سورة
اية:

أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى منبهاً على قدرته التامة وسلطانه العظيم، في خلقه الأشياء وقهره لجميع المخلوقات فقال: { أولم ير الذين كفروا} أي الجاحدون لإلهيته العابدون معه غيره، ألم يعلموا أن اللّه هو المستقل بالخلق المستبد بالتدبير، فكيف يليق أن يعبد معه غيره أو يشرك به ما سواه؟ ألو يروا أن السماوات والأرض { كانتا رتقا} أي كان الجميع متصلاً بعضه ببعض متلاصق متراكم بعضه فوق بعض في ابتداء الأمر، ففتق هذه من هذه فجعل السماوات سبعاً والأرض سبعا، وفصل بين السماء الدنيا والأرض بالهواء، فأمطرت السماء وأنبتت الأرض؛ ولهذا قال: { وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون} أي وهم يشاهدون المخلوقات تحدث شيئاً فشيئاً عياناً، وذلك كله دليل على وجود الصانع الفاعل المختار القادر على ما يشاء: وفي كل شيء له آية * تدل على أنه واحد عن عكرمة قال، سئل ابن عباس: الليل كان قبل أو النهار؟ فقال: أرأيتم السماوت والأرض حين كانتا رتقاً هل كان بينهما إلا ظلمة؟ ذلك لتعلموا أن الليل قبل النهار. وروى ابن أبي حاتم، عن ابن عمر: أن رجلاً أتاه يسأله عن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما؟ قال: اذهب إلى ذلك الشيخ، فاسأله، ثم تعال فأخبرني بما قال لك، قال، فذهب إلى ابن عباس فسأله، فقال ابن عباس: نعم، كانت السماوات رتقاً لا تمطر وكانت الأرض رتقاً لا تنبت، فلما خلق للأرض أهلاً فتق هذه بالمطر وفتق هذه بالنبات، فرجع الرجل إلى ابن عمر فأخبره، فقال ابن عمر، قد كنت أقول: ما يعجبني جراءة ابن عباس في تفسير القرآن فالآن علمت أنه قد أوتي في القرآن علماً، وقال عطية العوفي: كانت هذه رتقاً تمطر فأمطرت وكانت هذه رتقاً لا تنبت فأنبتت، وقال سعيد بن جبير: كانت السماء والأرض ملتزقتين فلما رفع السماء وأبرز منها الأرض كان ذلك فتقهما الذي ذكر اللّه في كتابه، وقال الحسن وقتادة: كانتا جميعاً ففصل بينهما بهذا الهواء، وقوله: { وجعلنا من الماء كل شيء حي} أي أصل كل الأحياء. عن أبي هريرة قال، قلت: يا رسول اللّه إني إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني، فأنبئني عن كل شيء، قال: (كل شيء خلق من ماء) قال، قلت: أنبئني عن أمرٍ إذا عملت به دخلت الجنة؟ قال: (أفش السلام، وأطعم الطعام، وصل الأرحام، وقم بالليل والناس نيام، ثم ادخل الجنة بسلام) ""الحديث أخرجه الإمام أحمد وإسناده على شرط الصحيحين، وأخرج ابن أبي حاتم بعضه"". وقوله تعالى: { وجعلنا في الأرض رواسي} أي جبالاً أرسى الأرض بها وثقلها لئلا تميد بالناس أي تضطرب وتتحرك فلا يحصل لهم قرار عليها لأنها غامرة في الماء إلا مقدار الربع، فإنه باد للهواء والشمس ليشاهد أهلها السماء وما فيها من الآيات الباهرات والحكم والدلالات، ولهذا قال: { أن تميد بهم} وقوله { وجعلنا فيها فجاجا سبلا} أي ثغراً في الجبال يسلكون فيها طرقاً، من قطر إلى قطر ومن إقليم إلى إقليم، كما هو المشاهد في الأرض يكون الجبل حائلاً بين هذه البلاد وهذه البلاد، فيجعل اللّه فيه فجوة ثغرة ليسلك الناس فيها من ههنا إلى ههنا، ولهذا قال: { لعلهم يهتدون} ، وقوله { وجعلنا السماء سقفا محفوظا} أي على الأرض وهي كالقبة عليها، كما قال: { والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون} ، وقال: { أفلم ينظرون إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج} ، والبناء هو نصب القبة كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (بني الإسلام على خمس) أي خمسة دعائم وهذا لا يكون إلا في الخيام كما تعهده العرب، { محفوظاً} أي عالياً محروساً أن ينال، وقال مجاهد مرفوعاً، وقوله: { وهم عن آياتها معرضون} كقوله: { وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون} أي لا يتفكرون فيما خلق اللّه فيها من الاتساع العظيم والارتفاع الباهر، وما زينت به من الكواكب الثوابت والسيارات في ليلها ونهارها، من هذه الشمس التي تقطع الفلك بكماله في يوم وليلة، فتسير غاية لا يعلم قدرها إلا اللّه، الذي قدّرها وسخّرها وسيّرها، ثم قال منبهاً على بعض آياته { وهو الذي خلق الليل والنهار} أي هذا في ظلامه وسكونه، وهذا بضيائه وأنسه، يطول هذا تارة ثم يقصر أخرى وعكسه الآخر، { والشمس والقمر} هذه لها نور يخصها وحركة وسير خاص، وهذا بنور آخر وفلك آخر وسير آخر وتقدير آخر، { كل في فلك يسبحون} أي يدورون. قال ابن عباس: يدورون كما يدرو المغزل في الفلكة، قال مجاهد: فلا يدور المغزل إلا بالفلكة ولا الفلكة إلا بالمغزل، كذلك النجوم والشمس والقمر لا يدورون إلا به ولا يدور إلا بهن، كما قال تعالى: { فالق الإصباح وجعل الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً ذلك تقدير العزيز العليم} .

