سورة
اية:

وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ

تفسير بن كثير

روى البخاري، عن جابر بن عبد اللّه، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (جاورت بحراء فلما قضيت جواري، هبطت فنوديت، فنظرت عن يميني، فلم أر شيئاً، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئاً، ونظرت أمامي فلم أر شيئاً، ونظرت خلفي فلم أر شيئاً، فرفعت رأسي فرأيت شيئاً، فأتيت خديجة، فقلت: دثروني وصبوا عليَّ ماء بارداً - قال - فدثروني وصبُّوا عليَّ ماء بارداً، قال، فنزلت: { يا أيها المدثر . قُمْ فأنذر . وربك فكبِّر} ""رواه البخاري"". وعن أبي سلمة قال: أخبرني جابر بن عبد اللّه أنه سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يحدِّث عن فترة الوحي فقال في حديثه: (فبينا أنا أمشي إذْ سمعتُ صوتاً من السماء، فرفعت بصري قبَل السماء، فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فجثثت منه حتى هويت إلى الأرض، فجئت إلى أهلي فقلت: زملوني زملوني. فزملوني، فأنزل: { يا أيها المدثر . قُمْ فأنذر} - إلى - { فاهجر} ، قال أبو سلمة: والرجز: الأوثان، (ثم حمي الوحي وتتابع) ""أخرجه البخاري ومسلم"". وهذا السياق يقتضي أنه قد نزل الوحي قبل هذا لقوله: (فإذا الملك الذي كان بحراء) وهو جبريل حين أتاه بقوله: { اقْرَأْ باسْمِ ربّك الذي خلق} ، ثم إنه حصل بعد هذا فترة ثم نزل الملك بعد هذا، كما قال الإمام أحمد، عن جابر بن عبد اللّه، أنه سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: (ثم فتر الوحي عني فترة، فبينا أنا أمشي سمعت صوتاً من السماء، فرفعت بصري قبَل السماء فإذا الملك الذي جاءني قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فجثثت منه فرقاً حتى هويت إلى الأرض، فجئت أهلي، فقلت لهم: زملوني زملوني، فزملوني، فأنزل اللّه تعالى: { يا أيها المدثر . قُمْ فأنذر . وربك فكبِّر . وثيابك فطهر . والرجز فاهجر} ثم حمي الوحي وتتابع) ""أخرجه أحمد والشيخان"". وروى الطبراني، عن ابن عباس قال: إن الوليد بن المغيرة صنع لقريش طعاماً فلما أكلوا منه قال: ما تقولون في هذا الرجل؟ فقال بعضهم: ساحر، وقال بعضهم: ليس بساحر، وقال بعضهم: كاهن، وقال بعضهم: ليس بكاهن، وقال بعضهم: شاعر، وقال بعضهم: ليس بشاعر، وقال بعضهم: بل ساحر يؤثر، فأجمع رأيهم على أنه سحر يؤثر، فبلغ ذلك النبي صلى اللّه عليه وسلم، فحزن وقّنع رأسه وتدثر، فأنزل اللّه تعالى: { يا أيها المدثر . قم فأنذر . وربك فكبِّر . وثيابك فطهر . والرجز فاهجر . ولا تمنن تستكثر . ولربك فاصبر} وقوله تعالى: { قم فأنذر} أي شمر عن ساق العزم وأنذر الناس { وربك فكبر} أي عظّم { وثيابك فطهِّر} سئل ابن عباس عن هذه الآية: { وثيابك فطهر} فقال: لا تلبسها على معصية ولا على غدرة، ثم قال: أما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفي: فإني بحمد اللّه لا ثوب فاجر ** لبست ولا من غدرة أتقنع وفي رواية عنه: فطهر من الذنوب، وقال مجاهد: { وثيابك فطهر} قال: نفسك ليس ثيابه، وفي رواية عنه: أي عملك فأصلح، وقال قتادة: { وثيابك فطهر} أي طهرها من المعاصي، وقال محمد بن