سورة
اية:

وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ۖ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ

تفسير بن كثير

المشهور أن هذا الرجل المؤمن كان قبطياً من آل فرعون، قال السدي: كان ابن عم فرعون، واختاره ابن جرير، ورد قول من ذهب إلى أنه كان إسرائيلياً، لأن فرعون انفعل لكلامه واستمعه وكف عن قتل موسى عليه السلام، ولو كان إسرائيلياً لأوشك أن يعاجله بالعقوبة لأنه منهم، قال ابن عباس: لم يؤمن من آل فرعون سوى هذا الرجل وامرأة فرعون، والذي قال: { يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك} ""أخرجه ابن أبي حاتم وابن جرير""، وقد كان هذا الرجل يكتم إيمانه عن قومه القبط، فلم يظهر إلا هذا اليوم حين قال فرعون: { ذروني أقتل موسى} فأخذت الرجل غضبة للّه عزَّ وجلَّ، وأفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر، كما ثبت بذلك الحديث، ولا أعظم من هذه الكلمة عند فرعون، وهي قوله: { أتقتلون رجلاً أن يقول ربي اللّه} ، اللهم إلا ما رواه البخاري في صحيحه عن عروة بن الزبير رضي اللّه تعالى عنهما قال، قلت لعبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي اللّه عنهما: أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ قال: بينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولوى ثوبه في عنقه، فخنقه خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر رضي اللّه عنه، فأخذ بمنكبه، ودفعه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ثم قال: { أتقتلون رجلاً أن يقول ربي اللّه وقد جاءكم بالبينات من ربكم} "أخرجه البخاري في صحيحه" وروى ابن أبي حاتم عن عمرو بن العاص رضي اللّه عنه أن سئل: ما أشد ما رأيت قريشاً بلغوا من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم؟ قال: مَرَّ صلى اللّه عليه وسلم ذات يوم، فقالوا له: أنت تنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا؟ فقال: (أنا ذاك) فقاموا إليه، فأخذوا بمجامع ثيابه، فرأيت أبا بكر عند محتضنه من ورائه، وهو يصيح بأعلى صوته، وإن عينيه ليسيلان وهو يقول: يا قوم { أتقتلون رجلاً أن يقول ربي اللّه وقد جاءكم بالبينات من ربكم} حتى فرغ من الآية كلها "أخرجه ابن أبي حاتم والنسائي" وقوله تعالى: { وقد جاءكم بالبينات من ربكم} أي كيف تقتلونه وقد أقام لكم البرهان على صدق ما جاءكم به من الحق؟ ثم تنزل معهم في المخاطبة فقال: { وإن يك كاذباً فعليه كذبه وإن يك صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم} ، يعني إذا لم يظهر لكم صحة ما جاءكم به، فمن العقل والرأي أن تتركوه ونفسه فلا تؤذوه، فإن يك كاذباً فإن اللّه سبحانه سيجازيه على كذبه، وإن يك صادقاً وقد آذيتموه يصبكم بعض الذي يعدكم، فإنه يتوعدكم إن خالفتموه بعذاب في الدنيا والآخرة، فينبغي أن لا تتعرضوا له بل اتركوه وشأنه. وقوله جلَّ وعلا: { إن اللّه لا يهدي من هو مسرف كذاب} أي لو كان هذا كاذباً كما تزعمون، لكان أمره بيناً يظهر لكل أحد في أقواله وأفعاله، وهذا نرى أمره سديداً ومنهجه مستقيماً، ولو كان من المسرفين الكذابين، لما هداه اللّه وأرشده إلى ما ترون من انتظام أمره وفعله، ثم قال المؤمن محذراً قومه زوال نعمة اللّه عنهم وحلول نقمة اللّه بهم: { يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض} أي قد أنعم اللّه عليكم بهذا الملك، والظهور في الأرض بالكلمة النافذة والجاه العريض، فراعوا هذه النعمة بشكر اللّه تعالى وتصديق رسوله صلى اللّه عليه وسلم، واحذورا نقمة اللّه إن كذبتم رسوله { فمن ينصرنا من بأس اللّه إن جاءنا} أي لا تغني عنكم هذه الجنود وهذه العساكر ولا ترد عنا شيئاً من بأس اللّه إن أرادنا بسوء، { قال فرعون} لقومه راداً على ما أشار به هذا الرجل الصالح البار الراشد { ما أريكم إلا ما أرى} أي ما أقول لكم وأشير عليكم إلا ما أراه لنفسي، وقد كذب فرعون فإنه كان يتحقق صدق موسى عليه السلام فيما جاء به من الرسالة، { قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر} وقال اللّه تعالى: { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً} ، فقوله: { ما أريكم إلا ما أرى} كذب فيه وافترى وخان رعيته فغشهم وما نصحهم، وكذا قوله: { وما أهديكم إلا سبيل الرشاد} أي وما أدعوكم إلا إلى طريق الحق والصدق والرشد، وقد كذب أيضاً في ذلك وإن كان قومه قد أطاعوه واتبعوه، قال اللّه تبارك وتعالى: { فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد} وقال جلّت عظمته: { وأضل فرعون قومه وما هدى} . وفي الحديث: (ما من إمام يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام).

