سورة
اية:

يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا ۚ قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ

تفسير بن كثير

المشهور أن هذا الرجل المؤمن كان قبطياً من آل فرعون، قال السدي: كان ابن عم فرعون، واختاره ابن جرير، ورد قول من ذهب إلى أنه كان إسرائيلياً، لأن فرعون انفعل لكلامه واستمعه وكف عن قتل موسى عليه السلام، ولو كان إسرائيلياً لأوشك أن يعاجله بالعقوبة لأنه منهم، قال ابن عباس: لم يؤمن من آل فرعون سوى هذا الرجل وامرأة فرعون، والذي قال: { يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك} ""أخرجه ابن أبي حاتم وابن جرير""، وقد كان هذا الرجل يكتم إيمانه عن قومه القبط، فلم يظهر إلا هذا اليوم حين قال فرعون: { ذروني أقتل موسى} فأخذت الرجل غضبة للّه عزَّ وجلَّ، وأفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر، كما ثبت بذلك الحديث، ولا أعظم من هذه الكلمة عند فرعون، وهي قوله: { أتقتلون رجلاً أن يقول ربي اللّه} ، اللهم إلا ما رواه البخاري في صحيحه عن عروة بن الزبير رضي اللّه تعالى عنهما قال، قلت لعبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي اللّه عنهما: أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ قال: بينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولوى ثوبه في عنقه، فخنقه خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر رضي اللّه عنه، فأخذ بمنكبه، ودفعه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ثم قال: { أتقتلون رجلاً أن يقول ربي اللّه وقد جاءكم بالبينات من ربكم} "أخرجه البخاري في صحيحه" وروى ابن أبي حاتم عن عمرو بن العاص رضي اللّه عنه أن سئل: ما أشد ما رأيت قريشاً بلغوا من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم؟ قال: مَرَّ صلى اللّه عليه وسلم ذات يوم، فقالوا له: أنت تنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا؟ فقال: (أنا ذاك) فقاموا إليه، فأخذوا بمجامع ثيابه، فرأيت أبا بكر عند محتضنه من ورائه، وهو يصيح بأعلى صوته، وإن عينيه ليسيلان وهو يقول: يا قوم { أتقتلون رجلاً أن يقول ربي اللّه وقد جاءكم بالبينات من ربكم} حتى فرغ من الآية كلها "أخرجه ابن أبي حاتم والنسائي" وقوله تعالى: { وقد جاءكم بالبينات من ربكم} أي كيف تقتلونه وقد أقام لكم البرهان على صدق ما جاءكم به من الحق؟ ثم تنزل معهم في المخاطبة فقال: { وإن يك كاذباً فعليه كذبه وإن يك صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم} ، يعني إذا لم يظهر لكم صحة ما جاءكم به، فمن العقل والرأي أن تتركوه ونفسه فلا تؤذوه، فإن يك كاذباً فإن اللّه سبحانه سيجازيه على كذبه، وإن يك صادقاً وقد آذيتموه يصبكم بعض الذي يعدكم، فإنه يتوعدكم إن خالفتموه بعذاب في الدنيا والآخرة، فينبغي أن لا تتعرضوا له بل اتركوه وشأنه. وقوله جلَّ وعلا: { إن اللّه لا يهدي من هو مسرف كذاب} أي لو كان هذا كاذباً كما تزعمون، لكان أمره بيناً يظهر لكل أحد في أقواله وأفعاله، وهذا نرى أمره سديداً ومنهجه مستقيماً، ولو كان من المسرفين الكذابين، لما هداه اللّه وأرشده إلى ما ترون من انتظام أمره وفعله، ثم قال المؤمن محذراً قومه زوال نعمة اللّه عنهم وحلول نقمة اللّه بهم: { يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض} أي قد أنعم اللّه عليكم بهذا الملك، والظهور في الأرض بالكلمة النافذة والجاه العريض، فراعوا هذه النعمة بشكر اللّه تعالى وتصديق رسوله صلى اللّه عليه وسلم، واحذورا نقمة اللّه إن كذبتم رسوله { فمن ينصرنا من بأس اللّه إن جاءنا} أي لا تغني عنكم هذه الجنود وهذه العساكر ولا ترد عنا شيئاً من بأس اللّه إن أرادنا بسوء، { قال فرعون} لقومه راداً على ما أشار به هذا الرجل الصالح البار الراشد { ما أريكم إلا ما أرى} أي ما أقول لكم وأشير عليكم إلا ما أراه لنفسي، وقد كذب فرعون فإنه كان يتحقق صدق موسى عليه السلام فيما جاء به من الرسالة، { قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر} وقال اللّه تعالى: { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً} ، فقوله: { ما أريكم إلا ما أرى} كذب فيه وافترى وخان رعيته فغشهم وما نصحهم، وكذا قوله: { وما أهديكم إلا سبيل الرشاد} أي وما أدعوكم إلا إلى طريق الحق والصدق والرشد، وقد كذب أيضاً في ذلك وإن كان قومه قد أطاعوه واتبعوه، قال اللّه تبارك وتعالى: { فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد} وقال جلّت عظمته: { وأضل فرعون قومه وما هدى} . وفي الحديث: (ما من إمام يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام).