سيرين: { وثيابك فطهر} أي اغسلها بالماء، وقال ابن زيد: كان المشركون لا يتطهرون، فأمره اللّه أن يتطهر وأن يطهر ثيابه، وهذا القول اختاره ابن جرير، وقد تشمل الآية جميع ذلك مع طهارة القلب، فإن العرب تطلق الثياب عليه. وقال سعيد بن جبير { وثيابك فطهر} وقلبك ونيتك فطهر. وقوله تعالى: { والرجز فاهجر} قال ابن عباس: والرجز وهو الأصنام فاهجر وهو قول مجاهد وعكرمة وقتادة والزهري وابن زيد أن الرجز يراد به الأوثان وقال الضحّاك { والرجز فاهجر} : أي اترك المعصية، وعلى كل تقدير، فلا يلزم تلبسه بشيء من ذلك كقوله تعالى: { يا أيها النبي اتق اللّه ولا تطع الكافرين والمنافقين} . وقوله تعالى: { ولا تمنن تستكثر} ، قال ابن عباس: لا تعط العطية تلتمس أكثر منها، وقال الحسن البصري: لا تمتن بعملك على ربك تستكثره، واختاره ابن جرير، وقال مجاهد: لا تضعف أن تستكثر من الخير، قال: تمنن في كلام العرب تضعف، وقال ابن زيد: لا تمنن بالنبوة على الناس تستكثرهم بها تأخذ عليه عوضاً من الدنيا، فهذه أربعة أقوال، والأظهر القول الأول، واللّه أعلم. وقوله تعالى: { ولربك فاصبر} أي اجعل صبرك على أذاهم لوجه ربك عزَّ وجلَّ، قاله مجاهد. وقال إبراهيم النخعي: اصبر عطيتك للّه عزَّ وجلَّ. وقوله تعالى: { فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير} قال ابن عباس ومجاهد: { الناقور} الصور، قال مجاهد: وهو كهيئة القرن، وفي الحديث: (كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ؟) فقال أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: فما تأمرنا يا رسول اللّه؟ قال: (قولوا حسبنا اللّه ونعم الوكيل على اللّه توكلنا) ""أخرجه أحمد وابن أبي حاتم""، وقوله تعالى: { فذلك يومئذ يوم عسير} أي شديد، { على الكافرين غير يسير} أي غير سهل عليهم، كما قال تعالى: { يقول الكافرون هذا يوم عسر} ، وقد روينا عن زرارة بن أوفى قاضي البصرة أنه صلى بهم الصبح فقرأ هذه السورة، فلما وصل إلى قوله تعالى: { فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير} شهق شهقة، ثم خرّ ميتاً رحمه اللّه تعالى.

تفسير الجلالين

{ وربك فكبر } عظِّم عن إشراك المشركين.

تفسير القرطبي

فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى‏: { ‏يا أيها المدثر‏} ‏ أي يا ذا الذي قد تدثر بثيابه، أي تغشى بها ونام، وأصله المتدثر فأدغمت التاء في الدال لتجانسهما‏.‏ وقرأ أبي ‏ { ‏المتدثر‏} ‏ على الأصل‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ معظم هذه السورة في الوليد بن المغيرة‏.‏ وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحدث - قال‏.‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدث عن فترة الوحي - قال في حديثه‏:‏ ‏(‏فبينما أنا أمشي سمعت صوتا من السماء فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالسا على كرسي بين السماء والأرض‏)‏‏.‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏فجئثت منه فرقا، فرجعت فقلت زملوني زملوني، فدثروني، فأنزل الله تعالى: ‏ { ‏يا أيها المدثر‏.‏ قم فأنذر‏.‏ وربك فكبر‏.‏ وثيابك فطهر‏.