سورة
اية:

إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا

تفسير بن كثير

يقول تعالى آمراً بالاقتصاد في العيش، ذاماً للبخل، ناهياً عن السرف: { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} أي لا تكن بخيلاً منوعاً لا تعطي أحداً شيئاً، كما قالت اليهود عليهم لعائن اللّه يد اللّه مغلولة أي نسبوه إلى البخل، تعالى وتقدس الكريم الوهاب، وقوّله: { ولا تبسطها كل البسط} أي ولا تسرف في الإنفاق فتعطي فوق طاقتك، وتخرج أكثر من دخلك { فتقعد ملوما محسورا} ، وهذا من باب اللف والنشر، أي فتقعد إن بخلت ملوماً يلومك الناس ويذمونك، ومتى بسطت يدك فوق طاقتك قعدت بلا شيء تنفقه فسر ابن عباس والحسن وقتادة وابن جريج الآية بأن المراد هنا البخل والسرف فتكون كالحسير، وهو الدابة التي قد عجزت عن السير فوقفت ضعفاً وعجزاً، فإنها تسمى الحسير. وهو مأخوذ من الكلال، كما قال تعالى: { ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير} أي كليل عن أن يرى عيباً، وقد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة أنه سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: (مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد من ثديهما إلى تراقيهما، فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت، أو وفرت على جلده حتى تخفي بنانه وتعفو أثره، وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئاً إلا لزقت كل حلقة مكانها فهو يوسعها فلا تتسع) ""هذا لفظ البخاري في الزكاة"". وفي الصحيحين عن أسماء بنت أبي بكر قالت: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (أنفقي هكذا وهكذا وهكذا، ولا توعي فيوعي اللّه عليك، ولا توكي فيوكي اللّه عليك)، وفي لفظ: (ولا تحصي فيحصي اللّه عليك) وفي صحيح مسلم قال رسول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (إن اللّه قال لي: أَنفق أُنفق عليك) وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان من السماء يقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً)، وروى مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً: (ما نقص مالٌ من صدقة، وما زاد اللّه عبداً أنفق إلا عزً، ومن تواضع للّه رفعه اللّه) وفي حديث عبد اللّه بن عمر مرفوعاً: (إياكم والشح فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا) ""الحديث أخرجه أبو داود والحاكم عن ابن عمرو"". وروى البيهقي عن الأعمش، عن أبيه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (ما يخرج رجل صدقة حتى يفك لحي سبعين شيطاناً) وروى الإمام أحمد عن عبد اللّه بن مسعود قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (ما عال من اقتصد)، وقوله: { إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} إخبار أنه تعالى هو الرزاق القابض الباسط، المتصرف في خلقه بما يشاء، فيغني من يشاء ويفقر من يشاء، لما له في ذلك من الحكمة، ولهذا قال: { إنه كان بعباده خبيرا بصيرا} أي خبيراً بصيراً بمن يستحق الغنى ويستحق الفقر. كما جاء في الحديث: (إن من عبادي لمن لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه، وإن من عبادي لمن لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه) وقد يكون الغنى في حق بعض الناس استدراجاً، والفقر عقوبة عياذاً باللّه من هذا وهذا.

