سورة
اية:

وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ۖ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ

تفسير بن كثير

تقدم الكلام على حروف الهجاء في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته هنا وباللّه التوفيق، وأما قوله: { أحكمت آياته ثم فصلت} أي هي محكمة في لفظها، مفصلة في معناها فالقرآن كامل صورة ومعنى، هذا معنى ما روي عن مجاهد وقتادة واختاره ابن جرير، وقوله: { من لدن حكيم خبير} أي من عند اللّه الحكيم في أقواله وأحكامه، الخبير بعواقب الأمور { ألا تعبدوا إلا اللّه} أي أنزل هذا القرآن المحكم المفصل لعبادة اللّه وحده لا شريك له، وقوله: { إنني لكم منه نذير وبشير} أي إني لكم نذير من العذاب إن خالفتموه، وبشير بالثواب إن أطعتموه؛ كما جاء في الحديث الصحيح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم صعد الصفا، فدعا بطون قريش الأقرب ثم الأقرب، فاجتمعوا، فقال: (يا معشر قريش أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً تصبّحكم ألستم مصدقيّ؟) فقالوا: ما جربنا عليك كذباً، قال: (فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد)، وقوله: { وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه} أي وآمركم بالاستغفار من الذنوب السالفة والتوبة منها إلى اللّه عزَّ وجلَّ فيما تستقبلونه، وأن تستمروا على ذلك: { يمتعكم متاعا حسنا} أي في الدنيا، { إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله} أي في الدار الآخرة، قاله قتادة، كقوله: { من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة} الآية، وقد جاء في الصحيح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لسعد: (وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه اللّه إلا أجرت عليها حتى ما تجعل في فيّ امرأتك)، عن ابن مسعود في قوله: ( { ويؤت كل ذي فضل فضله} ، قال: من عمل سيئة كتبت عليه سيئة، ومن عمل حسنة كتبت له عشر حسنات، فإن عوقب بالسيئة التي كان عملها في الدنيا، بقيت له عشر حسنات، وإن لم يعاقب بها في الدنيا أخذ من الحسنات العشر واحدة وبقيت له تسع حسنات، ثم يقول: هلك من غلب آحاده على أعشاره ""أخرجه ابن جرير الطبري"". وقوله: { وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير} ، هذا تهديد شديد لمن تولى عن أوامر اللّه تعالى، وكذَّب رسله فإن العذاب يناله يوم القيامة لا محالة { إلى اللّه مرجعكم} أي معادكم يوم القيامة، { وهو على كل شيء قدير} أي وهو القادر على ما يشاء من إحسانه إلى أوليائه وانتقامه من أعدائه، وإعادة الخلائق يوم القيامة، وهذا مقام ترهيب كما أن الأول مقام ترغيب.