تفسير الجلالين

{ وقال رجل مؤمن من آل فرعون } قيل: هو ابن عمه { يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن } أي لأن { يقول ربيَ الله وقد جاءَكم بالبينات } بالمعجزات الظاهرات { من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه } أي ضرر كذبه { وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم } به من العذاب عاجلا { إن الله لا يهدي من هو مسرف } مشرك { كذاب } مفتر .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { وَقَالَ رَجُل مُؤْمِن مِنْ آل فِرْعَوْن يَكْتُم إِيمَانه } اِخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي هَذَا الرَّجُل الْمُؤْمِن , فَقَالَ بَعْضهمْ : كَانَ مِنْ قَوْم فِرْعَوْن , غَيْر أَنَّهُ كَانَ قَدْ آمَنَ بِمُوسَى , وَكَانَ يُسِرّ إِيمَانه مِنْ فِرْعَوْن وَقَوْمه خَوْفًا عَلَى نَفْسه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23382 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ { وَقَالَ رَجُل مُؤْمِن مِنْ آل فِرْعَوْن } قَالَ : هُوَ اِبْن عَمّ فِرْعَوْن . وَيُقَال : هُوَ الَّذِي نَجَا مَعَ مُوسَى , فَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْل , وَتَأَوَّلَ هَذَا التَّأْوِيل , كَانَ صَوَابًا الْوَقْف إِذَا أَرَادَ الْقَارِئ الْوَقْف عَلَى قَوْله : { مِنْ آل فِرْعَوْن } , لِأَنَّ ذَلِكَ خَبَر مَتْنَاهُ قَدْ تَمَّ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ كَانَ الرَّجُل إِسْرَائِيلِيًّا , وَلَكِنَّهُ كَانَ يَكْتُم إِيمَانه مِنْ آل فِرْعَوْن. وَالصَّوَاب عَلَى هَذَا الْقَوْل لِمَنْ أَرَادَ الْوَقْف أَنْ يَجْعَل وَقْفه عَلَى قَوْله : { يَكْتُم إِيمَانه } لِأَنَّ قَوْله : { مِنْ آل فِرْعَوْن } صِلَة لِقَوْلِهِ : { يَكْتُم إِيمَانه } فَتَمَامه قَوْله : يَكْتُم إِيمَانه , وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ اِسْم هَذَا الرَّجُل الْمُؤْمِن مِنْ آل فِرْعَوْن : جِبْرِيل , كَذَلِكَ : 23383 -حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق. وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدِي الْقَوْل الَّذِي قَالَهُ السُّدِّيّ مِنْ أَنَّ الرَّجُل الْمُؤْمِن كَانَ مِنْ آل فِرْعَوْن , قَدْ أَصْغَى لِكَلَامِهِ , وَاسْتَمَعَ مِنْهُ مَا قَالَهُ , وَتَوَقَّفَ عَنْ قَتْل مُوسَى عِنْد نَهْيه عَنْ قَتْله . وَقِيله مَا قَالَهُ . وَقَالَ لَهُ : مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى , وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيل الرَّشَاد , وَلَوْ كَانَ إِسْرَائِيلِيًّا لَكَانَ حَرِيًّا أَنْ يُعَاجِل هَذَا الْقَاتِل لَهُ , وَلِمَلَئِهِ مَا قَالَ بِالْعُقُوبَةِ عَلَى قَوْله , لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَسْتَنْصِح بَنِي إِسْرَائِيل , لِاعْتِدَادِهِ إِيَّاهُمْ أَعْدَاء لَهُ , فَكَيْفَ بِقَوْلِهِ عَنْ قَتْل مُوسَى لَوْ وَجَدَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ؟ وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ مِنْ مَلَأ قَوْمه , اِسْتَمَعَ قَوْله , وَكَفَّ عَمَّا كَانَ هَمَّ بِهِ فِي مُوسَى .وَقَوْله : { وَقَالَ رَجُل مُؤْمِن مِنْ آل فِرْعَوْن يَكْتُم إِيمَانه } اِخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي هَذَا الرَّجُل الْمُؤْمِن , فَقَالَ بَعْضهمْ : كَانَ مِنْ قَوْم فِرْعَوْن , غَيْر أَنَّهُ كَانَ قَدْ آمَنَ بِمُوسَى , وَكَانَ يُسِرّ إِيمَانه مِنْ فِرْعَوْن وَقَوْمه خَوْفًا عَلَى نَفْسه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23382 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ { وَقَالَ رَجُل مُؤْمِن مِنْ آل فِرْعَوْن } قَالَ : هُوَ اِبْن عَمّ فِرْعَوْن . وَيُقَال : هُوَ الَّذِي نَجَا مَعَ مُوسَى , فَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْل , وَتَأَوَّلَ هَذَا التَّأْوِيل , كَانَ صَوَابًا الْوَقْف إِذَا أَرَادَ الْقَارِئ الْوَقْف عَلَى قَوْله : { مِنْ آل فِرْعَوْن } , لِأَنَّ ذَلِكَ خَبَر مَتْنَاهُ قَدْ تَمَّ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ كَانَ الرَّجُل إِسْرَائِيلِيًّا , وَلَكِنَّهُ كَانَ يَكْتُم إِيمَانه مِنْ آل فِرْعَوْن. وَالصَّوَاب عَلَى هَذَا الْقَوْل لِمَنْ أَرَادَ الْوَقْف أَنْ يَجْعَل