‏ والرجز فاهجر‏} ‏‏)‏ في رواية - قبل أن تفرض الصلاة - وهي الأوثان قال‏:‏ ‏(‏ثم تتابع الوحي‏)‏‏.‏ ‏"‏رجحه الترمذي أيضا وقال‏:‏ حديث حسن صحيح‏"‏ قال مسلم‏:‏ وحدثنا زهير بن حرب، قال‏:‏ حدثنا الوليد بن مسلم، قال‏:‏ حدثنا الأوزاعي قال‏:‏ سمعت يحيى يقول‏:‏ سألت أبا سلمة‏:‏ أي القرآن أنزل قبل‏؟‏ قال: ‏ { ‏يا أيها المدثر‏} ‏ فقلت‏:‏ أو ‏ { ‏أقرأ‏} ‏‏.‏ فقال‏:‏ سألت جابر بن عبد الله أي القرآن أنزل قبل‏؟‏ قال: ‏ { ‏يا أيها المدثر‏} ‏ فقلت‏:‏ أو ‏ { ‏أقرأ‏} ‏ فقال جابر‏:‏ أحدثكم ما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال‏:‏ ‏(‏جاورت بحراء شهرا، فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت بطن الوادي، فنوديت فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي فلم أرا أحدا، ثم نوديت فنظرت فلم أر أحدا، ثم نوديت فرفعت رأسي فإذا هو على العرش في الهواء - يعني جبريل صلى الله عليه وسلم فأخذتني رجفة شديدة، فأتيت خديجة فقلت دثروني، فدثروني فصبوا علي ماء، فأنزل الله عز وجل‏: { ‏يا أيها المدثر‏.‏ قم فأنذر‏.‏ وربك فكبر. وثيابك فطهر‏} ‏‏)‏ خرجه البخاري وقال فيه‏:‏ ‏(‏فأتيت خديجة فقلت دثروني وصبوا علي ماء باردا، فدثروني وصبوا علي ماء باردا فنزلت‏: { ‏يا أيها المدثر‏.‏ قم فأنذر‏.‏ وربك فكبر‏.‏ وثيابك فطهر‏.‏ والرجز فاهجر‏.‏ ولا تمنن تستكثر‏} ‏‏)‏‏.‏ ابن العربي‏:‏ وقد قال بعض المفسرين إنه جرى على النبي صلى الله عليه وسلم من عقبة بن ربيعة أمر، فرجع إلى منزله مغموما، فقلق واضطجع، فنزلت‏: { ‏يا أيها المدثر‏} ‏ وهذا باطل‏.‏ وقال القشيري أبو نصر‏:‏ وقيل بلغه قول كفار مكة أنت ساحر، فوجد من ذلك غما وهم، فتدثر بثيابه، فقال الله تعالى: ‏ { ‏قم فانذر‏} ‏ أي لا تفكر في قولهم، وبلغهم الرسالة‏.‏ وقيل‏:‏ اجتمع أبو لهب وأبو سفيان والوليد بن المغيرة والنضر بن الحرث وأمية بن خلف والعاص بن وائل ومطعم بن عدي وقالوا‏:‏ قد اجتمعت وفود العرب في أيام الحج، وهم يتساءلون عن أمر محمد، وقد اختلفتم في الإخبار عنه؛ فمن قائل يقول مجنون، وآخر يقول كاهن، وآخر يقول شاعر، وتعلم العرب أن هذا كله لا يجتمع في رجل واحد، فسموا محمدا باسم واحد يجتمعون عليه، وتسميه العرب به، فقام منهم رجل فقال‏:‏ شاعر؛ فقال الوليد‏:‏ سمعت كلام ابن الأبرص، وأمية بن أبي الصلت، وما يشبه كلام محمد كلام واحد منهما؛ فقالوا‏:‏ كاهن‏.‏ فقال‏:‏ الكاهن يصدق ويكذب وما كذب محمد قط؛ فقام آخر فقال‏:‏ مجنون؛ فقال الوليد‏:‏ المجنون يخنق الناس وما خنق محمد قط‏.‏ وانصرف الوليد إلى بيته، فقالوا‏:‏ صبأ الوليد بن المغيرة؛ فدخل عليه أبو جهل وقال‏:‏ مالك يا أبا عبد شمس‏!‏ هذه قريش تجمع لك شيئا يعطونكه، زعموا أنك قد احتجبت وصبأت‏.‏ فقال الوليد‏:‏ ما لي إلى ذلك حاجة، ولكني فكرت في محمد، فقلت‏:‏ ما يكون من الساحر‏؟‏ فقيل‏:‏ يفرق بين الأب وابنه، وبين الأخ وأخيه، وبين المرأة وزوجها، فقلت‏:‏ إنه ساحر‏.‏ شاع هذا في الناس وصاحوا يقولون‏:‏ إن محمدا ساحر‏.‏ ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته محزونا فتدثر بقطيفة، ونزلت‏: { ‏يا أيها المدثر‏} ‏‏.