ونفذ حكمه.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الروم الايات 28 - 30

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

الخطاب هنا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد، ما دام الأمر كذلك، وما داموا قد اتبعوا أهواءهم وضلوا، وأصروا على ضلالهم، فدَعْك منهم ولا تتأثر بإعراضهم.

كما قال له ربه:
{  لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ }
[الشعراء: 3] وقال له:
{  فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً }
[الكهف: 6].

فما عليك يا محمد إلا البلاغ، واتركهم لي، وإياك أن يؤثر فيك عنادهم، أو يحزنك أن يأتمروا بك، أو يكيدوا لك، فقد سبق القول مني أنهم لن ينتصروا عليك، بل ستنتصر عليهم.

وهذه قضية قرآنية أقولها، وتُسجَّل عليّ:
{  وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ }
[الصافات: 171-173].


{  وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ... }
[الحج: 40].


{  إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ... }
[محمد: 7].

هذه قضية قرآنية مُسلَّم بها ومفروغ منها، وهي على ألسنتنا وفي قلوبنا، فإنْ جاء واقعنا مخالفاً لهذه القضية، فقد سبق أنْ أكدها واقع الأمم السابقة، وسيحدث معك مثل ذلك؛ لذلك يُطمئن الحق نبيه صلى الله عليه وسلم:
{  فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ }
[غافر: 77].

فهنا { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً... } [الروم: 30] أي: دعْكَ من هؤلاء الضالين، وتفرَّغ لمهمتك في الدعوة إلى الله، وإياك أنْ يشغلوك عن دعوتك.

ومعنى إقامة الوجه للدين يعني: اجعل وجهْتك لربك وحده، ولا تلتفت عنه يميناً ولا شمالاً، وذكر الوجه خاصة وهو يعني الذات كلها؛ لأن الوجه سِمة الإقبال.

ومنه قوله سبحانه:
{  كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ... }
[القصص: 88] يعني: ذاته تعالى.

ومعنى { حَنِيفاً... } [الروم: 30] هذه الكلمة من الكلمات التي أثارت تذبذباً عند الذين يحاولون أنْ يستدركوا على كلام الله؛ لأن معنى الحنيف: مائل الساقين فترى في رِجلْه انحناء للداخل، يقال: في قدمه حنف أي ميل، فالمعنى: فأقم وجهك للدين مائلاً، نعم هكذا المعنى، لكن مائلاً عن أيِّ شيء؟

لا بُدَّ أن تفهم المعنى هنا، حتى لا تتهم أسلوب القرآن، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء ليصلح مجتمعاً فاسداً منحرفاً يدين بالشرك والوثنية، فالمعنى: مائلاً عن هذا الفساد، ومائلاً عن هذا الشرك، وهذه الوثنية التي جئت لهدمها والقضاء عليها، ومعنى: مال عن الباطل. يعني: ذهب إلى الحق.

و (أَقِمْ) هنا بمعنى: أقيموا، لأن خطاب الرسول خطاب لأمته، بدليل أنه سبحانه سيقول في الآية بعدها:
{  مُنِيبِينَ إِلَيْهِ... }
[الروم: 31] ولو كان الأمر له وحده لَقالَ منيباً إليه، ومثال ذلك أيضاً قوله تعالى:
{  يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ... }
[الطلاق: 1].

فالخطاب للأمة كلها في شخص رسول الله؛ لأنه صلى الله عليه وسلم هو المبلِّغ، والمبلِّغ هو الذي يتلقى الأمر، ويقتنع به أولاً ليستطيع أنْ يُبلِّغه؛ لذلك قال الحق سبحانه وتعالى:
{  لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ... }
[الأحزاب: 21].

وقال { حَنِيفاً... } [الروم: 30] لأن الرسل لا تأتي إلا على فساد شمل الناس جميعاً؛ لأن الحق سبحانه كما خلق في الجسم مناعة مادية خلق فيه مناعة قيمية، فالإنسان تُحدِّثه نفسه بشهوة وتغلبه عليها، فيقع فيها، لكن ساعة ينتهي منها يندم عليها ويُؤنِّبه ضميره، فيبكي على ما كان منه، وربما يكره من أعانه على المعصية.

وهذه هي النفس اللوامة، وهي علامة وجود الخير في الإنسان، وهذه هي المناعة الذاتية التي تصدر من الذات.

وفَرْق بين مَنْ تنزل عليه المعصية وتعترض طريقه، ومَنْ يُرتِّب لها ويسعى إليها، وهذا بيِّن في قوله تعالى:
{  إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ... }
[النساء: 17].

فَرْق بين مَنْ يذهب إلى باريس لطلب العلم، فتعترض طريقه إحدى الفتيات، ومَنْ يذهب إلى باريس لأنه سمع عما فيها من إغراء، فهذا وقع في المعصية رغماً عنه، ودون ترتيب لها، وهذا قصدها وسعى إليها، الأول غالباً ما يُؤنِّب نفسه وتتحرك بداخله النفس اللوامة والمناعة الذاتية، أما الآخر فقد ألِفَتْ نفسه المعصية واستشرتْ فيها، فلا بُدَّ أن تكون له مناعة، ليست من ذاته، بل من المجتمع المحيط به، على المجتمع أن يمنعه، وأن يضرب على يديه.

والمناعة في المجتمع لا تعني أن يكون مجتمعاً مثالياً لا يعرف المعصية، بل تحدث منه المعاصي، لكنها مُفرّقة على أهواء الناس، فهذا يميل إلى السرقة، وهذا يميل إلى النظر إلى المحرمات، وهذا يحب كذا.. إلخ.