وَقْفه عَلَى قَوْله : { يَكْتُم إِيمَانه } لِأَنَّ قَوْله : { مِنْ آل فِرْعَوْن } صِلَة لِقَوْلِهِ : { يَكْتُم إِيمَانه } فَتَمَامه قَوْله : يَكْتُم إِيمَانه , وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ اِسْم هَذَا الرَّجُل الْمُؤْمِن مِنْ آل فِرْعَوْن : جِبْرِيل , كَذَلِكَ : 23383 -حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق. وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدِي الْقَوْل الَّذِي قَالَهُ السُّدِّيّ مِنْ أَنَّ الرَّجُل الْمُؤْمِن كَانَ مِنْ آل فِرْعَوْن , قَدْ أَصْغَى لِكَلَامِهِ , وَاسْتَمَعَ مِنْهُ مَا قَالَهُ , وَتَوَقَّفَ عَنْ قَتْل مُوسَى عِنْد نَهْيه عَنْ قَتْله . وَقِيله مَا قَالَهُ . وَقَالَ لَهُ : مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى , وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيل الرَّشَاد , وَلَوْ كَانَ إِسْرَائِيلِيًّا لَكَانَ حَرِيًّا أَنْ يُعَاجِل هَذَا الْقَاتِل لَهُ , وَلِمَلَئِهِ مَا قَالَ بِالْعُقُوبَةِ عَلَى قَوْله , لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَسْتَنْصِح بَنِي إِسْرَائِيل , لِاعْتِدَادِهِ إِيَّاهُمْ أَعْدَاء لَهُ , فَكَيْفَ بِقَوْلِهِ عَنْ قَتْل مُوسَى لَوْ وَجَدَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ؟ وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ مِنْ مَلَأ قَوْمه , اِسْتَمَعَ قَوْله , وَكَفَّ عَمَّا كَانَ هَمَّ بِهِ فِي مُوسَى .' وَقَوْله : { أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُول رَبِّيَ اللَّه } يَقُول : أَتَقْتُلُونَ أَيّهَا الْقَوْم مُوسَى لِأَنْ يَقُول رَبِّيَ اللَّه ؟ فَإِنَّ فِي مَوْضِع نَصْب لِمَا وَصَفْت . { وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ } يَقُول : وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْآيَاتِ الْوَاضِحَات عَلَى حَقِيقَة مَا يَقُول مِنْ ذَلِكَ . وَتِلْكَ الْبَيِّنَات مِنْ الْآيَات يَده وَعَصَاهُ , كَمَا : 23384 -حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ . ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق { وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبّكُمْ } بِعَصَاهُ وَبِيَدِهِ. وَقَوْله : { أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُول رَبِّيَ اللَّه } يَقُول : أَتَقْتُلُونَ أَيّهَا الْقَوْم مُوسَى لِأَنْ يَقُول رَبِّيَ اللَّه ؟ فَإِنَّ فِي مَوْضِع نَصْب لِمَا وَصَفْت . { وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ } يَقُول : وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْآيَاتِ الْوَاضِحَات عَلَى حَقِيقَة مَا يَقُول مِنْ ذَلِكَ . وَتِلْكَ الْبَيِّنَات مِنْ الْآيَات يَده وَعَصَاهُ , كَمَا : 23384 -حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ . ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق { وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبّكُمْ } بِعَصَاهُ وَبِيَدِهِ. ' وَقَوْله : { وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبه } يَقُول : وَإِنْ يَكُ مُوسَى كَاذِبًا فِي قِيله : إِنَّ اللَّه أَرْسَلَهُ إِلَيْك يَأْمُركُمْ بِعِبَادَتِهِ , وَتَرْك دِينكُمْ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ , فَإِنَّمَا إِثْم كَذِبه عَلَيْهِ دُونكُمْ { وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْض الَّذِي يَعِدكُمْ } يَقُول : وَإِنْ يَكُ صَادِقًا فِي قِيله ذَلِكَ , أَصَابَكُمْ الَّذِي وَعَدَكُمْ مِنْ الْعُقُوبَة عَلَى مَقَامكُمْ عَلَى الدِّين الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ , فَلَا حَاجَة بِكُمْ إِلَى قَتْله , فَتَزِيدُوا رَبّكُمْ بِذَلِكَ إِلَى سُخْطه عَلَيْكُمْ بِكُفْرِكُمْ سُخْطًا { إِنَّ اللَّه لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِف كَذَّاب } يَقُول : إِنَّ اللَّه لَا يُوَفِّق لِلْحَقِّ مَنْ هُوَ مُتَعَدٍّ إِلَى فِعْل مَا لَيْسَ لَهُ فِعْله , كَذَّاب عَلَيْهِ يَكْذِب , وَيَقُول عَلَيْهِ الْبَاطِل وَغَيْر الْحَقّ . وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى الْإِسْرَاف الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُؤْمِن فِي هَذَا الْمَوْضِع , فَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى بِهِ الشِّرْك , وَأَرَادَ : إِنَّ اللَّه لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُشْرِك بِهِ مُفْتَرٍ عَلَيْهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23385 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ . ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { إِنَّ اللَّه لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِف كَذَّاب } : مُشْرِك أَسْرَفَ عَلَى نَفْسه بِالشِّرْكِ . وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِهِ مَنْ هُوَ قَتَّال سَفَّاك لِلدِّمَاءِ بِغَيْرِ حَقّ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23386 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ { إِنَّ اللَّه لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِف كَذَّاب } قَالَ : الْمُسْرِف : هُوَ صَاحِب الدَّم , وَيُقَال : هُمْ الْمُشْرِكُونَ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه أَخْبَرَ عَنْ هَذَا الْمُؤْمِن أَنَّهُ عَمَّ بِقَوْلِهِ : { إِنَّ اللَّه لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِف كَذَّاب } وَالشِّرْك مِنْ الْإِسْرَاف , وَسَفْك الدَّم بِغَيْرِ حَقّ مِنْ الْإِسْرَاف , وَقَدْ كَانَ مُجْتَمِعًا فِي فِرْعَوْن الْأَمْرَانِ كِلَاهُمَا , فَالْحَقّ أَنْ يَعُمّ ذَلِكَ كَمَا أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ قَائِله , أَنَّهُ عَمَّ الْقَوْل بِذَلِكَ .وَقَوْله : { وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبه } يَقُول : وَإِنْ يَكُ مُوسَى كَاذِبًا فِي قِيله : إِنَّ اللَّه أَرْسَلَهُ إِلَيْك يَأْمُركُمْ بِعِبَادَتِهِ , وَتَرْك دِينكُمْ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ , فَإِنَّمَا إِثْم كَذِبه عَلَيْهِ دُونكُمْ { وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْض الَّذِي يَعِدكُمْ } يَقُول : وَإِنْ يَكُ صَادِقًا فِي قِيله ذَلِكَ , أَصَابَكُمْ الَّذِي وَعَدَكُمْ مِنْ الْعُقُوبَة عَلَى مَقَامكُمْ عَلَى الدِّين الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ , فَلَا حَاجَة بِكُمْ إِلَى قَتْله , فَتَزِيدُوا رَبّكُمْ بِذَلِكَ إِلَى سُخْطه عَلَيْكُمْ بِكُفْرِكُمْ سُخْطًا { إِنَّ اللَّه لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِف كَذَّاب } يَقُول : إِنَّ اللَّه لَا يُوَفِّق لِلْحَقِّ مَنْ هُوَ مُتَعَدٍّ إِلَى فِعْل مَا لَيْسَ لَهُ فِعْله , كَذَّاب عَلَيْهِ يَكْذِب , وَيَقُول عَلَيْهِ الْبَاطِل وَغَيْر الْحَقّ . وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى الْإِسْرَاف الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُؤْمِن فِي هَذَا الْمَوْضِع , فَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى بِهِ الشِّرْك , وَأَرَادَ : إِنَّ اللَّه لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُشْرِك بِهِ مُفْتَرٍ عَلَيْهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23385 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ . ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { إِنَّ اللَّه لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِف كَذَّاب } : مُشْرِك أَسْرَفَ عَلَى نَفْسه بِالشِّرْكِ . وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِهِ مَنْ هُوَ قَتَّال سَفَّاك لِلدِّمَاءِ بِغَيْرِ حَقّ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23386 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ { إِنَّ اللَّه لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِف كَذَّاب } قَالَ : الْمُسْرِف : هُوَ صَاحِب الدَّم , وَيُقَال : هُمْ الْمُشْرِكُونَ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه أَخْبَرَ عَنْ هَذَا الْمُؤْمِن أَنَّهُ عَمَّ بِقَوْلِهِ : { إِنَّ اللَّه لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِف كَذَّاب } وَالشِّرْك مِنْ الْإِسْرَاف , وَسَفْك الدَّم بِغَيْرِ حَقّ مِنْ الْإِسْرَاف , وَقَدْ كَانَ مُجْتَمِعًا فِي فِرْعَوْن الْأَمْرَانِ كِلَاهُمَا , فَالْحَقّ أَنْ يَعُمّ ذَلِكَ كَمَا أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ قَائِله , أَنَّهُ عَمَّ الْقَوْل بِذَلِكَ .'

