سورة
اية:

كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: { حم تنزيل من الرحمن الرحيم} يعني القرآن منزل من الرحمن الرحيم، كقوله: { قل نزله روح القدس من ربك بالحق} ، وقوله: { كتاب فصلت آياته} أي بينت معانيه وأحكمت أحكامه، { قرآناً عربياً} أي في حال كونه قرآناً عربياً بيناً واضحاً، فمعانيه مفصلة، وألفاظه واضحة، كقوله تعالى: { كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير} أي هو معجز من حيث لفظه ومعناه، وقوله تعالى: { لقوم يعلمون} أي إنما يعرف هذا العلماء الراسخون { بشيراً ونذيراً} أي تارة يبشر المؤمنين، وتارة ينذر الكافرين، { فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون} أي أكثر قريش فهم لا يفهمون منه شيئاً مع بيانه ووضوحه، { وقالوا قلوبنا في أكنة} أي في غلف مغطاة، { مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر} أي صمم عما جئتنا به { ومن بيننا وبينك حجاب} فلا يصل إلينا شيء مما تقول، { فاعمل إننا عاملون} أي اعمل أنت على طريقتك ونحن على طريقتنا لا نتابعك، روى البغوي في تفسيره عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنه قال: اجتمعت قريش يوماً فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر، فليأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا وشتت أمرنا وعاب ديننا، فليكلمه ولننظر ماذا يرد عليه، فقالوا: ما نعلم أحداً غير عتبة بن ربيعة، فقالوا: أنت يا أبا الوليد: فأتاه عتبة فقال: يا محمد أنت خير أم عبد اللّه؟ فسكت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقال: أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقال: إن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي عبت، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى يسمع قولك، إنا واللّه ما رأينا سِخَلَةً قط أشأم على قومك منك، فرّقت جماعتنا وشتّت أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب، حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحراً، وأن في قريش كاهناً، واللّه ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف، حتى نتفانى، أيها الرجل إن كان إنما بك الحاجة، جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلاً واحداً وإن كان إنما بك الباءة فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوجك عشراً، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (فرغت؟) قال: نعم، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: { بسم اللّه الرحمن الرحيم، حم تنزيل من الرحمن الرحيم - حتى بلغ - فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود} فأمسك عتبة على فيه، وناشده بالرحم، ورجع إلى أهله، ولم يخرج إلى قريش، واحتبس عنهم، فقال أبو جهل: يا معشر قريش واللّه ما نرى عتبة إلا قد صبأ إلى محمد وأعجبه طعامه، وما ذاك له إلا من حاجة أصابته، فانطلقوا بنا إليه، فقال أبو جهل: يا عتبة ما حبسك عنا إلا أنك صبأت إلى محمد وأعجبك طعامه، فإن كانت بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد، فغضب عتبة وأقسم أن لا يكلم محمداً أبداً، وقال: واللّه لقد علمتم أني من أكثر قريش مالاً، ولكني أتيته وقصصت عليه القصة، فأجابني بشيء واللّه ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر، وقرأ السورة إلى قوله تعالى: { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود} فأمسكت بفيه وناشدته بالرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب، فخشيت أن ينزل بكم العذاب. وروى محمد بن إسحاق في كتاب السيرة عن محمد بن كعب القرظي قال: حدثت أن عتبة بن ربيعة، وكان سيداً، قال يوماً وهو جالس في نادي قريش ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أموراً، لعله أن يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا؟ وذلك حين أسلم حمزة رضي اللّه عنه، ورأوا أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يزيدون ويكثرون، فقالوا: بلى يا أبا الوليد، فقم إليه فكلمه، فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: يا ابن أخي إنك منا حيث علمت من السلطة في العشيرة والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفَّرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها، قال: فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (قل يا أبا الوليد أسمع)، قال: يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفاً سودناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه لا تسطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الأطباء وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه أو كما قال له، حتى إذا فرغ عتبة ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يستمع منه قال: (أفرغت يا أبا الوليد؟) قال: نعم، قال: (فاستمع مني)، قال: أفعل، قال: { بسم اللّه الرحمن الرحيم، حم تنزيل من الرحمن الرحيم، كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون، بشيراً ونذيراً فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون} ، ثم مضى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيها وهو يقرؤها عليه، فلما سمع عتبة أنصت لها وألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليها يستمع منه، حتى انتهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى السجدة منها فسجد، ثم قال: (قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك)، فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف باللّه لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني سمعت قولاً واللّه ما سمعت مثله قط، واللّه ما هو بالسحر، ولا بالشعر، ولا بالكهانة. يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها لي، خلوا بين الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه، فواللّه ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك واللّه يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم. وهذا السياق أشبه من الذي قبله واللّه أعلم.