تفسير الجلالين

{ إن ربك يبسط الرزق } يوسعه { لمن يشاء ويقدر } يضيقه لمن يشاء { إنه كان بعباده خبيرا بصيرا } عالما ببواطنهم وظواهرهم فيرزقهم على حسب مصالحهم .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى { إِنَّ رَبّك يَبْسُط الرِّزْق لِمَنْ يَشَاء وَيَقْدِر إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ رَبّك يَا مُحَمَّد يَبْسُط رِزْقه لِمَنْ يَشَاء مِنْ عِبَاده , فَيُوَسِّع عَلَيْهِ , وَيَقْدِر عَلَى مَنْ يَشَاء , يَقُول : وَيُقَتِّر عَلَى مَنْ يَشَاء مِنْهُمْ , فَيُضَيِّق عَلَيْهِ { إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا } : يَقُول : إِنَّ رَبّك ذُو خِبْرَة بِعِبَادِهِ , وَمِنْ الَّذِي تُصْلِحهُ السَّعَة فِي الرِّزْق وَتُفْسِدهُ ; وَمَنْ الَّذِي يُصْلِحهُ الْإِقْتَار وَالضِّيق وَيُهْلِكهُ . { بَصِيرًا } : يَقُول : هُوَ ذُو بَصَر بِتَدْبِيرِهِمْ وَسِيَاسَتهمْ , يَقُول : فَانْتَهِ يَا مُحَمَّد إِلَى أَمْرنَا فِيمَا أَمَرْنَاك وَنَهَيْنَاك مِنْ بَسْط يَدك فِيمَا تَبْسُطهَا فِيهِ , وَفِيمَنْ تَبْسُطهَا لَهُ , وَمِنْ كَفّهَا عَمَّنْ تَكُفّهَا عَنْهُ , وَتَكُفّهَا فِيهِ , فَنَحْنُ أَعْلَم بِمَصَالِح الْعِبَاد مِنْك , وَمِنْ جَمِيع الْخَلْق وَأَبْصَر بِتَدْبِيرِهِمْ , كَاَلَّذِي : 16811 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , ثُمَّ أَخْبَرَنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كَيْف يَصْنَع , فَقَالَ : { إِنَّ رَبّك يَبْسُط الرِّزْق لِمَنْ يَشَاء وَيَقْدِر } قَالَ : يَقْدِر : يَقِلّ , وَكُلّ شَيْء فِي الْقُرْآن يَقْدِر كَذَلِكَ ; ثُمَّ أَخْبَرَ عِبَاده أَنَّهُ لَا يَرْزَؤُهُ وَلَا يَعُودهُ أَنْ لَوْ بَسَطَ عَلَيْهِمْ , وَلَكِنْ نَظَرًا لَهُمْ مِنْهُ , فَقَالَ : { وَلَوْ بَسَطَ اللَّه الرِّزْق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْض وَلَكِنْ يُنَزِّل بِقَدَرٍ مَا يَشَاء إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِير بَصِير } 42 27 قَالَ : وَالْعَرَب إِذَا كَانَ الْخِصْب وَبُسِطَ عَلَيْهِمْ أَشِرُوا , وَقَتَلَ بَعْضهمْ بَعْضًا , وَجَاءَ الْفَسَاد , فَإِذَا كَانَ السَّنَة شُغِلُوا عَنْ ذَلِكَ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى { إِنَّ رَبّك يَبْسُط الرِّزْق لِمَنْ يَشَاء وَيَقْدِر إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ رَبّك يَا مُحَمَّد يَبْسُط رِزْقه لِمَنْ يَشَاء مِنْ عِبَاده , فَيُوَسِّع عَلَيْهِ , وَيَقْدِر عَلَى مَنْ يَشَاء , يَقُول : وَيُقَتِّر عَلَى مَنْ يَشَاء مِنْهُمْ , فَيُضَيِّق عَلَيْهِ { إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا } : يَقُول : إِنَّ رَبّك ذُو خِبْرَة بِعِبَادِهِ , وَمِنْ الَّذِي تُصْلِحهُ السَّعَة فِي الرِّزْق وَتُفْسِدهُ ; وَمَنْ الَّذِي يُصْلِحهُ الْإِقْتَار وَالضِّيق وَيُهْلِكهُ . { بَصِيرًا } : يَقُول : هُوَ ذُو بَصَر بِتَدْبِيرِهِمْ وَسِيَاسَتهمْ , يَقُول : فَانْتَهِ يَا مُحَمَّد إِلَى أَمْرنَا فِيمَا أَمَرْنَاك وَنَهَيْنَاك مِنْ بَسْط يَدك فِيمَا تَبْسُطهَا فِيهِ , وَفِيمَنْ تَبْسُطهَا لَهُ , وَمِنْ كَفّهَا عَمَّنْ تَكُفّهَا عَنْهُ , وَتَكُفّهَا فِيهِ , فَنَحْنُ أَعْلَم بِمَصَالِح الْعِبَاد مِنْك , وَمِنْ جَمِيع الْخَلْق وَأَبْصَر بِتَدْبِيرِهِمْ , كَاَلَّذِي : 16811 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , ثُمَّ أَخْبَرَنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كَيْف يَصْنَع , فَقَالَ : { إِنَّ رَبّك يَبْسُط الرِّزْق لِمَنْ يَشَاء وَيَقْدِر } قَالَ : يَقْدِر : يَقِلّ , وَكُلّ شَيْء فِي الْقُرْآن يَقْدِر كَذَلِكَ ; ثُمَّ أَخْبَرَ عِبَاده أَنَّهُ لَا يَرْزَؤُهُ وَلَا يَعُودهُ أَنْ لَوْ بَسَطَ عَلَيْهِمْ , وَلَكِنْ نَظَرًا لَهُمْ مِنْهُ , فَقَالَ : { وَلَوْ بَسَطَ اللَّه الرِّزْق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْض وَلَكِنْ يُنَزِّل بِقَدَرٍ مَا يَشَاء إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِير بَصِير } 42 27 قَالَ : وَالْعَرَب إِذَا كَانَ الْخِصْب وَبُسِطَ عَلَيْهِمْ أَشِرُوا , وَقَتَلَ بَعْضهمْ بَعْضًا , وَجَاءَ الْفَسَاد , فَإِذَا كَانَ السَّنَة شُغِلُوا عَنْ ذَلِكَ . '

