سورة
اية:

وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ۚ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا ۚ إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَٰكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ

تفسير بن كثير

يقول لقومه: ولا أسألكم على نصحي { مالا} أجرة آخذها منكم، إنما أبتغي الأجر من اللّه عزّ وجلّ، { وما أنا بطارد الذين آمنوا} طلبوا منه أن يطرد المؤمنين احتشاماً أن يجلسوا معهم، كما سأل أمثالهم خاتم الرسل صلى اللّه عليه وسلم أن يطرد عنهم جماعة من الضعفاء ويجلس معهم مجلساً خاصاً، فأنزل اللّه تعالى: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} .

تفسير الجلالين

{ ويا قوم لا أسألكم عليه } على تبليغ الرسالة { مالا } تعطونيه { إن } ما { أجري } ثوابي { إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا } كما أمرتموني { إنهم ملاقو ربهم } بالبعث فيجازيهم ويأخذ لهم ممن ظلمهم وطردهم { ولكني أراكم قوما تجهلون } عاقبة أمركم .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَيَا قَوْم لَا أَسْأَلكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى اللَّه } وَهَذَا أَيْضًا خَبَر مِنْ اللَّه عَنْ قِيل نُوح لِقَوْمِهِ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ : { يَا قَوْم لَا أَسْأَلكُمْ } عَلَى نَصِيحَتِي لَكُمْ وَدِعَايَتكُمْ إِلَى تَوْحِيد اللَّه , وَإِخْلَاص الْعِبَادَة لَهُ مَالًا : أَجْرًا عَلَى ذَلِكَ , فَتَتَّهِمُونِي فِي نَصِيحَتِي , وَتَظُنُّونَ أَنَّ فِعْلِي ذَلِكَ طَلَب عَرَض مِنْ أَعْرَاض الدُّنْيَا . { إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى اللَّه } يَقُول : مَا ثَوَاب نَصِيحَتِي لَكُمْ وَدِعَايَتكُمْ إِلَى مَا أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ , إِلَّا عَلَى اللَّه , فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يُجَازِينِي , وَيُثِيبنِي عَلَيْهِ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَيَا قَوْم لَا أَسْأَلكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى اللَّه } وَهَذَا أَيْضًا خَبَر مِنْ اللَّه عَنْ قِيل نُوح لِقَوْمِهِ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ : { يَا قَوْم لَا أَسْأَلكُمْ } عَلَى نَصِيحَتِي لَكُمْ وَدِعَايَتكُمْ إِلَى تَوْحِيد اللَّه , وَإِخْلَاص الْعِبَادَة لَهُ مَالًا : أَجْرًا عَلَى ذَلِكَ , فَتَتَّهِمُونِي فِي نَصِيحَتِي , وَتَظُنُّونَ أَنَّ فِعْلِي ذَلِكَ طَلَب عَرَض مِنْ أَعْرَاض الدُّنْيَا . { إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى اللَّه } يَقُول : مَا ثَوَاب نَصِيحَتِي لَكُمْ وَدِعَايَتكُمْ إِلَى مَا أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ , إِلَّا عَلَى اللَّه , فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يُجَازِينِي , وَيُثِيبنِي عَلَيْهِ' { وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا } وَمَا أَنَا بِمُقِصٍّ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَأَقَرَّ بِوَحْدَانِيَّتِهِ وَخَلَعَ الْأَوْثَان وَتَبَرَّأَ مِنْهَا بِأَنْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ عِلْيَتكُمْ وَأَشْرَافكُمْ . { إِنَّهُمْ مُلَاقُوا رَبّهمْ } يَقُول : إِنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَسْأَلُونِي طَرْدهمْ صَائِرُونَ إِلَى اللَّه , وَاَللَّه سَائِلهمْ عَمَّا كَانُوا فِي الدُّنْيَا يَعْمَلُونَ , لَا عَنْ شَرَفهمْ وَحَسَبهمْ . وَكَانَ قِيل نُوح ذَلِكَ لِقَوْمِهِ , لِأَنَّ قَوْمه قَالُوا لَهُ , كَمَا : 13989 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَوْله : { وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُوا رَبّهمْ } قَالَ : قَالُوا لَهُ : يَا نُوح إِنْ أَحْبَبْت أَنْ نَتَّبِعك فَاطْرُدْهُمْ , وَإِلَّا فَلَنْ نَرْضَى أَنْ نَكُون نَحْنُ وَهُمْ فِي الْأَمْر سَوَاء ! فَقَالَ : { مَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُوا رَبّهمْ } فَيَسْأَلهُمْ عَنْ أَعْمَالهمْ 13990 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح جَمِيعًا , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى اللَّه } قَالَ : جَزَائِي حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه , عَنْ وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . { وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا } وَمَا أَنَا بِمُقِصٍّ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَأَقَرَّ بِوَحْدَانِيَّتِهِ وَخَلَعَ الْأَوْثَان وَتَبَرَّأَ مِنْهَا بِأَنْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ عِلْيَتكُمْ وَأَشْرَافكُمْ . { إِنَّهُمْ مُلَاقُوا رَبّهمْ } يَقُول : إِنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَسْأَلُونِي طَرْدهمْ صَائِرُونَ إِلَى اللَّه , وَاَللَّه سَائِلهمْ عَمَّا كَانُوا فِي الدُّنْيَا يَعْمَلُونَ , لَا عَنْ شَرَفهمْ وَحَسَبهمْ . وَكَانَ قِيل نُوح ذَلِكَ لِقَوْمِهِ , لِأَنَّ قَوْمه قَالُوا لَهُ , كَمَا : 13989 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَوْله : { وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُوا رَبّهمْ } قَالَ : قَالُوا لَهُ : يَا نُوح إِنْ أَحْبَبْت أَنْ نَتَّبِعك فَاطْرُدْهُمْ , وَإِلَّا فَلَنْ نَرْضَى أَنْ نَكُون نَحْنُ وَهُمْ فِي الْأَمْر سَوَاء ! فَقَالَ : { مَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُوا رَبّهمْ } فَيَسْأَلهُمْ عَنْ أَعْمَالهمْ 13990 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح جَمِيعًا , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى اللَّه } قَالَ : جَزَائِي حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه , عَنْ وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله .' وَقَوْله : { وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ } يَقُول : وَلَكِنِّي أَيّهَا الْقَوْم أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ الْوَاجِب عَلَيْكُمْ مِنْ حَقّ اللَّه وَاللَّازِم لَكُمْ مِنْ فَرَائِضه , وَلِذَلِكَ مِنْ جَهْلكُمْ سَأَلْتُمُونِي أَنْ أَطْرُد الَّذِينَ آمَنُوا بِاَللَّهِ .وَقَوْله : { وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ } يَقُول : وَلَكِنِّي أَيّهَا الْقَوْم أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ الْوَاجِب عَلَيْكُمْ مِنْ حَقّ اللَّه وَاللَّازِم لَكُمْ مِنْ فَرَائِضه , وَلِذَلِكَ مِنْ جَهْلكُمْ سَأَلْتُمُونِي أَنْ أَطْرُد الَّذِينَ آمَنُوا بِاَللَّهِ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى‏ { ‏قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي‏} ‏ أي على يقين؛ قاله أبو عمران الجوني‏.‏ وقيل‏:‏ على معجزة؛ وقد تقدم في ‏ { ‏الأنعام‏} ‏ هذا المعنى‏.‏ { ‏وآتاني رحمة من عنده‏} ‏ أي نبوة ورسالة؛ عن ابن عباس؛ ‏(‏وهي رحمة على الخلق‏)‏‏.‏ وقيل‏:‏ الهداية إلى الله بالبراهين‏.‏ وقيل‏:‏ بالإيمان والإسلام‏.‏ ‏ { فعميت عليكم‏} ‏ أي عميت عليكم الرسالة والهداية فلم تفهموها‏.