تفسير الجلالين

{ كتاب } خبره { فصلت آياته } بينت بالأحكام والقصص والمواعظ { قرآناً عربيا } حال من كتاب بصفته { لقوم } متعلق بفصلت { يعلمون } يفهمون ذلك، وهم العرب .

تفسير الطبري

{ كِتَاب فُصِّلَتْ آيَاته } يَقُول : كِتَاب بُيِّنَتْ آيَاته ; كَمَا : 23468 -حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَوْله : { فُصِّلَتْ آيَاته } قَالَ : بُيِّنَتْ آيَاته . وَقَوْله : { قُرْآنًا عَرَبِيًّا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فُصِّلَتْ آيَاته هَكَذَا . وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي وَجْه نَصْب الْقُرْآن , فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة قَوْله : { كِتَاب فُصِّلَتْ } الْكِتَاب خَبَر لِمُبْتَدَأٍ أَخْبَرَ أَنَّ التَّنْزِيل كِتَاب , ثُمَّ قَالَ : { فُصِّلَتْ آيَاته قُرْآنًا عَرَبِيًّا } شَغَلَ الْفِعْل بِالْآيَاتِ حَتَّى صَارَتْ بِمَنْزِلَةِ الْفَاعِل , فَنَصَبَ الْقُرْآن , وَقَالَ : { بَشِيرًا وَنَذِيرًا } عَلَى أَنَّهُ صِفَة , وَإِنْ شِئْت جَعَلْت نَصْبه عَلَى الْمَدْح كَأَنَّهُ حِين ذَكَرَهُ أَقْبَلَ فِي مِدْحَته , فَقَالَ : ذَكَرْنَا قُرْآنًا عَرَبِيًّا بَشِيرًا وَنَذِيرًا , وَذَكَرْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا , وَكَانَ فِيمَا مَضَى مِنْ ذِكْره دَلِيل عَلَى مَا أُضْمِرَ . وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة : نُصِبَ قُرْآنًا عَلَى الْفِعْل : أَيْ فُصِّلَتْ آيَاته كَذَلِكَ . قَالَ : وَقَدْ يَكُون النَّصْب فِيهِ عَلَى الْقَطْع ; لِأَنَّ الْكَلَام تَامّ عِنْد قَوْله " آيَاته " . قَالَ : وَلَوْ كَانَ رَفْعًا عَلَى أَنَّهُ مِنْ نَعْت الْكِتَاب كَانَ صَوَابًا , كَمَا قَالَ فِي مَوْضِع آخَر : { كِتَاب أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْك مُبَارَك } 38 29 وَقَالَ : وَكَذَلِكَ قَوْله : { بَشِيرًا وَنَذِيرًا } فِيهِ مَا فِي { قُرْآنًا عَرَبِيًّا } . وَقَوْله : { لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } يَقُول : فُصِّلَتْ آيَات هَذَا الْكِتَاب قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ اللِّسَان الْعَرَبِيّ . { كِتَاب فُصِّلَتْ آيَاته } يَقُول : كِتَاب بُيِّنَتْ آيَاته ; كَمَا : 23468 -حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَوْله : { فُصِّلَتْ آيَاته } قَالَ : بُيِّنَتْ آيَاته . وَقَوْله : { قُرْآنًا عَرَبِيًّا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فُصِّلَتْ آيَاته هَكَذَا . وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي وَجْه نَصْب الْقُرْآن , فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة قَوْله : { كِتَاب فُصِّلَتْ } الْكِتَاب خَبَر لِمُبْتَدَأٍ أَخْبَرَ أَنَّ التَّنْزِيل كِتَاب , ثُمَّ قَالَ : { فُصِّلَتْ آيَاته قُرْآنًا عَرَبِيًّا } شَغَلَ الْفِعْل بِالْآيَاتِ حَتَّى صَارَتْ بِمَنْزِلَةِ الْفَاعِل , فَنَصَبَ الْقُرْآن , وَقَالَ : { بَشِيرًا وَنَذِيرًا } عَلَى أَنَّهُ صِفَة , وَإِنْ شِئْت جَعَلْت نَصْبه عَلَى الْمَدْح كَأَنَّهُ حِين ذَكَرَهُ أَقْبَلَ فِي مِدْحَته , فَقَالَ : ذَكَرْنَا قُرْآنًا عَرَبِيًّا بَشِيرًا وَنَذِيرًا , وَذَكَرْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا , وَكَانَ فِيمَا مَضَى مِنْ ذِكْره دَلِيل عَلَى مَا أُضْمِرَ . وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة : نُصِبَ قُرْآنًا عَلَى الْفِعْل : أَيْ فُصِّلَتْ آيَاته كَذَلِكَ . قَالَ : وَقَدْ يَكُون النَّصْب فِيهِ عَلَى الْقَطْع ; لِأَنَّ الْكَلَام تَامّ عِنْد قَوْله " آيَاته " . قَالَ : وَلَوْ كَانَ رَفْعًا عَلَى أَنَّهُ مِنْ نَعْت الْكِتَاب كَانَ صَوَابًا , كَمَا قَالَ فِي مَوْضِع آخَر : { كِتَاب أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْك مُبَارَك } 38 29 وَقَالَ : وَكَذَلِكَ قَوْله : { بَشِيرًا وَنَذِيرًا } فِيهِ مَا فِي { قُرْآنًا عَرَبِيًّا } . وَقَوْله : { لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } يَقُول : فُصِّلَتْ آيَات هَذَا الْكِتَاب قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ اللِّسَان الْعَرَبِيّ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { حم، تنزيل من الرحمن الرحيم} قال الزجاج: { تنزيل} رفع بالابتداء وخبره { كتاب فصلت آياته} وهذا قول البصريين. وقال الفراء : يجوز أن يكون رفعه على إضمار هذا. ويجوز أن يقال: { كتاب} بدل من قوله: { تنزيل} . وقيل : نعت لقوله: { تنزيل} . وقيل: { حم} أي هذه { حم} كما تقول باب كذا، أي هو باب كذا فـ { حم} خبر ابتداء مضمر أي هو { حم} ، وقوله: { تنزيل} مبتدأ آخر، وقوله: { كتاب} خبره. { فصلت آياته} أي بينت وفسرت. قال قتادة : ببيان حلاله من حرامه، وطاعته من معصيته. الحسن : بالوعد والوعيد. سفيان : بالثواب والعقاب. وقرئ: { فصلت} أي فرقت بين الحق والباطل، أو فصل بعضها من بعض باختلاف معانيها؛ من قولك فصل أي تباعد من البلد. { قرآنا عربيا} في نصبه وجوه؛ قال الأخفش : هو نصب على المدح. وقيل : على إضمار فعل؛ أي اذكر { قرآنا عربيا} . وقيل : على إعادة الفعل؛ أي فصلنا { قرآنا عربيا} . وقيل : على الحال أي { فصلت آياته} في حال كونه { قرآنا عربيا} . وقيل : لما شغل { فصلت} بالآيات حتى صارت بمنزلة الفاعل انتصب { قرآنا} لوقوع البيان عليه. وقيل : على القطع. { لقوم يعلمون} قال الضحاك : أي إن القرآن منزل من عند الله. وقال مجاهد : أي يعلمون أنه إله واحد في التوراة والإنجيل. وقيل : يعلمون العربية فيعجزون عن مثله ولو كان غير عربي لما علموه. قلت : هذا أصح، والسورة نزلت تقريعا وتوبيخا لقريش في إعجاز القرآن. قوله تعالى: { بشيرا ونذيرا} حالان من الآيات والعامل فيه { فصلت} . وقيل : هما نعتان للقرآن { بشيرا} لأولياء الله { نذيرا} لأعدائه. وقرئ: { بشير ونذير} صفة للكتاب. أو خبر مبتدأ محذوف { فأعرض أكثرهم} يعني أهل مكة { فهم لا يسمعون} سماعا ينتفعون به. وروي أن الريان بن حرملة قال : قال الملأ من قريش وأبو جهل قد التبس علينا أمر محمد، فلو التمستم رجلا عالما بالشعر والكهانة والسحر فكلمه ثم آتانا ببيان من أمره؛ فقال عتبة بن ربيعة : والله لقد سمعت الكهانة والشعر والسحر، وعلمت من ذلك علما لا يخفى علي إن كان كذلك. فقالوا : إيته فحدثه. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : يا محمد أنت خير أم قصي بن كلاب؟ أنت خير أم هاشم؟ أنت خير أم عبدالمطلب؟ أنت خير أم عبدالله؟ فبم تشتم آلهتنا، وتضلل آباءنا، وتسفه أحلامنا، وتذم ديننا؟ فإن كنت إنما تريد الرياسة عقدنا إليك ألويتنا فكنت رئيسنا ما بقيت، وإن كنت تريد الباءة زوجناك عشر نساء من أي بنات قريش شئت، وإن كنت تريد المال جمعنا لك ما تستغني به أنت وعقبك من بعدك، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا من الجن قد غلب عليك بذلنا لك أموالنا في طلب ما تتداوى به أو نغلب فيك. والنبي صلى الله عليه وسلم ساكت، فلما فرغ قال : (قد فرغت يا أبا الوليد)؟ قال : نعم. فقال : (يا ابن أخي اسمع) قال : أسمع. قال: { بسم الله الرحمن الرحيم. حم. تنزيل من الرحمن الرحيم. كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون} إلى قوله: { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود} [فصلت : 13] فوثب عتبة ووضع يده على فم النبي صلى الله عليه وسلم، وناشده الله والرحم ليسكتن، ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش فجاءه أبو جهل؛ فقال : أصبوت إلى محمد؟ أم أعجبك طعامه؟ فغضب عتبة وأقسم ألا يكلم محمدا أبدا، ثم قال : والله لقد تعلمون أني من أكثر قريش مالا، ولكني لما قصصت عليه القصة أجابني بشيء والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر؛ ثم تلا عليهم ما سمع منه إلى قوله: { مثل صاعقة عاد وثمود} [فصلت : 13] وأمسكت بفيه وناشدته بالرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب، فوالله لقد خفت أن ينزل بكم العذاب؛ يعني الصاعقة. وقد ""روى هذا الخبر أبو بكر الأنباري في كتاب الرد له عن محمد بن كعب القرظي"" وأن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: { حم. فصلت} حتى انتهى إلى السجدة فسجد وعتبة مصغ يستمع، قد اعتمد على يديه من وراء ظهره. فلما قطع رسول الله صلى الله علييه وسلم القراءة قال له : (يا أبا الوليد قد سمعت الذي قرأت عليك فأنت وذاك) فانصرف عتبة إلى قريش في ناديها فقالوا : والله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي مضى به من عندكم. ثم قالوا : ما وراءك أبا الوليد؟ قال : والله لقد سمعت كلاما من محمد ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالكهانة، فأطيعوني في هذه وأنزلوها بي؛ خلوا محمدا وشأنه واعتزلوه، فوالله ليكونن لما سمعت من كلامه نبأ، فإن أصابته العرب كفيتموه بأيدي غيركم، وإن كان ملكا أو نبيا كنتم أسعد الناس به؛ لأن ملكه ملككم وشرفه شرفكم. فقالوا : هيهات سحرك محمد يا أبا الوليد. وقال : هذا رأيي لكم فاصنعوا ما شئتم. قوله تعالى: { وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه} الأكنة جمع كنان وهو الغطاء. وقد مضى في { البقرة} . قال مجاهد : الكنان للقلب كالجنة للنبل. { وفي آذاننا وقر} أي صمم؛ فكلامك لا يدخل أسماعنا، وقلوبنا مستورة من فهمه. { ومن بيننا وبينك حجاب} أي خلاف في الدين، لأنهم يعبدون الأصنام وهو يعبد الله عز وجل. قال معناه الفراء وغيره. وقيل : ستر مانع عن الإجابة. وقيل : إن أبا جهل استغشى على رأسه ثوبا وقال : يا محمد بيننا وبينك حجاب. استهزاء منه. حكاه النقاش وذكره القشيري. فالحجاب هنا الثوب. { فاعمل إننا عاملون} أي اعمل في هلاكنا فإنا عاملون في هلاكك؛ قاله الكلبي. وقال مقاتل : اعمل لإلهك الذي أرسلك، فإنا نعمل لآلهتنا التي نعبدها. وقيل : أعمل بما يقتضيه دينك، فإنا عاملون بما يقتضيه ديننا. ويحتمل خامسا : فاعمل لآخرتك فإنا نعمل لدنيانا؛ ذكره الماوردي.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة فُصّلت الايات 1 - 6

