سورة
اية:

أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: { أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج اللّه أضغانهم} ؟ أي أيعتقد المنافقون أن اللّه لا يكشف أمرهم لعباده المؤمنين؟ بل سيوضح أمرهم ويجليه حتى يفهمه ذوو البصائر، وقد أنزل اللّه تعالى في ذلك سورة فبين فيها فضائحهم، ولهذا كانت تسمى الفاضحة، والأضغان جمع ضغن وهو ما في النفوس من الحسد والحقد للإسلام وأهله والقائمين بنصره، وقوله تعالى: { ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم} ، يقول اللّه عزَّ وجلَّ: ولو نشاء يا محمد لأريناك أشخاصهم فعرفتهم عياناً، ولكن لم يفعل تعالى ذلك في جميع المنافقين، ستراً منه على خلقه، وحملاً للأمور على ظاهر السلامة، ورداً للسرائر إلى عالمها { ولتعرفنّهم في لحن القول} أي فيما يبدو من كلامهم الدال على مقاصدهم، يفهم المتكلم من أي الحزبين هو بمعاني كلامه وفحواه، وهو المراد من لحن القول، كما قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي اللّه عنه: ما أسر أحد سريرة إلا أبداها اللّه على صفحات وجهه، وفلتات لسانه، وفي الحديث: (ما أسر أحد سريرة إلا كساه اللّه تعالى جلبابها، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر)، وقد ورد في الحديث تعيين جماعة من المنافقين، قال عقبة بن عمرو رضي اللّه عنه: خطبنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خطبة فحمد اللّه تعالى وأثنى عليه، ثم قال: )إن منكم منافقين فمن سميت فليقم - ثم قال - قم يا فلان، قم يا فلان، قم يا فلان، حتى سمى ستة وثلاثين رجلاً. ثم قال: - إن فيكم أو منكم - منافقين فاتقوا اللّه)، قال فمّر عمر رضي اللّه عنه برجل ممن سمى مقنع كان يعرفه، فقال: ما لك؟ فحدثه بما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقال: بعداً لك سائر اليوم ""أخرجه الإمام أحمد"". وقوله عزَّ وجلَّ: { ولنبلونكم} أي لنختبرنكم بالأوامر والنواهي { حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم} ، وليس في تقدم علم اللّه تعالى بما هو كائن شك ولا ريب، فالمراد حتى نعلم وقوعه، ولهذا يقول ابن عباس في مثل هذا: إلا نعلم، أي لنرى.

