سورة
اية:

وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ

تفسير بن كثير

يقول لقومه: ولا أسألكم على نصحي { مالا} أجرة آخذها منكم، إنما أبتغي الأجر من اللّه عزّ وجلّ، { وما أنا بطارد الذين آمنوا} طلبوا منه أن يطرد المؤمنين احتشاماً أن يجلسوا معهم، كما سأل أمثالهم خاتم الرسل صلى اللّه عليه وسلم أن يطرد عنهم جماعة من الضعفاء ويجلس معهم مجلساً خاصاً، فأنزل اللّه تعالى: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} .

تفسير الجلالين

{ ويا قوم من ينصرني } يمنعني { من الله } أي عذابه { إن طردتهم } أي لا ناصر لي { أفلا } فهلا تذَّكرون } بإدغام التاء الثانية في الأصل في الذال تتعظون .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَيَا قَوْم مَنْ يَنْصُرنِي مِنْ اللَّه إِنْ طَرَدْتهمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } يَقُول : { وَيَا قَوْم مَنْ يَنْصُرنِي } فَيَمْنَعنِي { مِنْ اللَّه } إِنْ هُوَ عَاقَبَنِي عَلَى طَرْدِي الْمُؤْمِنِينَ الْمُوَحِّدِينَ اللَّه إِنْ طَرَدْتهمْ . { أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } يَقُول : أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ فِيمَا تَقُولُونَ , فَتَعْلَمُونَ خَطَأَهُ فَتَنْتَهُوا عَنْهُ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَيَا قَوْم مَنْ يَنْصُرنِي مِنْ اللَّه إِنْ طَرَدْتهمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } يَقُول : { وَيَا قَوْم مَنْ يَنْصُرنِي } فَيَمْنَعنِي { مِنْ اللَّه } إِنْ هُوَ عَاقَبَنِي عَلَى طَرْدِي الْمُؤْمِنِينَ الْمُوَحِّدِينَ اللَّه إِنْ طَرَدْتهمْ . { أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } يَقُول : أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ فِيمَا تَقُولُونَ , فَتَعْلَمُونَ خَطَأَهُ فَتَنْتَهُوا عَنْهُ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى‏ { ‏قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي‏} ‏ أي على يقين؛ قاله أبو عمران الجوني‏.‏ وقيل‏:‏ على معجزة؛ وقد تقدم في ‏ { ‏الأنعام‏} ‏ هذا المعنى‏.‏ { ‏وآتاني رحمة من عنده‏} ‏ أي نبوة ورسالة؛ عن ابن عباس؛ ‏(‏وهي رحمة على الخلق‏)‏‏.‏ وقيل‏:‏ الهداية إلى الله بالبراهين‏.‏ وقيل‏:‏ بالإيمان والإسلام‏.‏ ‏ { فعميت عليكم‏} ‏ أي عميت عليكم الرسالة والهداية فلم تفهموها‏.‏ يقال‏:‏ عميت عن كذا، وعمي علي كذا أي لم أفهمه‏.‏ والمعنى‏:‏ فعميت الرحمة؛ فقيل‏:‏ هو مقلوب؛ لأن الرحمة لا تعمى إنما يعمى عنها؛ فهو كقولك‏:‏ أدخلت في القلنسوة رأسي، ودخل الخف في رجلي‏.‏ وقرأها الأعمش وحمزة والكسائي { ‏فعُمِّيت‏} ‏ بضم العين وتشديد الميم على ما لم يسم فاعله، أي فعماها الله عليكم؛ وكذا في قراءة أبي ‏ { ‏فعماها‏} ‏ ذكرها الماوردي‏.‏ ‏ { ‏أنلزمكموها‏} ‏ قيل‏:‏ شهادة أن لا إله إلا الله‏.‏ وقيل‏:‏ الهاء ترجع إلى الرحمة‏.‏ وقيل‏:‏ إلى البينة؛ أي أنلزمكم قبولها، ونوجبها عليكم‏؟‏ ‏!‏ وهو استفهام بمعنى الإنكار؛ أي لا يمكنني أن أضطركم إلى المعرفة بها؛ وإنما قصد نوح عليه السلام بهذا القول أن يرد عليهم‏.‏ وحكى الكسائي والفراء { ‏أنلزمكموها‏} ‏ بإسكان الميم الأولى تخفيفا؛ وقد أجاز مثل هذا سيبويه، وأنشد‏:‏ فاليوم أشرب غير مستحقب ** إثما من الله ولا واغل وقال النحاس‏:‏ ويجوز على قول يونس [في غير القرآن] أنلزمكمها يجري المضمر مجرى المظهر؛ كما تقول‏:‏ أنلزمكم ذلك‏.‏ { ‏وأنتم لها كارهون‏} ‏ أي لا يصح قبولكم لها مع الكراهة عليها‏.‏ قال قتادة‏:‏ والله لو استطاع نبي الله نوح عليه السلام لألزمها قومه ولكنه لم يملك ذلك‏.‏ قوله تعالى ‏ { ‏ويا قوم لا أسألكم عليه مالا‏} ‏ أي على التبليغ، والدعاء إلى الله، والإيمان به أجرا أي ‏ { ‏مالا‏} ‏ فيثقل عليكم‏.‏ ‏ { ‏إن أجري إلا على الله‏} ‏ أي ثوابي في تبليغ الرسالة‏.‏ ‏ { ‏وما أنا بطارد الذين آمنوا‏} ‏ سألوه أن يطرد الأراذل الذين آمنوا به، كما سألت قريش النبي صلى الله عليه وسلم أن يطرد الموالي والفقراء، حسب ما تقدم في { ‏الأنعام‏} ‏ بيانه؛ فأجابهم بقوله ‏ { ‏وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقو ربهم‏} ‏ يحتمل أن يكون قال هذا على وجه الإعظام لهم بلقاء الله عز وجل، ويحتمل أن يكون قاله على وجه الاختصام؛ أي لو فعلت ذلك لخاصموني عند الله، فيجازيهم على إيمانهم، ويجازي من طردهم‏‏} ‏ولكني أراكم قوما تجهلون‏} ‏ في استرذالكم لهم، وسؤالكم طردهم‏.‏ قوله تعالى ‏ { ‏ويا قوم من ينصرني من الله‏} ‏ قال الفراء‏:‏ أي يمنعني من عذابه‏.‏ ‏ { ‏إن طردتهم‏} ‏ أي لأجل إيمانهم‏.‏ { ‏أفلا تتذكرون‏} ‏ أدغمت التاء في الذال‏.‏ ويجوز حذفها فتقول‏:‏ تَذَكرون‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب‏} ‏ أخبر بتذلُّله وتواضعه لله عز وجل، وأنه لا يدعي ما ليس له من خزائن الله؛ وهي إنعامه على من يشاء من عباده؛ وأنه لا يعلم الغيب؛ لأن الغيب لا يعلمه إلا الله عز وجل‏.‏ { ‏ولا أقول إني ملك‏} ‏ أي لا أقول إن منزلتي عند الناس منزلة الملائكة‏.‏ وقد قالت العلماء‏:‏ الفائدة في الكلام الدلالة على أن الملائكة أفضل من الأنبياء؛ لدوامهم على الطاعة، واتصال عباداتهم إلى يوم القيامة، صلوات الله عليهم أجمعين‏.‏ وقد تقدم هذا المعنى في { ‏البقرة‏} ‏‏.‏ ‏} ‏ولا أقول للذي تزدري أعينكم‏} ‏ أي تستثقل وتحتقر أعينكم؛ والأصل تزدريهم حذفت الهاء والميم لطول الاسم‏.‏ والدال مبدلة من تاء؛ لأن الأصل في تزدري تزتري، ولكن التاء تبدل بعد الزاي دالا؛ لأن الزاي مجهورة والتاء مهموسة، فأبدل من التاء حرف مجهور من مخرجها‏.‏ ويقال‏:‏ أزريت عليه إذا عبته‏.‏ وزريت عليه إذا حقرته‏.‏ وأنشد الفراء‏:‏ يباعده الصديق وتزدريه ** حليلته وينهره الصغير { ‏لن يؤتيهم الله خيرا‏} ‏ أي ليس لاحتقاركم لهم تبطل أجورهم، أو ينقص ثوابهم‏.‏ { ‏الله أعلم بما في أنفسهم‏} ‏ فيجازيهم عليه ويؤاخذهم به‏.‏ { ‏إني إذا لمن الظالمين‏} ‏ أي إن قلت هذا الذي تقدم ذكره‏.‏ و‏ { ‏إذا‏} ‏ ملغاة؛ لأنها متوسطة‏.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة هود الايات 27 - 31