تفسير القرطبي

فيه مسألتان: الأولى: قد مضى الكلام في هذه الآية في الأنعام، والحمد لله. والإملاق : الفقر وعدم الملك. أملق الرجل أي لم يبق له إلا الملقات؛ وهي الحجارة العظام الملس. قال الهذلي يصف صائدا : أتيح لها أقيدر ذو حَشيف ** إذا سامت على الملقات ساما الواحدة ملقة. والأقيدر تصغير الأقدر، وهو الرجل القصير. والحشيف من الثياب : الخلق. وسامت مرت. وقال شمر : أملق لازم ومتعد، أملق إذا افتقر، وأملق الدهر ما بيده. قال أوس : وأملق ما عندي خطوب تَنَبَّل الثانية: قوله تعالى { خطئا} قراءة الجمهور بكسر الخاء وسكون الطاء وبالهمزة والقصر. وقرأ ابن عامر { خطأ} بفتح الخاء والطاء والهمزة مقصورة، وهي قراءة أبي جعفر يزيد. وهاتان قراءتان مأخوذتان من { خطئ} إذا أتى الذنب على عمد. قال ابن عرفة : يقال خطئ في ذنبه خطأ إذا أثم فيه، وأخطأ إذا سلك سبيل خطأ عامدا أو غير عامد. قال : ويقال خطئ في معنى أخطأ. وقال الأزهري : يقال خطئ يخطأ خطئا إذا تعمد الخطأ؛ مثل أثم يأثم إثما. وأخطأ إذا لم يتعمد إخطاء وخطأ. قال الشاعر : دعيني إنما خطئي وصوبي ** علي وإن ما أهلكت مال والخطأ الاسم يقوم مقام الإخطاء، وهو ضد الصواب. وفيه لغتان : القصر وهو الجيد، والمد وهو قليل، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما { خطأ} بفتح الخاء وسكون الطاء وهمزة. وقرأ ابن كثير بكسر الخاء وفتح الطاء ومد الهمزة. قال النحاس : ولا أعرف لهذه القراءة وجها، ولذلك جعلها أبو حاتم غلطا. قال أبو علي : هي مصدر من خاطأ يخاطئ، وإن كنا لا نجد خاطأ، ولكن وجدنا تخاطأ، وهو مطاوع خاطأ، فدلنا عليه؛ ومنه قول الشاعر : تخاطأت النبل أحشاءه ** وأخر يومي فلم أعجل وقول الآخر في وصف مهاة : تخاطأه القناص حتى وجدته ** وخرطومه في منقع الماء راسب الجوهري : تخاطأه أي أخطأه؛ وقال أوفى بن مطر المازني : ألا أبلغا خلتي جابرا ** بأن خليلك لم يقتل تخاطأت النبل أحشاءه ** وأخر يومي فلم يعجل وقرأ الحسن { خطاء} بفتح الخاء والطاء والمد في الهمزة. قال أبو حاتم : لا يعرف هذا في اللغة وهي غلط غير جائز. وقال أبو الفتح : الخطأ من أخطأت بمنزلة العطاء من أعطيت، هو اسم بمعنى المصدر، وعن الحسن أيضا { خطى} بفتح الخاء والطاء منونة من غير همز.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الاسراء الايات 29 - 32

