سورة
اية:

وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا

تفسير بن كثير

يقول تعالى لرسوله صلى اللّه عليه وسلم : قل يا محمد للناس هذا الذي جئتكم به من ربكم، هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} ، هذا من باب التهديد والوعيد الشديد، ولهذا قال: { إنا أعتدنا} أي أرصدنا { للظالمين} وهم الكافرون باللّه ورسوله وكتابه { نارا أحاط بهم سرادقها} أي سورها، وعن أبي سعيد الخدري، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (لسرادق النار أربعة جدر، كثافة كل جدار مسافة أربعين سنة) ""أخرجه أحمد والترمذي في صفة النار وابن جرير في تفسيره"". وقال ابن عباس { أحاط بهم سرادقها} قال: حائط من نار، وقوله: { وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه} الآية، قال ابن عباس: المهل الماء الغليظ، مثل دردي الزيت، وقال مجاهد: هو كالدم والقيح، وقال عكرمة: هو الشيء الذي انتهى حره، وقال الضحّاك: ماء جهنم وهي سوداء وأهلها سود، وهذه الأقوال ليس شيء منها ينفي الآخر، فإن المهل يجمع هذه الأوصاف الرذيلة كلها، فهو أسود منتن غليظ حار، ولهذا قال: { يشوي الوجوه} : أي من حره، إذا الكافر أن يشربه وقربه من وجهه شواه، حتى تسقط جلدة وجهه فيه، كما جاء في الحديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (ماء كالمهل، قال: كعكر الزيت فإذا قربه إليه سقطت فروة وجهه فيه) ""أخرجه أحمد والترمذي"". وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم في قوله { ويسقى من ماء صديد يتجرعه} قال: (يقرب إليه فيتكرهه، فإذا قرب منه شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطع أمعاءه، يقول اللّه تعالى: { وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب} ) ""أخرجه عبد اللّه بن المبارك عن أبي أمامة مرفوعاً"". وقال سعيد بن جبير: إذا جاع أهل النار استغاثوا فأغيثوا بشجرة الزقزم، فيأكلون منها فاجتثت جلود وجوههم، فلو أن ماراً مر بهم لعرف جلود وجوههم فيها، ثم يصب عليهم العطش فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل، وهو الذي قد انتهى حره، فإذا أدنوه من أفواههم اشتوى من حره لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود، ولهذا قال تعالى بعد وصفه هذا الشراب بهذه الصفات الذميمة القبيحة { بئس الشراب} أي بئس هذا الشراب، كما قال في الآية الأخرى: { وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم} ، وقال تعالى: { تسقى من عين آنية} أي حارة، كما قال تعالى: { وبين حميم آن} { وساءت مرتفقا} أي وساءت النار منزلاً ومقيلاً ومجتمعاً وموضعاً للارتفاق، كما قال في الآية الأخرى { إنها ساءت مستقرا ومقاما} .