تفسير الجلالين

{ أوَلم } بواو وتركها { يرَ } يعلم { الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رَتقاً } سدا بمعنى مسدودة { ففتقناهما } جعلنا السماء سبعاً والأرض من سبعاً، أو فتق السماء أن كانت لا تمطر فأمطرت، وفتق الأرض أن كانت لا تنبت فأنبتت { وجعلنا من الماء } النازل من السماء والنابع من الأرض { كل شيء حي } من نبات وغيره أي فالماء سبب لحياته { أفلا يؤمنون } بتوحيدي .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَوَلَمْ يَنْظُر هَؤُلَاءِ الَّذِي كَفَرُوا بِاَللَّهِ بِأَبْصَارِ قُلُوبهمْ , فَيَرَوْا بِهَا , وَيَعْلَمُوا أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا : يَقُول : لَيْسَ فِيهِمَا ثُقْب , بَلْ كَانَتَا مُلْتَصِقَتَيْنِ ; يُقَال مِنْهُ : رَتَقَ فُلَان الْفَتْق : إِذْ شَدَّهُ , فَهُوَ يَرْتُقهُ رَتْقًا وَرُتُوقًا ; وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي فَرْجهَا مُلْتَحِم : رَتْقَاء . وَوَحَّدَ الرَّتْق , وَهُوَ مِنْ صِفَة السَّمَاء وَالْأَرْض , وَقَدْ جَاءَ بَعْد قَوْله : { كَانَتَا } لِأَنَّهُ مَصْدَر , مِثْل قَوْل الزُّور وَالصَّوْم وَالْفِطْر . وَقَوْله : { فَفَتَقْنَاهُمَا } يَقُول : فَصَدَّعْنَاهُمَا وَفَرَّجْنَاهُمَا . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى وَصْف اللَّه السَّمَاوَات وَالْأَرْض بِالرَّتْقِ , وَكَيْف كَانَ الرَّتْق , وَبِأَيِّ مَعْنًى فُتِقَ ؟ فَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى بِذَلِكَ أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا مُلْتَصِقَتَيْنِ فَفَصَلَ اللَّه بَيْنهمَا بِالْهَوَاءِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18531 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا } يَقُول : مُلْتَصِقَتَيْنِ . 18532 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } . . . الْآيَة , يَقُول : كَانَتَا مُلْتَصِقَتَيْنِ , فَرَفَعَ السَّمَاء وَوَضَعَ الْأَرْض . 18533 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } كَانَ اِبْن عَبَّاس يَقُول : كَانَتَا مُلْتَزِقَتَيْنِ , فَفَتَقَهُمَا اللَّه . 18534 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } قَالَ : كَانَ الْحَسَن وَقَتَادَة يَقُولَانِ : كَانَتَا جَمِيعًا , فَفَصَلَ اللَّه بَيْنهمَا بِهَذَا الْهَوَاء وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ السَّمَاوَات كَانَتْ مُرْتَتِقَة طَبَقَة , فَفَتَقَهَا اللَّه فَجَعَلَهَا سَبْع سَمَاوَات وَكَذَلِكَ الْأَرْض كَانَتْ كَذَلِكَ مُرْتَتِقَة , فَفَتَقَهَا فَجَعَلَهَا سَبْع أَرَضِينَ ذِكْر مَنْ قَالَ : ذَلِكَ : 18535 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } مِنْ الْأَرْض سِتّ أَرَضِينَ مَعَهَا فَتِلْكَ سَبْع أَرَضِينَ مَعَهَا , وَمِنْ السَّمَاء سِتّ سَمَاوَات مَعَهَا فَتِلْكَ سَبْع سَمَاوَات مَعَهَا . قَالَ : وَلَمْ تَكُنْ الْأَرْض وَالسَّمَاء مُتَمَاسَّتَيْنِ . 18536 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } قَالَ : فَتَقَهُنَّ سَبْع سَمَاوَات بَعْضهنَّ فَوْق بَعْض , وَسَبْع أَرَضِينَ بَعْضهنَّ تَحْت بَعْض . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد نَحْو حَدِيث مُحَمَّد بْن عَمْرو , عَنْ أَبِي عَاصِم . 18537 - حَدَّثَنَا عَبْد الْحَمِيد بْن بَيَان , قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن يَزِيد , عَنْ إِسْمَاعِيل , قَالَ : سَأَلْت أَبَا صَالِح عَنْ قَوْله : { كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } قَالَ : كَانَتْ الْأَرْض رَتْقًا وَالسَّمَاوَات رَتْقًا , فَفَتَقَ مِنْ السَّمَاء سَبْع سَمَاوَات , وَمِنْ الْأَرْض سَبْع أَرَضِينَ . 18538 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : كَانَتْ سَمَاء وَاحِدَة ثُمَّ فَتَقَهَا , فَجَعَلَهَا سَبْع سَمَاوَات فِي يَوْمَيْنِ , فِي الْخَمِيس وَالْجُمُعَة , وَإِنَّمَا سُمِّيَ يَوْم الْجُمُعَة لِأَنَّهُ جَمَعَ فِيهِ خَلْق السَّمَاوَات وَالْأَرْض , فَذَلِكَ حِين يَقُول : { خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام } 7 54 يَقُول : { كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِذَلِكَ أَنَّ السَّمَاوَات كَانَتْ رَتْقًا لَا تُمْطِر وَالْأَرْض كَذَلِكَ رَتْقًا لَا تُنْبِت , فَفَتَقَ السَّمَاء بِالْمَطَرِ وَالْأَرْض بِالنَّبَاتِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18539 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا أَبُو الْأَحْوَص , عَنْ سِمَاك , عَنْ عِكْرِمَة : { أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } قَالَ : كَانَتَا رَتْقًا لَا يَخْرُج مِنْهُمَا شَيْء , فَفَتَقَ السَّمَاء بِالْمَطَرِ وَفَتَقَ الْأَرْض بِالنَّبَاتِ . قَالَ : وَهُوَ قَوْله : { وَالسَّمَاء ذَات الرَّجْع وَالْأَرْض ذَات الصَّدْع } . 86 11 : 12 18540 - حَدَّثَنِي الْحُسَيْن بْن عَلِيّ الصُّدَائِيّ , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ الْفُضَيْل بْن مَرْزُوق , عَنْ عَطِيَّة , فِي قَوْله : { أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } قَالَ : كَانَتْ السَّمَاء رَتْقًا لَا تُمْطِر وَالْأَرْض رَتْقًا لَا تُنْبِت , فَفَتَقَ السَّمَاء بِالْمَطَرِ وَفَتَقَ الْأَرْض بِالنَّبَاتِ وَجَعَلَ مِنْ الْمَاء كُلّ شَيْء حَيّ , أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ؟ 18541 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } قَالَ : كَانَتْ السَّمَاوَات رَتْقًا لَا يَنْزِل مِنْهَا مَطَر , وَكَانَتْ الْأَرْض رَتْقًا لَا يَخْرُج مِنْهَا نَبَات , فَفَتَقَهُمَا اللَّه , فَأَنْزَلَ مَطَر السَّمَاء , وَشَقَّ الْأَرْض فَأَخْرَجَ نَبَاتهَا . وَقَرَأَ : { فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاء كُلّ شَيْء حَيّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ } . وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا قِيلَ { فَفَتَقْنَاهُمَا } لِأَنَّ اللَّيْل كَانَ قَبْل النَّهَار , فَفَتَقَ النَّهَار . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18542 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : خُلِقَ اللَّيْل قَبْل النَّهَار . ثُمَّ قَالَ : { كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَوَلَمْ يَرَ الَّذِي كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا مِنْ الْمَطَر وَالنَّبَات , فَفَتَقْنَا السَّمَاء بِالْغَيْثِ وَالْأَرْض بِالنَّبَاتِ . وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ لِدَلَالَةِ قَوْله : { وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاء كُلّ شَيْء حَيّ } عَلَى ذَلِكَ , وَأَنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَمْ يُعَقِّب ذَلِكَ بِوَصْفِ الْمَاء بِهَذِهِ الصِّفَة إِلَّا وَاَلَّذِي تَقَدَّمَهُ مِنْ ذِكْر أَسْبَابه . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَكَيْف قِيلَ : أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا , وَالْغَيْث إِنَّمَا يَنْزِل مِنْ السَّمَاء الدُّنْيَا ؟ قِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ مُخْتَلَف فِيهِ , قَدْ قَالَ قَوْم : إِنَّمَا يَنْزِل مِنْ السَّمَاء السَّابِعَة , وَقَالَ آخَرُونَ : مِنْ السَّمَاء الرَّابِعَة , وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ أَيْضًا كَمَا ذَكَرْت مِنْ أَنَّهُ يَنْزِل مِنْ السَّمَاء الدُّنْيَا , لَمْ يَكُنْ فِي قَوْله : { أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض } دَلِيل عَلَى خِلَاف مَا قُلْنَا , لِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِع أَنْ يُقَال " السَّمَاوَات " وَالْمُرَاد مِنْهَا وَاحِدَة فَتُجْمَع , لِأَنَّ كُلّ قِطْعَة مِنْهَا سَمَاء , كَمَا يُقَال : ثَوْب أَخْلَاق , وَقَمِيص أَسْمَال . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْف قِيلَ إِنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا , فَالسَّمَاوَات جَمْع , وَحُكْم جَمْع الْإِنَاث أَنْ يُقَال فِي قَلِيلَة كُنَّ , وَفِي كَثِيره كَانَتْ ؟ قِيلَ : إِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا . صِنْفَانِ , فَالسَّمَاوَات نَوْع , وَالْأَرْض آخَر ; وَذَلِكَ نَظِير قَوْل الْأَسْوَد بْن يَعْفَر : إِنَّ الْمَنِيَّة وَالْحُتُوف كِلَاهُمَا تُوفِي الْمَخَارِم يَرْقُبَانِ سَوَادِي فَقَالَ : " كِلَاهُمَا " , وَقَدْ ذَكَرَ الْمَنِيَّة وَالْحُتُوف لِمَا وُصِفَتْ مِنْ أَنَّهُ عَنَى النَّوْعَيْنِ . وَقَدْ أُخْبِرْت عَنْ أَبِي عُبَيْدَة مَعْمَر بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : أَنْشَدَنِي غَالِب النُّفَيْلِيّ لِلْقُطَامِيّ : أَلَمْ يَحْزُنك أَنَّ حِبَال قَيْس وَتَغْلِب قَدْ تَبَايَنَتَا اِنْقِطَاعًا فَجَعَلَ حِبَال قَيْس وَهِيَ جَمْع وَحِبَال تَغْلِب وَهِيَ جَمْع اِثْنَيْنِ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَوَلَمْ يَنْظُر هَؤُلَاءِ الَّذِي كَفَرُوا بِاَللَّهِ بِأَبْصَارِ قُلُوبهمْ , فَيَرَوْا بِهَا , وَيَعْلَمُوا أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا : يَقُول : لَيْسَ فِيهِمَا ثُقْب , بَلْ كَانَتَا مُلْتَصِقَتَيْنِ ; يُقَال مِنْهُ : رَتَقَ فُلَان الْفَتْق : إِذْ شَدَّهُ , فَهُوَ يَرْتُقهُ رَتْقًا وَرُتُوقًا ; وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي فَرْجهَا مُلْتَحِم : رَتْقَاء . وَوَحَّدَ الرَّتْق , وَهُوَ مِنْ صِفَة السَّمَاء وَالْأَرْض , وَقَدْ جَاءَ بَعْد قَوْله : { كَانَتَا } لِأَنَّهُ مَصْدَر , مِثْل قَوْل الزُّور وَالصَّوْم وَالْفِطْر . وَقَوْله : { فَفَتَقْنَاهُمَا } يَقُول : فَصَدَّعْنَاهُمَا وَفَرَّجْنَاهُمَا . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى وَصْف اللَّه السَّمَاوَات وَالْأَرْض بِالرَّتْقِ , وَكَيْف كَانَ الرَّتْق , وَبِأَيِّ مَعْنًى فُتِقَ ؟ فَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى بِذَلِكَ أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا مُلْتَصِقَتَيْنِ فَفَصَلَ اللَّه بَيْنهمَا بِالْهَوَاءِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18531 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا } يَقُول : مُلْتَصِقَتَيْنِ . 18532 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } . . . الْآيَة , يَقُول : كَانَتَا مُلْتَصِقَتَيْنِ , فَرَفَعَ السَّمَاء وَوَضَعَ الْأَرْض . 18533 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } كَانَ اِبْن عَبَّاس يَقُول : كَانَتَا مُلْتَزِقَتَيْنِ , فَفَتَقَهُمَا اللَّه . 18534 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } قَالَ : كَانَ الْحَسَن وَقَتَادَة يَقُولَانِ : كَانَتَا جَمِيعًا , فَفَصَلَ اللَّه بَيْنهمَا بِهَذَا الْهَوَاء وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ السَّمَاوَات كَانَتْ مُرْتَتِقَة طَبَقَة , فَفَتَقَهَا اللَّه فَجَعَلَهَا سَبْع سَمَاوَات وَكَذَلِكَ الْأَرْض كَانَتْ كَذَلِكَ مُرْتَتِقَة , فَفَتَقَهَا فَجَعَلَهَا سَبْع أَرَضِينَ ذِكْر مَنْ قَالَ : ذَلِكَ : 18535 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } مِنْ الْأَرْض سِتّ أَرَضِينَ مَعَهَا فَتِلْكَ سَبْع أَرَضِينَ مَعَهَا , وَمِنْ السَّمَاء سِتّ سَمَاوَات مَعَهَا فَتِلْكَ سَبْع سَمَاوَات مَعَهَا . قَالَ : وَلَمْ تَكُنْ الْأَرْض وَالسَّمَاء مُتَمَاسَّتَيْنِ . 18536 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } قَالَ : فَتَقَهُنَّ سَبْع سَمَاوَات بَعْضهنَّ فَوْق بَعْض , وَسَبْع أَرَضِينَ بَعْضهنَّ تَحْت بَعْض . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد نَحْو حَدِيث مُحَمَّد بْن عَمْرو , عَنْ أَبِي عَاصِم . 18537 - حَدَّثَنَا عَبْد الْحَمِيد بْن بَيَان , قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن يَزِيد , عَنْ إِسْمَاعِيل , قَالَ : سَأَلْت أَبَا صَالِح عَنْ قَوْله : { كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } قَالَ : كَانَتْ الْأَرْض رَتْقًا وَالسَّمَاوَات رَتْقًا , فَفَتَقَ مِنْ السَّمَاء سَبْع سَمَاوَات , وَمِنْ الْأَرْض سَبْع أَرَضِينَ . 18538 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : كَانَتْ سَمَاء وَاحِدَة ثُمَّ فَتَقَهَا , فَجَعَلَهَا سَبْع سَمَاوَات فِي يَوْمَيْنِ , فِي الْخَمِيس وَالْجُمُعَة , وَإِنَّمَا سُمِّيَ يَوْم الْجُمُعَة لِأَنَّهُ جَمَعَ فِيهِ خَلْق السَّمَاوَات وَالْأَرْض , فَذَلِكَ حِين يَقُول : { خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام } 7 54 يَقُول : { كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِذَلِكَ أَنَّ السَّمَاوَات كَانَتْ رَتْقًا لَا تُمْطِر وَالْأَرْض كَذَلِكَ رَتْقًا لَا تُنْبِت , فَفَتَقَ السَّمَاء بِالْمَطَرِ وَالْأَرْض بِالنَّبَاتِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18539 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا أَبُو الْأَحْوَص , عَنْ سِمَاك , عَنْ عِكْرِمَة : { أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } قَالَ : كَانَتَا رَتْقًا لَا يَخْرُج مِنْهُمَا شَيْء , فَفَتَقَ السَّمَاء بِالْمَطَرِ وَفَتَقَ الْأَرْض بِالنَّبَاتِ . قَالَ : وَهُوَ قَوْله : { وَالسَّمَاء ذَات الرَّجْع وَالْأَرْض ذَات الصَّدْع } . 86 11 : 12 18540 - حَدَّثَنِي الْحُسَيْن بْن عَلِيّ الصُّدَائِيّ , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ الْفُضَيْل بْن مَرْزُوق , عَنْ عَطِيَّة , فِي قَوْله : { أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } قَالَ : كَانَتْ السَّمَاء رَتْقًا لَا تُمْطِر وَالْأَرْض رَتْقًا لَا تُنْبِت , فَفَتَقَ السَّمَاء بِالْمَطَرِ وَفَتَقَ الْأَرْض بِالنَّبَاتِ وَجَعَلَ مِنْ الْمَاء كُلّ شَيْء حَيّ , أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ؟ 18541 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } قَالَ : كَانَتْ السَّمَاوَات رَتْقًا لَا يَنْزِل مِنْهَا مَطَر , وَكَانَتْ الْأَرْض رَتْقًا لَا يَخْرُج مِنْهَا نَبَات , فَفَتَقَهُمَا اللَّه , فَأَنْزَلَ مَطَر السَّمَاء , وَشَقَّ الْأَرْض فَأَخْرَجَ نَبَاتهَا . وَقَرَأَ : { فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاء كُلّ شَيْء حَيّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ } . وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا قِيلَ { فَفَتَقْنَاهُمَا } لِأَنَّ اللَّيْل كَانَ قَبْل النَّهَار , فَفَتَقَ النَّهَار . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18542 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : خُلِقَ اللَّيْل قَبْل النَّهَار . ثُمَّ قَالَ : { كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَوَلَمْ يَرَ الَّذِي كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا مِنْ الْمَطَر وَالنَّبَات , فَفَتَقْنَا السَّمَاء بِالْغَيْثِ وَالْأَرْض بِالنَّبَاتِ . وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ لِدَلَالَةِ قَوْله : { وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاء كُلّ شَيْء حَيّ } عَلَى ذَلِكَ , وَأَنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَمْ يُعَقِّب ذَلِكَ بِوَصْفِ الْمَاء بِهَذِهِ الصِّفَة إِلَّا وَاَلَّذِي تَقَدَّمَهُ مِنْ ذِكْر أَسْبَابه . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَكَيْف قِيلَ : أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا , وَالْغَيْث إِنَّمَا يَنْزِل مِنْ السَّمَاء الدُّنْيَا ؟ قِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ مُخْتَلَف فِيهِ , قَدْ قَالَ قَوْم : إِنَّمَا يَنْزِل مِنْ السَّمَاء السَّابِعَة , وَقَالَ آخَرُونَ : مِنْ السَّمَاء الرَّابِعَة , وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ أَيْضًا كَمَا ذَكَرْت مِنْ أَنَّهُ يَنْزِل مِنْ السَّمَاء الدُّنْيَا , لَمْ يَكُنْ فِي قَوْله : { أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض } دَلِيل عَلَى خِلَاف مَا قُلْنَا , لِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِع أَنْ يُقَال " السَّمَاوَات " وَالْمُرَاد مِنْهَا وَاحِدَة فَتُجْمَع , لِأَنَّ كُلّ قِطْعَة مِنْهَا سَمَاء , كَمَا يُقَال : ثَوْب أَخْلَاق , وَقَمِيص أَسْمَال . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْف قِيلَ إِنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا , فَالسَّمَاوَات جَمْع , وَحُكْم جَمْع الْإِنَاث أَنْ يُقَال فِي قَلِيلَة كُنَّ , وَفِي كَثِيره كَانَتْ ؟ قِيلَ : إِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا . صِنْفَانِ , فَالسَّمَاوَات نَوْع , وَالْأَرْض آخَر ; وَذَلِكَ نَظِير قَوْل الْأَسْوَد بْن يَعْفَر : إِنَّ الْمَنِيَّة وَالْحُتُوف كِلَاهُمَا تُوفِي الْمَخَارِم يَرْقُبَانِ سَوَادِي فَقَالَ : " كِلَاهُمَا " , وَقَدْ ذَكَرَ الْمَنِيَّة وَالْحُتُوف لِمَا وُصِفَتْ مِنْ أَنَّهُ عَنَى النَّوْعَيْنِ . وَقَدْ أُخْبِرْت عَنْ أَبِي عُبَيْدَة مَعْمَر بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : أَنْشَدَنِي غَالِب النُّفَيْلِيّ لِلْقُطَامِيّ : أَلَمْ يَحْزُنك أَنَّ حِبَال قَيْس وَتَغْلِب قَدْ تَبَايَنَتَا اِنْقِطَاعًا فَجَعَلَ حِبَال قَيْس وَهِيَ جَمْع وَحِبَال تَغْلِب وَهِيَ جَمْع اِثْنَيْنِ .' وَقَوْله : { وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاء كُلّ شَيْء حَيّ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَأَحْيَيْنَا بِالْمَاءِ الَّذِي نُنَزِّلهُ مِنْ السَّمَاء كُلّ شَيْء . كَمَا : 18543 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاء كُلّ شَيْء حَيّ } قَالَا : كُلّ شَيْء حَيّ خُلِقَ مِنْ الْمَاء . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْف خَصَّ كُلّ شَيْء حَيّ بِأَنَّهُ جُعِلَ مِنْ الْمَاء دُون سَائِر الْأَشْيَاء غَيْره , فَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ يَحْيَا بِالْمَاءِ الزُّرُوع وَالنَّبَات وَالْأَشْجَار وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا لَا حَيَاة لَهُ , وَلَا يُقَال لَهُ حَيّ وَلَا مَيِّت ؟ قِيلَ : لِأَنَّهُ لَا شَيْء مِنْ ذَلِكَ إِلَّا وَلَهُ حَيَاة وَمَوْت , وَإِنْ خَالَفَ مَعْنَاهُ فِي ذَلِكَ مَعْنَى ذَوَات الْأَرْوَاح فِي أَنَّهُ لَا أَرْوَاح فِيهِنَّ وَأَنَّ فِي ذَوَات الْأَرْوَاح أَرْوَاحًا ; فَلِذَلِكَ قِيلَ : { وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاء كُلّ شَيْء حَيّ } . وَقَوْله : { وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاء كُلّ شَيْء حَيّ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَأَحْيَيْنَا بِالْمَاءِ الَّذِي نُنَزِّلهُ مِنْ السَّمَاء كُلّ شَيْء . كَمَا : 18543 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاء كُلّ شَيْء حَيّ } قَالَا : كُلّ شَيْء حَيّ خُلِقَ مِنْ الْمَاء . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْف خَصَّ كُلّ شَيْء حَيّ بِأَنَّهُ جُعِلَ مِنْ الْمَاء دُون سَائِر الْأَشْيَاء غَيْره , فَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ يَحْيَا بِالْمَاءِ الزُّرُوع وَالنَّبَات وَالْأَشْجَار وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا لَا حَيَاة لَهُ , وَلَا يُقَال لَهُ حَيّ وَلَا مَيِّت ؟ قِيلَ : لِأَنَّهُ لَا شَيْء مِنْ ذَلِكَ إِلَّا وَلَهُ حَيَاة وَمَوْت , وَإِنْ خَالَفَ مَعْنَاهُ فِي ذَلِكَ مَعْنَى ذَوَات الْأَرْوَاح فِي أَنَّهُ لَا أَرْوَاح فِيهِنَّ وَأَنَّ فِي ذَوَات الْأَرْوَاح أَرْوَاحًا ; فَلِذَلِكَ قِيلَ : { وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاء كُلّ شَيْء حَيّ } . ' وَقَوْله : { أَفَلَا يُؤْمِنُونَ } يَقُول : أَفَلَا يُصَدِّقُونَ بِذَلِكَ , وَيُقِرُّونَ بِأُلُوهَةِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَيُفْرِدُونَهُ بِالْعِبَادَةِ ؟وَقَوْله : { أَفَلَا يُؤْمِنُونَ } يَقُول : أَفَلَا يُصَدِّقُونَ بِذَلِكَ , وَيُقِرُّونَ بِأُلُوهَةِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَيُفْرِدُونَهُ بِالْعِبَادَةِ ؟'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { أولم يرى الذين كفروا} قراءة العامة { أو لم} بالواو. وقرأ ابن كثير وابن محيصن وحميد وشبل بن عباد { ألم تر} بغير واو وكذلك هو في مصحف مكة. { أو لم ير} بمعنى يعلم. { الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا} قال الأخفش { كانتا} لأنهما صنفان، كما تقول العرب : هما لقاحان أسودان، وكما قال الله عز وجل { إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا} [فاطر : 41] قال أبو إسحاق { كانتا} لأنه يعبر عن السموات بلفظ الواحد بسماء؛ ولأن السموات كانت سماء واحدة، وكذلك الأرضون. وقال { رتقا} ولم يقل رتقين؛ لأنه مصدر؛ والمعنى كانتا ذواتي رتق. وقرأ الحسن { رتقا} بفتح التاء. قال عيسى بن عمر : هو صواب وهي لغة. والرتق السد ضد الفتق، وقد رتقت الفتق أرتقه فارتتق أي التأم، ومنه الرتقاء للمنضمة الفرج. قال ابن عباس والحسن وعطاء والضحاك وقتادة : يعني أنها كانت شيئا واحدا ملتزقتين ففصل الله بينهما بالهواء. وكذلك قال كعب : خلق الله السموات والأرض بعضها على بعض ثم خلق ريحا بوسطها ففتحها بها، وجعل السموات سبعا والأرضين سبعا. وقول ثان قال مجاهد والسدي وأبو صالح : كانت السموات مؤتلفة طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبع سموات، وكذلك الأرضين كانت مرتتقة طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبعا. وحكاه القتبي في عيون الأخبار له، عن إسماعيل بن أبي خالد في قول الله عز وجل { أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقاهما} قال : كانت السماء مخلوقة وحدها والأرض مخلوقة وحدها، ففتق من هذه سبع سموات، ومن هذه سبع أرضين؛ خلق الأرض العليا فجعل سكانها الجن والإنس، وشق فيها الأنهار وأنبت فيها الأثمار، وجعل فيها البحار وسماها رعاء، مسيرة خمسمائة عام؛ ثم خلق الثانية مثلها في العرض والغلظ وجعل فيها أقواما، أفواههم كأفواه الكلاب وأيديهم أيدي الناس؛ وآذانهم آذان البقر وشعورهم شعور الغنم، فإذا كان عند اقتراب الساعة ألقتهم الأرض إلى يأجوج ومأجوج، واسم تلك الأرض الدكماء، ثم خلق الأرض الثالثة غلظها مسيرة خمسمائة عام، ومنها هواء إلى الأرض الرابعة خلق فيها ظلمة وعقارب لأهل النار مثل البغال السود، ولها أذناب مثل أذناب الخيل الطوال، يأكل بعضها بعضا فتسلط على بني آدم. ثم خلق الله الخامسة [مثلها] في الغلظ والطول والعرض فيها سلاسل وأغلال وقيود لأهل النار. ثم خلق الله الأرض السادسة واسمها ماد، فيها حجارة سود بهم، ومنها خلقت تربة آدم عليه السلام، تبعث تلك الحجارة يوم القيامة وكل حجر منها كالطود العظيم، وهي من كبريت تعلق في أعناق الكفار فتشتعل حتى تحرق وجوههم وأيديهم، فذلك قول عز وجل { وقودها الناس والحجارة} [البقرة : 24] ثم خلق الله الأرض السابعة واسمها عربية وفيها جهنم، فيها بابان اسم الواحد سجين والآخر الغلق، فأما سجين فهو مفتوح وإليه ينتهي كتاب الكفار، وعليه يعرض أصحاب المائدة وقوم فرعون، وأما الغلق فهو مغلق لا يفتح إلى يوم القيامة. وقد مضى في [البقرة] أنها سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة عام، وسيأتي له في آخر [الطلاق] زيادة بيان إن شاء الله تعالى. وقول ثالث قال عكرمة وعطية وابن زيد وابن عباس أيضا فيما ذكر المهدوي : إن السموات كانت رتقا لا تمطر، والأرض كانت رتقا لا تنبت، ففتق السماء بالمطر، والأرض بالنبات؛ نظيره قوله عز وجل { والسماء ذات الرجع. والأرض ذات الصدع} [الطارق : 11 - 12]. واختار هذا القول الطبري؛ لأن بعده { وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون} . قلت : وبه يقع الاعتبار مشاهدة ومعاينة؛ ولذلك أخبر بذلك في غير ما آية؛ ليدل على مال قدرته، وعلى البعث والجزاء. وقيل : يهون عليهم إذا يغضبو ** ن سخط العداة وإرغامها ورتق الفتوق وفتق الرتو ** ق ونقض الأمور وإبرامها قوله تعالى { وجعلنا من الماء كل شيء حي} ثلاث تأويلات : أحدها : أنه خلق كل شيء من الماء؛ قال قتادة الثاني : حفظ حياة كل شيء بالماء. الثالث : وجعلنا من ماء الصلب كل شيء حي؛ قال قطرب. { وجعلنا} بمعنى خلقنا. وروى أبو حاتم البستي في المسند الصحيح له حديث أبي هريرة قال : قلت يا رسول الله إذا رأيتك طابت نفسي، وقرت عيني، أنبئني عن كل شيء؛ قال : (كل شيء خلق من الماء) الحديث؛ قال أبو حاتم قول أبي هريرة { أنبئني عن كل شيء} أراد به عن كل شيء خلق من الماء، والدليل على صحة هذا جواب المصطفى إياه حيث قال : (كل شيء خلق من الماء) وإن لم يكن مخلوقا. وهذا احتجاج آخر سوى ما تقدم من كون السموات والأرض رتقا. وقيل : الكل قد يذكر بمعنى البعض كقول { وأوتيت من كل شيء} [النمل : 23] وقول { تدمر كل شيء} [الأحقاف : 25] والصحيح العموم؛ لقول عليه السلام : (كل شي خلق من الماء) والله أعلم. { أفلا يؤمنون} أي أفلا يصدقون بما يشاهدون، وأن ذلك لم يكن بنفسه، بل لمكون كونه، ومدبر أوجده، ولا يجوز أن يكون ذلك المكون محدثا. قوله تعالى { وجعلنا في الأرض رواسي} أي جبالا ثوابت. { أن تميد بهم} أي لئلا تميد بهم، ولا تتحرك ليتم القرار عليها؛ قاله الكوفيون. وقال البصريون : المعنى كراهية أن تميد. والميد التحرك والدوران. يقال : ماد رأسه؛ أي دار. ومضى في [النحل] مستوفى. { وجعلنا فيها فجاجا} يعني في الرواسي؛ عن ابن عباس. والفجاج المسالك. والفج الطريق الواسع بين الجبلين. وقيل : وجعلنا في الأرض فجاجا أي مسالك؛ وهو اختيار الطبري؛ لقوله { لعلهم يهتدون} أي يهتدون إلى السير في الأرض. { سبلا} تفسير الفجاج؛ لأن الفج قد يكون طريقا نافذا مسلوكا وقد لا يكون. وقيل : ليهتدوا بالاعتبار بها إلى دينهم. قوله تعالى { وجعلنا السماء سقفا محفوظا} أي محفوظا من أن يقع ويسقط على الأرض؛ دليله قوله تعالى { ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه} [الحج : 65]. وقيل : محفوظا بالنجوم من الشياطين؛ قاله الفراء. دليله قوله تعالى { وحفظناها من كل شيطان رجيم} [الحجر : 17]. وقيل : محفوظا من الهدم والنقض، وعن أن يبلغه أحد بحيلة. وقيل : محفوظا فلا يحتاج إلى عماد. وقال مجاهد : مرفوعا. وقيل : محفوظا من الشرك والمعاصي. { وهم} يعني الكفار { عن آياتها معرضون} قال مجاهد يعني الشمس والقمر. وأضاف الآيات إلى السماء لأنها مجعولة فيها، وقد أضاف الآيات إلى نفسه في مواضع، لأنه الفاعل لها. بين أن المشركين غفلوا عن النظر في السموات وآياتها، من ليلها ونهارها، وشمسها وقمرها، وأفلاكها ورياحها وسحابها، وما فيها من قدرة الله تعالى، إذ لو نظروا واعتبروا لعلموا أن لها صانعا قادرا فيستحيل أن يكون له شريك. قوله تعالى { وهو الذي خلق الليل والنهار} ذكرهم نعمة أخرى : جعل لهم الليل ليسكنوا فيه، والنهار ليتصرفوا فيه لمعايشهم { والشمس والقمر} أي وجعل الشمس آية النهار، والقمر آية الليل؛ لتعلم الشهور والسنون والحساب، كما تقدم في { سبحان} بيانه. { كل} يعني من الشمس والقمر والنجوم والكواكب والليل والنهار { في فلك يسبحون} أي يجرون ويسيرون بسرعة كالسابح في الماء. قال الله تعالى وهو أصدق القائلين { والسابحات سبحا} ويقال للفرس الذي يمد يده في الجري سابح. وفيه من النحو أنه لم يقل : يسبحن ولا تسبح؛ فمذهب سيبويه : أنه لما أخبر عنهن بفعل من يعقل وجعلهن في الطاعة بمنزلة من يعقل، أخبر عنهن بفعل من يعقل وجعلهن في الطاعة بمنزلة من يعقل، أخبر عنهن بالواو والنون ونحوه قال الفراء. وقد تقدم هذا المعنى في [يوسف]. وقال الكسائي : إنما قال { يسبحون} لأنه رأس آية، كما قال الله تعالى { نحن جميع منتصر} [القمر : 44] ولم يقل منتصرون. وقيل : الجري للفلك فنسب إليها. والأصح أن السيارة تجري في الفلك، وهي سبعة أفلاك دون السموات المطبقة، التي هي مجال الملائكة وأسباب الملكوت، فالقمر في الفلك الأدنى، ثم عطارد، ثم الزهرة، ثم الشمس، ثم المريخ، ثم المشتري، ثم زحل، والثامن فالك البروج، التاسع الفلك الأعظم. والفلك واحد أفلاك النجوم. قال أبو عمرو : ويجوز أن يجمع على فعل مثل أسد وأسد وخشب وخشب. وأصل الكلمة من الدوران، ومنه فلكة المغزل؛ لاستدارتها. ومنه قيل : فلك ثدي المرأة تفليكا، وتفلك استدار. وفي حديث ابن مسعود : تركت فرسي كأنه يدور في فلك. كأنه لدورانه شبهه بفلك السماء الذي تدور عليه النجوم. قال ابن زيد : الأفلاك مجاري النجوم والشمس والقمر. قال : وهي بين السماء والأرض. وقال قتادة : الفلك استدارة في السماء تدور بالنجوم مع ثبوت السماء. وقال مجاهد : الفلك كهيئة حديد الرحى وهو قطبها. وقال الضحاك : فلكها مجراها وسرعة مسيرها. وقيل : الفلك موج مكتوف ومجرى الشمس والقمر فيه؛ والله أعلم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الأنبياء الايات 29 - 32