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

الله الذي لا تنفد خزائنه يعطي خلْقه بقدَرٍ، فلا يبسط لهم الرزق كل البَسْط، ولا يقبضه عنهم كُلَّ القَبْض، بل يبسط على قوم، ويقبض على آخرين لتسير حركة الحياة؛ لأنه سبحانه لو بسط الرزق ووسَّعه على جميع الناس لاستغنى الناس عن الناس، وحدثت بينهم مقاطعة تُفسد عليهم حياتهم.

إنما حركة الحياة تتطلب أنْ يحتاج صاحب المال إلى عمل، وصاحب العمل إلى مال، فتلتقي حاجات الناس بعضهم لبعض، وبذلك يتكامل الناس، ويشعر كل عضو في المجتمع بأهميته ودوره في الحياة.

وسبق أن ذكرنا أن الحق سبحانه لم يجعل إنساناً مَجْمعاً للمواهب، بل المواهب مُوزَّعة بين الخَلْق جميعهم، فأنت صاحب موهبة في مجال، وأنا صاحب موهبة في مجال آخر وهكذا، ليظل الناس يحتاج بعضهم لبعض.

فالغني صاحب المال الذي ربما تعالى بماله وتكبَّر به على الناس يُحوِجه الله لأقل المهن التي يستنكف أن يصنعها، ولا بُدّ له منها لكي يزاول حركة الحياة.

والحق سبحانه لا يريد في حركة الحياة أن يتفضّل الناس على الناس، بل لا بُدَّ أن ترتبط مصالح الناس عند الناس بحاجة بعضهم لبعض.

فإذا كان الحق تبارك وتعالى لا يبسط لعباده كل البَسْط، ولا يقبض عنهم كل القَبْض، بل يقبض ويبسط، فوراء ذلك حكمة لله تعالى بالغة؛ لذلك ارتضى هذا الاعتدال منهجاً لعباده ينظم حياتهم، وعلى العبد أن يرضى بما قُسِم له في الحالتين، وأن يسير في حركة حياته سَيْراً يناسب ما قدَّره الله له من الرزق.

يقول تعالى:
{  وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ ٱللَّهُ.. }
[الطلاق: 7]

أي: مَنْ ضُيّق عليه الرزق فلينفق على قَدْره، ولا يتطلع إلى ما هو فوق قدرته وإمكاناته، وهذه نظرية اقتصادية تضمن للإنسان الراحة في الدنيا، وتوفر له سلامة العيش.

ورحم الله امرءاً عرف قَدْر نفسه؛ لأن الذي يُتْعِب الناس في الحياة ويُشقيهم أن ترى الفقير الذي ضُيِّق عليه في الرزق يريد أنْ يعيشَ عيشة الموسَّع عليه رزقه، ويتطلّع إلى ما فضّل الله به غيره عليه.

فلو تصورنا مثلاً زميلين في عمل واحد يتقاضيان نفس الراتب:

الأول: غنيٌّ وفي سَعَةٍ من العيش قد يأخذ من أبيه فوق راتبه.

والآخر: فقير ربما يساعد أباه في نفقات الأسرة.

فإذا دخلا محلاً لشراء شيء ما، فعلى الفقير ألاَّ ينظر إلى وَضْعه الوظيفي، بل إلى وضعه ومستواه المادي، فيشتري بما يتناسب معه، ولا يطمع أن يكون مثل زميله؛ لأن لكل منهما قدرةً وإمكانية يجب ألاَّ يخرج عنها.