تفسير الجلالين

{ يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين } غالبين حال { في الأرض } أرض مصر { فمن ينصرنا من بأس الله } عذابه إن قتلتم أولياءه { إن جاءنا } أي لا ناصر لنا { قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى } أي ما أشير عليكم إلا بما أشير به على نفسي وهو قتل موسى { وما أهديكم إلا سبيل الرشاد } طريق الصواب .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا قَوْم لَكُمْ الْمُلْك الْيَوْم ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْض فَمَنْ يَنْصُرنَا مِنْ بَأْس اللَّه إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْن مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيل الرَّشَاد } يَقُول تَعَالَى ذِكْره مُخْبِرًا عَنْ قِيلَ الْمُؤْمِن مِنْ آل فِرْعَوْن لِفِرْعَوْن وَمَلَئِهِ : { يَا قَوْم لَكُمْ الْمُلْك الْيَوْم ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْض } يَعْنِي : أَرْض مِصْر , يَقُول : لَكُمْ السُّلْطَان الْيَوْم وَالْمُلْك ظَاهِرِينَ أَنْتُمْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل فِي أَرْض مِصْر { فَمَنْ يَنْصُرنَا مِنْ بَأْس اللَّه } يَقُول : فَمَنْ يَدْفَع عَنَّا بَأْس اللَّه وَسَطْوَته إِنْ حَلَّ بِنَا , وَعُقُوبَته أَنْ جَاءَتْنَا , قَالَ فِرْعَوْن { مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى } يَقُول : قَالَ فِرْعَوْن مُجِيبًا لِهَذَا الْمُؤْمِن النَّاهِي عَنْ قَتْل مُوسَى : مَا رَأْيكُمْ أَيّهَا النَّاس مِنْ الرَّأْي وَالنَّصِيحَة إِلَّا مَا أَرَى لِنَفْسِي وَلَكُمْ صَلَاحًا وَصَوَابًا , وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيل الرَّشَاد . يَقُول : وَمَا أَدْعُوكُمْ إِلَّا إِلَى طَرِيق الْحَقّ وَالصَّوَاب فِي أَمْر مُوسَى وَقَتْله , فَإِنَّكُمْ إِنْ لَمْ تَقْتُلُوهُ بَدَّلَ دِينكُمْ , وَأَظْهَرَ فِي أَرْضكُمْ الْفَسَاد . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا قَوْم لَكُمْ الْمُلْك الْيَوْم ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْض فَمَنْ يَنْصُرنَا مِنْ بَأْس اللَّه إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْن مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيل الرَّشَاد } يَقُول تَعَالَى ذِكْره مُخْبِرًا عَنْ قِيلَ الْمُؤْمِن مِنْ آل فِرْعَوْن لِفِرْعَوْن وَمَلَئِهِ : { يَا قَوْم لَكُمْ الْمُلْك الْيَوْم ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْض } يَعْنِي : أَرْض مِصْر , يَقُول : لَكُمْ السُّلْطَان الْيَوْم وَالْمُلْك ظَاهِرِينَ أَنْتُمْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل فِي أَرْض مِصْر { فَمَنْ يَنْصُرنَا مِنْ بَأْس اللَّه } يَقُول : فَمَنْ يَدْفَع عَنَّا بَأْس اللَّه وَسَطْوَته إِنْ حَلَّ بِنَا , وَعُقُوبَته أَنْ جَاءَتْنَا , قَالَ فِرْعَوْن { مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى } يَقُول : قَالَ فِرْعَوْن مُجِيبًا لِهَذَا الْمُؤْمِن النَّاهِي عَنْ قَتْل مُوسَى : مَا رَأْيكُمْ أَيّهَا النَّاس مِنْ الرَّأْي وَالنَّصِيحَة إِلَّا مَا أَرَى لِنَفْسِي وَلَكُمْ صَلَاحًا وَصَوَابًا , وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيل الرَّشَاد . يَقُول : وَمَا أَدْعُوكُمْ إِلَّا إِلَى طَرِيق الْحَقّ وَالصَّوَاب فِي أَمْر مُوسَى وَقَتْله , فَإِنَّكُمْ إِنْ لَمْ تَقْتُلُوهُ بَدَّلَ دِينكُمْ , وَأَظْهَرَ فِي أَرْضكُمْ الْفَسَاد .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { ياقوم لكم الملك اليوم} هذا من قول مؤمن آل فرعون، وفي قوله: { يا قوم} دليل على أنه قبطي، ولذلك أضافهم إلى نفسه فقال: { يا قوم} ليكونوا أقرب إلى قبول وعظه { لكم الملك} فأشكروا الله على ذلك. { ظاهرين في الأرض} أي غالبين وهو نصب على الحال أي في حال ظهوركم. والمراد بالأرض أرض مصر في قول السدي وغيره، كقوله: { وكذلك مكنا ليوسف في الأرض} . [يوسف : 21] أي في أرض مصر. { فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا} أي من عذاب الله تحذيرا لهم من نقمه إن كان موسى صادقا، فذكر وحذر { قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى} فعلم فرعون ظهور حجته فقال: { ما أريكم إلا ما أرى} . قال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم : ما أشير عليكم إلا ما أرى لنفسي. { وما أهديكم إلا سبيل الرشاد} في تكذيب موسى والإيمان بي. قوله تعالى: { وقال الذي آمن ياقوم} زادهم في الوعظ { إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب} يعني أيام العذاب التي عذب فيها المتحزبون على الأنبياء المذكورين فيما بعد. قوله تعالى: { ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد} زاد في الوعظ والتخويف وأفصح عن إيمانه، إما مستسلما موطنا نفسه على القتل، أو واثقا بأنهم لا يقصدونه بسوء، وقد وقاه الله شرهم بقوله الحق { فوقاه الله سيئات ما مكروا} . وقراءة العامة { التناد} بتخفيف الدال وهو يوم القيامة؛ قال أمية بن أبي الصلت : وبث الخلق فيها إذ دحاها ** فهم سكانها حتى التناد سمي بذلك لمناداة الناس بعضهم بعضا؛ فينادي أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم، وينادي أصحاب الجنة أصحاب النار { أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا} وينادي أصحاب النار أصحاب الجنة: { أن أفيضوا علينا من الماء} وينادي المنادى أيضا بالشقوة والسعادة : ألا إن فلان بن فلان قد شقي شقاوة لا يسعد بعدها أبدا، ألا إن فلان بن فلان قد سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا. وهذا عند وزن الأعمال. وتنادي الملائكة أصحاب الجنة { أن تلكمو الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون} [الأعراف : 43] وينادى حين يذبح الموت : يا أهل الجنة خلود لا موت ويا أهل النار خلود لا موت. وينادي كل قوم بإمامهم إلى غير ذلك من النداء. وقرأ الحسن وابن السميقع ويعقوب وابن كثير ومجاهد { التناد} بإثبات الياء في الوصل والوقف على الأصل. وقرأ ابن عباس والضحاك وعكرمة { يوم التناد} بتشديد الدال. قال بعض أهل العربية : هذا لحن؛ لأنه من ند يند إذا مر على وجهه هاربا؛ كما قال الشاعر : وبرك هجود قد أثارت مخافتي ** نواديها أسعى بعضب مجرد قال : فلا معنى لهذا في القيامة. قال أبو جعفر النحاس : وهذا غلط والقراءة بها حسنة على معنى يوم التنافر. قال الضحاك : ذلك إذا سمعوا زفير جهنم ندوا هربا، فلا يأتون قطرا من أقطار الأرض إلا وجدوا صفوفا من الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه؛ فذلك قوله: { يوم التناد} . وقوله: { يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض} [الرحمن : 33] الآية. وقوله: { والملك على أرجائها} [الحاقة : 17] ذكره ابن المبارك بمعناه. قال : وأخبرنا عبدالرحمن بن يزيد بن جابر قال : حدثنا عبدالجبار بن عبيدالله بن سلمان في قوله تعالى: { إني أخاف عليكم يوم التناد. يوم تولون مدبرين} ثم تستجيب لهم أعينهم بالدمع فيبكون حتى ينفد الدمع، ثم تستجيب لهم أعينهم بالدم فيبكون حتى ينفد الدم، ثم تستجيب لهم أعينهم بالقيح. قال : يرسل عليهم من الله أمر فيولون مدبرين، ثم تستجيب لهم أعينهم بالقيح، فيبكون حتى ينفد القيح فتغور أعينهم كالخرق في الطين. وقيل : إن هذا يكون عند نفخ إسرافيل عليه السلام في الصور نفخة الفزع. ذكره علي بن معبد والطبري وغيرهما من حديث أبي هريرة، وفيه فتكون الأرض كالسفينة في البحر تضربها الأمواج فيميد الناس على ظهرها وتذهل المراضع وتضع الحوامل ما في بطونها وتشيب الولدان وتتطاير الشياطين هاربة فتلقاها الملائكة تضرب وجوهها ويولي الناس مدبرين ينادي بعضهم بعضا وهي التي يقول الله تعالى: { يوم التناد. يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد} الحديث بكماله. وقد ذكرناه في كتاب التذكرة وتكلمنا عليه هناك. وروي عن علي بن نصر عن أبي عمرو إسكان الدال من { التناد} في الوصل خاصة. وروى أبو معمر عن عبدالوارث زيادة الياء في الوصل خاصة وهو مذهب ورش. والمشهور عن أبي عمرو حذفها في الحالين. وكذلك قرأ سائر السبعة سوى ورش على ما ذكرنا عنه وسوى ابن كثير على ما تقدم. وقيل : سمي يوم القيامة يوم التناد؛ لأن الكافر ينادي فيه بالويل والثبور والحسرة. قاله ابن جريج. وقيل : فيه إضمار أي إني أخاف عليكم عذاب يوم التناد؛ فالله أعلم. { يوم تولون مدبرين} على البدل من { يوم التناد} { ومن يضلل الله فما له من هاد} أي من خلق الله في قلبه الضلال فلا هادي له. وفي قائله قولان : أحدهما موسى. الثاني مؤمن آل فرعون وهو الأظهر. والله أعلم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة غافر الايات 23 - 35