تفسير الجلالين

{ وقل} له ولأصحابه هذا القرآن { الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} تهديد لهم { إنا أعتدنا للظالمين} أي الكافرين { نارا أحاط بهم سرادقها} ما أحاط بها { وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل} كعكر الزيت { يشوي الوجوه} من حره إذا قرب إليها { بئس الشراب} هو { وساءت} أي النار { مرتفقا} تمييز منقول عن الفاعل أي قبح مرتفقها وهو مقابل لقوله الآتي في الجنة { وحسنت مرتفقا} وإلا فأي ارتفاق في النار.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقُلْ الْحَقّ مِنْ رَبّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَقُلْ يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْفَلْنَا قُلُوبهمْ عَنْ ذِكْرنَا , وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ : الْحَقّ أَيّهَا النَّاس مِنْ عِنْد رَبّكُمْ , وَإِلَيْهِ التَّوْفِيق وَالْخِذْلَان , وَبِيَدِهِ الْهُدَى وَالضَّلَال يَهْدِي مَنْ يَشَاء مِنْكُمْ لِلرَّشَادِ , فَيُؤْمِن , وَيُضِلّ مَنْ يَشَاء عَنْ الْهُدَى فَيَكْفُر , لَيْسَ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ شَيْء , وَلَسْت بِطَارِدٍ لِهَوَاكُمْ مَنْ كَانَ لِلْحَقِّ مُتَّبِعًا , وَبِاَللَّهِ وَبِمَا أَنْزَلَ عَلَيَّ مُؤْمِنًا , فَإِنْ شِئْتُمْ فَآمِنُوا , وَإِنْ شِئْتُمْ فَاكْفُرُوا , فَإِنَّكُمْ إِنْ كَفَرْتُمْ فَقَدْ أَعَدَّ لَكُمْ رَبّكُمْ عَلَى كُفْركُمْ بِهِ نَارًا أَحَاطَ بِكُمْ سُرَادِقهَا , وَإِنْ آمَنْتُمْ بِهِ وَعَمِلْتُمْ بِطَاعَتِهِ , فَإِنَّ لَكُمْ مَا وَصَفَ اللَّه لِأَهْلِ طَاعَته . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي ذَلِكَ مَا : 17360 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ } يَقُول : مَنْ شَاءَ اللَّه لَهُ الْإِيمَان آمَنَ , وَمَنْ شَاءَ اللَّه لَهُ الْكُفْر كَفَرَ , وَهُوَ قَوْله : { وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه رَبّ الْعَالَمِينَ } 81 29 وَلَيْسَ هَذَا بِإِطْلَاقٍ مِنْ اللَّه الْكُفْر لِمَنْ شَاءَ , وَالْإِيمَان لِمَنْ أَرَادَ , وَإِنَّمَا هُوَ تَهْدِيد وَوَعِيد . وَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ قَوْله : { إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا } وَالْآيَات بَعْدهَا . كَمَا : 17361 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , عَنْ عُمَر بْن حَبِيب , عَنْ دَاوُدَ , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ } . قَالَ : وَعِيد مِنْ اللَّه , فَلَيْسَ بِمُعْجِزِي . 17362 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ } وَقَوْله { اِعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ } 41 40 قَالَ : هَذَا كُلّه وَعِيد لَيْسَ مُصَانَعَة وَلَا مُرَاشَاة وَلَا تَفْوِيضًا . وَقَوْله : { إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّا أَعْدَدْنَا , وَهُوَ مِنْ الْعُدَّة . لِلظَّالِمَيْنِ : الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ . كَمَا : 17363 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقهَا } قَالَ : لِلْكَافِرِينَ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقُلْ الْحَقّ مِنْ رَبّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَقُلْ يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْفَلْنَا قُلُوبهمْ عَنْ ذِكْرنَا , وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ : الْحَقّ أَيّهَا النَّاس مِنْ عِنْد رَبّكُمْ , وَإِلَيْهِ التَّوْفِيق وَالْخِذْلَان , وَبِيَدِهِ الْهُدَى وَالضَّلَال يَهْدِي مَنْ يَشَاء مِنْكُمْ لِلرَّشَادِ , فَيُؤْمِن , وَيُضِلّ مَنْ يَشَاء عَنْ الْهُدَى فَيَكْفُر , لَيْسَ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ شَيْء , وَلَسْت بِطَارِدٍ لِهَوَاكُمْ مَنْ كَانَ لِلْحَقِّ مُتَّبِعًا , وَبِاَللَّهِ وَبِمَا أَنْزَلَ عَلَيَّ مُؤْمِنًا , فَإِنْ شِئْتُمْ فَآمِنُوا , وَإِنْ شِئْتُمْ فَاكْفُرُوا , فَإِنَّكُمْ إِنْ كَفَرْتُمْ فَقَدْ أَعَدَّ لَكُمْ رَبّكُمْ عَلَى كُفْركُمْ بِهِ نَارًا أَحَاطَ بِكُمْ سُرَادِقهَا , وَإِنْ آمَنْتُمْ بِهِ وَعَمِلْتُمْ بِطَاعَتِهِ , فَإِنَّ لَكُمْ مَا وَصَفَ اللَّه لِأَهْلِ طَاعَته . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي ذَلِكَ مَا : 17360 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ } يَقُول : مَنْ شَاءَ اللَّه لَهُ الْإِيمَان آمَنَ , وَمَنْ شَاءَ اللَّه لَهُ الْكُفْر كَفَرَ , وَهُوَ قَوْله : { وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه رَبّ الْعَالَمِينَ } 81 29 وَلَيْسَ هَذَا بِإِطْلَاقٍ مِنْ اللَّه الْكُفْر لِمَنْ شَاءَ , وَالْإِيمَان لِمَنْ أَرَادَ , وَإِنَّمَا هُوَ تَهْدِيد وَوَعِيد . وَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ قَوْله : { إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا } وَالْآيَات بَعْدهَا . كَمَا : 17361 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , عَنْ عُمَر بْن حَبِيب , عَنْ دَاوُدَ , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ } . قَالَ : وَعِيد مِنْ اللَّه , فَلَيْسَ بِمُعْجِزِي . 17362 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ } وَقَوْله { اِعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ } 41 40 قَالَ : هَذَا كُلّه وَعِيد لَيْسَ مُصَانَعَة وَلَا مُرَاشَاة وَلَا تَفْوِيضًا . وَقَوْله : { إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّا أَعْدَدْنَا , وَهُوَ مِنْ الْعُدَّة . لِلظَّالِمَيْنِ : الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ . كَمَا : 17363 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقهَا } قَالَ : لِلْكَافِرِينَ . ' وَقَوْله : { أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقهَا } يَقُول : أَحَاطَ سُرَادِق النَّار الَّتِي أَعَدَّهَا اللَّه لِلْكَافِرِينَ بِرَبِّهِمْ , وَذَلِكَ فِيمَا قِيلَ : حَائِط مِنْ نَار يُطِيف بِهِمْ كَسُرَادِقِ الْفُسْطَاط , وَهِيَ الْحُجْرَة الَّتِي تُطِيف بِالْفُسْطَاطِ , كَمَا قَالَهُ رُؤْبَة : يَا حَكَمَ بْن الْمُنْذِر بْن الْجَارُود سُرَادِق الْفَضْل عَلَيْك مَمْدُود وَكَمَا قَالَ سَلَامَة بْن جَنْدَل : هُوَ الْمُولِج النُّعْمَان بَيْتًا سَمَاؤُهُ صُدُور الْفُيُول بَعْد بَيْت مُسَرْدَق يَعْنِي : بَيْتًا لَهُ سُرَادِق . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17364 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقهَا } قَالَ : هِيَ حَائِط مِنْ نَار . 17365 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَبُو سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , عَمَّنْ أَخْبَرَهُ , قَالَ { أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقهَا } قَالَ : دُخَان يُحِيط بِالْكُفَّارِ يَوْم الْقِيَامَة , وَهُوَ الَّذِي قَالَ اللَّه : { ظِلّ ذِي ثَلَاث شُعَب } . 77 30 وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ خَبَر يَدُلّ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْله { أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقهَا } أَحَاطَ بِهِمْ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا , وَأَنَّ ذَلِكَ السُّرَادِق هُوَ الْبَحْر . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17366 - حَدَّثَنِي الْعَبَّاس بْن مُحَمَّد وَالْحُسَيْن بْن نَصْر , قَالَا : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عَبْد اللَّه بْن أُمَيَّة , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن حُيَيّ بْن يَعْلَى , عَنْ صَفْوَان بْن يَعْلَى , عَنْ يَعْلَى بْن أُمَيَّة , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْبَحْر هُوَ جَهَنَّم " قَالَ : فَقِيلَ لَهُ : كَيْف ذَلِكَ , فَتَلَا هَذِهِ الْآيَة , أَوْ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَة : { نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقهَا } ثُمَّ قَالَ : وَاَللَّه لَا أَدْخُلهَا أَبَدًا أَوْ مَا دُمْت حَيًّا , وَلَا تُصِيبنِي مِنْهَا قَطْرَة . 