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وهنا يوضِّح نوح عليه السلام أنه لا يقدر على مواجهة الله إن طرد هؤلاء الضعاف؛ لأن أحداً لن ينصر نوحاً على الله ـ عز وجل ـ لحظة الحساب، فهناك يوم لا ملك فيه لأحد إلا لله، ولا أحد يشفع إلا بإذنه سبحانه، ولا أحد بقادر على أن ينصر أحداً على الله تعالى؛ لأنه القاهر فوق كل خلقه،

والنصر ـ كما نعلم ـ يكون بالغلبة، أما الشفاعة فهي بالخضوع، والحق سبحانه لا يأذن لأحد أن يشفع في طرد مؤمن من حظيرة الإيمان.

وفي هذا القول تذكير من نوح عليه السلام لقومه؛ ولذلك قال الحق سبحانه:

{ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } [هود: 30]

أي: يجب ألاَّ تأخذكم الغفلة، وتُنسيكم ما يجب أن تتذكروه.

وكما جاء الحق سبحانه بالتذكُّر، وهو الأمر الذي بدوامه يبعد الإنسان الغفلة، جاء الحق سبحانه أيضاً بالتفكُّر، وهو التأمل لاستنباط شيء جديد عن طريق إعمال العقل بالتفكر، الذي يجعل الإنسان في تأمل يقوده إلى تقديس وتنزيه الخالق، وبهذا يصل الإنسان إلى الحقائق التي تكشف له معالم الطريق.

وجاء الحق ـ سبحانه ـ أيضاً بالتدبر، أي: ألا يأخذ الإنسان الأمور بظواهرها، أو أن ينخدع بتلك الظواهر، بل لا بد من البحث في حقائق الأشياء.

لذلك يقول الحق جَلَّ وعَلاَ:


{  أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ }
[النساء: 82].

أي: أفلا يبحثون عن الكنوز الموجودة في المعطيات الخلفية للقرآن.

والتدبر هو الذي يكشف المعاني الخفية خلف ظواهر الآيات، والناس يتفاضلون في تعرضهم لأسرار كتاب الله حين ينظرون خلف ظواهر المعاني.

ولذلك نجد عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: " ثَوِّروا القرآن " أي: قَلِّبوا معاني الآيات لتجدوا ما فيها من كنوز، ولا تأخذوا الآيات بظواهرها، فعجائب القرآن لا تنقضي.

ويقول الحق سبحانه وتعالى مواصلاً ما جاء على لسان سيدنا نوح: { وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ }


www.alro7.net