تفسير الجلالين

{ وأن استغفروا ربكم } من الشرك { ثم توبوا } ارجعوا { إليه } بالطاعة { يمتعكم } في الدنيا { متاعا حسنا } بطيب عيش وسعة رزق { إلى أجل مسمى } هو الموت { ويؤت } في الآخرة { كل ذي فضل } في العمل { فضله } جزاءه { وإن تولّوا } فيه حذف إحدى التاءين، أي تُعرضوا { فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير } هو يوم القيامة .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْ اِسْتَغْفِرُوا رَبّكُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : ثُمَّ فُصِّلَتْ آيَاته بِأَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّه وَبِأَنْ اِسْتَغْفِرُوا رَبّكُمْ . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَأَنْ اِسْتَغْفِرُوا رَبّكُمْ } وَأَنْ اِعْمَلُوا أَيّهَا النَّاس مِنْ الْأَعْمَال مَا يُرْضِي رَبّكُمْ عَنْكُمْ , فَيَسْتُر عَلَيْكُمْ عَظِيم ذُنُوبكُمْ الَّتِي رَكِبْتُمُوهَا بِعِبَادَتِكُمْ الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام وَإِشْرَاككُمْ الْآلِهَة وَالْأَنْدَاد فِي عِبَادَته . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْ اِسْتَغْفِرُوا رَبّكُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : ثُمَّ فُصِّلَتْ آيَاته بِأَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّه وَبِأَنْ اِسْتَغْفِرُوا رَبّكُمْ . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَأَنْ اِسْتَغْفِرُوا رَبّكُمْ } وَأَنْ اِعْمَلُوا أَيّهَا النَّاس مِنْ الْأَعْمَال مَا يُرْضِي رَبّكُمْ عَنْكُمْ , فَيَسْتُر عَلَيْكُمْ عَظِيم ذُنُوبكُمْ الَّتِي رَكِبْتُمُوهَا بِعِبَادَتِكُمْ الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام وَإِشْرَاككُمْ الْآلِهَة وَالْأَنْدَاد فِي عِبَادَته .' وَقَوْله : { ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ } يَقُول : ثُمَّ اِرْجِعُوا إِلَى رَبّكُمْ بِإِخْلَاصِ الْعِبَادَة لَهُ دُون مَا سِوَاهُ مِنْ سَائِر مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونه بَعْد خَلْعكُمْ الْأَنْدَاد وَبَرَاءَتكُمْ مِنْ عِبَادَتهَا . وَلِذَلِكَ قِيلَ : { وَأَنْ اِسْتَغْفِرُوا رَبّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ } وَلَمْ يَقُلْ : وَتُوبُوا إِلَيْهِ ; لِأَنَّ التَّوْبَة مَعْنَاهَا الرُّجُوع إِلَى الْعَمَل بِطَاعَةِ اللَّه , وَالِاسْتِغْفَار : اِسْتِغْفَار مِنْ الشِّرْك الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ مُقِيمِينَ , وَالْعَمَل لِلَّهِ لَا يَكُون عَمَلًا لَهُ إِلَّا بَعْد تَرْك الشِّرْك بِهِ , فَأَمَّا الشِّرْك فَإِنَّ عَمَله لَا يَكُون إِلَّا لِلشَّيْطَانِ , فَلِذَلِكَ أَمَرَهُمْ تَعَالَى ذِكْره بِالتَّوْبَةِ إِلَيْهِ بَعْد الِاسْتِغْفَار مِنْ الشِّرْك , لِأَنَّ أَهْل الشِّرْك كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُطِيعُونَ اللَّه بِكَثِيرٍ مِنْ أَفْعَالهمْ وَهُمْ عَلَى شِرْكهمْ مُقِيمُونَ .وَقَوْله : { ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ } يَقُول : ثُمَّ اِرْجِعُوا إِلَى رَبّكُمْ بِإِخْلَاصِ الْعِبَادَة لَهُ دُون مَا سِوَاهُ مِنْ سَائِر مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونه بَعْد خَلْعكُمْ الْأَنْدَاد وَبَرَاءَتكُمْ مِنْ عِبَادَتهَا . وَلِذَلِكَ قِيلَ : { وَأَنْ اِسْتَغْفِرُوا رَبّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ } وَلَمْ يَقُلْ : وَتُوبُوا إِلَيْهِ ; لِأَنَّ التَّوْبَة مَعْنَاهَا الرُّجُوع إِلَى الْعَمَل بِطَاعَةِ اللَّه , وَالِاسْتِغْفَار : اِسْتِغْفَار مِنْ الشِّرْك الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ مُقِيمِينَ , وَالْعَمَل لِلَّهِ لَا يَكُون عَمَلًا لَهُ إِلَّا بَعْد تَرْك الشِّرْك بِهِ , فَأَمَّا الشِّرْك فَإِنَّ عَمَله لَا يَكُون إِلَّا لِلشَّيْطَانِ , فَلِذَلِكَ أَمَرَهُمْ تَعَالَى ذِكْره بِالتَّوْبَةِ إِلَيْهِ بَعْد الِاسْتِغْفَار مِنْ الشِّرْك , لِأَنَّ أَهْل الشِّرْك كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُطِيعُونَ اللَّه بِكَثِيرٍ مِنْ أَفْعَالهمْ وَهُمْ عَلَى شِرْكهمْ مُقِيمُونَ .' وَقَوْله : { يُمَتِّعكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَل مُسَمًّى } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ خَاطَبَهُمْ بِهَذِهِ الْآيَات : اِسْتَغْفِرُوا رَبّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ , فَإِنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ بَسَطَ عَلَيْكُمْ مِنْ الدُّنْيَا وَرَزَقَكُمْ مِنْ زِينَتهَا , وَأَنْسَأَ لَكُمْ فِي آجَالهمْ إِلَى الْوَقْت الَّذِي قَضَى فِيهِ عَلَيْكُمْ الْمَوْت . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13867 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { يُمَتِّعكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَل مُسَمًّى } فَأَنْتُمْ فِي ذَلِكَ الْمَتَاع فَخُذُوهُ بِطَاعَةِ اللَّه وَمَعْرِفَة حَقّه , فَإِنَّ اللَّه مُنْعِم بِحُبِّ الشَّاكِرِينَ وَأَهْل الشُّكْر فِي مَزِيد مِنْ اللَّه , وَذَلِكَ قَضَاؤُهُ الَّذِي قَضَى . وَقَوْله : { إِلَى أَجَل مُسَمًّى } يَعْنِي الْمَوْت 13868 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { إِلَى أَجَل مُسَمًّى } قَالَ : الْمَوْت 13869 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { إِلَى أَجَل مُسَمًّى } وَهُوَ الْمَوْت * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { إِلَى أَجَل مُسَمًّى } قَالَ : الْمَوْت وَقَوْله : { يُمَتِّعكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَل مُسَمًّى } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ خَاطَبَهُمْ بِهَذِهِ الْآيَات : اِسْتَغْفِرُوا رَبّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ , فَإِنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ بَسَطَ عَلَيْكُمْ مِنْ الدُّنْيَا وَرَزَقَكُمْ مِنْ زِينَتهَا , وَأَنْسَأَ لَكُمْ فِي آجَالهمْ إِلَى الْوَقْت الَّذِي قَضَى فِيهِ عَلَيْكُمْ الْمَوْت . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13867 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { يُمَتِّعكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَل مُسَمًّى } فَأَنْتُمْ فِي ذَلِكَ الْمَتَاع فَخُذُوهُ بِطَاعَةِ اللَّه وَمَعْرِفَة حَقّه , فَإِنَّ اللَّه مُنْعِم بِحُبِّ الشَّاكِرِينَ وَأَهْل الشُّكْر فِي مَزِيد مِنْ اللَّه , وَذَلِكَ قَضَاؤُهُ الَّذِي قَضَى . وَقَوْله : { إِلَى أَجَل مُسَمًّى } يَعْنِي الْمَوْت 13868 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { إِلَى أَجَل مُسَمًّى } قَالَ : الْمَوْت 13869 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { إِلَى أَجَل مُسَمًّى } وَهُوَ الْمَوْت * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { إِلَى أَجَل مُسَمًّى } قَالَ : الْمَوْت ' وَأَمَّا قَوْله : { وَيُؤْتِ كُلّ ذِي فَضْل فَضْله } فَإِنَّهُ يَعْنِي : يُثِيب كُلّ مَنْ تَفَضَّلَ بِفَضْلِ مَاله أَوْ قُوته أَوْ مَعْرُوفه عَلَى غَيْره مُحْتَسِبًا مُرِيدًا بِهِ وَجْه اللَّه , أَجْزَلَ ثَوَابه وَفَضْله فِي الْآخِرَة . كَمَا : 13870 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَيُؤْتِ كُلّ ذِي فَضْل فَضْله } قَالَ : مَا اِحْتَسَبَ بِهِ مِنْ مَاله , أَوْ عَمِلَ بِيَدِهِ أَوْ رِجْله , أَوْ كَلِمَة , أَوْ مَا تَطَوَّعَ بِهِ مِنْ أَمْره كُلّه - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد . قَالَ : وَحَدَّثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه , عَنْ وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد بِنَحْوِهِ , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : أَوْ عَمِلَ بِيَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ وَكَلَامه , وَمَا تَطَوَّلَ بِهِ مِنْ أَمْره كُلّه - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد بِنَحْوِهِ , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : وَمَا نَطَقَ بِهِ مِنْ أَمْره كُلّه 13871 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَيُؤْتِ كُلّ ذِي فَضْل فَضْله } أَيْ فِي الْآخِرَة وَقَدْ رُوِيَ عَنْ اِبْن مَسْعُود أَنَّهُ كَانَ يَقُول فِي تَأْوِيل ذَلِكَ مَا : 13872 - حَدَّثَنَا بِهِ عَنْ الْمُسَيِّب بْن شَرِيك , عَنْ أَبِي بَكْر , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن مَسْعُود , فِي قَوْله : { وَيُؤْتِ كُلّ ذِي فَضْل فَضْله } قَالَ : مَنْ عَمِلَ سَيِّئَة كُتِبَتْ عَلَيْهِ سَيِّئَة , وَمَنْ عَمِلَ حَسَنَة كُتِبَتْ لَهُ عَشْر حَسَنَات . فَإِنْ عُوقِبَ بِالسَّيِّئَةِ الَّتِي كَانَ عَمِلَهَا فِي الدُّنْيَا بَقِيَتْ لَهُ عَشْر حَسَنَات , وَإِنْ لَمْ يُعَاقَب بِهَا فِي الدُّنْيَا أُخِذَ مِنْ الْحَسَنَات الْعَشْر وَاحِدَة وَبَقِيَتْ لَهُ تِسْع حَسَنَات . ثُمَّ يَقُول : هَلَكَ مَنْ غَلَبَ آحَاده أَعْشَاره وَأَمَّا قَوْله : { وَيُؤْتِ كُلّ ذِي فَضْل فَضْله } فَإِنَّهُ يَعْنِي : يُثِيب كُلّ مَنْ تَفَضَّلَ بِفَضْلِ مَاله أَوْ قُوته أَوْ مَعْرُوفه عَلَى غَيْره مُحْتَسِبًا مُرِيدًا بِهِ وَجْه اللَّه , أَجْزَلَ ثَوَابه وَفَضْله فِي الْآخِرَة . كَمَا : 13870 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَيُؤْتِ كُلّ ذِي فَضْل فَضْله } قَالَ : مَا اِحْتَسَبَ بِهِ مِنْ مَاله , أَوْ عَمِلَ بِيَدِهِ أَوْ رِجْله , أَوْ كَلِمَة , أَوْ مَا تَطَوَّعَ بِهِ مِنْ أَمْره كُلّه - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد . قَالَ : وَحَدَّثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه , عَنْ وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد بِنَحْوِهِ , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : أَوْ عَمِلَ بِيَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ وَكَلَامه , وَمَا تَطَوَّلَ بِهِ مِنْ أَمْره كُلّه - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد بِنَحْوِهِ , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : وَمَا نَطَقَ بِهِ مِنْ أَمْره كُلّه 13871 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَيُؤْتِ كُلّ ذِي فَضْل فَضْله } أَيْ فِي الْآخِرَة وَقَدْ رُوِيَ عَنْ اِبْن مَسْعُود أَنَّهُ كَانَ يَقُول فِي تَأْوِيل ذَلِكَ مَا : 13872 - حَدَّثَنَا بِهِ عَنْ الْمُسَيِّب بْن شَرِيك , عَنْ أَبِي بَكْر , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن مَسْعُود , فِي قَوْله : { وَيُؤْتِ كُلّ ذِي فَضْل فَضْله } قَالَ : مَنْ عَمِلَ سَيِّئَة كُتِبَتْ عَلَيْهِ سَيِّئَة , وَمَنْ عَمِلَ حَسَنَة كُتِبَتْ لَهُ عَشْر حَسَنَات . فَإِنْ عُوقِبَ بِالسَّيِّئَةِ الَّتِي كَانَ عَمِلَهَا فِي الدُّنْيَا بَقِيَتْ لَهُ عَشْر حَسَنَات , وَإِنْ لَمْ يُعَاقَب بِهَا فِي الدُّنْيَا أُخِذَ مِنْ الْحَسَنَات الْعَشْر وَاحِدَة وَبَقِيَتْ لَهُ تِسْع حَسَنَات . ثُمَّ يَقُول : هَلَكَ مَنْ غَلَبَ آحَاده أَعْشَاره ' وَقَوْله : { وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَاف عَلَيْكُمْ عَذَاب يَوْم كَبِير } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَإِنْ أَعْرَضُوا عَمَّا دَعَوْتهمْ إِلَيْهِ مِنْ إِخْلَاص الْعِبَادَة لِلَّهِ وَتَرْك عِبَادَة الْآلِهَة وَامْتَنَعُوا مِنْ الِاسْتِغْفَار لِلَّهِ وَالتَّوْبَة إِلَيْهِ فَأَدْبَرُوا مُوَلِّينَ عَنْ ذَلِكَ , فَإِنِّي أَيّهَا الْقَوْم أَخَاف عَلَيْكُمْ عَذَاب يَوْم كَبِير شَأْنه عَظِيم هَوْله , وَذَلِكَ { يَوْم تُجْزَى كُلّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَاف عَلَيْكُمْ عَذَاب يَوْم كَبِير } وَلَكِنَّهُ مِمَّا قَدْ تَقَدَّمَهُ قَوْله , وَالْعَرَب إِذَا قَدَّمَتْ قَبْل الْكَلَام قَوْلًا خَاطَبَتْ ثُمَّ عَادَتْ إِلَى الْخَبَر عَنْ الْغَائِب ثُمَّ رَجَعَتْ بَعْد إِلَى الْخِطَاب , وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي غَيْر مَوْضِع بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع .وَقَوْله : { وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَاف عَلَيْكُمْ عَذَاب يَوْم كَبِير } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَإِنْ أَعْرَضُوا عَمَّا دَعَوْتهمْ إِلَيْهِ مِنْ إِخْلَاص الْعِبَادَة لِلَّهِ وَتَرْك عِبَادَة الْآلِهَة وَامْتَنَعُوا مِنْ الِاسْتِغْفَار لِلَّهِ وَالتَّوْبَة إِلَيْهِ فَأَدْبَرُوا مُوَلِّينَ عَنْ ذَلِكَ , فَإِنِّي أَيّهَا الْقَوْم أَخَاف عَلَيْكُمْ عَذَاب يَوْم كَبِير شَأْنه عَظِيم هَوْله , وَذَلِكَ { يَوْم تُجْزَى كُلّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَاف عَلَيْكُمْ عَذَاب يَوْم كَبِير } وَلَكِنَّهُ مِمَّا قَدْ تَقَدَّمَهُ قَوْله , وَالْعَرَب إِذَا قَدَّمَتْ قَبْل الْكَلَام قَوْلًا خَاطَبَتْ ثُمَّ عَادَتْ إِلَى الْخَبَر عَنْ الْغَائِب ثُمَّ رَجَعَتْ بَعْد إِلَى الْخِطَاب , وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي غَيْر مَوْضِع بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى‏ { ‏الر‏} ‏ تقدم القول فيه‏.‏ { كتاب‏} ‏ بمعنى هذا كتاب‏.‏ ‏ { ‏أحكمت آياته‏} ‏ في موضع رفع نعت لكتاب‏.‏ وأحسن ما قيل في معنى ‏ { ‏أحكمت آياته‏} ‏ قول قتادة؛ أي جعلت محكمة كلها لا خلل فيها ولا باطل‏.‏ والإحكام منع القول من الفساد، أي نظمت نظما محكما لا يلحقها تناقض ولا خلل‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ أي لم ينسخها كتاب، بخلاف التوراة والإنجيل‏.‏ وعلى هذا فالمعنى؛ أحكم بعض آياته بأن جعل ناسخا غير منسوخ‏.‏ وقد تقدم القول فيه‏.‏ وقد يقع اسم الجنس على النوع؛ فيقال‏:‏ أكلت طعام زيد؛ أي بعض طعامه‏.‏ وقال الحسن وأبو العالية‏ { ‏أحكمت آياته‏} ‏ بالأمر والنهي‏. { ‏ثم فصلت‏} ‏ بالوعد والوعيد والثواب والعقاب‏.‏ وقال قتادة‏:‏ أحكمها الله من الباطل، ثم فصلها بالحلال والحرام‏.‏ مجاهد‏:‏ أحكمت جملة، ثم بينت بذكر آية آية بجميع ما يحتاج إليه من الدليل على التوحيد والنبوة والبعث وغيرها‏.‏ وقيل‏:‏ جمعت في اللوح المحفوظ، ثم فصلت في التنزيل‏.‏ وقيل‏ { ‏فصلت‏} ‏ أنزلت نجما نجما لتتدبر‏.‏ وقرأ عكرمة ‏ { ‏فصلت‏} ‏ مخففا أي حكمت بالحق‏.