17367 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا يَعْمُر بْن بِشْر , قَالَ : ثنا اِبْن الْمُبَارَك , قَالَ : أَخْبَرَنَا رِشْدِين بْن سَعْد , قَالَ : ثني عَمْرو بْن الْحَارِث , عَنْ أَبِي السَّمْح , عَنْ أَبِي الْهَيْثَم , عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " سُرَادِق النَّار أَرْبَعَة جُدُر , كِثْف كُلّ وَاحِد مِثْل مَسِيرَة أَرْبَعِينَ سَنَة " . * - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا اِبْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرو بْن الْحَارِث , عَنْ دَرَّاج , عَنْ أَبِي الْهَيْثَم , عَنْ أَبِي سَعِيد , عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " إِنَّ لِسُرَادِقِ النَّار أَرْبَعَة جُدُر , كِثْف كُلّ وَاحِدَة مِثْل مَسِيرَة أَرْبَعِينَ سَنَة " . 17368 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا اِبْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرو , عَنْ دَرَّاج , عَنْ أَبِي الْهَيْثَم , عَنْ أَبِي سَعِيد , عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَاء كَالْمَهْلِ " , قَالَ : " كَعَكَرِ الزَّيْت , فَإِذَا قَرَّبَهُ إِلَيْهِ سَقَطَ فَرْوَة وَجْهه فِيهِ " . وَقَوْله : { أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقهَا } يَقُول : أَحَاطَ سُرَادِق النَّار الَّتِي أَعَدَّهَا اللَّه لِلْكَافِرِينَ بِرَبِّهِمْ , وَذَلِكَ فِيمَا قِيلَ : حَائِط مِنْ نَار يُطِيف بِهِمْ كَسُرَادِقِ الْفُسْطَاط , وَهِيَ الْحُجْرَة الَّتِي تُطِيف بِالْفُسْطَاطِ , كَمَا قَالَهُ رُؤْبَة : يَا حَكَمَ بْن الْمُنْذِر بْن الْجَارُود سُرَادِق الْفَضْل عَلَيْك مَمْدُود وَكَمَا قَالَ سَلَامَة بْن جَنْدَل : هُوَ الْمُولِج النُّعْمَان بَيْتًا سَمَاؤُهُ صُدُور الْفُيُول بَعْد بَيْت مُسَرْدَق يَعْنِي : بَيْتًا لَهُ سُرَادِق . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17364 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقهَا } قَالَ : هِيَ حَائِط مِنْ نَار . 17365 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَبُو سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , عَمَّنْ أَخْبَرَهُ , قَالَ { أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقهَا } قَالَ : دُخَان يُحِيط بِالْكُفَّارِ يَوْم الْقِيَامَة , وَهُوَ الَّذِي قَالَ اللَّه : { ظِلّ ذِي ثَلَاث شُعَب } . 77 30 وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ خَبَر يَدُلّ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْله { أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقهَا } أَحَاطَ بِهِمْ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا , وَأَنَّ ذَلِكَ السُّرَادِق هُوَ الْبَحْر . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17366 - حَدَّثَنِي الْعَبَّاس بْن مُحَمَّد وَالْحُسَيْن بْن نَصْر , قَالَا : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عَبْد اللَّه بْن أُمَيَّة , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن حُيَيّ بْن يَعْلَى , عَنْ صَفْوَان بْن يَعْلَى , عَنْ يَعْلَى بْن أُمَيَّة , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْبَحْر هُوَ جَهَنَّم " قَالَ : فَقِيلَ لَهُ : كَيْف ذَلِكَ , فَتَلَا هَذِهِ الْآيَة , أَوْ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَة : { نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقهَا } ثُمَّ قَالَ : وَاَللَّه لَا أَدْخُلهَا أَبَدًا أَوْ مَا دُمْت حَيًّا , وَلَا تُصِيبنِي مِنْهَا قَطْرَة . 17367 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا يَعْمُر بْن بِشْر , قَالَ : ثنا اِبْن الْمُبَارَك , قَالَ : أَخْبَرَنَا رِشْدِين بْن سَعْد , قَالَ : ثني عَمْرو بْن الْحَارِث , عَنْ أَبِي السَّمْح , عَنْ أَبِي الْهَيْثَم , عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " سُرَادِق النَّار أَرْبَعَة جُدُر , كِثْف كُلّ وَاحِد مِثْل مَسِيرَة أَرْبَعِينَ سَنَة " . * - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا اِبْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرو بْن الْحَارِث , عَنْ دَرَّاج , عَنْ أَبِي الْهَيْثَم , عَنْ أَبِي سَعِيد , عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " إِنَّ لِسُرَادِقِ النَّار أَرْبَعَة جُدُر , كِثْف كُلّ وَاحِدَة مِثْل مَسِيرَة أَرْبَعِينَ سَنَة " . 17368 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا اِبْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرو , عَنْ دَرَّاج , عَنْ أَبِي الْهَيْثَم , عَنْ أَبِي سَعِيد , عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَاء كَالْمَهْلِ " , قَالَ : " كَعَكَرِ الزَّيْت , فَإِذَا قَرَّبَهُ إِلَيْهِ سَقَطَ فَرْوَة وَجْهه فِيهِ " . ' وَقَوْله : { وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَإِنْ يَسْتَغِثْ هَؤُلَاءِ الظَّالِمُونَ يَوْم الْقِيَامَة فِي النَّار مِنْ شِدَّة مَا بِهِمْ مِنْ الْعَطَش , فَيَطْلُبُونَ الْمَاء يُغَاثُوا بِمَاءِ الْمُهْل . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْمُهْل , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ كُلّ شَيْء أُذِيبَ وَانْمَاعَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17369 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ اِبْن مَسْعُود أُهْدِيَتْ إِلَيْهِ سِقَايَة مِنْ ذَهَب وَفِضَّة , فَأَمَرَ بِأُخْدُودٍ فَخُدَّ فِي الْأَرْض , ثُمَّ قَذَفَ فِيهِ مِنْ جَزْل حَطَب , ثُمَّ قَذَفَ فِيهِ تِلْكَ السِّقَايَة , حَتَّى إِذَا أَزْبَدَتْ وَانْمَاعَتْ قَالَ لِغُلَامِهِ : اُدْعُ مَنْ يَحْضُرنَا مِنْ أَهْل الْكُوفَة , فَدَعَا رَهْطًا , فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالَ : أَتَرَوْنَ هَذَا ؟ قَالُوا : نَعَمْ , قَالَ : مَا رَأَيْنَا فِي الدُّنْيَا شَبِيهًا لِلْمُهْلِ أَدْنَى مِنْ هَذَا الذَّهَب وَالْفِضَّة , حِين أَزْبَدَ وَانْمَاعَ . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ الْقَيْح وَالدَّم الْأَسْوَد . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17370 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ الْقَاسِم , عَنْ أَبِي بَزَّة , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ } قَالَ : الْقَيْح وَالدَّم . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ } قَالَ : الْقَيْح وَالدَّم الْأَسْوَد , كَعَكَرِ الزَّيْت . قَالَ الْحَارِث فِي حَدِيثه : يَعْنِي دُرْدِيّه . 17371 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { كَالْمُهْلِ } قَالَ : يَقُول : أَسْوَد كَهَيْئَةِ الزَّيْت . 17372 - حَدَّثَتْ عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ } مَاء جَهَنَّم أَسْوَد , وَهِيَ سَوْدَاء , وَشَجَرهَا أَسْوَد , وَأَهْلهَا سُود . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنْي أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ } قَالَ : هُوَ مَاء غَلِيظ مِثْل دُرْدِيّ الزَّيْت . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ الشَّيْء الَّذِي قَدْ اِنْتَهَى حَرّه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17373 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَعْقُوب الْقُمِّيّ , عَنْ جَعْفَر وَهَارُون بْن عَنْتَرَة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : الْمُهْل : هُوَ الَّذِي قَدْ اِنْتَهَى حَرّه . وَهَذِهِ الْأَقْوَال وَإِنْ اِخْتَلَفَتْ بِهَا أَلْفَاظ قَائِلِيهَا , فَمُتَقَارِبَات الْمَعْنَى , وَذَلِكَ أَنَّ كُلّ مَا أُذِيبَ مِنْ رَصَاص أَوْ ذَهَب أَوْ فِضَّة فَقَدْ اِنْتَهَى حَرّه , وَأَنَّ مَا أُوقِدَتْ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ النَّار حَتَّى صَارَ كَدُرْدِيِّ الزَّيْت , فَقَدْ اِنْتَهَى أَيْضًا حَرّه . وَقَدْ : 17374 - حُدِّثْت عَنْ مَعْمَر بْن الْمُثْنِي , أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْت الْمُنْتَجَع بْن نَبْهَان يَقُول : وَاَللَّه لَفُلَان أَبْغَض إِلَيَّ مِنْ الطَّلْيَاء وَالْمُهْل , قَالَ : فَقُلْنَا لَهُ : وَمَا هُمَا ؟ فَقَالَ : الْجَرْبَاء , وَالْمُلَّة الَّتِي تَنْحَدِر عَنْ جَوَانِب الْخُبْزَة إِذَا مَلَّتْ فِي النَّار مِنْ النَّار , كَأَنَّهَا سَهْلَة حَمْرَاء مُدَقَّقَة , فَهِيَ أَحْمَره , فَالْمُهْل إِذَا هُوَ كُلّ مَائِع قَدْ أُوقِدَ عَلَيْهِ حَتَّى بَلَغَ غَايَة حَرّه , أَوْ لَمْ يَكُنْ مَائِعًا , فَانْمَاعَ بِالْوَقُودِ عَلَيْهِ , وَبَلَغَ أَقْصَى الْغَايَة فِي شِدَّة الْحَرّ . وَقَوْله : { وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَإِنْ يَسْتَغِثْ هَؤُلَاءِ الظَّالِمُونَ يَوْم الْقِيَامَة فِي النَّار مِنْ شِدَّة مَا بِهِمْ مِنْ الْعَطَش , فَيَطْلُبُونَ الْمَاء يُغَاثُوا بِمَاءِ الْمُهْل . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْمُهْل , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ كُلّ شَيْء أُذِيبَ وَانْمَاعَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17369 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ اِبْن مَسْعُود أُهْدِيَتْ إِلَيْهِ سِقَايَة مِنْ ذَهَب وَفِضَّة , فَأَمَرَ بِأُخْدُودٍ فَخُدَّ فِي الْأَرْض , ثُمَّ قَذَفَ فِيهِ مِنْ جَزْل حَطَب , ثُمَّ قَذَفَ فِيهِ تِلْكَ السِّقَايَة , حَتَّى إِذَا أَزْبَدَتْ وَانْمَاعَتْ قَالَ لِغُلَامِهِ : اُدْعُ مَنْ يَحْضُرنَا مِنْ أَهْل الْكُوفَة , فَدَعَا رَهْطًا , فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالَ : أَتَرَوْنَ هَذَا ؟ قَالُوا : نَعَمْ , قَالَ : مَا رَأَيْنَا فِي الدُّنْيَا شَبِيهًا لِلْمُهْلِ أَدْنَى مِنْ هَذَا الذَّهَب وَالْفِضَّة , حِين أَزْبَدَ وَانْمَاعَ . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ الْقَيْح وَالدَّم الْأَسْوَد . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17370 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ الْقَاسِم , عَنْ أَبِي بَزَّة , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ } قَالَ : الْقَيْح وَالدَّم . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ } قَالَ : الْقَيْح وَالدَّم الْأَسْوَد , كَعَكَرِ الزَّيْت . قَالَ الْحَارِث فِي حَدِيثه : يَعْنِي دُرْدِيّه . 17371 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { كَالْمُهْلِ } قَالَ : يَقُول : أَسْوَد كَهَيْئَةِ الزَّيْت . 17372 - حَدَّثَتْ عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ } مَاء جَهَنَّم أَسْوَد , وَهِيَ سَوْدَاء , وَشَجَرهَا أَسْوَد , وَأَهْلهَا سُود . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنْي أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ } قَالَ : هُوَ مَاء غَلِيظ مِثْل دُرْدِيّ الزَّيْت . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ الشَّيْء الَّذِي قَدْ اِنْتَهَى حَرّه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17373 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَعْقُوب الْقُمِّيّ , عَنْ جَعْفَر وَهَارُون بْن عَنْتَرَة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : الْمُهْل : هُوَ الَّذِي قَدْ اِنْتَهَى حَرّه . وَهَذِهِ الْأَقْوَال وَإِنْ اِخْتَلَفَتْ بِهَا أَلْفَاظ قَائِلِيهَا , فَمُتَقَارِبَات الْمَعْنَى , وَذَلِكَ أَنَّ كُلّ مَا أُذِيبَ مِنْ رَصَاص أَوْ ذَهَب أَوْ فِضَّة فَقَدْ اِنْتَهَى حَرّه , وَأَنَّ مَا أُوقِدَتْ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ النَّار حَتَّى صَارَ كَدُرْدِيِّ الزَّيْت , فَقَدْ اِنْتَهَى أَيْضًا حَرّه . وَقَدْ : 17374 - حُدِّثْت عَنْ مَعْمَر بْن الْمُثْنِي , أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْت الْمُنْتَجَع بْن نَبْهَان يَقُول : وَاَللَّه لَفُلَان أَبْغَض إِلَيَّ مِنْ الطَّلْيَاء وَالْمُهْل , قَالَ : فَقُلْنَا لَهُ : وَمَا هُمَا ؟ فَقَالَ : الْجَرْبَاء , وَالْمُلَّة الَّتِي تَنْحَدِر عَنْ جَوَانِب الْخُبْزَة إِذَا مَلَّتْ فِي النَّار مِنْ النَّار , كَأَنَّهَا سَهْلَة حَمْرَاء مُدَقَّقَة , فَهِيَ أَحْمَره , فَالْمُهْل إِذَا هُوَ كُلّ مَائِع قَدْ أُوقِدَ عَلَيْهِ حَتَّى بَلَغَ غَايَة حَرّه , أَوْ لَمْ يَكُنْ مَائِعًا , فَانْمَاعَ بِالْوَقُودِ عَلَيْهِ , وَبَلَغَ أَقْصَى الْغَايَة فِي شِدَّة الْحَرّ . ' وَقَوْله : { يَشْوِي الْوُجُوه } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : يَشْوِي ذَلِكَ الْمَاء الَّذِي يُغَاثُونَ بِهِ وُجُوههمْ . كَمَا : 17375 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن خَلَف الْعَسْقَلَانِيّ , قَالَ : ثنا حَيْوَة بْن شُرَيْح , قَالَ : ثنا بَقِيَّة , عَنْ صَفْوَان بْن عَمْرو , عَنْ عَبْد اللَّه بْن بُسْر - هَكَذَا قَالَ اِبْن خَلَف - عَنْ أَبِي أُمَامَةَ , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فِي قَوْله { وَيُسْقَى مِنْ مَاء صَدِيد يَتَجَرَّعهُ } 14 16 : 17 قَالَ : " يُقَرَّب إِلَيْهِ فَيَتَكَرَّههُ , فَإِذَا قَرُبَ مِنْهُ , شَوَى وَجْهه , وَوَقَعَتْ فَرْوَة رَأْسه , فَإِذَا شَرِبَهُ قَطَعَ أَمْعَاءَهُ " , يَقُول اللَّه : { وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوه بِئْسَ الشَّرَاب } . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِبْرَاهِيم بْن إِسْحَاق الطَّالْقَانِيّ وَيَعْمُر بْن بِشْر , قَالَا : ثنا اِبْن الْمُبَارَك , عَنْ صَفْوَان , عَنْ عَبْد اللَّه بْن بُسْر , عَنْ أَبِي أُمَامَةَ , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِهِ . 17376 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَعْقُوب , عَنْ جَعْفَر وَهَارُون بْن عَنْتَرَة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ هَارُون : إِذَا جَاعَ أَهْل النَّار . وَقَالَ جَعْفَر : إِذَا جَاءَ أَهْل النَّار اِسْتَغَاثُوا بِشَجَرَةِ الزَّقُّوم , فَأَكَلُوا مِنْهَا , فَاخْتَلَسَتْ جُلُود وُجُوههمْ , فَلَوْ أَنَّ مَارًّا مَارَّ بِهِمْ يَعْرِفهُمْ , لَعَرَفَ جُلُود وُجُوههمْ فِيهَا , ثُمَّ يُصَبّ عَلَيْهِمْ الْعَطَش , فَيَسْتَغِيثُونَ , فَيُغَاثُونَ بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ , وَهُوَ الَّذِي قَدْ اِنْتَهَى حَرّه , فَإِذَا أَدْنَوْهُ مِنْ أَفْوَاههمْ اِنْشَوَى مِنْ حَرّه لُحُوم وُجُوههمْ الَّتِي قَدْ سَقَطَتْ عَنْهَا الْجُلُود . وَقَوْله : { يَشْوِي الْوُجُوه } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : يَشْوِي ذَلِكَ الْمَاء الَّذِي يُغَاثُونَ بِهِ وُجُوههمْ . كَمَا : 17375 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن خَلَف الْعَسْقَلَانِيّ , قَالَ : ثنا حَيْوَة بْن شُرَيْح , قَالَ : ثنا بَقِيَّة , عَنْ صَفْوَان بْن عَمْرو , عَنْ عَبْد اللَّه بْن بُسْر - هَكَذَا قَالَ اِبْن خَلَف - عَنْ أَبِي أُمَامَةَ , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فِي قَوْله { وَيُسْقَى مِنْ مَاء صَدِيد يَتَجَرَّعهُ } 14 16 : 17 قَالَ : " يُقَرَّب إِلَيْهِ فَيَتَكَرَّههُ , فَإِذَا قَرُبَ مِنْهُ , شَوَى وَجْهه , وَوَقَعَتْ فَرْوَة رَأْسه , فَإِذَا شَرِبَهُ قَطَعَ أَمْعَاءَهُ " , يَقُول اللَّه : { وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوه بِئْسَ الشَّرَاب } . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِبْرَاهِيم بْن إِسْحَاق الطَّالْقَانِيّ وَيَعْمُر بْن بِشْر , قَالَا : ثنا اِبْن الْمُبَارَك , عَنْ صَفْوَان , عَنْ عَبْد اللَّه بْن بُسْر , عَنْ أَبِي أُمَامَةَ , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِهِ . 17376 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَعْقُوب , عَنْ جَعْفَر وَهَارُون بْن عَنْتَرَة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ هَارُون : إِذَا جَاعَ أَهْل النَّار . وَقَالَ جَعْفَر : إِذَا جَاءَ أَهْل النَّار اِسْتَغَاثُوا بِشَجَرَةِ الزَّقُّوم , فَأَكَلُوا مِنْهَا , فَاخْتَلَسَتْ جُلُود وُجُوههمْ , فَلَوْ أَنَّ مَارًّا مَارَّ بِهِمْ يَعْرِفهُمْ , لَعَرَفَ جُلُود وُجُوههمْ فِيهَا , ثُمَّ يُصَبّ عَلَيْهِمْ الْعَطَش , فَيَسْتَغِيثُونَ , فَيُغَاثُونَ بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ , وَهُوَ الَّذِي قَدْ اِنْتَهَى حَرّه , فَإِذَا أَدْنَوْهُ مِنْ أَفْوَاههمْ اِنْشَوَى مِنْ حَرّه لُحُوم وُجُوههمْ الَّتِي قَدْ سَقَطَتْ عَنْهَا الْجُلُود . ' وَقَوْله : { بِئْسَ الشَّرَاب } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : بِئْسَ الشَّرَاب , هَذَا الْمَاء الَّذِي يُغَاث بِهِ هَؤُلَاءِ الظَّالِمُونَ فِي جَهَنَّم الَّذِي صِفَته مَا وُصِفَ فِي هَذِهِ الْآيَة .