تفسير الجلالين

{ أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم } يظهر أحقادهم على النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض أَنْ لَنْ يُخْرِج اللَّه أَضْغَانهمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَحَسِبَ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ شَكّ فِي دِينهمْ , وَضَعْف فِي يَقِينهمْ , فَهُمْ حَيَارَى فِي مَعْرِفَة الْحَقّ أَنْ لَنْ يُخْرِج اللَّه مَا فِي قُلُوبهمْ مِنْ الْأَضْغَان عَلَى الْمُؤْمِنِينَ , فَيُبْدِيه لَهُمْ وَيُظْهِرهُ , حَتَّى يَعْرِفُوا نِفَاقهمْ , وَحِيرَتهمْ فِي دِينهمْ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24314 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض أَنْ لَنْ يُخْرِج اللَّه أَضْغَانهمْ } . .. إِلَى آخِر الْآيَة , قَالَ : هُمْ أَهْل النِّفَاق , وَقَدْ عَرَّفَهُ إِيَّاهُمْ فِي بَرَاءَة , فَقَالَ : { وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا , وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْره } 9 84 وَقَالَ : { قُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا } 9 83 . 24315 -حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض } . .. الْآيَة , هُمْ أَهْل النِّفَاق { فَلَعَرَفْتهمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُم فِي لَحْن الْقَوْل } فَعَرَّفَهُ اللَّه إِيَّاهُمْ فِي سُورَة بَرَاءَة , فَقَالَ : { وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا } 9 84 . وَقَالَ { قُلْ لَنْ تَنْفِرُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا } 9 83 . 24316 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض أَنْ لَنْ يُخْرِج اللَّه أَضْغَانهمْ } قَالَ : هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ , قَالَ : وَاَلَّذِي أَسَرُّوا مِنْ النِّفَاق هُوَ الْكُفْر . 24317 -قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتهمْ بِسِيمَاهُمْ } قَالَ : هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ , قَالَ : وَقَدْ أَرَاهُ اللَّه إِيَّاهُمْ , وَأَمَرَ بِهِمْ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ الْمَسْجِد , قَالَ : فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ تَمَسَّكُوا بِلَا إِلَه إِلَّا اللَّه ; فَلَمَّا أَبَوْا إِلَّا أَنْ تَمَسَّكُوا بِلَا إِلَه إِلَّا اللَّه حُقِنَتْ دِمَاؤُهُمْ , وَنَكَحُوا وَنُوكِحُوا بِهَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض أَنْ لَنْ يُخْرِج اللَّه أَضْغَانهمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَحَسِبَ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ شَكّ فِي دِينهمْ , وَضَعْف فِي يَقِينهمْ , فَهُمْ حَيَارَى فِي مَعْرِفَة الْحَقّ أَنْ لَنْ يُخْرِج اللَّه مَا فِي قُلُوبهمْ مِنْ الْأَضْغَان عَلَى الْمُؤْمِنِينَ , فَيُبْدِيه لَهُمْ وَيُظْهِرهُ , حَتَّى يَعْرِفُوا نِفَاقهمْ , وَحِيرَتهمْ فِي دِينهمْ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24314 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض أَنْ لَنْ يُخْرِج اللَّه أَضْغَانهمْ } . .. إِلَى آخِر الْآيَة , قَالَ : هُمْ أَهْل النِّفَاق , وَقَدْ عَرَّفَهُ إِيَّاهُمْ فِي بَرَاءَة , فَقَالَ : { وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا , وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْره } 9 84 وَقَالَ : { قُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا } 9 83 . 24315 -حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض } . .. الْآيَة , هُمْ أَهْل النِّفَاق { فَلَعَرَفْتهمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُم فِي لَحْن الْقَوْل } فَعَرَّفَهُ اللَّه إِيَّاهُمْ فِي سُورَة بَرَاءَة , فَقَالَ : { وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا } 9 84 . وَقَالَ { قُلْ لَنْ تَنْفِرُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا } 9 83 . 24316 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض أَنْ لَنْ يُخْرِج اللَّه أَضْغَانهمْ } قَالَ : هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ , قَالَ : وَاَلَّذِي أَسَرُّوا مِنْ النِّفَاق هُوَ الْكُفْر . 