تفسير القرطبي

فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { وقال رجل مؤمن من آل فرعون} ذكر بعض المفسرين : أن اسم هذا الرجل حبيب. وقيل : شمعان بالشين المعجمة. قال السهيلي : وهو أصح ما قيل فيه. وفي تاريخ الطبري رحمه الله : اسمه خبرك. وقيل : حزقيل : ذكره الثعلبي عن ابن عباس وأكثر العلماء. الزمخشري : واسمه سمعان أو حبيب. وقيل : خربيل أو حزبيل. واختلف هل كان إسرائيليا أو قبطيا فقال الحسن وغيره : كان قبطيا. ويقال : إنه كان ابن عم فرعون؛ قاله السدي. قال : وهو الذي نجا مع موسى عليه السلام؛ ولهذا قال: { من آل فرعون} وهذا الرجل هو المراد بقوله تعالى: { وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى} [القصص : 20] الآية. وهذا قول مقاتل. وقال ابن عباس : لم يكن من آل فرعون مؤمن غيره وغير امرأة فرعون وغير المؤمن الذي أنذر موسى فقال: { إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك} [القصص : 20]. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (الصديقون حبيب النجار مؤمن آل يس ومؤمن آل فرعون الذي قال أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله والثالث أبو بكر الصديق وهو أفضلهم) وفي هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم أي لا تعجب من مشركي قومك. وكان هذا الرجل له وجاهة عند فرعون؛ فلهذا لم يتعرض له بسوء. وقيل : كان هذا الرجل من بني إسرائيل يكتم إيمانه من آل فرعون؛ عن السدي أيضا. ففي الكلام على هذا تقديم وتأخير، والتقدير : وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون. فمن جعل الرجل قبطيا فـ { من} عنده متعلقة بمحذوف صفة الرجل؛ التقدير؛ وقال رجل مؤمن منسوب من آل فرعون؛ أي من أهله وأقاربه. ومن جعله إسرائيليا فـ { من} متعلقة بـ { يكتم} في موضع المفعول الثاني لـ { يكتم} . القشيري : ومن جعله إسرائيليا ففيه بعد؛ لأنه يقال كتمه أمر كذا ولا يقال كتم منه. قال الله تعالى: { ولا يكتمون الله حديثا} [النساء : 42] وأيضا ما كان فرعون يحتمل من بني إسرائيل مثل هذا القول. الثانية: قوله تعالى: { أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله} أي لأن يقول ومن أجل { أن يقول ربي الله} فـ { أن} في موضع نصب بنزع الخافض. { وقد جاءكم بالبينات من ربكم} يعني الآيات التسع { من ربكم وإن يكن كاذبا فعليه كذبه} ولم يكن ذلك لشك منه في رسالته، صدقه، ولكن تلطفا في الاستكفاف واستنزالا عن الأذى. ولوكان و { إن يكن} بالنون جاز ولكن حذفت النون لكثرة الاستعمال على قول سيبويه؛ ولأنها نون الإعراب على قول أبي العباس. { وإن يكن صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم} أي إن لم يصبكم إلا بعض الذي يعدكم به هلكتم. ومذهب أبي عبيدة أن معنى { بعض الذي يعدكم} كل الذي يعدكم وأنشد قول لبيد : تراك أمكنة إذا لم أرضها ** أو يرتبط بعض النفوس حمامها فبعض بمعنى كل؛ لأن البعض إذا أصابهم أصابهم الكل لا محالة لدخوله في الوعيد، وهذا ترقيق الكلام في الوعظ. وذكر الماوردي : أن البعض قد يستعمل في موضع الكل تلطفا في الخطاب وتوسعا في الكلام؛ كما قال الشاعر : قد يدرك المتأني بعض حاجته وقد ** يكون مع المستعجل الزلل وقيل أيضا : قال ذلك لأنه حذرهم أنواعا من العذاب كل نوع منها مهلك؛ فكأنه حذرهم أن يصيبهم بعض تلك الأنواع. وقيل : وعدهم موسى بعذاب الدنيا أو بعذاب الآخرة إن كفروا؛ فالمعنى يصبكم أحد العذابين. وقيل : أي يصبكم هذا العذاب الذي يقوله في الدنيا وهو بعض الوعيد، ثم يترادف العذاب في الآخرة أيضا. وقيل : وعدهم العذاب إن كفروا والثواب إن آمنوا، فإذا كفروا يصيبهم بعض ما وعدوا. { إن الله لا يهدي من هو مسرف} على نفسه. وقيل: { مسرف} في عناده { كذاب} على ربه إشارة إلى موسى ويكون هذا من قول المؤمن. وقيل: { كذاب} في ادعائه إشارة إلى فرعون ويكون هذا من قول الله تعالى. الثالثة: قوله تعالى: { يكتم إيمانه} قال القاضي أبو بكر بن العربي : ظن بعضهم أن المكلف إذا كتم إيمانه ولم يتلفظ به بلسانه لا يكون مؤمنا باعتقاده، وقد قال مالك : إن الرجل إذا نوى بقلبه طلاق زوجته أنه يلزمه، كما يكون مؤمنا بقلبه وكافرا بقلبه. فجعل مدار الإيمان على القلب وأنه كذلك، لكن ليس على الإطلاق وقد بيناه في أصول الفقه؛ بما لبابه أن المكلف إذ نوى الكفر بقلبه كان كافرا وإن لم يتلفظ بلسانه، وأما إذا نوى الإيمان بقلبه فلا يكون مؤمنا بحال حتى يتلفظ بلسانه، ولا تمنعه التقية والخوف من أن يتلفظ بلسانه فيما بينه وبين الله تعالى، إنما تمنعه التقية من أن يسمعه غيره، وليس من شرط الإيمان أن يسمعه الغير في صحته من التكليف، وإنما يشترط سماع الغير له ليكف عن نفسه وماله. الرابعة: ""روى البخاري ومسلم عن عروة بن الزبير ""قال : قلت لعبدالله بن عمرو بن العاص : أخبرني بأشد ما صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بفناء الكعبة، إذا أقبل عقبة بن أبي معيط، فأخذ بمنكبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولوى ثوبه في عنقه فخنقه به خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: { أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم} لفظ البخاري. خرجه الترمذي الحكيم في نوادر الأصول من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن علي رضي الله عنه قال : اجتمعت قريش بعد وفاة أبي طالب بثلاث فأرادوا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل هذا يجؤه وهذا يتلتله، فاستغاث النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ فلم يغثه أحد إلا أبو بكر وله ضفيرتان، فأقبل يجأ ذا ويتلتل ذا ويقول بأعلى صوته : ويلكم { أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله} والله إنه لرسول الله؛ فقطعت إحدى ضفيرتي أبي بكر يومئذ. فقال علي : والله ليوم أبي بكر خير من مؤمن آل فرعون؛ إن ذلك رجل كتم إيمانه، فأثنى الله عليه في كتابه، وهذا أبو بكر أظهر إيمانه وبذل مال ودمه لله عز وجل. قلت : قول علي رضي الله عنه إن ذلك رجل كتم إيمانه يريد في أول أمره بخلاف الصديق فإنه أظهر إيمانه ولم يكتمه؛ وإلا فالقرآن مصرح بأن مؤمن آل فرعون أظهر إيمانه لما أرادوا قتل موسى عليه السلام على ما يأتي بيانه. في نوادر الأصول أيضا عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالوا لها : ما أشد شيء رأيت المشركين بلغوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت : كان المشركون قعودا في المسجد، ويتذاكرون رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يقول في آلهتهم، فبينا هم كذلك إذ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقاموا إليه بأجمعهم وكانوا إذا سألوه عن شيء صدقهم، فقالوا : ألست تقول كذا في آلهتنا قال : (بلى) فتشبثوا فيه بأجمعهم فأتى الصريخ إلى أبي بكر فقال له : أدرك صاحبك. فخرج من عندنا وإن له غدائر، فدخل المسجد وهو يقول : ويلكم { أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم} فلهوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبلوا على أبي بكر، فرجع إلينا أبو بكر فجعل لا يمس شيئا من غدائره إلا جاء معه، وهو يقول : تباركت يا ذا الجلال والإكرام؛ إكرام إكرام.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة غافر الايات 23 - 35