‏ يقال‏:‏ عميت عن كذا، وعمي علي كذا أي لم أفهمه‏.‏ والمعنى‏:‏ فعميت الرحمة؛ فقيل‏:‏ هو مقلوب؛ لأن الرحمة لا تعمى إنما يعمى عنها؛ فهو كقولك‏:‏ أدخلت في القلنسوة رأسي، ودخل الخف في رجلي‏.‏ وقرأها الأعمش وحمزة والكسائي { ‏فعُمِّيت‏} ‏ بضم العين وتشديد الميم على ما لم يسم فاعله، أي فعماها الله عليكم؛ وكذا في قراءة أبي ‏ { ‏فعماها‏} ‏ ذكرها الماوردي‏.‏ ‏ { ‏أنلزمكموها‏} ‏ قيل‏:‏ شهادة أن لا إله إلا الله‏.‏ وقيل‏:‏ الهاء ترجع إلى الرحمة‏.‏ وقيل‏:‏ إلى البينة؛ أي أنلزمكم قبولها، ونوجبها عليكم‏؟‏ ‏!‏ وهو استفهام بمعنى الإنكار؛ أي لا يمكنني أن أضطركم إلى المعرفة بها؛ وإنما قصد نوح عليه السلام بهذا القول أن يرد عليهم‏.‏ وحكى الكسائي والفراء { ‏أنلزمكموها‏} ‏ بإسكان الميم الأولى تخفيفا؛ وقد أجاز مثل هذا سيبويه، وأنشد‏:‏ فاليوم أشرب غير مستحقب ** إثما من الله ولا واغل وقال النحاس‏:‏ ويجوز على قول يونس [في غير القرآن] أنلزمكمها يجري المضمر مجرى المظهر؛ كما تقول‏:‏ أنلزمكم ذلك‏.‏ { ‏وأنتم لها كارهون‏} ‏ أي لا يصح قبولكم لها مع الكراهة عليها‏.‏ قال قتادة‏:‏ والله لو استطاع نبي الله نوح عليه السلام لألزمها قومه ولكنه لم يملك ذلك‏.‏ قوله تعالى ‏ { ‏ويا قوم لا أسألكم عليه مالا‏} ‏ أي على التبليغ، والدعاء إلى الله، والإيمان به أجرا أي ‏ { ‏مالا‏} ‏ فيثقل عليكم‏.‏ ‏ { ‏إن أجري إلا على الله‏} ‏ أي ثوابي في تبليغ الرسالة‏.‏ ‏ { ‏وما أنا بطارد الذين آمنوا‏} ‏ سألوه أن يطرد الأراذل الذين آمنوا به، كما سألت قريش النبي صلى الله عليه وسلم أن يطرد الموالي والفقراء، حسب ما تقدم في { ‏الأنعام‏} ‏ بيانه؛ فأجابهم بقوله ‏ { ‏وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقو ربهم‏} ‏ يحتمل أن يكون قال هذا على وجه الإعظام لهم بلقاء الله عز وجل، ويحتمل أن يكون قاله على وجه الاختصام؛ أي لو فعلت ذلك لخاصموني عند الله، فيجازيهم على إيمانهم، ويجازي من طردهم‏‏} ‏ولكني أراكم قوما تجهلون‏} ‏ في استرذالكم لهم، وسؤالكم طردهم‏.‏ قوله تعالى ‏ { ‏ويا قوم من ينصرني من الله‏} ‏ قال الفراء‏:‏ أي يمنعني من عذابه‏.‏ ‏ { ‏إن طردتهم‏} ‏ أي لأجل إيمانهم‏.‏ { ‏أفلا تتذكرون‏} ‏ أدغمت التاء في الذال‏.‏ ويجوز حذفها فتقول‏:‏ تَذَكرون‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب‏} ‏ أخبر بتذلُّله وتواضعه لله عز وجل، وأنه لا يدعي ما ليس له من خزائن الله؛ وهي إنعامه على من يشاء من عباده؛ وأنه لا يعلم الغيب؛ لأن الغيب لا يعلمه إلا الله عز وجل‏.‏ { ‏ولا أقول إني ملك‏} ‏ أي لا أقول إن منزلتي عند الناس منزلة الملائكة‏.‏ وقد قالت العلماء‏:‏ الفائدة في الكلام الدلالة على أن الملائكة أفضل من الأنبياء؛ لدوامهم على الطاعة، واتصال عباداتهم إلى يوم القيامة، صلوات الله عليهم أجمعين‏.‏ وقد تقدم هذا المعنى في { ‏البقرة‏} ‏‏.‏ ‏} ‏ولا أقول للذي تزدري أعينكم‏} ‏ أي تستثقل وتحتقر أعينكم؛ والأصل تزدريهم حذفت الهاء والميم لطول الاسم‏.‏ والدال مبدلة من تاء؛ لأن الأصل في تزدري تزتري، ولكن التاء تبدل بعد الزاي دالا؛ لأن الزاي مجهورة والتاء مهموسة، فأبدل من التاء حرف مجهور من مخرجها‏.‏ ويقال‏:‏ أزريت عليه إذا عبته‏.‏ وزريت عليه إذا حقرته‏.‏ وأنشد الفراء‏:‏ يباعده الصديق وتزدريه ** حليلته وينهره الصغير { ‏لن يؤتيهم الله خيرا‏} ‏ أي ليس لاحتقاركم لهم تبطل أجورهم، أو ينقص ثوابهم‏.‏ { ‏الله أعلم بما في أنفسهم‏} ‏ فيجازيهم عليه ويؤاخذهم به‏.‏ { ‏إني إذا لمن الظالمين‏} ‏ أي إن قلت هذا الذي تقدم ذكره‏.‏ و‏ { ‏إذا‏} ‏ ملغاة؛ لأنها متوسطة‏.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة هود الايات 27 - 31