‏ { ‏من لدن‏} ‏ أي من عند‏‏} ‏حكيم‏} ‏ أي محكم للأمور‏.‏ ‏ { ‏خبير‏} ‏ بكل كائن وغير كائن‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏ألا تعبدوا إلا الله‏} ‏ قال الكسائي والفراء‏:‏ أي بألا؛ أي أحكمت ثم فصلت بألا تعبدوا إلا الله‏.‏ قال الزجاج‏:‏ لئلا؛ أي أحكمت ثم فصلت لئلا تعبدوا إلا الله‏.‏ قيل‏:‏ أمر رسوله أن يقول للناس ألا تعبدوا إلا الله‏.‏ { ‏إنني لكم منه‏} ‏ أي من الله‏. { ‏نذير‏} ‏ أي مخوف من عذابه وسطوته لمن عصاه‏.‏ { ‏وبشير‏} ‏ بالرضوان والجنة لمن أطاعه‏.‏ وقيل‏:‏ هو من قول الله أولا وآخرا؛ أي لا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير؛ أي الله نذير لكم من عبادة غيره، كما قال‏ { ‏ويحذركم الله نفسه‏} ‏ [آل عمران‏:‏ 28‏]‏‏.‏ قوله تعالى ‏ { ‏وأن استغفروا ربكم‏} ‏ عطف على الأول‏.‏ { ‏ثم توبوا إليه‏} ‏ أي ارجعوا إليه بالطاعة والعبادة‏.‏ قال الفراء‏ { ‏ثم‏} ‏ هنا بمعنى الواو؛ أي وتوبوا إليه؛ لأن الاستغفار هو التوبة، والتوبة هي الاستغفار‏.‏ وقيل‏:‏ استغفروه من سالف ذنوبكم، وتوبوا إليه من المستأنف متى وقعت منكم‏.‏ قال بعض الصلحاء‏:‏ الاستغفار بلا إقلاع توبة الكذابين‏.‏ وقد تقدم هذا المعنى في ‏ { ‏آل عمران‏} ‏ مستوفى‏.‏ وفي { ‏البقرة‏} ‏ عند قوله‏ { ‏ولا تتخذوا آيات الله هزوا‏} ‏ [البقرة‏:‏ 231‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ إنما قدم ذكر الاستغفار لأن المغفرة هي الغرض المطلوب، والتوبة هي السبب إليها؛ فالمغفرة أول في المطلوب وآخر في السبب‏.‏ ويحتمل أن يكون المعنى استغفروه من الصغائر، وتوبوا إليه من الكبائر‏.‏ ‏ { ‏يمتعكم متاعا حسنا‏} ‏ هذه ثمرة الاستغفار والتوبة، أي يمتعكم بالمنافع ثم سعة الرزق ورغد العيش، ولا يستأصلكم بالعذاب كما فعل بمن أهلك قبلكم‏.‏ وقيل‏:‏ يمتعكم يعمركم؛ وأصل الإمتاع الإطالة، ومنه أمتع الله بك ومتع‏.‏ وقال سهل بن عبدالله‏:‏ المتاع الحسن ترك الخلق والإقبال على الحق‏.‏ وقيل‏:‏ هو القناعة بالموجود، وترك الحزن على المفقود‏.‏ { ‏إلى أجل مسمى‏} ‏ قيل‏:‏ هو الموت‏.‏ وقيل‏:‏ القيامة‏.‏ وقيل‏:‏ دخول الجنة‏.‏ والمتاع الحسن على هذا وقاية كل مكروه وأمر مخوف، مما يكون في القبر وغيره من أهوال القيامة وكربها؛ والأول أظهر؛ لقوله في هذه السورة ‏ { ‏ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم‏} [‏هود‏:‏ 52‏]‏ وهذا ينقطع بالموت وهو الأجل المسمى‏.‏ والله أعلم‏.‏ قال مقاتل‏:‏ فأبوا فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فابتلوا بالقحط سبع سنين حتى أكلوا العظام المحرقة والقذر والجيف والكلاب‏.‏ { ويؤت كل ذي فضل فضله‏} ‏ أي يؤت كل ذي عمل من الأعمال الصالحات جزاء عمله‏.‏ وقيل‏:‏ ويؤت كل من فضلت حسناته على سيئاته { ‏فضله‏} ‏ أي الجنة، وهي فضل الله؛ فالكناية في قوله‏ { ‏فضله‏} ‏ ترجع إلى الله تعالى‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ هو ما يحتسبه الإنسان من كلام يقوله بلسانه، أو عمل يعمله بيده أو رجله، أو ما تطوع به من ماله فهو فضل الله، يؤتيه ذلك إذا آمن، ولا يتقبله منه إن كان كافرا‏.‏ ‏ { ‏وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير‏} ‏ أي يوم القيامة، وهو كبير لما فيه من الأهوال‏.‏ وقيل‏:‏ اليوم الكبير هو يوم بدر وغيره‏:‏ و‏ { تولوا‏} ‏ يجوز أن يكون ماضيا ويكون المعنى‏:‏ وإن تولوا فقل لهم إني أخاف عليكم‏.‏ ويجوز أن يكون مستقبلا حذفت منه إحدى التاءين والمعنى‏:‏ قل لهم إن تتولوا فإني أخاف عليكم‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏إلى الله مرجعكم‏} ‏ أي بعد الموت‏.‏ ‏} ‏وهو على كل شيء قدير‏} ‏ من ثواب وعقاب‏.‏