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

لما جاء موسى عليه السلام إلى ربه عز وجل فقال:
{  إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي.. }
[غافر: 27] استجاب الله وأعاذه، لا برسول ولا ملك ولا بأحد من أتباعه المؤمنين، إنما برجل مؤمن من آل فرعون كان يكتم إيماناً خوفاً من بطش فرعون قام مدافعاً عن موسى، وهذا أوضح في الحجة وأبلغ.

لكن لماذا { يَكْتُمُ إِيمَانَهُ.. } [غافر: 28] ما دام مؤمناً؟ قالوا: كانوا يغفلون إيمانهم ويسترونه لأنه ليس لديهم القوة التي يَدْفعون بها الطغيان، فالإيمان في النفس حتى يجد الفرصة فيظهر ويجاهر، وها هو يظهر على لسان هذا الرجل المؤمن الذي يعلن أمام فرعون وجبروته أنه مؤمن، ويدعو بدعوة هي أشبه بدعوة الرسل، ويخبر بمنهج كأنه رسول.

وكلمة { يَكْتُمُ إِيمَانَهُ.. } [غافر: 28] لها في الإسلام ملحظ وتاريخ، ومعنى كَتْم الإيمان أن الإيمان يحاول أن يبرز في تصرفات الرجل لكنه يكتم إيمانه، فهو حريص على أنْ يجعل إيمانه سراً بينه وبين ربه فقط ليستطيع أن يقول كلمة الحق ويجهر بها أمام القوم وهو غير مؤمن حتى لا يَؤْذَى.

إذن: فالإيمان عمل وجداني له نضج على جميع جوارح النفس الإنسانية، فالمؤمن تجده متواضعاً منكسراً يستجيب للحق ويخضع له، المؤمن عطوف كريم حليم رحيم، تلحظ إيمانه من تصرفاته، ولكنه يحاول أن يكتم هذا حتى يقف الموقف الذي يمكنه من الجهر بالإسلام جهراً قوياً عنيفاً.

لذلك يقولون: إن الإيمان عملية قلبية وهو سِرٌّ بين العبد وربه، ثم له أمر ظاهري بين المؤمن والناس، وقد يلتحم الأمران السر والجهر بينه وبين ربه، وبينه وبين الناس، فقد يكون مؤمناً بينه وبين الله أما بينه وبين الناس فهو مؤمن أو غير مؤمن، لأن العملية الإيمانية يُبدي فيها فوق ما يظهر إيمانه، والرسول صلى الله عليه وسلم شرع هذا، كيف؟

قالوا: في غزوة الأحزاب حين اجتمعتْ قريش وغطفان واليهود، حيث استدرج اليهود كلاً من قريش وغطفان ليحاربوا معهم محمداً ليثأروا منه صلى الله عليه وسلم بعد مسألة بني قينقاع لما أذاهم رسول الله.

فلما ذهب حيي ومعه سلام بن مشكم إلى مكة ليستثيروا قريشاً وغطفان على رسول الله، قال لهم: يجب أن نقف جميعاً يداً واحدة في مواجهة محمد، لأننا إنْ تركناه سيستذلنا ويستذلكم، فلا بُدَّ أنْ تنجدونا بقوتكم، لكن قريشاً يعلمون أن اليهود أهلُ كتاب، فقالوا لهم: نريد أنْ نسألكم أولاً: أمحمد على حق أم نحن؟

وهم يعلمون موقف اليهود من قبل رسول الله، وأنهم كانوا يستفتحون به على الذين كفروا، ويقولون: سيأتي نبيّ أطلَّ زمانه سنتبعه ونقتلكم به قَتْل عاد وإرم. المهم أنهم قالوا لهم: إنكم على حق ومحمد على باطل. وفعلاً اتحدوا في محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه الحرب التي قال الله فيها عن المؤمنين:
{  وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ.. }
[البقرة: 214].