‏ وقال عكرمة‏:‏ معنى ‏ { ‏يا أيها المدثر‏} ‏ أي المدثر بالنبوة وأثقالها‏.‏ ابن العربي‏:‏ وهذا مجاز بعيد؛ لأنه لم يكن تنبأ بعد‏.‏ وعلى أنها أول القرآن لم يكن تمكن منها بعد أن كانت ثاني ما نزل‏.‏ الثانية: قوله تعالى‏: { ‏يا أيها المدثر‏} ‏‏:‏ ملاطفة في الخطاب من الكريم إلى الحبيب إذ ناداه بحاله، وعبر عنه بصفته، ولم يقل يا محمد ويا فلان، ليستشعر اللين والملاطفة من ربه كما تقدم في سورة المزمل ‏.‏ ومثله قول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي إذ نام في المسجد‏:‏ ‏(‏قم أبا تراب‏)‏ وكان خرج مغاضبا لفاطمة رضي الله عنها فسقط رداؤه وأصابه ترابه؛ خرجه مسلم‏.‏ ومثله قوله عليه الصلاة والسلام لحذيفة ليلة الخندق‏:‏ ‏(‏قم يا نومان‏)‏ وقد تقدم‏.‏ الثالثة: ‏ { ‏قم فأنذر‏} ‏ أي خوف أهل مكة وحذرهم العذاب إن لم يسلموا‏.‏ وقيل‏:‏ الإنذار هنا إعلامهم بنبوته؛ لأنه مقدمة الرسالة‏.‏ وقيل‏:‏ هو دعاؤهم إلى التوحيد؛ لأنه المقصود بها‏.‏ وقال الفراء‏:‏ قم فصل وأمر بالصلاة‏.‏ الرابعة: قوله تعالى: ‏ { ‏وربك فكبر‏} ‏ أي سيدك ومالكك ومصلح أمرك فعظم، وصفه بأنه أكبر من أن يكون له صاحبة أو ولد‏.‏ وفي حديث أنهم قالوا‏:‏ بم تفتتح الصلاة‏؟‏ فنزلت‏: { ‏وربك فكبر‏} ‏ أي وصفه بأنه أكبر‏.‏ قال ابن العربي‏:‏ وهذا القول وإن كان يقتضي بعمومه تكبير الصلاة، فإنه مراد به التكبير والتقديس والتنزيه، لخلع الأنداد والأصنام دونه، ولا تتخذ وليا غيره، ولا تعبد سواه، ولا ترى لغيره فعلا إلا له، ولا نعمة إلا منه‏.‏ وقد روي أن أبا سفيان قال يوم أحد‏:‏ اعل هبل؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏قولوا الله أعلى وأجل‏)‏ وقد صار هذا اللفظ بعرف الشرع في تكبير العبادات كلها أذانا وصلاة وذكرا بقوله: ‏ { ‏الله أكبر‏} ‏ وحمل عليه لفظ النبي صلى الله عليه وسلم الوارد على الإطلاق في موارد؛ منها قوله‏:‏ ‏(‏تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم‏)‏ والشرع يقتضي بعرفه ما يقتضي بعمومه، ومن موارده أوقات الإهلال بالذبائح لله تخليصا له من الشرك، وإعلانا باسمه في النسك، وإفرادا لما شرع منه لأمره بالسفك‏.‏ قلت‏:‏ قد تقدم في أول سورة البقرة أن هذا اللفظ ‏ { ‏الله أكبر‏} ‏ هو المتعبد به في الصلاة، المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وفي التفسير‏:‏ أنه لما نزل قوله تعالى‏: { ‏وربك فكبر‏} ‏ قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال‏:‏ ‏(‏الله أكبر‏) ‏فكبرت خديجة، وعلمت أنه الوحي من الله تعالى؛ ذكره القشيري‏.‏ الخامسة: الفاء في قوله تعالى: ‏ { ‏وربك فكبر‏} ‏ دخلت على معنى جواب الجزاء كما دخلت في فأنذر أي قم فأنذر وقم فكبر ربك؛ قاله الزجاج‏.‏ وقال ابن جني‏:‏ هو كقولك زيدا فاضرب؛ أي زيدا اضرب، فالفاء زائدة‏.‏ السادسة: قوله تعالى: ‏ { ‏وثيابك فطهر‏} ‏ فيه ثمانية أقوال‏:‏ أحدهما أن المراد بالثياب العمل‏.‏ الثاني القلب‏.‏ الثالث النفس‏.‏ الرابع الجسم‏.‏ الخامس الأهل‏.‏ السادس الخلق‏.‏ السابع الدين‏.‏ الثامن الثياب الملبوسات على الظاهر‏.‏ فمن ذهب إلى القول الأول قال‏:‏ تأويل الآية وعملك فأصلح؛ قال مجاهد وابن زيد‏.