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة هود الايات 1 - 4

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وهكذا يبيِّن الحق سبحانه أن على العبد أن يستغفر من ذنوبه السابقة التي وقع فيها، وأن يتوب من الآن، وأن يرجع إلى منهج الله تعالى، لينال الفضل من الحق سبحانه.

المطلوب ـ إذن ـ من العبد أن يستغفر الله تعالى، وأن يتوب إليه.

هذا هو مطلوب الله من العاصي؛ لأن درء المفسدة مقدَّم على جلب المصلحة، وحين يعجل العبد بالتوبة إلى الله تعالى فهو يعلم أن ذنباً قد وقع وتحقق منه، وعليه ألا يؤجل التوبة إلى زمنٍ قادم؛ لأنه لا يعلم إن كان سيبقى حياً أم لا.

ولذلك يقول الحق سبحانه:

{ وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } [هود: 3].

والحق سبحانه يُجمل قضية اتباع منهجه في قوله تعالى:


{  فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ }
[طه: 123].

وقال في موضع آخر:


{  مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً }
[النحل: 97].

فالحياة الطيبة في الدنيا وعدم الضلال والشقاء متحققان لمن اتبع منهج الله تعالى.

وظن بعض العلماء أن هذا القول يناقض في ظاهره قول النبي صلى الله عليه وسلم بأن " الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر " و " إن أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل ".

وقال بعض العلماء: فكيف تقول: { يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً } [هود: 3].

هنا نقول: ما معنى المتاع؟

المتاع: هو ما تستمتع به وتستقبله بسرور وانبساط.

ويعلم المؤمن أن كل مصيبة في الدنيا إنما يجزيه الله عليها حسن الجزاء، ويستقبل هذا المؤمن قضاء الله تعالى بنفس راضية؛ لأن ما يصيبه قد كتبه الله عليه، وسوف يوافيه بما هو خير منه.

وهناك بعض من المؤمنين قد يطلبون زيادة الابتلاء.

إذن: فالمؤمن كل أمره خير؛ وإياك أن تنظر إلى من أصابته الحياة بأية مصيبة على أنه مصاب حقاً؛ لأن المصاب حقاً هو من حُرِم من الثواب.

ونحن نجد في القرآن قصة العبد الصالح الذي قتل غلاماً كان أبواه مؤمنين، فخشي العبد الصالح أن يرهقهما طغياناً وكفراً، فهذا الولد كان فتنة، ولعله كان سيدفع أبويه إلى كل محرم، ويأتي لهما بالشقاء.

إذن: فالمؤمن الحق هو الذي يستحضر ثواب المصيبة لحظة وقوعها.

ومنَّا من قرأ قصة المؤمن الصالح الذي سار في الطريق من المدينة إلى دمشق، فأصيبت رِجْله بجرح وتلوث هذا الجرح، وامتلأ بالصديد مما يقال عنه في الاصطلاح الحديث " غرغرينة " وقرر الأطباء أن تٌقطع رجله، وحاولوا أن يعطوه " مُرَقِّداً " أي: مادة تُخدِّره، وتغيب به عن الوعي؛ ليتحمل ألم بتر الساق، فرفض العبد الصالح وقال:

إني لا أحب أن أغفل عن ربي طرفة عين.ومثل هذا العبد يعطيه الله سبحانه وتعالى طاقة على تحمُّل الألم، لأنه يستحضر دائماً وجوده في معية الله، ومفاضٌ عليه من قدرة الله وقوته سبحانه.

وحينما قطع الأطباء رجله، وأرادوا أن يكفنوها وأن يدفنوها، فطلب أن يراها قبل أن يفعلوا ذلك، وأمسكها ليقول: اللهم إن كنت قد ابتليت في عضو، فإني قد عوفيت في أعضاء.

إذن: فصاحب المصيبة حين يستحضر الجزاء عليها، إنما يحيا في متعة، ولذلك لا تتعجب حين يحمد أناس خالقهم على المصائب؛ لأن الحمد يكون على النعمة، والمصيبة قد تأتي للإنسان بنعمة أوسع مما أفقدته.