وَقَوْله : { بِئْسَ الشَّرَاب } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : بِئْسَ الشَّرَاب , هَذَا الْمَاء الَّذِي يُغَاث بِهِ هَؤُلَاءِ الظَّالِمُونَ فِي جَهَنَّم الَّذِي صِفَته مَا وُصِفَ فِي هَذِهِ الْآيَة .' وَقَوْله : { وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَسَاءَتْ هَذِهِ النَّار الَّتِي أَعْتَدْنَاهَا لِهَؤُلَاءِ الظَّالِمِينَ مُرْتَفَقًا ; وَالْمُرْتَفَق فِي كَلَام الْعَرَب : الْمُتَّكَأ , يُقَال مِنْهُ : اِرْتَفَقْت إِذَا اِتَّكَأْت , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : قَالَتْ لَهُ وَارْتَفَقَتْ أَلَا فَتًى يَسُوق بِالْقَوْمِ غَزَالَات الضُّحَى أَرَادَ : وَاتَّكَأَتْ عَلَى مِرْفَقهَا ; وَقَدْ اِرْتَفَقَ الرَّجُل : إِذَا بَاتَ عَلَى مِرْفَقه لَا يَأْتِيه نَوْم , وَهُوَ مُرْتَفِق , كَمَا قَالَ أَبُو ذُؤَيْب الْهُذَلِيّ : نَامَ الْخَلِيّ وَبِتّ اللَّيْل مُرْتَفِقًا كَأَنَّ عَيْنِي فِيهَا الصَّاب مَذْبُوح وَأَمَّا مِنْ الرِّفْق فَإِنَّهُ يُقَال : قَدْ اِرْتَفَقْت بِك مُرْتَفَقًا , وَكَانَ مُجَاهِد يَتَأَوَّل قَوْله : { وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا } يَعْنِي الْمُجْتَمَع . ذَكَرَ الرِّوَايَة بِذَلِكَ : 17377 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { مُرْتَفَقًا } : أَيْ مُجْتَمَعًا . * - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا مُعْتَمِر , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد { وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا } قَالَ : مُجْتَمَعًا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد مِثْله . وَلَسْت أَعْرِف الِارْتِفَاق بِمَعْنَى الِاجْتِمَاع فِي كَلَام الْعَرَب , وَإِنَّمَا الِارْتِفَاق . اِفْتِعَال , إِمَّا مِنْ الْمِرْفَق , وَإِمَّا مِنْ الرِّفْق .وَقَوْله : { وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَسَاءَتْ هَذِهِ النَّار الَّتِي أَعْتَدْنَاهَا لِهَؤُلَاءِ الظَّالِمِينَ مُرْتَفَقًا ; وَالْمُرْتَفَق فِي كَلَام الْعَرَب : الْمُتَّكَأ , يُقَال مِنْهُ : اِرْتَفَقْت إِذَا اِتَّكَأْت , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : قَالَتْ لَهُ وَارْتَفَقَتْ أَلَا فَتًى يَسُوق بِالْقَوْمِ غَزَالَات الضُّحَى أَرَادَ : وَاتَّكَأَتْ عَلَى مِرْفَقهَا ; وَقَدْ اِرْتَفَقَ الرَّجُل : إِذَا بَاتَ عَلَى مِرْفَقه لَا يَأْتِيه نَوْم , وَهُوَ مُرْتَفِق , كَمَا قَالَ أَبُو ذُؤَيْب الْهُذَلِيّ : نَامَ الْخَلِيّ وَبِتّ اللَّيْل مُرْتَفِقًا كَأَنَّ عَيْنِي فِيهَا الصَّاب مَذْبُوح وَأَمَّا مِنْ الرِّفْق فَإِنَّهُ يُقَال : قَدْ اِرْتَفَقْت بِك مُرْتَفَقًا , وَكَانَ مُجَاهِد يَتَأَوَّل قَوْله : { وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا } يَعْنِي الْمُجْتَمَع . ذَكَرَ الرِّوَايَة بِذَلِكَ : 17377 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { مُرْتَفَقًا } : أَيْ مُجْتَمَعًا . * - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا مُعْتَمِر , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد { وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا } قَالَ : مُجْتَمَعًا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد مِثْله . وَلَسْت أَعْرِف الِارْتِفَاق بِمَعْنَى الِاجْتِمَاع فِي كَلَام الْعَرَب , وَإِنَّمَا الِارْتِفَاق . اِفْتِعَال , إِمَّا مِنْ الْمِرْفَق , وَإِمَّا مِنْ الرِّفْق .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} { الحق} رفع على خبر الابتداء المضمر؛ أي قل هو الحق. وقيل : هو رفع على الابتداء، وخبره في قوله { من ربكم} . ومعنى الآية : قل يا محمد لهؤلاء الذين أغفلنا قلوبهم عن ذكرنا : أيها الناس من ربكم الحق فإليه التوفيق والخذلان، وبيده الهدى والضلال، يهدي من يشاء فيؤمن، ويضل من يشاء فيكفر؛ ليس إلي من ذلك شيء، فالله يؤتي الحق من يشاء وإن كان ضعيفا، ويحرمه من يشاء وإن كان قويا غنيا، ولست بطارد المؤمنين لهواكم؛ فإن شئتم فآمنوا، وإن شئتم فاكفروا. وليس هذا بترخيص وتخيير بين الإيمان والكفر، وإنما هو وعيد وتهديد. أي إن كفرتم فقد أعد لكم النار، وإن آمنتم فلكم الجنة. قوله تعالى { إنا أعتدنا} أي أعددنا. { للظالمين} أي للكافرين الجاحدين. { نارا أحاط بهم سرادقها} قال الجوهري : السرادق واحد السرادقات التي تمد فوق صحن الدار. وكل بيت من كرسف فهو سرادق. قال رؤبة : يا حكم بن المنذر بن الجارود ** سرادق المجد عليك ممدود يقال : بيت مسردق. وقال سلامة بن جندل يذكر أبرويز وقتله النعمان بن المنذر تحت أرجل الفيلة : هو المدخل النعمان بيتا سماؤه ** صدور الفيول بعد بيت مسردق وقال ابن الأعرابي { سرادقها} سورها. وعن ابن عباس : حائط من نار. الكلبي : عنق تخرج من النار فتحيط بالكفار كالحظيرة. القتبي : السرادق الحجرة التي تكون حول الفسطاط. وقال ابن عزيز. وقيل : هو دخان يحيط بالكفار يوم القيامة، وهو الذي ذكره الله تعالى في سورة { والمرسلات} . حيث يقول { انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب} [المرسلات : 30] وقوله { وظل من يحموم} [الواقعة : 43] قاله قتادة. وقيل : إنه البحر المحيط بالدنيا. وروي يعلي بن أمية قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (البحر هو جهنم - ثم تلا - نارا أحاط بهم سرادقها - ثم قال - والله لا أدخلها أبدا ما دمت حيا ولا يصيبني منها قطرة) ذكره الماوردي. وخرج ابن المبارك من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (لسرادق النار أربع جدر كثف كل جدار مسيرة أربعين سنة). وخرجه أبو عيسى الترمذي، وقال فيه : حديث حسن صحيح غريب. قلت : وهذا يدل على أن السرادق ما يعلو الكفار من دخان أو نار، وجدره ما وصف. قوله تعالى { وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه} قال ابن عباس : المهل ماء غليظ مثل دردي الزيت. مجاهد : القيح والدم. الضحاك : ماء أسود، وإن جهنم لسوداء، وماؤها أسود وشجرها أسود وأهلها سود. وقال أبو عبيدة : هو كل ما أذيب من جواهر الأرض من حديد ورصاص ونحاس وقصدير، فتموج بالغليان، فذلك المهل. ونحوه عن ابن مسعود قال سعيد بن جبير : هو الذي قد انتهى حره. وقال : المهل ضرب من القطران؛ يقال : مهلت البعير فهو ممهول. وقيل : هو السم. والمعنى في هذه الأقوال متقارب. وفي الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { كالمهل} قال : (كعكر الزيت فإذا قربه إلى وجهه سقطت فروة وجهه) قال أبو عيسى : هذا حديث إنما نعرفه من حديث رشدين بن سعد ورشدين قد تكلم فيه من قبل حفظه. وخرج عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { ويسقى من ماء صديد يتجرعه} قال : (يقرب إلى فيه فكرهه فإذا أدني منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه إذا شربه قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره. يقول الله تعالى { وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم} [محمد : 15] يقول { وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا} قال : حديث غريب. قلت : وهذا يدل على صحة تلك الأقوال، وأنها مرادة، والله أعلم. وكذلك نص عليها أهل اللغة. في الصحاح { المهل} النحاس المذاب. ابن الأعرابي : المهل المذاب من الرصاص. وقال أبو عمرو. المهل دردي الزيت. والمهل أيضا القيح والصديد. وفي حديث أبي بكر : ادفنوني في ثوبي هذين فإنهما للمهل والتراب. و { مرتفقا} قال مجاهد : معناه مجتمعا، كأنه ذهب إلى معنى المرافقة. ابن عباس : منزلا. عطاء : مقرا. وقيل مهادا. وقال القتبي : مجلسا، والمعنى متقارب؛ وأصله من المتكأ، يقال منه : ارتفقت أي اتكأت على المرفق. قال الشاعر : قالت له وارتفقت ألا فتى ** يسوق بالقوم غزالات الضحى ويقال : ارتفق الرجل إذا نام على مرفقه لا يأتيه نوم. قال أبو ذؤيب الهذلي : نام الخلي وبت الليل مرتفقا ** كأن عيني فيها الصاب مدبوح الصاب : عصارة شجر مر.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الكهف الايات 21 - 29