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

ومثل هذا القول بمعناه جاء مع كل رسول، ففي مواضع أخرى يقول الحق سبحانه:


{  قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً }
[الأنعام: 90].

لأن العِوَض في التبادل قد لا يكون مالاً، بل قد يكون تمراً، أو شعيراً أو قطناً أو غير ذلك، والأجر ـ كما نعلم ـ هو أعم من أن يكون مالاً أو غير مال؛ لذلك يقول الحق سبحانه هنا:

{ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ } [هود: 29].

وهكذا نجد أن الحق سبحانه قد أغْلَى الأمر.

وقول الرسول:

{ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ } [هود: 29].

هو قول يدل على أن الأمر الذي جاء به الرسول هو أمر نافع؛ لأن الأجرة لا تستحق إلا مقابل المنفعة.

ونحن نعلم أن مبادلة الشيء بعينه أو ما يساويه؛ تُسمَّى شراء، أما أن يأخذ الإنسان المنفعة من العين، وتظل العين ملكاً لصاحبها، فمن يأخذ هذه المنفعة يدفع عنها إيجاراً، فكان نوحاً عليه السلام يقول: لقد كنت أستحق أجراً لأنني أقدِّم لكم منفعة، لكنني لن آخذ منكم شيئاً، لا زُهْداً في الأجر، ولكني أطمع في الأجر ممن هو أفضل منكم وأعظم وأكبر.

ولأن هذا الملأ الكافر قد وصف من اتبع نوحاً بأنهم أراذل؛ لذلك ياتي الرد من نوح عليه السلام:

{ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ } [هود: 29].

ويوضح هذا الرد أن نوحاً عليه السلام لا يمكن أن يطرد إنساناً من حظيرة الإيمان لأنه فقير، فاليقين الإيماني لا علاقة له بالثروة أو الجاه أو الفقر والحاجة.

ولا يُخْلِي رسولٌ مكاناً من أتباعه الفقراء ليأتي الأغنياء، بل الكلُّ سواسية أمام الله سبحانه وتعالى.

والحق سبحانه يقول:


{  وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ }
[الأنعام: 52].

وقد جعل الحق سبحانه هؤلاء الذين يطلق عليهم كلمة " أراذل " فتنة، فمن تكبَّر بسبب فقر وضعف أتباع الرسل، فليغرق في كِبْره.

لذلك يقول الحق سبحانه:


{  وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِّيَقُولوۤاْ أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّاكِرِينَ }
[الأنعام: 53].

وأيضا يأمر الحق سبحانه رسوله بأن يضع عينه على هؤلاء الضعاف، وألا ينصرف عنهم أو عن أي واحد منهم، فيقول الحق سبحانه:


{  وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ }
[الكهف: 28].

جاء هذا القول حتى لا ينشأ فساد أو عداء بين المؤمنين برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يقال: " فلان مُقَرَّبٌ منه "؛ ولذلك كان صلى الله عليه وسلم إذا جلس؛ يوزع نظره على كل جلسائه، حتى يظن كل جالس أن نظره لا يتحول عنه.وفي هذه الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سحبانه وتعالى على لسان سيدنا نوح ـ عليه السلام ـ وصفاً لهؤلاء الضعاف الذين آمنوا:

{ إِنَّهُمْ مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ } [هود: 29].

وفي هذا بيانٌ أن نوحاً ـ عليه السلام ـ لن يطرد هؤلاء الضعاف المؤمنين، فلو طردهم وهم الذين سيلقون الله تعالى، أيسمح نوح عليه السلام أن يقال عنه أمام الحق ـ تبارك وتعالى ـ إنه قد طرد قوماً آمنوا رسالته؟ طبعاً لا.

ونحن نعلم أن الحق سبحانه يحاسب رسله، والمرسَل إليهم، فهو سبحانه القائل:


{  فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ }
[الأعراف: 6].

إذن: فنوح ـ عليه السلام ـ يعلم أنه مسئول أمام ربه، ولكن هذا الملأ الكافر من قومه يجهلون؛ ولذلك يقول الحق سبحانه في نهاية هذه الآية الكريمة على لسان نوح عليه السلام:

{ وَلَـٰكِنِّيۤ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ } [هود: 29].

أي: أنهم لا يفهمون مهمة نوح عليه السلام، وأنه مسئول أمام ربه.

ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { وَيٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ }


www.alro7.net