ولذلك نجد اثنين من العارفين بالله وقد أراد أن يتعالم كل منهما على الآخر؛ فقال واحد منهما:

كيف حالكم في بلادكم أيها الفقراء؟

ـ والمقصود بالفقراء هم العُبَّاد الزاهدون ويعطون أغلب الوقت لعبادة الله تعالى ـ فقال العبد الثاني:

حالنا في بلادنا إنْ أعطينا شكرنا، وإنْ حُرمنا صبرنا.

فضحك العبد الأول وقال:

هذا حال الكلاب في " بلخ: أي: أن الكلب إن أعطيته يهز ذيله، وإن منعه أحد فهو يصبر.

وسأل العبد الثاني العبد الأول:

وكيف حالكم أنتم؟

فقال: نحن إن أعطينا آثرنا، وإن حُرِمنا شركنا.

إذن: فكل مؤمن يعيش في منهج الله سبحانه وتعالى فهو يستحضر في كل أمر مؤلم وفي كل أمر متعب، أن له جزاءً على ما ناله من التعب؛ ثواباً عظيماً خالداً من الله سبحانه وتعالى.

ولذلك يقول الحق سبحانه:

{ يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً } [هود: 3].

والحسن هنا له مقاييس، يُقاس بها اعتبار الغاية؛ فحين تضم الغاية إلى الفعل تعرف معنى الحسن.

ومثال ذلك: هو التلميذ الذي لا يترك كتبه، بل حين ياتي وقت الطعام، فهو يأكل وعيناه لا تفارقان الكتاب.

هذا التلميذ يستحضر متعة النجاح وحُسْنه ونعيم التفوق، وهو تلميذ يشعر بالغاية وقت أداء الفعل.

ويقول الحق سبحانه في نفس الآية:

{ وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ } [هود: 3].

أي: يؤتى كل ذي فضل مجزول لمن لا فضل له، فكأن الحق سبحانه يمنِّي الفضل للعبد.

ومثال ذلك: الفلاح الذي يأخذ من مخزن غلاله إردباً من القمح ليبذره في الأرض؛ ليزيده الله سبحانه وتعالى بزراعة هذا الإردب، ويصبح الناتج خمسة عشر إردباً.

والفضل هو الأجر الزائد عن مساويه، فمثلاً هناك فضل المال قد يكون عندك، أي: زائد عن حاجتك، وغيرك لا يملك مالاً يكفيه، فإن تفضلت ببعض من الزائد عندك، وأعطيته لمن لا مال عنده فأنت تستثمر هذا العطاء عند الله سبحانه وتعالى.

والحق سبحانه وتعالى قد يعطيك قوة، فتعطى ما يزيد منها لعبد ضعيف.

وقد يكون الحق سبحانه قد أسبغ عليك فضلاً من الحلم، فتعطى منه لمن أصابه السفه وضيق الخلق.

إذن: فكل ما يوجد عند الإنسان من خصلة طيبة ليست عند غيره من الناس، ويفيضها عليهم، فهي تزيد عنده لأنها تربو عند الله، وإن لم يُفِضْها على الغير فهي تنقص.ولذلك يقول الحق سبحانه:


{  وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِندَ ٱللَّهِ وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ }
[الروم: 39].

ويقول الحق سبحانه وتعالى في الآية التي نحن بصدد خوطرنا عنها:

{ وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ } [هود: 3].

وبعض من أهل المعرفة يفهم هذا القول الكريم بأن الإنسان الذي يفيض على غيره مما آتاه الله، يعطيه الحق سبحانه بالزيادة ما يعوضه عن الذي نقص، أو أنه سبحانه وتعالى يعطي كل صاحب فضلٍ فضل ربه، وفضل الله تعالى فوق كل فضل.

ثم يقول الحق سبحانه:

{ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ } [هود: 3].

فإن أعرضوا عنك فأبلغهم أنك تخاف عليهم من عذاب اليوم الآخر، ويُوصف العذاب مرة بأنه كبير، ويوصف مرة بأنه عظيم، ويوصف مرة بأنه مهين؛ لأنه عذاب لا ينتهي ويتنوع حسب ما يناسب المعذب، فضلاً عن أن العذاب الذي يوجد في دنيا الأغيار هو عذاب يجري في ظل المظنة بأنه سينقضي، أما عذاب اليوم الآخر فهو لا ينقضي بالنسبة للمشركين بالله أبداً.

ويقول الحق من بعد ذلك: { إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ }


www.alro7.net