سورة الكهف الايات 29 - 30

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

قوله تعالى: { وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ.. } [الكهف: 29] أي: قُلِ الحق جاء من ربكم، واختار كلمة الرب ولم يَقُلْ من الله، لأن الكل معتقد أن الرب هو الذي خلق، كما في قوله تعالى:
{  وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ }
[الزخرف: 87]

وقوله:
{  وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ }
[لقمان: 25]

فمعنى: { مِن رَّبِّكُمْ.. } [الكهف: 29] أي: بإقراركم أنتم، فالذي خلقكم وربّاكم وتعهدكم هو الذي نزَّل لكم هذا الحق و { رَّبِّكُمْ.. } [الكهف: 29] أي: ليس ربي وحدي، بل ربكم وربّ الناس جميعاً.

والحق: هو الشيء الثابت، وما دام من الله فلن يُغيِّره أحد؛ لأن الذي يتغير كلامه هو الذي يقضي شيئاً ويجهل شيئاً مُقبلاً، وبعد ذلك يُعدِّل، فالحق من الله لأنه سبحانه لا يَخْفَى عليه شيء ولا يَعْزُب عن عمله شيء، لذلك لا استدراك على حُكْم من أحكامه من أحد من خلقه.

فالربوبية عطاء، فربك الذي خلقك وأمدَّك بالنعم، وهو الذي يُربّيك كما يُربِّي الوالد ولده؛ لذلك لم يعترض على الربوبية أحد، أما الألوهية فمطلوبها تكليف: افعل كذا، ولا تفعل كذا، فخاطبهم بالربوبية التي فيها مصلحتهم، ولم يخاطبهم بالألوهية التي تُقيِّد اختياراتهم والإنسان بطبعه لا يميل إلى ما يُقيّد اختياراته؛ لذلك يلجأون إلى عبادة آلهة أخرى؛ لأنها ليس لها مطلوبات.

فالذي يعبد الشمس أو الصنم أو غيره: بماذا أمرك معبودك؟ وعَمَّا نهاك؟ فما العبادة إلا طاعة عابد لمعبود، إذن: فلهم أن يقولوا: نِعْمَ هذا الإله، ونِعْمَ هذا الدين؛ لأنه يتركني بحريتي أفعل ما أريد.

لذلك؛ نجد الذين يدَّعُون ألوهية، أو يدعون نُبوّة دائماً يميلون إلى تخفيف المناهج؛ لأنهم يعلمون أن المناهج السماوية تصعُب على الناس؛ لأن فيها حَجْراً على حرية حركتهم وحرية اختياراتهم، فلما ادَّعى مسيلمة النبوة رأى الناس تتبرم من الزكاة فأسقطها عنهم، وكذلك لما ادعتّ سجاح النبوة خففتْ الصلاة، وإلا، فكيف سيجمعون الناس من حولهم؟

وما أشبه مُدَّعي الأمس بمدعي اليوم الذين يبيعون الدين بعَرَضٍ من الدنيا، فيُفْتون الناس بتحليل ما حرَّم الله، مثل الاختلاط وغيره من القضايا حتى هان أمر الدين على الناس. والدين وإنْ كان فطرياً في النفس الإنسانية إلا أن الإنسان يميل إلى مَنْ يُخفِّف عنه، وتعجب حين ترى بعض المثقفين وحملة الشهادات يذهبون إلى الدجالين ويصدقونهم، وترى الواحد منهم يُكذِّب نفسه أنه على دين يريحه، ويفعل في ظله ما يريد.

إذن: ما دُمْتم مؤمنين بربوبية خلق وربوبية إمداد وإنعام، فعليكم أن تؤمنوا بما جاء من ربكم، كما نقول في المثل: (اللي يأكل لقمتي يسمع كلمتي)، ومع ذلك ورغم فضل الله ونعمه عليهم قُلْ لهم: لا جبرَ في الإيمان { فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ.. } [الكهف: 29] لأن منفعة الإيمان عائدة عليكم أنتم.

وقد جاء في الحديث القدسي: " إنكم لن تملكوا نفعي فتنفعوني، ولن تملكوا ضُرّي فتضروني، ولو أن أوّلكم وآخركم، وحيكم وميتكم، وشاهدكم وغائبكم اجتمعوا على أتْقَى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في مُلْكي شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم، وحيكم وميتكم، وشاهدكم وغائبكم اجتمعوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً ".

" ولو أن أولكم وآخركم اجتمعوا في صعيد واحد، وسألني كُلٌّ مسألته فأعطيتها له ما نقص ذلك مما عندي إلا كمِغْرز إبرة إذا غمسها أحدكم في بحر، وذلك أَنَّي جواد واجد ماجد، عطائي كلام وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردتُه أنْ أقولَ له كُنْ فيكون ".