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

سماه { كِتَابٌ.. } [فصلت: 3] لأن الكتاب تعني الجمع. والكتيبة جمع الجنود، فالكتاب تجمع الكلمات إلى بعضها، والكتاب يعني: مجتمع فهي أشياء، وفي القرآن اجتمع كل خير في الدنيا والآخرة، وهو كتاب لأنه مكتوب ومُسجَّل تستطيع أن تقرأه.

ولذلك لما أرادوا جمع القرآن وضع الجامعُ مبدأ، وهو ألاَّ يكتب آية إلا إذا وجدها مكتوبة بالفعل على الرِّقاع أو العظام أو غيره، مما كانوا يكتبون عليه، ثم يشهد على صحتها اثنان من القراء، فهو كتاب لأنه مكتوب في السطور، وقرآن لأنه مقروء محفوظ في الصدور.

الحق سبحانه وتعالى أراد بذلك كما قال الشيخ المرحوم محمد عبد الله دراز: أنْ تُذكِّر إحداهما الأخرى، فالمكتوب من المقروء يتعاونان في تسجيل كتاب الله تسجيلاً دقيقاً لا يتطرق إليه الشك.

والدليل على ذلك أن جامع القرآن وجد آية مكتوبة، وطلب لها شاهدين فلم يجد إلا واحداً يشهد على صحتها فتوقف عن كتابتها، وكان هذا الشاهد هو سيدنا حذيفة رضي الله عنه، وجاء للكاتب مَنْ ذكَّره بحديث سيدنا رسول الله في شأن خزيمة حين قال: " من شهد له خزيمة فحَسْبه " فجعل شهادة خزيمة بشهادتين، وأخذ عنه الآية وكتبها.

ولها قصة: قالوا " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد استدان مالاً من يهودي، وأدَّاه لَهُ دون شاهد بينهما، ثم جاء اليهودي مرة أخرى يطالب رسول الله بالسداد فقال له رسول الله: لقد أديتك. قال: لا، قال أدَّيْتُك، قال: إذن ابغني شاهداً، فقام أحدُ الصحابة وقال: أنا يا رسول الله شهدتُ ذلك، عندها سكن اليهودي لأنه كاذب.

وبعد نهاية الموقف استدعى رسول الله الصحابي وقال له: كيف شهدتَ بذلك ولم يكُنْ معنا أحد؟ فقال له: يا رسول الله، كيف أُصدقك في خبر السماء وأُكذِّبك في كذا درهم..

نعم: نقول هنا نِعْمَ الاستنباط، لذلك استحق هذه المكانة من رسول الله " من شهد له خزيمة فَحَسْبُه ".

ومعنى { فُصِّلَتْ آيَاتُهُ.. } [فصلت: 3] يقولون في الفعل (فُصِّلت) مبني للمجهول أو لما لم يُسَمَّ فاعله، والمعنى هنا أن الله فصَّلها أولاً ففُصِّلت أي: صارتْ مُفصَّلة، فلما بلَّغها رسول الله للناس أصبحت هي مُفصَّلة لأمورهم ولأحكامهم.

ومعنى { فُصِّلَتْ آيَاتُهُ.. } [فصلت: 3] لأن القرآن مُقسَّم ومُفصَّل إلى سور، كل سورة قائمة بذاتها، وداخل السُّور آيات، كل آية بذاتها، ففي السُّوَر الطويل والقصير، كذلك في الآيات تجد كلمة واحدة آية، وتجد آية من عدة أسطر، كذلك فصَّل الكلمات من حيث مادتها، كذلك فصَّل الحلال والحرام، وفصَّل الطاعة والمعصية، ألم يفصل بين الوعد والوعيد، بين الثواب والعقاب.