‏ وروى منصور عن أبي رزين قال‏:‏ يقول وعملك فأصلح؛ قال‏:‏ وإذا كان الرجل خبيث العمل قالوا إن فلانا خبيث الثياب، وإذا كان حسن العمل قالوا إن فلانا طاهر الثياب؛ ونحوه عن السدي‏.‏ ومنه قول الشاعر‏:‏ لا هم إن عامر بن جهم ** أوذم حجا في ثياب دسم ومنه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏يحشر المرء في ثوبيه اللذين مات عليهما‏)‏ يعني عمله الصالح والطالح؛ ذكره الماوردي‏.‏ ومن ذهب إلى القول الثاني قال‏:‏ إن تأويل الآية وقلبك فطهر؛ قاله ابن عباس وسعيد بن جبير؛ دليله قول امرئ القيس‏:‏ فسُلِّي ثيابي من ثيابك تنسل أي قلبي من قلبك‏.‏ قال الماوردي‏:‏ ولهم في تأويل الآية وجهان‏:‏ أحدهما‏:‏ معناه وقلبك فطهر من الإثم والمعاصي؛ قاله ابن عباس وقتادة‏.‏ الثاني‏:‏ وقلبك فطهر من الغدر؛ أي لا تغدر فتكون دنس الثياب‏.‏ وهذا مروي عن ابن عباس، واستشهد بقول غيلان بن سلمة الثقفي‏:‏ فإني بحمد الله لا ثوب فاجر ** لبست ولا من غدرة أتقنع ومن ذهب إلى القول الثالث قال‏:‏ تأويل الآية ونفسك فطهر؛ أي من الذنوب‏.‏ والعرب تكني عن النفس بالثياب؛ قاله ابن عباس‏.‏ ومنه قول عنترة‏:‏ فشككت بالرمح الطويل ثيابه ** ليس الكريم على القنا بمحرم وقال امرؤ القيس‏:‏ فسلي ثيابي من ثيابك تنسل وقال‏:‏ ثياب بني عوف طهارى نقية ** وأوجههم بيض المسافر غران أي أنفس بني عوف‏.‏ ومن ذهب إلى القول الرابع قال‏:‏ تأويل الآية وجسمك فطهر؛ أي عن المعاصي الظاهرة‏.‏ ومما جاء عن العرب في الكناية عن الجسم بالثياب قول ليلى، وذكرت إبلا‏:‏ رموها بأثياب خفاف فلا ترى ** لها شبها إلا النعام المنفرا أي ركبوها فرموها بأنفسهم‏.‏ ومن ذهب إلى القول الخامس قال‏:‏ تأويل الآية وأهلك فطهرهم من الخطايا بالوعظ والتأديب؛ والعرب تسمي الأهل ثوبا ولباسا وإزارا؛ قال الله تعالى‏: { ‏هن لباس لكم وأنتم لباس لهن‏} [‏البقرة‏:‏ 187‏]‏‏.‏ الماوردي‏:‏ ولهم في تأويل الآية وجهان‏:‏ أحدهما‏:‏ معناه ونساءك فطهر، باختيار المؤمنات العفائف‏.‏ الثاني‏:‏ الاستمتاع بهن في القبل دون الدبر، في الطهر لا في الحيض‏.‏ حكاه ابن بحر‏.‏ ومن ذهب إلى القول السادس قال‏:‏ تأويل الآية وخلقك فحسن قاله الحسن والقرظي؛ لأن خلق الإنسان مشتمل على أحواله اشتمال ثيابه على نفسه‏.‏ وقال الشاعر‏:‏ ويحيى لا يلام بسوء خلق ** ويحيى طاهر الأثواب حر أي حسن الأخلاق‏.‏ ومن ذهب إلى القول السابع قال‏:‏ تأويل الآية ودينك فطهر‏.‏ وفي الصحيحين عنه عليه السلام قال‏:‏ ‏(‏ورأيت الناس وعليهم ثياب، منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما دون ذلك، ورأيت عمر بن الخطاب وعليه إزار يجره‏)‏‏.‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله فما أولت ذلك‏؟‏ قال‏:‏ الدين‏.‏ وروى ابن وهب عن مالك أنه قال‏:‏ ما يعجبني أن أقرأ القرآن إلا في الصلاة والمساجد لا في الطريق، قال الله تعالى: ‏ { ‏وثيابك فطهر‏} ‏ يريد مالك أنه كنى عن الثياب بالدين‏.