سورة
اية:

وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَٰهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى راداً على من زعم أن له ولداً من الملائكة، كمن قال ذلك من العرب إن الملائكة بنات اللّه فقال: { سبحانه بل عباد مكرمون} أي الملائكة عباد اللّه مكرمون عنده، في منازل عالية ومقامات سامية، وهم له في غاية الطاعة قولاً وفعلاً، { لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} أي لا يتقدمون بين يديه بأمر ولا يخالفونه فيما أمرهم به بل يبادرون إلى فعله، وهو تعالى علمه محيط بهم فلا يخفى عليه منهم خافية، { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم} ، وقوله: { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} ، كقوله: { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} ، وقوله: { ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} في آيات كثيرة في معنى ذلك { وهم من خشيته} أي من خوفه ورهبته { مشفقون . ومن يقل منهم إني إله من دونه} أي ادعى منهم أنه إله من دون اللّه أي مع اللّه، { فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين} أي كل من قال ذلك وهذا شرط، والشرط لا يلزم وقوعه كقوله: { قل إن كان للرحمن ولداً فأنا أول العابدين} .

تفسير الجلالين

{ ومن يقل منهم إني إله من دونه } أي الله أي غيره، وهو إبليس دعا إلى عبادة نفسه وأمر بطاعتها { فذلك نجزيه جهنم كذلك } كما نجريه { نجزي الظالمين } المشركين .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَه مِنْ دُونه فَذَلِكَ نَجْزِيه جَهَنَّم } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَنْ يَقُلْ مِنْ الْمَلَائِكَة إِنَى إِلَه مِنْ دُون اللَّه , { فَذَلِكَ } الَّذِي يَقُول ذَلِكَ مِنْهُمْ { نَجْزِيه جَهَنَّم } يَقُول : نُثِيبهُ عَلَى قِيله ذَلِكَ جَهَنَّم . وَقِيلَ : عَنَى بِهَذِهِ الْآيَة إِبْلِيس . وَقَالَ قَائِلُو ذَلِكَ : إِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ , لِأَنَّهُ لَا أَحَد مِنْ الْمَلَائِكَة قَالَ إِنِّي إِلَه مِنْ دُون اللَّه سِوَاهُ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18528 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : { وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ } قَالَ : قَالَ اِبْن جُرَيْج : مَنْ يَقُلْ مِنْ الْمَلَائِكَة إِنِّي إِلَه مِنْ دُونه ; فَلَمْ يَقُلْهُ إِلَّا إِبْلِيس دَعَا إِلَى عِبَادَة نَفْسه , فَنَزَلَتْ هَذِهِ فِي إِبْلِيس . 18529 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَه مِنْ دُونه فَذَلِكَ نَجْزِيه جَهَنَّم كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ } وَإِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ الْآيَة خَاصَّة لِعَدُوِّ اللَّه إِبْلِيس لَمَّا قَالَ مَا قَالَ لَعَنَهُ اللَّه وَجَعَلَهُ رَجِيمًا , فَقَالَ : { فَذَلِكَ نَجْزِيه جَهَنَّم كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ } . 18530 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَه مِنْ دُونه فَذَلِكَ نَجْزِيه جَهَنَّم } قَالَ : هِيَ خَاصَّة لِإِبْلِيس . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَه مِنْ دُونه فَذَلِكَ نَجْزِيه جَهَنَّم } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَنْ يَقُلْ مِنْ الْمَلَائِكَة إِنَى إِلَه مِنْ دُون اللَّه , { فَذَلِكَ } الَّذِي يَقُول ذَلِكَ مِنْهُمْ { نَجْزِيه جَهَنَّم } يَقُول : نُثِيبهُ عَلَى قِيله ذَلِكَ جَهَنَّم . وَقِيلَ : عَنَى بِهَذِهِ الْآيَة إِبْلِيس . وَقَالَ قَائِلُو ذَلِكَ : إِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ , لِأَنَّهُ لَا أَحَد مِنْ الْمَلَائِكَة قَالَ إِنِّي إِلَه مِنْ دُون اللَّه سِوَاهُ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18528 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : { وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ } قَالَ : قَالَ اِبْن جُرَيْج : مَنْ يَقُلْ مِنْ الْمَلَائِكَة إِنِّي إِلَه مِنْ دُونه ; فَلَمْ يَقُلْهُ إِلَّا إِبْلِيس دَعَا إِلَى عِبَادَة نَفْسه , فَنَزَلَتْ هَذِهِ فِي إِبْلِيس . 18529 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَه مِنْ دُونه فَذَلِكَ نَجْزِيه جَهَنَّم كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ } وَإِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ الْآيَة خَاصَّة لِعَدُوِّ اللَّه إِبْلِيس لَمَّا قَالَ مَا قَالَ لَعَنَهُ اللَّه وَجَعَلَهُ رَجِيمًا , فَقَالَ : { فَذَلِكَ نَجْزِيه جَهَنَّم كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ } . 18530 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَه مِنْ دُونه فَذَلِكَ نَجْزِيه جَهَنَّم } قَالَ : هِيَ خَاصَّة لِإِبْلِيس . ' يَقُول : كَمَا نَجْزِي مَنْ قَالَ مِنْ الْمَلَائِكَة إِنِّي إِلَه مِنْ دُون اللَّه جَهَنَّم , كَذَلِكَ نَجْزِي ذَلِكَ كُلّ مَنْ ظَلَمَ نَفْسه فَكَفَرَ بِاَللَّهِ وَعَبَدَ غَيْره .يَقُول : كَمَا نَجْزِي مَنْ قَالَ مِنْ الْمَلَائِكَة إِنِّي إِلَه مِنْ دُون اللَّه جَهَنَّم , كَذَلِكَ نَجْزِي ذَلِكَ كُلّ مَنْ ظَلَمَ نَفْسه فَكَفَرَ بِاَللَّهِ وَعَبَدَ غَيْره .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه} نزلت في خزاعة حيث قالوا : الملائكة بنات الله، وكانوا يعبدونهم طمعا في شفاعتهم لهم. وروى معمر عن قتادة قال قالت اليهود - قال معمر في روايته - أو طوائف من الناس : خاتن إلى الجن والملائكة من الجن، فقال الله عز وجل { سبحانه} تنزيها له. { بل عباد} أي بل هم عباد { مكرمون} أي ليس كما زعم هؤلاء الكفار. ويجوز النصب عند الزجاج على معنى بل اتخذ عبادا مكرمين. وأجازه الفراء على أن يرده على ولد، أي بل لم نتخذهم ولدا، بل اتخذناهم عبادا مكرمين. والولد ها هنا للجمع، وقد يكون الواحد والجمع ولدا. ويجوز أن يكون لفظ الولد للجنس، كما يقال لفلان ما { لا يسبقونه بالقول} أي لا يقولون حتى يقول، ولا يتكلمون إلا بما يأمرهم. { وهم بأمره يعملون} أي بطاعته وأوامره. { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم} أي يعلم ما عملوا وما هم عاملون؛ قال ابن عباس. وعنه أيضا { ما بين أيديهم} الآخرة { وما خلفهم} الدنيا؛ ذكر الأول الثعلبي، والثاني القشيري. { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} قال ابن عباس : هم أهل شهادة أن لا إله إلا الله وقال مجاهد : هم كل من رضي الله عنه، والملائكة يشفعون غدا في الآخرة كما في صحيح مسلم وغيره، وفي الدنيا أيضا؛ فإنهم يستغفرون للمؤمنين ولمن في الأرض، كما نص عليه التنزيل على ما يأتي. { وهم} يعني الملائكة { من خشيته} يعني من خوفه { مشفقون} أي خائفون لا يأمنون مكره. قوله تعالى { ومن يقل منهم إني إله من دونه} قال قتادة والضحاك وغيرهما : عني بهذه الآية إبليس حيث ادعى الشركة، ودعا إلى عبادة نفسه وكان من الملائكة، ولم يقل أحد من الملائكة إني إله غيره. وقيل : الإشارة إلى جميع الملائكة، أي فذلك القائل { نجزيه جهنم} وهذا دليل على أنهم وإن أكرموا بالعصمة فهم متعبدون، وليسوا مضطرين إلى العبادة كما ظنه بعض الجهال. وقد استدل ابن عباس بهذه الآية على أن محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل أهل السماء. وقد تقدم في [البقرة]. { كذلك نجزي الظالمين} أي كما جزينا هذا بالنار فكذلك نجزي الظالمين الواضعين الألوهية والعبادة في غير موضعهما.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الأنبياء الايات 14 - 29