لقد فَصَل القرآن بين كل هذه المسائل، أو فُصلت فيه كل آيات الكون إلى قيام الساعة، لذلك قالوا: " خطبنا رسول الله خطبة بليغة، ما ترك فيها شيئاً، وما ترك من ورقة تسقط إلا حدَّثنا عنها إلى أنْ تقوم الساعة، حفظها مَنْ حفظها ونسيها مَنْ نسيها ".

نعم كما قال تعالى:
{  مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَٰبِ مِن شَيْءٍ.. }
[الأنعام: 38] يعني: أن الأمور التي تحدث في الكون موجودة عندكم في هذا الكتاب.

ولذلك لما سُئلنا في إحدى رحلاتنا إلى أوربا من أحد المستشرقين قال: عندكم في القرآن:
{  هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ.. }
[الصف: 9].

وفيه:
{  يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ }
[الصف: 8].

ومع ذلك وبعد مرور أربعة عشر قرناً على ظهور الإسلام، ما يزال اليهود والنصارى والملاحدة والمشركون موجودين، ولم يظهر عليهم الإسلام، فكان الرد الذي وفقنا الله إليه أن الإسلام ظهر بالفعل عليهم رغم وجودهم، والمراد بالظهور هنا ظهور الحجة، فالإسلام ظهر على هؤلاء بالحجة من أعدائهم.

وفرْق بين أن تظهر الحجة من مُعتقده، وبين أن تظهر الحجة من معاند، كيف؟ قالوا: ستظهر في الكون أقضية من صُنْع البشر لا يجدون لها حلاً، إلا أن يرجعوا إلى حكم القرآن.

إذن: ظهر القرآن عليهم وعلى أفكارهم وعلى أحكامهم وعلى حضارتهم، وإلا لما رجعوا إليه.

ومثَّلنا لذلك بقضية الطلاق في الإسلام، وهي من أهم القضايا التي عارضوها وانتقدوها، وبعد ذلك اضطرَّ الفاتيكان نفسه إلى إباحة الطلاق عندهم، وهذا هو ظهور الإسلام، لا بأنْ يكونوا مسلمين، إنما بأنْ تظهر حجته ويشهد له منهم مَنْ لم يؤمن به.

وقوله: { قُرْآناً عَرَبِيّاً.. } [فصلت: 3] أي: بلسان عربي وفي أمة عربية، لكن كيف ذلك وهو رسالة عالمية لكل البشر ولكل اللغات؟ ولماذا لم ينزل بكل اللغات؟ قالوا: إذن لم يكُنْ هناك لغة (اسبرانتو) فالقرآن نزل على محمد في بيئته العربية، لأن الله تعالى يريد أن يظهر هذا الدين في أمة أمية، وعلى لسان رسول أميٍّ حتى لا يقول أحد: إن القرآن وثبة حضارية.

فالعرب كانوا أمة لا دولةَ لها تحكمها ولا نظام ولا قانون، كانوا مجموعة من القبائل كل قبيلة لها قانونها، كل واحد منهم (شوكته من ظهره) ومع ذلك تأتي مثل هذه الأمة وتوحد العالم كله بما فيه من دول متحضرة من فارس في الشرق إلى الروم في الغرب.

فمن أين أتت هذه الأمة بذلك؟ كان عليهم أن يفهموا أنه قانونُ السماء جاء من أعلى، وإلا ما كان العرب ليقوموا بهذا الدور لولا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم.

إذن: لا مجالَ لأنْ نقول عن الإسلام إنه وثبة حضارية، لذلك لما أراد الحق سبحانه إعلاءَ دينه جعل محمداً صلى الله عليه وسلم يجهر بهذا الدين في مكة، لماذا مكة بالذات؟ لأن فيها قريشاً وهي موضع السيادة في الجزيرة كلها، وفيها الصناديد الذين لا يجرؤ أحد علة مواجهتهم.فبين هؤلاء صاح محمد بالإسلام وجهر به، ومع ذلك لم ينصر الدين هؤلاء السادة، إنما نصره المستضعفون والعبيد في المدينة، وقلنا: إن لهذه المسألة حكمة، هي ألاَّ يظهر أحد أن العصبية لمحمد هي التي خلقتْ الإيمان بمحمد، ولكن الإيمان بمحمد هو الذي أوجد العصبية لمحمد.