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

قوله: { يٰقَومِ لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ } [غافر: 29] هذا كلام الرجل المؤمن ينصح قومه. نعم لهم المُلْك أي: مُلْك فرعون وجبروته وسطوته وادعاؤه للألوهية.. إلخ و { ظَاهِرِينَ فِي ٱلأَرْضِ } [غافر: 29] يعني: منتصرين وعالين على غيركم، لكن احذروا فهذا حال موقوت لا يدوم لكم فهو مُقيَّد { لَكُمُ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ } [غافر: 29] وكأنه يقول لهم: احذروا أنْ يضيع هذا الملْك من أيديكم.

فربما كان هذا الرجل - أي موسى عليه السلام - صادقاً فيجمع حوله الأتباع والأنصار، ويقضي على هذا الملك، فاستبقوا إذن ولو الضلال الذي أنتم عليه ولا تدخلوا معه في صدام لا تعلمون عاقبته { فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَا } [غافر: 29] لا أحدَ، لأن بأسَ الله وانتقامه في تأييد رسله بأسٌ لا يُرَدّ ولا بدَّ أنْ يدمر المخالف فاحذروا، هكذا يتحدث الرجل المؤمن بمنطق الإيمان الراسخ في نفسه ويصدق قومه لا يغشهم.

وهنا لا بُدَّ أنْ ينتفضَ فرعون، وأنْ يحاول القبض على زمام الأمور لصالحه: { قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ } [غافر: 29] لاحظ منطق التسلط في { مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ } [غافر: 29] ومنطق التزييف في { وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ } [غافر: 29].

لكن هذا من فرعون لم يمنع الرجل المؤمن أنْ يستمر في دعوته ولم يصدَّه أنْ ينصح قومه: { وَقَالَ ٱلَّذِيۤ آمَنَ يٰقَوْمِ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ.. } [الزمر: 30].


www.alro7.net