إذن: فائدة الإيمان تعود على المؤمن، كما قال تعالى:
{  مَّنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا.. }
[فصلت: 46] لكني أحب لخَلْقي أن يكونوا دائماً على خير مني، فأنا أعطيهم خير الدنيا، وأحب أيضاً أن أعطيهم خير الآخرة.

جاءت هذه الآية بعد قوله تعالى:
{  وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ.. }
[الكهف: 28]

وكان خصوم الإسلام حينما يَرَوْنَ الدعوة تنتشر شيئاً فشيئاً يحاولون إيقافها، لا من جهتهم بالعدوان على مَنْ يؤمن، ولكن من جهته صلى الله عليه وسلم، فأرسلوا إليه وَفْداً، قالوا: يا محمد إنّا بعثنا إليك لنُعْذرَ فيك، لقد أدخلتَ على قومك ما لم يُدخِلْه أحد قبلك، شتمتَ آلهتنا وسفَّهْتَ أحلامنا وسبَبْت ديننا، فإنْ كنت تريد مالاً جمعنا لك المال حتى تصير أغنانا، وإنْ كنت تريد جاهاً سوَّدناكَ علينا، وجعلناك رئيسنا، وإنْ كنت تريد مُلْكاً ملكْناك.

فقال صلى الله عليه وسلم: " والله ما بي ما تقولون، ولكن ربي أرسلني بالحق إليكم، فإنْ أنتم أطعتُم فبها، وإلاَّ فإنَّ الله ناصري عليكم ".

وكانت هذه المحاولة بينهم وبينه صلى الله عليه وسلم لعل الأمر حين يكون سِراً يتساهل فيه رسول الله، فلما لم يجدوا بُغْيتهم قالوا: نتوسل إليك بمَنْ تحب، فربما خجل أنْ يقبلَ منا ونحن خصومه، فلنرسل إليه مَنْ يحبه، فذهبوا إلى عمه أبي طالب، فلما كلَّمه عمه قال قولته المشهورة: " والله، يا عَمِّ لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أتركَ هذا الأمر ما تركته، حتى يُظِهره الله، أو أَهْلِك دونه ".

فلما فشلت هذه المحاولة أيضاً أتَوْهُ من ناحية ثالثة، فقالوا: ننتهي إلى أمر هو وسط بيننا وبينك: دَعْكَ من هؤلاء الفقراء، واصْرِف وجهك عنهم، ولا تربط نفسك بهم، ووجِّه وجهك إلينا، فأنزل الله:
{  وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ.. }
[الكهف: 28]

ثم بيَّن الحق سبحانه وتعالى أن الإسلام أو الدين الذي أًَنزله الله لا يأخذ أحكامه من القوم الذين أُنزِل عليهم؛ لأن رسول الله إنما أُرسِلَ ليضع لهم موازين الحق، ويدعو قومه إليها، فكيف يضعون هم هذه الموازين، فيأمرون رسول الله بأنْ يصرف وجهه عن الفقراء ويتوجّه إليهم؟

لذلك قال: { وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ.. } [الكهف: 29] لأنه بعثني بالحق رسولاً إليكم، وما جئت إلا لهدايتكم، فإنْ كنتم تريدون توجيهي حسْب أهوائكم فقد انقلبتْ المسألة، ودعوتكم لي أن أنصرف عن هؤلاء الذين يدعُون ربهم بالغداة والعشيّ وأتوجه إليكم، فهذا دليل على عدم صِدْق إيمانكم، وأنكم لستم جادِّين في اتباعي؛ لذلك فلا حاجة بي إليكم.

ثم يقول تعالى: { فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ.. } [الكهف: 29] أي: ادخلوا على هذا الأساس: أن كل حَقٍّ ينزل من الله، لا أن آخذ الحق منكم، ثم أردّه إليكم، بل الحق الذي أرسلني الله به إليكم، وعلى هذا مَنْ شاء فليؤمن ومَنْ شاء فليكفر.

والأمر في هذه الآية سبق أنْ أوضحناه فقلنا: إذا وجدنا أمراً بغير مطلوب فلنفهم أن الأمر استُعمِل في غير موضعه، كما يقول الوالد لولده المهمل: العب كما تريد، فهو لا يقصد أمر ولده باللعب بالطبع، بل يريد تهديده وتأنيبه.

وهكذا في: { فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ.. } [الكهف: 29] وإلا لو أخذتَ الآية على إطلاقها لَكانَ مَنْ آمن مطيعاً للأمر: { فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن.. } [الكهف: 29] والعاصي أيضاً مطيع للأمر: { وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ.. } [الكهف: 29] فكلاهما ـ إذن ـ مطيع، فكيف تُعذِّب واحداً دون الآخر؟

فالأمر هنا ليس على حقيقته، وإنما هو للتسوية والتهديد، أي: سواء عليكم آمنتم أم لم تؤمنوا، فأنتم أحرار في هذه المسألة؛ لأن الإيمان حصيلته عائدة إليكم، فالله سبحانه غنيّ عنكم وعن إيمانكم، وكذلك خَلْق الله الذين آمنوا بمحمد هم أيضاً أغنياء عنكم، فاستغناء الله عنكم مَسْحوب على استغناء الرسول، وسوف ينتصر محمد وينتشر دين الله دونكم.

وقد أراد الحق سبحانه أن يصيح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدعوة في مكة ويجهر بها في أُذن صناديد الكفر وعُتَاة الجزيرة العربية الذين لا يخرج أحد عن رأيهم وأمرهم؛ لأن لهم مكانةً وسيادة بين قبائل العرب.

ولحكمة أرادها الحق سبحانه لم يأْتِ نصر الإسلام على يد هؤلاء، ولو جاء النصر على أيديهم لقيل: إنهم أَلِفُوا النصر وألفوا السيادة على العرب، وقد تعصَّبوا لواحد منهم ليسُودوا به الدنيا كلها، فالعصبية لمحمد لم تخلق الإيمان بمحمد، ولكن الإيمان بمحمد خلق العصبية لمحمد.

ثم يقول الحق سبحانه: { إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا.. } [الكهف: 29]

والعذاب هنا لمن اختار الكفر، لكن لماذا تُهوّل الآية وتُفخِّم أمر العذاب؟ لأن الإعلام بالعقاب وتهويله وتفظيعه الإنذار به لا ليقع الناس في موجبات العقاب، بل لينتهوا عن الجريمة، وينأوْا عن أسبابها، إذن: فتفظيع العقاب وتهويله رحمة من الله بالعباد؛ لأن خَوْف العذاب سيمنعهم من الجريمة.ومعنى { أَعْتَدْنَا } أي: أعددنا، فالمسألة منتهية مُسْبقاً، فالجنة والنار مخلوقة فعلاً ومُعدَّة ومُجهّزة، لا أنها ستُعَدُّ في المستقبل، وقد أُعِدَّتْ إعداد قادر حكيم، فأعدَّ الله الجنة لتتسع لكل الخَلْق إنْ آمنوا، وأعدّ النار لتتسع لكل الخلق إنْ كفروا، فإنْ آمن بعض الخلق وكفر البعض، فالذي آمن وَفّر مكانه في النار، والذي كفر وفَّر مكانه في الجنة.

لذلك قال تعالى في هذه المسألة:
{  وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِيۤ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }
[الزخرف: 72]

إذن: فخَلْق الله تعالى للجنة وللنار أمر منضبط تماماً، ولن يحدث فيهما أزمة أو زحام أبداً، بل لكلٍّ مكانه المعدّ المخصّص.