سورة الأنبياء الايات 29 - 32

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

أي: على فَرْض أنْ قال أحدهم هذا القول، إذن: هذا كلام لم يحدث، ولا يمكن أنْ يُقال منهم { فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ } [الأنبياء: 29] لماذا؟ لأنهم أخذوا الظُّلم في أعلى مراتبة وعنُفوانه وطغيانه، ظلم في مسألة القمة
{  إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ }
[لقمان: 13].

لذلك يُهدّدهم، مع أنهم ملائكة ومكرمون، لكن إنْ بدر من أحدهم هذا القول فجزاؤه جهنم، وفي هذا اطمئنان للخَلْق أجمعين.

***

بعد ذلك أراد الحق - سبحانه وتعالى - أنْ يُدلِّل على هذه الوحدانية التي أكَّدها في كلامه السابق، والوحدانية في طَيِّها الأحدية، لأن هناك فَرْقاً بينهما، وليسا مترادفين كما يظن البعض، فواحد وأحد وَصفْان لله عز وجل
{  قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ }
[الإخلاص: 1] وقال:
{  ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ }
[الرعد: 16].

فالواحد أي: الفرد الذي لا يُوجد له نظير، وهذا الواحد في ذاته أحد أي: ليس له أجزاء، فالواحدية تمنع أنْ يُوجد فَرْد مثله، والأحدية تمنع أن يكون في ذاته مُكوّناً من أجزاء؛ لأنه سبحانه لو كوّن من أجزاء لصار كل جزء محتاجاً في وجوده إلى الجزء الآخر، فلا احتياج له في وجوده ليكوِّن كله، إذنْ: فلا هو كليّ، ولا هو جزئي.

فاختار سبحانه للتدليل آيات الكون الموجودة والمشهودة التي لا يمكن أنْ ينكرها أحد؛ لأنها آيات مُرتّبة واضحة ونافعة في الوقت نفسه، فقد يكون المرئي واضحاً لكن لا حاجة لك فيه - فالإنسان يشعر بمنفعة الشمس لو غابت عنه، ويشعر بمنفعة المطر إن امتنعت السماء عن المطر.. إلخ.

فمشهودية هذه الآيات تقتضي الالتفات إليها، والنفعية فيها تقتضي أيضاً الالتفات إليها، حتى وهي غائبة عنك، فتنظر وتتطلع إلى عودتها من جديد.

فيقول الحق سبحانه: { أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّ ٱلسَّمَاوَاتِ... }.


www.alro7.net