24317 -قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتهمْ بِسِيمَاهُمْ } قَالَ : هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ , قَالَ : وَقَدْ أَرَاهُ اللَّه إِيَّاهُمْ , وَأَمَرَ بِهِمْ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ الْمَسْجِد , قَالَ : فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ تَمَسَّكُوا بِلَا إِلَه إِلَّا اللَّه ; فَلَمَّا أَبَوْا إِلَّا أَنْ تَمَسَّكُوا بِلَا إِلَه إِلَّا اللَّه حُقِنَتْ دِمَاؤُهُمْ , وَنَكَحُوا وَنُوكِحُوا بِهَا . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { أم حسب الذين في قلوبهم مرض} نفاق وشك، يعني المنافقين. { أن لن يخرج الله أضغانهم} الأضغان ما يضمر من المكروه. واختلف في معناه، فقال السدي : غشهم. وقال ابن عباس : حسدهم. وقال قطرب : عداوتهم، وأنشد قول الشاعر : قل لابن هند ما أردت بمنطق ** ساء الصديق وشيد الأضغانا وقيل : أحقادهم. واحدها ضغن. قال : وذي ضغن كففت النفس عنه وقد تقدم. وقال عمرو بن كلثوم : وإن الضغن بعد الضغن يفشو **عليك ويخرج الداء الدفينا قال الجوهري : الضغن والضغينة : الحقد. وقد ضغن عليه الكسر ضغنا. وتضاغن القوم واضطغنوا : أبطنوا على الأحقاد. واضطغنت الصبي إذا أخذته تحت حضنك. وأنشد الأحمر : كأنه مضطغن صبيا أي حامله في حجره. وقال ابن مقبل : إذا اضطغنت سلاحي عند مغرضها ** ومرفق كرئاس السيف إذ شسفا وفرس ضاغن : لا يعطي ما عنده من الجري إلا بالضرب. والمعنى : أم حسبوا أن لن يظهر الله عداوتهم وحقدهم لأهل الإسلام. { ولو نشاء لأريناكهم} أي لعرفناكهم. قال ابن عباس : وقد عرفه إياهم في سورة [التوبة]. تقول العرب : سأريك ما أصنع، أي سأعلمك، ومنه قوله تعالى { بما أراك الله } [النساء : 105] أي بما أعلمك. { فلعرفتهم بسيماهم } أي بعلاماتهم. قال أنس. ما خفي على النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية أحد من المنافقين، كان يعرفهم بسيماهم . وقد كنا في غزاة وفيها سبعة من المنافقين يشك فيهم الناس، فأصبحوا ذات ليلة وعلى جبهة كل واحد منهم مكتوب هذا منافق فذلك سيماهم. وقال ابن زيد : قدر الله إظهارهم وأمر أن يخرجوا من المسجد فأبوا إلا أن يتمسكوا بلا إله إلا الله، فحقنت دماؤهم ونكحوا وأنكحوا بها. { ولتعرفنهم في لحن القول} أي في فحواه ومعناه. ومنه قول الشاعر : وخير الكلام ما كان لحنا أي ما عرف بالمعنى ولم يصرح به. مأخوذ من اللحن في الإعراب، وهو الذهاب عن الصواب، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : (إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض) أي أذهب بها في الجواب لقوته على تصريف الكلام. أبو زيد : لحنت له بالفتح ألحن لحنا إذا قلت له قولا يفهمه عنك ويخفى على غيره. ولحنه هو عني بالكسر يلحنه لحنا أي فهمه. وألحنته أنا إياه، ولاحنت الناس فاطنتهم، قال الفزاري : وحديث ألذه هو مما ** ينعت الناعتون يوزن وزنا منطق رائع وتلحن أحيانا ** وخير الحديث ما كان لحنا يريد أنها تتكلم بشيء وهي تريد غيره، وتعرض في حديثها فتزيله عن جهته من فطنتها وذكائها. وقد قال تعالى { ولتعرفنهم في لحن القول} . وقال القتال الكلابي : ولقد وحيت لكم لكيما تفهموا ** ولحنت لحنا ليس بالمرتاب وقال مرار الأسدي : ولحنت لحنا فيه غش ورابني ** صدودك ترضين الوشاة الأعاديا قال الكلبي : فلم يتكلم بعد نزولها عند النبي صلى الله عليه وسلم منافق إلا عرفه. وقيل : كان المنافقون يخاطبون النبي صلى الله عليه وسلم بكلام تواضعوه فيما بينهم، والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع ذلك ويأخذ بالظاهر المعتاد، فنبهه الله تعالى عليه، فكان بعد هذا يعرف المنافقين إذا سمع كلامهم. قال أنس : فلم يخف منافق بعد هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم، عرفه الله ذلك بوحي أو علامة عرفها بتعريف الله إياه. { والله يعلم أعمالكم} أي لا يخفى عليه شيء منها.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة محمد الايات 22 - 31

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

يعني: أظن هؤلاء الذين في قلوبهم { مَّرَضٌ... } [محمد: 29] نفاق { أَن لَّن يُخْرِجَ ٱللَّهُ أَضْغَانَهُمْ } [محمد: 29] أي: يُظهر أحقادهم ويكشف خباياهم، بل هو قادر سبحانه على ذلك، وقد كشفهم لرسوله وبيَنهم له، وعرَّى أحقادهم الدفينة، لذلك قال في الآية بعدها: { وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ... } [محمد: 30].


www.alro7.net