وسُميت هذه الغزوة غزوة الأحزاب أو الخندق، ويأتي جند من جنود الله
{  وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ.. }
[المدثر: 31] " ويذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول له: يا رسول الله لقد أُشرب قلبي الإيمان ولا يعلم أحدٌ بإيماني وأنا أشهد أنك رسول الله، واسم هذا الرجل نُعيم بن مسعود الأشجعي فقال له رسول الله: " أنت رجل واحد وما غناؤك لي، لكن اكتم إيمانك وخِّل عنا " ".

هذه أول مسألة في قضية كتم الإيمان، إذن: فَكتْم الإيمان جائز وله مهمة. فقال الرجل: لكن يا رسول الله سأضطر لأنْ أقول غير الحقيقة - أكذب يعني - قال: (افعل ما تحب).

فما كان من نُعيم بن مسعود إلا أن ذهب إلى قريش وغطفان وقال لهم: أنتم تعلمون وُدِّي لكم ومحبتي إياكم وقد جئتكم بنصيحة لأبرئ ذمتي من الوفاء لكم. إن اليهود ندموا على معاداة محمد وهم يريدون أنْ يتراجعوا ولن يتراجعوا إلا بشيء تكون لهم يد يطمئنون إلى معاهدة محمد.

فإذا أردتم أنْ تناجزوا محمداً مع هؤلاء وتضمنوا عدم خيانتهم فسوف يطلبون منكم سبعين رجلاً رهينة من قريش وغطفان مخافةَ أنكم إذا اشتدتْ الحرب وحميَتْ تتركوهم وترجعوا إلى بلادكم ويظلُّون هم في مواجهة محمد ويكونون هم أعداءه.

ثم ذهب إلى اليهود فقال لهم: أنتم تعلمون مودتي لكم ومحبتي إياكم، وإن هؤلاء القوم يعني قريشاً وغطفان ليسوا من بلدكم ولهم مكانتهم في بلادهم، ولهم أموالهم وأهلوهم، فإنِ استشعروا شيئاً فرُّوا وتركوكم في مواجهة محمد، فلتأخذوا منهم سبعين رجلاً رهينة حتى تضمنوهم.

فلما جاء أبو سفيان وقال: لقد طال بنا الموقف وتعب الخُفّ والحافر وطالت المدة، فيا معشر يهود هيا لننجز مهمتنا، قالوا: هذا يوم السبت ولا نقاتل فيه، ونحن لا نقاتل الرجل إلا أن نضمن أنكم معنا إلى نهاية المعركة فأعطونا سبعين رجلاً منكم رَهْناً.

عندها علم أبو سفيان أن كلام نعيم صحيح، فقال: ليس لنا أن نعود إلى بلادنا، ثم قال: يا قوم لينظر كل واحد منكم مَنْ عن يمينه ومَنْ عن شماله لأننا سنقول كلاماً مهماً.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أرسل إليهم سيدنا حذيفة، فكان بين صفوفهم فبادر مَنْ عن يمينه وسأله: مَنْ أنت؟ ومنْ عن شماله وسأله: مَنْ أنت؟ وكانت فطنةً ولباقة منه حتى لا يسأله أحد ولا ينكشف أمره.

بعد ذلك قال أبو سفيان: لم يَعُدْ أمامنا إلا الرحيب حتى لا نقع في مخالب اليهود فهيا، وضرب راحلته فقامت وهي معقولة فانقطع العقال.

الشاهد هنا أن نعيم بن مسعود كتم إيمانه عن القوم ليتمكن من القول الذي قاله، وإنْ كان غير الواقع، وهو لم يفعل ذلك إلا بعد أن استأذن فيه رسول الله، وهذا دليلٌ على أن كتم الإيمان جائز وأنه له مُهمة.كذلك سيدنا العباس رضي الله عنه لا شكَّ أنه كان قد آمن برسول الله، لأنه ساعة أخذ العهد لرسول الله وكان لم يعلن إسلامه بعد، ذهب وقال: هذا محمد في مَنَعة من قومه، فإنْ شئتم أنْ تأخذوه فعاهدوه على كذا وعلى كذا وإلا فاتركوه، فكيف يأخذ العهد لرسول الله وهو ما يزال على دين قريش؟

إذن: لابدَّ أنه كان يكتم إيمانه حتى لا تجرؤ قريش على إيذاء رسول الله الإيذاء البالغ إكراماً لعمه العباس. فهذه مهمة كتم الإيمان، لذلك يقول تعالى:
{  مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ }
[النحل: 106].

" وفي غزوة خيبر كان في اليهود رجل اسمه الحجاج بن علاط السُّلَمي جاء في هذه الغزوة وذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، لقد شرح الله صدري للإسلام وأشهد ألا إله إلا الله وأنك رسول الله، وأنا ذاهبٌ الآن إلى مكة لأموال لي هناك وأمانات أستردها؟ وسوف يسألونني فاسمح لي أنْ أقول قال له (قُلْ ما تشاء).

وذهب الحجاج إلى قريش فقالوا: لابدَّ أن عند هذا الخبر، وسألوه: هل ذهب القاطع إلى خيبر؟ يقصدون رسول الله لأنهم كانوا يتهمونه بقطع الأهل والعشيرة بعد بعثته صلى الله عليه وسلم فقال: نعم وهُزِم هناك هزيمة منكرة وقُتِل أصحابه، وسيأخذه اليهود أسيراً ويأتون به إليكم ليصنعوا معكم يداً تظل عليكم لهم طوال العمر، وقد جئتكم لآخذ أموالي التي عند الناس حتى أذهب إلى السَّبْي قبل أن تُباع فأشتري منه، فأخذوا يساعدونه في جمع أمواله ويُيسِّرون له مهمته.