‏ وقد روى عبد الله بن نافع عن أبي بكر بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن مالك بن أنس في قوله تعالى‏: { ‏وثيابك فطهر‏} ‏ أي لا تلبسها على غدرة؛ ومنه قول أبي كبشة‏:‏ ثياب بني عوف طهارى نقية ** وأوجههم بيض المسافر غران يعني بطهارة ثيابهم‏:‏ سلامتهم من الدناءات، ويعني بغرة وجوههم تنزيههم عن المحرمات، أو جمالهم في الخلقة أو كليهما؛ قال ابن العربي‏.‏ وقال سفيان بن عيينة‏:‏ لا تلبس ثيابك على كذب ولا جور ولا غدر ولا إثم؛ قاله عكرمة‏.‏ ومنه قول الشاعر‏: ‏ أو ذم حجا في ثياب دسم أي قد دنسها بالمعاصي‏.‏ وقال النابغة‏:‏ رقاق النعال طيب حجزاتهم ** يُحَيون بالريحان يوم السباسب ومن ذهب إلى القول الثامن قال‏:‏ إن المراد بها الثياب الملبوسات، فلهم في تأويله أربعة أوجه‏:‏ أحدهما‏:‏ معناه وثيابك فأنق؛ ومنه قول امرئ القيس‏:‏ ثياب بني عوف طهارى نقية الثاني‏:‏ وثيابك فشمر وقصر، فإن تقصير الثياب أبعد من النجاسة، فإذا انجرت على الأرض لم يؤمن أن يصيبها ما ينجسها، قال الزجاج وطاوس‏.‏ الثالث: ‏ { ‏وثيابك فطهر‏} ‏ من النجاسة بالماء؛ قال محمد بن سيرين وابن زيد والفقهاء‏.‏ الرابع‏:‏ لا تلبس ثيابك إلا من كسب حلال لتكون مطهرة من الحرام‏.‏ وعن ابن عباس‏:‏ لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب غير طاهر‏.‏ ابن العربي وذكر بعض ما ذكرناه‏:‏ ليس بممتنع أن تحمل الآية على عموم المراد فيها بالحقيقة والمجاز، وإذا حملناها على الثياب المعلومة الطاهرة فهي تتناول معنيين‏:‏ أحدهما‏:‏ تقصير الأذيال؛ لأنها إذا أرسلت تدنست، ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لغلام من الأنصار وقد رأى ذيله مسترخيا‏:‏ ارفع إزارك فإنه أتقى وأنقى وأبقى‏.‏ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه، لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين، ما كان أسفل من ذلك ففي النار‏)‏ فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الغاية في لباس الإزار الكعب وتوعد ما تحته بالنار، فما بال رجال يرسلون أذيالهم، ويطيلون ثيابهم، ثم يتكلفون رفعها بأيديهم، وهذه حالة الكبر، وقائدة العجب، ‏"‏وأشد ما في الأمر أنهم يعصون وينجسون ويلحقون أنفسهم‏" بمن لم يجعل الله معه غيره ولا ألحق به سواه‏.‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء‏)‏ ‏"‏لفظ الصحيح‏"‏ ‏(‏من جر إزاره خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة‏)‏‏.‏ قال أبو بكر‏:‏ يا رسول الله‏!‏ إن أحد شقي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه‏؟‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لست ممن يصنعه خيلاء‏)‏ فعم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنهي، واستثنى الصديق، فأراد الأدنياء إلحاق أنفسهم بالرفعاء، وليس ذلك لهم‏.‏ والمعنى الثاني‏:‏ غسلها من النجاسة وهو ظاهر منها، صحيح فيها‏.‏ المهدوي‏:‏ وبه استدل بعض العلماء على وجوب طهارة الثوب؛ قال ابن سيرين وابن زيد‏:‏ لا تصل إلا في ثوب طاهر‏.‏ واحتج بها الشافعي على وجوب طهارة الثوب‏.‏ وليست عند مالك وأهل المدينة بفرض، وكذلك طهارة البدن، ويدل على ذلك الإجماع على جواز الصلاة بالاستجمار من غير غسل‏.‏ وقد مضى هذا القول في سورة التوبة مستوفى‏.‏


www.alro7.net