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

قوله تعالى: { أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ... } [الأنبياء: 30] يعني: أعميتْ أبصارهم، فلم ينظروا إلى هذا الكون البديع الصنع المحكم الهندسة والنظام، فيكفروا بسبب أنهم عَمُوا عن رؤية آيات الله. وهكذا كما رأيت الهمزة بعد الواو والفعل المنفي.

لكن كيف يقول الحق سبحانه: { أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ.. } [الأنبياء: 30] والحديث هنا عن السماء والأرض، وقد قال تعالى:
{  مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً }
[الكهف: 51]؟

فهذه مسألة لم يشهدها أحد، ولم يخبرهم أحد بها، فكيف يروْنَها؟

سبق أن تكلمنا عن الرؤية في القرآن، وأن لها استعمالات مختلفة: فتارة تأتي بمعنى: نظر أي: بصرية. وتأتي بمعنى: علم، ففي قوله تعالى:
{  أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ }
[الفيل: 1].

والنبي صلى الله عليه وسلم لم يَرَ هذه الحادثة ولم يشهدها؛ لأنه وُلِد في نفس عامها، فالمعنى: ألم تعلم، فلماذا عَدلَ السياق عن الرؤية البصرية إلى الرؤية العلمية، مع أن رؤية العين هي آكد الرُّؤى، حتى أنهم يقولون: ليس مع العَيْن أيْن؟

قالوا: لأن الله تعالى يريد أن ينبه رسوله صلى الله عليه وسلم أنت صحيح لم ترهَا بعينيك، لكن ربك أخبرك بهان وإخبار الله أصدق من رؤية عينيك، فإذا أخبرك الله بشيء فإخبار الله أصدقُ من رؤية العين، فالعين يمكن أنْ تخدعك، أو ترى بها دون أنْ تتأمل. أما إخبار الله لك فصادقٌ لا خداعَ فيه.

ومن ذلك أيضاً قوله تعالى:
{  أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً }
[مريم: 83].

لكن، كيف تمَّتْ الرؤية العلمية لهم في مسألة خَلْق السماوات والأرض؟

قالوا: لأن الإنسان حين يرى هذا الكون البديع كان يجب عليه ولو بغريزة الفضول أنْ يتساءلَ: من أين جاء هذا الكون العجيب؟ والإنسان بطبعه يلتفت إلى الشيء العجيب، ويسأل عنه، وهو لا يعنيه ولا ينتفع به، فما بالُكَ إنْ كان شيئاً نافعاً له؟

إذن: كان عليهم أن ينظروا: مَنِ الذي نبَّأَ رسول الله بهذه المسألة؟ خاصة وقد كانوا يسألون عنها، وقد جاءهم رسول الله بمعجزة تُثبِت صدقه في البلاغ عن الله، وتُخبرهم بما كانوا يبحثون عنه، وما دام الكلام من الله فهو صدق:
{  وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلاً }
[النساء: 122].

وقد نزل القرآن في جزيرة العرب كفار عُبَّاد أصنام، وفيها اليهود وبعض النصارى، وهما أهل الكتاب يؤمنون بإله وبرُسُل وبكتب، حتى إنهم كانوا يجادلون الكفار الوثنيين يقولون لهم: لقد أطلّ زمان نبي سنتبعه ونقتلكم به قتل عاد وإرم.

ومع ذلك، لما جاءهم ما عرفوا من الحق كفروا به، والتحموا بالكفار، وكوَّنوا معهم جبهة واحدة، وحزباً واحداً، ما جمعهم إلا كراهية النبي، وما جاء به من الدين الحق، وما أشبهَ هذا بما يفعله الآن كُلٌّ من المعسكر الشرقي والمعسكر الغربي من اتحاد ضد الإسلام.إذن: بعد أنْ جاء الإسلام أصبح أهلُ الكتاب والكفار ضد الإسلام في خندق واحد، وكان الكفار يسمعون من أهل الكتاب، وفي التوراة كلام عن خَلْق السماء والأرض يقول: إن الله أول ما خلق الخَلْق خلق جوهرة، ثم نظر إليها نظرَ الهيبة فحصل فيها تفاعل وبخار ودخان، فالدخان صعد إلى أعلى فكوَّنَ السماء، والبقية ظلتْ فكوَّنت الأرض.

وهكذا كان لديهم طرف من العلم عن مسألة الخَلْقِ؛ لذلك قال الله عنهم: { أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا... } [الأنبياء: 30].

وقد كان للمستشرقين كلام حول قوله تعالى: { كَانَتَا رَتْقاً } [الأنبياء: 30] قالوا: السماوات جمع، والأرض كذلك جنس لها جمع، فالقاعدة تقتضي أنْ نقول: كُنَّ رتقاً بضمير الجمع. وصاحب هذا الاعتراض لم يَدْر أن الله سبحانه وتعالى نظر إلى السماء كنوع والأرض كنوع، فالمراد هنا السماوةي والأرضية وهما مُثنَّى.

وفي القرآن نظائر كثيرة لهذه المسألة؛ لأن القرآن جاء بالأسلوب العربي المبنيّ على الفِطنة والذكاء ومُرونة الفهم. فخُذْ مثلاً قوله تعالى:
{  وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا... }
[الحجرات: 9].

فلم يقُلْ حسْب الظاهر: اقتتلتَا؛ لأن الطائفة وإنْ كانت مفرداً إلا أنها تحوي جماعة، والقتال لا يكون بين طائفة وطائفة، إنما بين أفراد هذه وأفراد هذه، فالقتال ملحوظ فيه الجمع
{  ٱقْتَتَلُواْ... }
[الحجرات: 9] فإذا ما جِئْنا للصُّلْح لا يتم بين هؤلاء الأفراد، وإنما بين ممثَل عن كل طائفة، فالصُّلْح لا يتم بين هؤلاء الأفراد، وإنما بين ممثل عن كل طائفة، فالصُّلْح قائم بين طرفين؛ لذلك يعود السياق للتثنية.
{  فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِٱلْعَدْلِ }
[الحجرات: 9].

والرَّتْق: الشيء الملتحم الملتصق، ومعنى { فَفَتَقْنَاهُمَا.. } [الأنبياء: 30] أي: فَصلَنْاهما وأزَحْنَا هذا الالتحام، وما ذُكِر في التوراة من أن الله تعالى خلق جوهرة، ثم نظر إليها في هَيْبة، فحصل لها كذا وكذا في القرآن له ما يؤيده في قوله تعالى:
{  ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً... }
[فصلت: 11].