بلغتْ هذه المقالة العباس فذهب إليه وقال له: يا حجاج ماذا تقول؟ قال: هو ما سمعت، قال: أو حَقٌّ ذلك؟ قال: أفتكتُم عليَّ؟ قال: والذي نفسي بيده أكتم عليك، قال: أمهلني حتى يخلو موضعي من الناس، فجلس مُدة ثم ذهب إليه فقال: والله الخبر الذي بلغك عني لم يحدث منه شيء، بل تركتُ محمداً منتصراً في خيبر وعروساً على صفية بنت حيي بن أخطب، ولكني احتلتُ لآخذ أموالي من هؤلاء، فاكتُمْ أمري واستر عليَّ ثلاثة أيام حتى أُعجز القوم وأفرّ ثم أشِع ذلك ما شئتَ.

وبعد ثلاثة أيام تطيَّب العباس بالطِّيب وأمسك عصاه ثم طاف بالبيت فلقيه واحد منهم وقال: والله لهذا هو التجلُّد يا أبا الفضل. يقصد بذلك المصيبة التي وقعت لابن أخيه، فقال العباس للرجل: والذي حلفتَ به ما هو تجلّد ولكنه حقيقة الأمر، لأن صاحبكم أخبركم بخلاف الواقع وابن أخي انتصر على أعدائه وهو عروسٌ على بنت حُيي بن أخطب في خيبر، قال: أو يكون ذلك؟ قال: هكذا، قال: أفلتنا الخبيث فأوْلَى له ".

نقول: كتم هؤلاء إيمانهم ليتمكنوا من نُصْرة الدين وليكونوا جنداً من جنوده، وللإسلام جنديات مختلفة: جندية العلانية، وجندية الكتمان، وجندية التجسس على الأعداء.

بعض المفسرين قال: { يَكْتُمُ إِيمَانَهُ } [غافر: 28] أي: من آل فرعون، وهذا غير صحيح بدليل أنه سيقول ويخبر بهذا الإيمان ويُفصله كأنه رسول، ولو كان الكتمان من آل فرعون لَقَال: يكتم إيمانه آل فرعون لأن الفعل (كتم) يتعدى بنفسه إلى مفعولين، كما في قوله تعالى:
{  وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً }
[النساء: 42].

لكن ماذا قال الرجل المؤمن؟

قال: { أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ } [غافر: 28] تأمل جرأة الحق من هذا المؤمن، فهو يجهر بهذا الاستفهام الإنكاري { أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً } [غافر: 28] يجهر به أمام فرعون. { أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ } [غافر: 28] أي: بسبب قوله ربي الله فلا جريرةَ له غير هذا، يقولها الرجل المؤمن علانية أمام فرعون، وما أدراك ما فرعون، إنه الوحيد الذي ادعى الألوهية وقال لقومه
{  مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي }
[القصص: 38] فلا شكَّ أن كلمة الرجل المؤمن تغيظه وتهدم أركان ألوهيته المدَّعاة.

وقوله: { وَقَدْ جَآءَكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ } [غافر: 28] أي: بالآيات الواضحات فكيف يُقتل؟ ولنفرض أنه كذاب فلا يضيركم كذبه، لأنه كذب على الله وسوف يتحمل عاقبة هذا الكذب { وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمْ } [غافر: 28] يعني: وإنْ كان صادقاً لم تُحرموا خيره وأصابكم بعض هذا الخير. إذن: لماذا تقتلونه؟ فالاحتياط ألاَّ يقتل.

لكن، هل معنى ذلك أن نترك كلَّ ملحد يقول ما يحلو له ويخوض في أمور الدين ولا نمنعه اعتماداً على { وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ } [غافر: 28] قالوا: لا بل يجب أنْ نُقدِّر هنا جملة: امنعوه أن يقول لكن لا تقتلوه. كثيراً ما نسمع عن الزنادقة الذين يخوضون في دين الله الآن، فماذا نفعل. أنتركهم ونقول: عليهم كذبهم؟

لا إنما يجب أنْ نتصدَّى لهم ونمنعهم من هذا الهراء، ونأخذ على أيديهم حتى لا يُحدثوا ما يضر بدين الله. كذلك قال الرجل المؤمن من آل فرعون يدافع عن سيدنا موسى عليه السلام كأنه يريد أن يستبقي حجة الحق لعله توجَد آذان فيما بعد تنصره.

ثم يقرر الحق سبحانه هذه الحقيقة: { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ } [غافر: 28] هذا الكلام يُعَد تعريضاً وطَعْناً في فرعون، فالحق سبحانه لا يترك أحداً يكذب عليه دون أنْ يفضح كذبه، لماذا؟ لأن سَتْر هذا الكذب يُعتبر تدليساً في منهج السماء، وحاشا لله تعالى ذلك، لذلك نرى كلَّما ادَّعى أحدٌ النبوةَ افتُضِح أمره وعلم الناس كذبه، لأنه لا يصح أنْ يدَّعي كذابٌ النبوة، ولا يظهر الله للناس كذبه، وهذا مُتضمِّنٌ في قوله تعالى وفي وعده:
{  إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا }
[غافر: 51].

وفي قوله:
{  وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ }
[الصافات: 173].


www.alro7.net