إذن: ففي الناس مواطن القوة، ومواطن ضعف، وعلى القوي في شيء أن يمنع الضعيف فيه، وأنْ يزجره ويُقومِّه؛ لذلك يقول تعالى:
{  وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ }
[العصر: 1-3].

فإذا عَمَّ الفساد وطَمَّ كما قال تعالى عن اليهود:
{  كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ... }
[المائدة: 79] وفقد المجتمع أيضاً مناعته. فلا بُدَّ أنْ تتدخل السماء برسول جديد ومعجزة جديدة، لينقذ هؤلاء.

ثم يقول تعالى: { فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا... } [الروم: 30] فنحن نرى البشر يتخذون الطعوم والأمصال للتحصين من الأمراض، كذلك الحق سبحانه - وله المثل الأعلى - جعل هذا المصل التطعيمي في كل نفس بشرية، حتى في التكوين المادي.

ألا ترى قوله تعالى في تكوين الإنسان:
{  يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ... }
[الحج: 5].

فالمخلَّقة هي التي تكوّن الأعضاء، وغير المُخلَّقة هي الرصيد المختزن في الجسم، وبه يعوَّض أيّ خلل في الأعضاء المخلَّقة، فهي التي تمده بما يصلحه، كذلك في القيم جاء دين الله فطرت الله التي فطر الناس عليها، فإذا تدخلتْ الأهواء وحدثتْ الغفلة جاءتْ المناعة، إما من ذات النفس، وإما من المجتمع، وإما برسول ومنهج جديد.وقد كرَّم الله أمة محمد بأن يكون رسولُها خاتَم الرسل، فهذه بُشْرى لنا بأن الخير باقٍ فينا، ولا يزال في يوم القيامة، ولن يفسد مجتمع المسلمين أبداً بحيث يفقد كله هذه المناعة، فإذا فسدتْ فيه طائفة وجدت أخرى تُقوِّمها، وهذا واضح في قول النبي صلى الله عليه وسلم.

" لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك ".

وقال صلى الله عليه وسلم: " الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة ".

وإلا لو عَمَّ الفساد هذه الأمة لاقتضى الأمر شيئاً آخر.

وحين نقرأ الآية نجد أن كلمة { فِطْرَتَ... } [الروم: 30] منصوبة، ولم يتقدم عليها ما ينصبها، فلماذا نُصِِبَتْ؟ الأسلوب هنا يريد أن يلفتك لسبب النصب، وللفعل المحذوف هنا، لتبحث عنه بنفسك، فكأنه قال: فأقم وجهك للدين حنيفاً والزم فطرت الله التي فطر الناس عليها.

لذلك يسمي علماء النحو هذا الأسلوب أسلوب الإغراء، وهو أن أغريك بأمر محبوب وأحثَّك على فِعْله، كذلك الحق سبحانه يغري رسوله صلى الله عليه وسلم بأنْ يُقيم وجهه نحو الدين الخالص، وأنْ يلزم فطرت الله، وألا يلتفت إلى هؤلاء المفسدين، أو المعوِّقين له.

والفطرة: يعني الخلقة كما قال سبحانه:
{  فَاطِرَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ... }
[يوسف: 101] يعني: خالقهما، والفطرة المرادة هنا قوله تعالى:
{  وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ }
[الذاريات: 56].

فالزم هذه الفطرة، واعلم أنك مخلوق للعبادة.

أو: أن فطرت الله تعني: الطبيعة التي أودعها الله في تكوينك منذ خلق اللهُ آدم، وخلق منه ذريته، وأشهدهم على أنفسهم
{  أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ... }
[الأعراف: 172].

وسبق أنْ بيَّنا كيف أن في كل منا ذرة حية من أبينا آدم باقية في كل واحد منا، فالإنسان لا ينشأ إلا من الميكروب الذكري الحي الذي يُخصِّب البويضة، وحين تسلسل هذه العملية لا بُدَّ أن تصل بها إلى آدم عليه السلام.

وهذه الذرة الباقية في كل منا هي التي شهدتْ العهد الأول الذي أخذه الله علينا، وإلا فالكفار في الجاهلية الذين جاء رسول الله لهدايتهم، كيف اعترفوا لله تعالى بالخلق:
{  وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ... }
[الزمر: 38].

من أين عرفوا هذه الحقيقة؟ نُقِلت إليهم من هذا العهد الأول، فمنذ هذا العهد لم يجرؤ أحد من خَلْق الله أنْ يدَّعي هذا الخَلْق لنفسه، فظلت هذه القضية سليمة في الأذهان مع ما حدث من فساد في معتقدات البشر.

وتظل هذه القضية قائمة بالبقية الباقية من هذا العهد الأول، حتى عند الكفار والملاحدة، فحين تكتنفهم الأحداث وتضيق بهم أسبابهم، تراهم يقولون وبلا شعور: يا رب، لا يدْعون صنماً ولا شجراً، ولا يذهبون إلى آلهتهم التي اصطنعوها، فهم يعلمون أنها كذب في كذب، ونصب في نصب.

والآن لا يخدعون أنفسهم ولا يكذبون عليها، الآن وفي وقت الشدة وحلول الكرب ليس إلا الله يلجئون إليه، ليس إلا الحق والفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها.

وما دام الله قد فطرنا على هذه الفطرة، فلا تبديل لما أراده سبحانه: { ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ... } [الروم: 30] أي: الدين الحق { وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } [الروم: 30] أي: لا يعلمون العلم على حقيقته والتي بيَّناها أنها الجزم بقضية مطابقة للواقع، ويمكن إقامة الدليل عليها.

ثم يقول الحق سبحانه: { مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَٱتَّقُوهُ... }.


www.alro7.net