والعلماء ساعةَ يستقبلون الآية الكونية لهم فيها مذاهب اجتهادية مختلفة؛ لأنها تتعرَّض لحقيقة الكون، وهذا أمر قابل للخلاف، فكلُّ واحد منهم يأخذ منه على قَدْر ثقافته وعِلْمه.

فالعربي القديم لم يكُنْ يعرف كثيراً عن الظواهر الكونية، لا يعرف الجاذبية، ولا يعرف كُروية الأرض ولا حركتها، فلو أن القرآن تعرَّض لمثل هذه الأمور التي لا يتسع لها مداركه وثقافته فلربما صرفه هذا الكلام الذي لا يفهمه، ولك أنْ تتصوَّر لو قلتَ له مثلاً: إن الأرض كرة تدور بنا بما عليها من بحار وجبال الخ.والقرآن بالدرجة الأولى كتاب منهج " افعل كذا " و " لا تفعل كذا " لذلك كلُّ ما يتعلق بهذا المنهج جاء واضحاً لا غموض فيه، أمَّا الأمور الكونية التي تخضع لثقافات البشر وارتقاءاتهم الحضارية فقد جاءت مُجْملةً تنتظر العقول المفكرة التي تكشف عن هذه الظواهر واحدةً بعد الأخرى، وكأن الحق - تبارك وتعالى - يعطينا مجرد إشارة، وعلى العقول المتأمّلة أنْ تُكمِلَ هذه المنظومة.

وقد كان لعلماء الإسلام موقفان في هذه المسألة، كلاهما ينطلق من الحب لدين الله، والغرام بكتابه، والرغبة الصادقة في إثبات صدْق ما جاء به القرآن من آيات كونية جاء العلم الحديث ليقول بها الآن، وقد نزل بها القرآن منذ أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان.

الموقف الأول: وكان أصحابه مُولعين بأنْ يجدوا لكل اكتشاف جديداً شاهداً من القرآن ليقولوا: إن القرآن سبق إليه وأن محمداً صلى الله عليه وسلم صادق في بلاغه عن الله.

الموقف الثاني: أما أصحاب الموقف الآخر فكانوا يتهيَّبون من هذه المسألة خشية أن يقولوا بنظرية لم تثبت بَعْد، ويلتمسون لها شاهداً من كتاب الله، ثم يثبُت بطلانها بعد أنْ ربطوها بالقرآن.

والموقف الحق أن هناك فرقاً بين نظرية علمية، وحقيقة علمية، فالنظرية مسألة محلّ بحث ومحلّ دراسة لم تثبت بَعْد؛ لذلك يقولون: هذا كلام نظري أي: يحتاج إلى ما يؤيده من الواقع، أمّا الحقيقة العلمية فمسألة وقعتْ تحت التجربة، وثبت صدقها عملياً ووثقنا أنها لا تتغير.

فعلينا - إذن - أَلاَّ نربط القرآن بالنظرية التي تحتمل الصدق أو الكذب، حتى لا يتذبذب الناس في فَهْم القرآن، ويتهمونا أننا نُفسِّر القرآن حَسْب أهوائنا. أمّا الحقيقة العلمية الثابتة فإذا جاءت بحيث لا تُدفَع فلا مانعَ من ربطها بالقرآن.

من ذلك مسألة كروية الأرض، فعندما قال بها العلماء اعترض كثيرون وأثاروها ضجة وألَّفوا فيها كتباً، ومنهم مَنْ حكم بكفر مَنْ يقول بذلك؛ لأن هذه المسألة لم ينص عليها القرآن. فلما تقدم العلم، وتوفرتْ له الأدلة الكافية لإثبات هذه النظرية، فوجدوا الكواكب الأخرى مُدوَّرة كالشمس والقمر، فلماذا لا تكون الأرض كذلك؟!

كذلك إذا وقفتَ مثلاً على شاطئ البحر، ونظرتَ إلى مركب قادم من بعيد لا ترى منها إلا طرفَ شراعها، ولا ترى باقي المركب إلا إذا اقتربتْ منك، عَلامَ يدلُّ ذلك؟ هذا يدل على أن سطح الأرض ليس مستوياً، إنما فيه تقوُّس وانحناء يدل على كُرويتها.

فلما جاء عصر الفضاء، وصعد العلماء للفضاء الخارجي، وجاءوا للأرض بصور، فإذا بها كُروية فعلاً، وهكذا تحولتْ النظرية إلى حقيقة علمية لا تُدفع، ولا جدال حولها، ومَنْ خالفها حينما كانت نظرية لا يسعه الآن إلاّ قبولها والقول بها.

وما قلناه عن كُروية الأرض نقوله عن دورانها، ومَنْ كان يصدق قديماً أن الأرض هي التي تدور حول الشمس بما عليها من مياه ومَبانٍ وغيره؟ ولك أن تأخذَ كوزاً ممتلئاً بالماء، واربطه بخيط من أعلى، ثم أَدِرْه بسرعة من أسفل إلى أعلى، تلاحظ أن فوهة الكوز إلى أسفل دون أنْ ينسكب الماء، لماذا؟ لأن سرعة الدوران تفوق جاذبية الأرض التي تجذب الماء إليها، بدليل أنك إذا تهاونتَ في دوران الكوز يقع الماء من فُوهته، ولا بُد من وجود تأثير للجاذبية، فجاذبية الأرض هي التي تحتفظ بالماء عليها أثناء دورانها.أما أن نلتقط نظرية وليدة في طََوْر البحث والدراسة، ثم نفرح بربطها بالقرآن كما حدث أوائل العصر الحديث والنهضة العلمية، حين اكتشف العلماءُ المجموعةَ الشمسية، وكانت في بدايتها سبعة كواكب فقط مُرتّبة حسب قُرْبها من الشمس في المركز: عطارد، فالزهرة، فالأرض، فالمريخ، فالمشتري، فزُحَل، فأورانوس.

وهنا أسرع بعض علمائنا الكبار - منهم الشيخ المراغي - بالقول بأنها السماوات السبع، وكتبوا في ذلك بحوثاً، وفي القرآن الذي سبق إلى هذا. ومرَّتْ الأيام، واكتشف العلماء الكواكب الثامن (نبتون)، ثم التاسع.

إذن: رَبْط النظرية التي لم تتأكد بَعْد علمياً بالقرآن خطأ كبير، ومن الممكن إذا توفَّر لهم أجهزة أحدث ومجاهر أكبر - كما يقول بعض علماء الفضاء - لاكتشفوا كواكب أخرى كثيرة، لأن مجموعتنا الشمسية هذه واحدة من مائة مليون مجموعة في المجرة التي نسميها (سكة التبَّانة)، والإغريق يسمونها (الطريق اللبني).

وهذه الكواكب التي نراها كبيرة وعظيمة، لدرجة تفوق تصورات الناس، فالشمس التي نراها هذه أكبر من الأرض بمليون وربع مليون مرة، وهناك من الكواكب ما يمكنه ابتلاع مليون شمس في جوفه. والمسافة بيننا وبين الشمس ثماني دقائق ضوئية، وتُحسب الدقيقة الضوئية بأن تُضرب في ستين ثانية، الثانية الواحدة السرعة فيها 186 ألف ميل يعني: ثلاثمائة ألف كيلومتر.

أما المسافة بين الأرض والمرأة المسلسلة فقد حسبوها بالسنين الضوئية لا الدقائق، فوجدوها مائة سنة ضوئية، أما الشِّعْري الذي امتنَّ الله به في قوله
{  وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ ٱلشِّعْرَىٰ }
[النجم: 49] فهو أبعد من ذلك. وهذه الكواكب والأفلاك كلها في السماء الدنيا فقط، فما دَخْل هذا بالسماوات السبع التي تحدثوا عنها؟!

لذلك حاول كثيرون من عُشَّاق هؤلاء العلماء أن يمحوا هذه المسألة من كتبهم، حتى لا تكون سُبَّة في حقِّهم وزلّة في طريقهم العلمي.