وقوله تعالى: { لِلظَّالِمِينَ.. } [الكهف: 29] والظلم أن تأخذ حقاً وتعطيه للغير، وللظلم أشكال كثيرة، أفظعها وأعظمها الإشراك بالله، لأنك تأخذ حَقَّ الله في العبادة وتعطيه لغيره، وهذا قمة الظلم، ثم يأتي الظلم فيما دون ذلك، فيأخذ كل ظالم من العذاب على قَدْر ظُلْمه، إلا أن يكون مشركاً. فهذا عذابه دائم ومستمر لا ينقطع ولا يفتُر عنه، فإنْ ظلم المؤمن ظلماً دون الشرك فإنه يُعذَّب به، ثم يُدخِله الله الجنة، إنْ لم يتُبْ، وإنْ لم يغفر الله له.

وقوله تعالى: { أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا.. } [الكهف: 29] السرادق، كما نقول الآن: أقاموا السرادق أي: الخيمة. و معنى سرادق: أي محيط بهم، فكأن الله تعالى ضرب سرادقاً على النار يحيط بهم ويحجزهم، بحيث لا تمتد أعينهم إلى مكان خالٍ من النار؛ لأن رؤيته لمكان خَالٍ من النار قد تُوحي إليه بالأمل في الخروج، فالحق سبحانه يريد أنْ يؤيسَهم من الخروج.

ثم يقول تعالى: { وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِي ٱلْوجُوهَ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً } [الكهف: 29]

الاستغاثة: صَرْخة ألم من متألم لمن يدفع عنه ذلك الألم، كما قال في آية أخرى:
{  مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ.. }
[إبراهيم: 22] أي: حين يصرخون من العذاب لا أستطيع أنْ أزيل صراخكم، وأنتم كذلك لا تزيلون صراخي.

فأهل النار حين يستغيثون من ألم العذاب { يُغَاثُواْ } يتبادر إلى الذِّهْن أنهم يُغَاثُون بشيء من رحمة الله، فتأتيهم نفحة من الرحمة أو يُخفّف عنهم العذاب.. لا { يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ.. } [الكهف: 29] أي: فإنْ طلبوا الغَوْث بماء بارد يخفف عنهم ألم النار، فإذا بهم بماء كالمهل.

والمهْل هو عُكَارة الزيت المغلي الذي يسمونه الدُّرْدِيّ، أو هو المذاب من المعادن كالرصاص ونحوه، وهذا يحتاج إلى حرارة أعلى من غَلْي الماء، وهكذا يزدادون حرارة فوق حرارة النار، ويُعذَّبون من حيث ينتظرون الرحمة.

وقوله تعالى هنا: { يُغَاثُواْ } أسلوب تهكميّ؛ لأن القاعدة في الأساليب اللغوية أنْ تخاطب المخاطب على مقتضى حاله، فتهنئه حال فرحه، وتعزيه حال حزنه بكلام موافق لمقتضى الحال، فإنْ أخرجتَ المقتضى عن الحال الذي يطلبه، فهذا ينافي البلاغة إلا إنْ أردتَ التهكُّمَ أو الاستهزاء.إذن: فقوله تعالى: { وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ.. } [الكهف: 29] تهكّم بهم، لأن الكلام فيه خرج عن مقتضى الحال، كما يقول الوالد لولده الذي أخفق في الامتحان: مبارك عليك السقوط.

ومعنى: { يَشْوِي ٱلْوجُوهَ.. } [الكهف: 29] أن الماء من شدة حرارته يشوي وجوههم، قبل أن يدخل أجوافهم: { بِئْسَ ٱلشَّرَابُ.. } [الكهف: 29]أي: الذي يغاثون به { وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً } [الكهف: 29] المرتفق هو الشيء الذي يضع الإنسان عليه مِرْفقه ليجلس مُستريحاً، لكن بالله هل هناك راحة في جهنم؟

إذن: فهذه أيضاً من التهكّم بهم وتبكيتهم، كما قال تعالى مخاطباً جبابرة الدنيا وأعزّتها وأصحاب العظمة فيها مِمَّنْ عَصَوْا الله: { ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ } [الدخان: 49]

والحق سبحانه وتعالى يتكلم في هذه المسألة بأساليب متعددة منها استخدام كلمة (النُّزُل) وهو ما يُعد لإكرام الضيف، كما في قوله تعالى:
{  إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلاً }
[الكهف: 107]

وقوله تعالى:
{  إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِيۤ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ }
[فصلت: 30-32] فالذي أَعَدَّ هذا النُّزُل وهذه الضيافة هو الغفور الرحيم، والذي يُعِد نُزُلاً لضيفه يُعِدّه على قَدْر غِنَاه وبَسْطة كرمه، فما بالك بنُزل أعدّه الله لأحبابه وأوليائه؟

وذيّل الآية بقوله:
{  غَفُورٍ رَّحِيمٍ }
[فصلت: 32] لأنه ما من مؤمن إلا وقد عمل سيئة، أو همَّ بها، وكأن الحق سبحانه يقول: إياك أنْ تذكرَ ما كان منك وأنت في هذا النُّزُل الكريم، فالله غفور لسيئتك، رحيم بك، يقبل توبتك، ويمحو أثر سيئتك.

والحديث عن النُّزل هنا في الجنة، فهي محلُّ الإكرام والضيافة، فإن استخدم في النار فهو للتهكُّم والسخرية من أهلها، كما قال تعالى:
{  وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ }
[الواقعة: 92-93]

فقد استخدم النزل في غير مقتضاه.

بعد أن جاء الأمر الإلهي في قوله تعالى: { فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ.. } [الكهف: 29] أراد سبحانه أنْ يُبيّن حكم كُلٍّ من الاختيارين: الإيمان، والكفر على طريقة اللَّفِّ والنشر، وهو أسلوب معروف في العربية، وهو أن تذكر عدة أشياء، ثم تُورِد أحكامها حَسْب ترتيبها الأول، أو تذكرها مُشوَّشة دون ترتيب.

ومن النوع الأول الذي يأتي فيه اللَّفُّ والنشْر على الترتيب قوله تعالى:
{  وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ.. }
[القصص: 73]

أي: لتسكنوا في الليل، وتبتغوا من فضل الله في النهار.فالترتيب إذا كان الحكم الأول للمحكوم عليه الأول، والحكم الثاني للمحكوم عليه الثاني وهكذا، ومن ذلك قول الشاعر:
قَلْبِي وَجَفْنِي وَاللسان وخالقي   
هذه أربع مُخْبر عنها، فما قصتها وبماذا أخبرنا عنها؟ يقول:
قَلْبِي وَجَفْنِي وَاللسَانُ وخالِقِي   رَاضٍ وباكٍ شَاكِرٌ وغَفُورُ
فتكون على الترتيب: قلبي راضٍ، وجفني باكٍ، ولساني شاكر، وخالقي غفور.

ومرة يأتي اللف والنشر على التشويش ودون ترتيب ثقةً بأن نباهةَ السامع ستردُّ كل شيء إلى أصله كما في الآية التي نحن بصددها، فتلاحظ أن الحق سبحانه بعد أن قال: { فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ.. } [الكهف: 29] فبدأ باختيار الإيمان ثم ذكر الكفر، أما في الحكم على كل منهما فقد ذكر حكم الكفر أولاً: { إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً.. } [الكهف: 29] ثم ذكر بعده حكم المؤمنين:
{  إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً }
[الكهف: 30]

وليكُنْ في الاعتبار أن المتكلم رَبٌّ حكيم، ما من حرف من كلامه إلا وله مغزى، ووراءه حكمة، ذلك أنه تعالى لما تكلّم عن الإيمان جعله اختياراً خاضعاً لمشيئة العبد، لكنه تعالى رجّح أن يكونَ الإيمانُ أولاً وأنْ يسبق الكفر. أما حينما يتكلم عن حكم كل منهما، فقد بدأ بحكم الكفر من باب أنْ " دَرْءَ المفسدة مُقدَّم على جَلْب المنفعة ".

ثم يقول الحق سبحانه: { إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ... }.


www.alro7.net