هذه هي النظرية الاقتصادية الدقيقة، والتصرُّف الإيماني المتزن؛ لذلك فالذي يحترم قضاء الله ويَرْضَى بما قَسَمه له ويعيش في نطاقه غير متمرد عليه، يقول له الحق سبحانه: لقد رضيت بقدري فيك فسوف أرفعك إلى قدري عندك، ثم يعطيه ويُوسِّع عليه بعد الضيق.وهذا مُشَاهَد لنا في الحياة، والأمثلة عليه واضحة، فكم من أُناس كانوا في فقر وضيق عيش، فلما رَضُوا بما قَسَمه الله ارتقتْ حياتهم وتبدّل حالهم إلى سَعَة وتَرَف.

فالحق سبحانه يبسط الرزق لمَنْ يشاء ويقدر؛ لأنه سبحانه يريد أن يضع الإنسانُ نفسه دائماً في مقام الخلافة في الأرض، ولا ينسى هذه الحقيقة، فيظن أنه أصيل فيها.

والخيبة كل الخيبة أن ينسى الإنسان أنه خليفة لله في الأرض، ويسير في حركة الحياة على أنه أصيل في الكون، فأنت فقط خليفة لمن استخلفك، مَمْدود مِمَّنْ أمدّك، فإياك أنْ تغتر، وإياك أنْ تعيش في مستوى فوق المستوى الذي قدّره الله لك.

فإن اعتبرتَ نفسك أصيلاً ضَلَّ الكون كله؛ لأن الله تعالى جعل الدنيا أغياراً وجعلها دُوَلاً، فالذي وُسِّع عليه اليوم قد يُضيَّق عليه غداً، والذي ضُيِّق عليه اليوم قد يُوسَّع عليه غداً.

وهذه سُنة من سُنَنَ الله في خَلْقه لِيَدكّ في الإنسان غرور الاستغناء عن الله.

فلو متَّع الُله الإنسانَ بالغنى دائماً لما استمتع الكون بلذة: يا رب ارزقني، ولو متَّعة بالصحة دائماً لما استمتع الكون بلذة: يا رب اشفني. لذلك يظل الإنسان موصولاً بالمنعِم سبحانه محتاجاً إليه داعياً إياه.

وقد قال تعالى:
{  كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ }
[العلق: 6-7]

فالحاجة هي التي تربط الإنسان بربه، وتُوصله به سبحانه.

فالبَسْط والتضييق من الله تعالى له حكمة، فلا يبسط لهم الرزق كل البسط، فيعطيهم كُلَّ ما يريدون، ولا يقبض عنهم كل القبض فيحرمهم ويُريهم ما يكرهون، بل يعطي بحساب وبقدر؛ لتستقيم حركة الحياة، كما قال تعالى في آية أخرى:
{  وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ.. }
[الشورى: 27]

وقوله تعالى: { إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً } [الإسراء: 30]

لأن الحق سبحانه لو لم يوزع الرزق هذا التوزيع الحكيم لاختلَّ ميزان العالم، فَمنْ بُسِط له يستغني عن غيره فيما بُسِط له فيه، ومَنْ ضُيِق عليه يتمرد على الكون ويحقد على الناس، ويحسدهم ويعاديهم.

إنما إذا علم الجميع أن هذا بقدر الله وحكمته فسوف يظل الكون المخلوق موصولاً بالمُكوِّن الخالق سبحانه.

وفي قوله: { إِنَّ رَبَّكَ.. } [الإسراء: 30]

ملمح لطيف: أي ربك يا محمد وأنت أكرم الخلق عليه، ومع ذلك بَسَط لك حتى صِرْت تعطي عطاء مَنْ لا يخشى الفقر، وقبض عنك حتى تربط الحجر على بطنك من الجوع.

فإن كانت هذه حاله صلى الله عليه وسلم فلا يستنكف أحد منا إنْ ضيّق الله عليه الرزق، ومَنْ منّا ربط الحجر على بطنه من الجوع؟!

وبعد أنْ حدَّثنا الحق سبحانه عن فرع من فروع الحياة وهو المال، ورسم لنا المنهج الذي تستقيم الحياة به ويسير الإنسان به سيراً يُحقّق له العيش الكريم والحياة السعيدة، ويضمن له الارتقاءات والطموحات التي يتطلع إليها.

أراد سبحانه أن يُحدّثنا عن الحياة في أصلها، فأمر باستبقاء النسل، ونهى عن قتله فقال تعالى: { وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ... }.


www.alro7.net