كذلك من النظريات التي قالوا بها وجانبتْ الصواب قولهم: إن المجموعة الشمسية ومنها الأرض تكوَّنت نتيجة دوران الشمس وهي كتلة ملتهبة، فانفصل عنها بعض (طراطيش)، وخرج منها بعض الأجزاء التي بردتْ بمرور الوقت، ومنها تكونت الأرض، ولما بردتْ الأرض أصبحتْ صالحة لحياة النبات، ثم الحيوان، ثم الإنسان بدليل أن باطن الأرض ما يزال ملتهباً حتى الآن. وتتفجر منه براكين كبركان (فيزوف) مثلاً.

والقياس العقلي يقتضي أن نقول: إذا كانت الأرض قطعة من الشمس وانفصلت عنها، فمن الطبيعي أن تبرد مع مرور الزمن وتقلّ حرارتها حتى تنتهي بالاستطراق الحراري، إذن: فهذه نظرية غير سلمة، وقولكم بها يقتضي أنكم عرفتم شيئاً عن خَلْقِ السماواتِ والأرضِ ما أخبر الله به، وقد قال تعالى:
{  مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ.. }
[الكهف: 51].

ثم يقول في آية جامعة
{  وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً }
[الكهف: 51].

والمضلّ هو الذي يأخذ بيدك عن الحقيقة إلى الباطل، وكأن الحق سبحانه يعطينا إشارة إلى ما سيكون من أقوال مُضلِّلة في هذه المسألة تقول: حدث في الخلق كيت وكيت.

والواجب علينا أن نأخذ هذه التفاصيل من الخالق - عز وجل - وأن نقف عند هذا الحد، لأن معرفتك بكيفية الشيء ليست شرطاً لانتفاعك به، فأنت تنتفع بمخلوقات الله وإن لم تفهم كيف خُلِقَتْ؟ وكيف كانت؟ انتفعنا بكروية الأرض وبالشمس وبالقمر دون أن نعرف شيئاً عنها، ووضع العلماء حسابات للكسوف وللخسوف والأوقات قبل أن تكتشف كروية الأرض.

فالرجل الأميّ الذي لا يعلم شيئاً يشتري مثلاً " التليفزيون " ويتعلم كيفية تشغيله والانتفاع به، دون أنْ يعلم شيئاً عن تكوينه أو كيفية عمله ونَقْله للصورة وللصوت.. إلخ. فخُذْ ما في الكون من جمال وانتفع به كما خلقه الله لك دون أن تخوض في أصل خَلْقه وكيفية تكوينه، كما لو قُدِّم لك طعام شهيّ أتبحثُ قبل أن تأكل: كيف طُهِي هذا الطعام؟!

وقد تباينتْ آراء العلماء حول هذه الآية ومعنى الرَّتْق والَتْق، فمنهم مَنْ قال بالرأي الذي قالتْه التوراة، وأنها كانت جوهرة نظر الله إليها نظرة المهابة، وحدث لها كذا وكذا، وتكوَّنت السماء والأرض.

ومنهم مَنْ رأى أن المعنى خاصٌّ بكل من الأرض والسماء، كل على حِدَة، وأنهما لم يكونا أبداً ملتحمتين، واعتمدوا على بعض الآيات مثل قوله تعالى:
{  فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا ٱلأَرْضَ شَقّاً * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً }
[عبس: 24-28].

وفي موضع آخر قال:
{  فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى ٱلمَآءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ }
[القمر: 11-12].

فالمراد - إذن - أن الأرض وحدها كانت رَتْقاً، فتفجرت بالنبات، وأن السماء كانت رتْقاً فتفجرت بالمطر، فشقَّ الله السماء بالمطر، وشَقّ الأرض بالنبات الذي يصدعها:
{  وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ * وَٱلأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ }
[الطارق: 11-12].

وقال عن السماء:
{  وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ... }
[الفرقان: 25] على اعتبار أن السماء كُلُّ ما علاك فأظلّك، فيكون السحاب من السماء.

نفهم من هذا الرأي أن الفَتْق ليس فَتْقَ السماء عن الأرض، إنما فتق كل منهما على حِدَة، وعلى كل حال هو فَهْم لا يُعطي حكماً جديداً، واجتهاد على قَدْر عطاء العقول قد تُثبته الأيام، وقد تأتي بشيء آخر، المهم أن القوليْن لا يمنع أحدُهما الآخر.وقوله تعالى: { وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ... } [الأنبياء: 30] قال أصحاب التأويل الثاني: ما دام ذكر هنا الماء، فلا بُدَّ أن له صلة بالرَّتْق والفَتْق في كل من الأرض والسماء.

ونلحظ أن الآية لم تَقُلْ: كل شيء حيَّا، إنما { وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ... } [الأنبياء: 30] وقد استدلوا بها على أن الحيَّ المراد به الحياة الإنسانية التي نحياها، ولم يفطنوا إلى أن الماء داخلٌ في تكوين كل شيء، فالحيوان والنبات يحيا على الماء فإنْ فَقَد الماء مات وانتهى، وكذلك الأدنى من الحيوان والنبات فيه مائية أيضاً، فكُلُّ ما فيه لمعة أو طراوة أو ليونة فيه ماء.

فالمعنى { كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ.. } [الأنبياء: 30] أي: كل شيء مذكور موجود.

والتحقيق العلمي أن لكل شيء حياةً تناسبه، وكل شيء فيه ماء، بدليل قوله تعالى:
{  يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ... }
[الأنفال: 24].

والحق سبحانه يخاطبهم وهم أحياء، إذن: يحييكم أي: حياة أخرى لها قيمة؛ لأن حياتكم هذه قصاراها الدنيا، إنما استجيبوا لحياة أخرى خالدة هي حياة الآخرة.

وسمُيِّ الشيء الذي يتصل بالمادة، فتدبّ فيها الحياة روحاً، فقال:
{  فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي... }
[الحجر: 29].

وسُمِّي المنهج الذي ينزل من السماء لهداية الأرض روحاً، وسُمّي الملَك الذي ينزل به روحاً؛ لأنه يعطينا حياة دائمة باقية، لا فناء لها، وهكذا يتم الإرتقاء بالحياة.

فإذا نزلنا أدنى من ذلك وجدنا للحيوان حياة، وللنبات حياة، فالحيوان يُنْفَق ويموت، والنبات إنْ منعتَه الماء جَفَّ وذَبُل وانتهى. أما الجماد فله حياة أيضاً، بدليل قوله تعالى:
{  كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ... }
[القصص: 88].

فوَصَف كل ما يقال له شيء بأنه هالك، والهلاك ضد الحياة، فلا بُدَّ أن تكون له حياة، ألم تقرأ قوله تعالى:
{  لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ... }
[الأنفال: 42] فالحياة ضِدُّها الهلاك.

إذن: فكل شيء في المخلوقات حتى الجماد له حياة، وفي تكوينه مائية، كما قال سبحانه: { وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ... } [الأنبياء: 30].

ويختتم سبحانه هذه الآية بقوله: { أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ } [الأنبياء: 30] يعني: أعَمُوا عن هذه الآيات التي نُبِّهوا إليها، وامتنعوا عن الإيمان؟ يعني: أعَمُوا عن هذه الآيات التي نُبِّهوا إليها، وامتنعوا عن الإيمان؟ فكان يجب عليهم أنْ يتفتوا إلى هذه الآيات العجيبة والنافعة لهم، كيف والبشر الآن يقفون أمام مخترع أو آله حديثة أو حتى لُعبة تبهرهم فيقولون: مَنْ فعل هذه؟ ويُؤرِّخون له ولحياته، وتخرَّج في كلية كذا... إلخ.

فمن الأَوْلى أنْ نلتفتَ إلى الخالق العظيم الذي أبدع لنا هذا الكون، فالانصراف - إذن - عن آيات الله والإعراض عنها حالة غير طبيعية لا تليق بأصحاب العقول.

يقول الحق سبحانه: { وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ... }.


www.alro7.net