فالقرآن عربي لأنهم أمة الدعوة الذين سيحملون لواءها ويسيحون بها في أنحاء العالم كله، فالعرب أمة تقوم على الترحال ليس لهم بيوت، ولا يسكنون الفيلات والعمارات، إنما هي الخيمة يحملها معه أينما سار، فوطنه إذن العالم كله وبيته على ظهر جمله، كما أنها قبلية يتعصب كُلٌّ لقبيلته، لذلك كثرت بينهم الحروب حتى أن بعضها استمر أربعين سنة.

هذه الحروب درَّبتهم على القتال، وزرعت فيهم الشجاعة والتضحية بالنفس في سبيل المبدأ، لذلك لما أراد رسول الله أنْ يُعدَّ جيشاً لم يفتح له مدرسة حربية، إنما وجد جيلاً من الرجال جاهزاً مُعداً يعلم كل فنون الحرب، كلما سمع أحدهم هيعة طار إليها.

هؤلاء هم الرجال الذين ستلقوْنَ الدعوة من رسول الله، هم الذين سينشرونها. إذن: لا بُدَّ أنْ يكون الكلامُ بلسانهم، والدعوة بلغتهم، ليستطيعوا حملها.

لذلك قال تعالى في موضع آخر:
{  وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ.. }
[إبراهيم: 4] نعم لأنهم هم الذين سيسمعون منه أولاً.

لكن كيف تكون عالمية الدين؟ قالوا: حين يسمع منه قومه يؤمنون به، ثم يحملون دعوته إلى الماس لا ألفاظاً، لكن يحملونها منهجاً وسلوكاً وقدوةً، ومعلوم أن المناهج لا تختلف فيها اللغات، لذلك غزا المسلمون العالم كله، ليس بالقرآن وآياته إنما بالسلوك وبالمبادئ التي أرساها القرآن.

إذن: نزل القرآن بلسان عربي، لأن العرب هم المعَدُّون لهذه المهمة، القادرون على حملها، والسياحة بها في العالم كله لكونهم أمة بدوية غير متوطنة، وأمة قتال، وهي أمة أمية لا يمكن أن نتهمها باختلاق هذا الدين، أو أنه وثبة حضارية.

وقوله: { لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } [فصلت: 3] أي: يعلمون أساليب العربية، بل ويُجوِّدون فيها، فهم أعلى قمة الفصاحة والبلاغة، بدليل أنك لن تجد أمة في الأرض صنعتْ معارض للأدب وللكلمة كما صنع العرب في عكاظ والمربد وذي المجاز والمجنة، ففيها كانوا يعرضون إنتاجهم الأدبي ويُقيِّمونه، وما استحسنوه منه يكرمونه بأن يضعوه على أستار الكعبة.

إذن: { لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } [فصلت: 3] العربية وينبغون فيها نبوغاً، بحيث نزل القرآن المعجز بلسانهم. والإعجاز لا يتأتى لمن لا يجيد مجال الإعجاز، فالذي يجهل شيئاً لا يصح أنْ تقول له: أتحداك في هذا الشيء، إنما يكون الإعجاز للمُجيد في الشيء المتحدَّى به، لأن الجاهل له أن يقول لك: والله لو كنت أعلم الشيء الفلاني لغلبتك فيه.ومن هنا تحدى الله العرب بالقرآن.

وكذلك الحق سبحانه وتعالى لا يُنزل آية مع رسول من رسُله لإثبات صدقه في الدعوة إلا من جنس ما نبغ فيه القوم، فكانت معجزة سيدنا عيسى في الطب، فكان يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، وسيدنا موسى عليه السلام وجاءت معجزة محمد صلى الله عليه وسلم في البلاغة والبيان، فتحدَّى القوم بالقرآن، وبذلك يتأتَّى الإعجاز.

لذلك نسمع مَنْ يقول: إن العرب انهزموا أمام القرآن، وهذا غير صحيح، لأن العرب لم ينهزموا بل انتصروا أمام القرآن، كيف؟ لأن الله تعالى لا يتحدى إلا قوياً، فتحدَّى الله لهم دليلٌ على أنهم قوة، لديهم القدرة على البيان ويمتلكون ناصية اللغة.


www.alro7.net