سورة
اية:

وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى لعبده ورسوله محمد صلى اللّه عليه وسلم تسليماً { وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً} أي إلى جميع الخلائق من المكلفين كقوله تبارك وتعالى: { قل يا أيها الناس إني رسول اللّه إليكم جميعاً} ، { بشيراً ونذيراً} أي تبشر من أطاعك بالجنة، وتنذر من عصاك بالنار، { ولكن أكثر الناس لا يعلمون} ، كقوله عزَّ وجلَّ: { وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} ، { وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل اللّه} ، قال محمد بن كعب: يعني إلى الناس عامة، وقال قتادة: أرسل اللّه تعالى محمداً صلى اللّه عليه وسلم إلى العرب والعجم، فأكرمهم على اللّه تبارك وتعالى أطوعهم للّه عزَّ وجلَّ، وقال ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: سمعت ابن عباس رضي اللّه عنهما يقول: إن اللّه تعالى فضل محمداً صلى اللّه عليه وسلم على أهل السماء وعلى الأنبياء، قالوا: يا ابن عباس فيم فضله على الأنبياء؟ قال رضي اللّه عنه إن اللّه تعالى قال: { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم} وقال للنبي صلى اللّه عليه وسلم { وما أرسلناك إلا كافة للناس} فأرسله اللّه تعالى إلى الجن والإنس، وهذا كما ثبت في الصحيحين، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة) ""أخرجاه في الصحيحين عن جابر بن عبد اللّه موقوفاً""، وفي الصحيح أيضاً أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (بعثت إلى الأسود والأحمر) قال مجاهد: يعني الجن والإنس، وقال غيره يعني العرب والعجم، والكل صحيح، ثم قال اللّه عزَّ وجلَّ مخبراً عن الكفار في استبعادهم قيام الساعة: { ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} وهذه الآية، كقوله عزَّ وجلَّ: { يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها} الآية، ثم قال تعالى: { قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون} أي لكم ميعاد مؤجل، لا يزاد ولا ينقص، فإذا جاء فلا يؤخر ساعة ولا يقدم، كما قال تعالى: { إن أجل اللّه إذا جاء لا يؤخر} ، وقال عزَّ وجلَّ: { وما نؤخره إلا لأجل معدود . يوم يأتي لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد} .

تفسير الجلالين

{ وما أرسلناك إلا كافة } حال من الناس قدم للاهتمام { للناس بشيرا} مبشرا للمؤمنين بالجنة { ونذيرا} منذرا للكافرين بالعذاب { ولكن أكثر الناس } أي كفار مكة { لا يعلمون } ذلك.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاس لَا يَعْلَمُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَا أَرْسَلْنَاك يَا مُحَمَّد إِلَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ مِنْ قَوْمك خَاصَّة , وَلَكِنَّا أَرْسَلْنَاك كَافَّة لِلنَّاسِ أَجْمَعِينَ , الْعَرَب مِنْهُمْ وَالْعَجَم , وَالْأَحْمَر وَالْأَسْوَد , بَشِيرًا مَنْ أَطَاعَك , وَنَذِيرًا مَنْ كَذَّبَك , { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاس لَا يَعْلَمُونَ } أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَك كَذَلِكَ إِلَى جَمِيع الْبَشَر . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22052 حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا كَافَّة لِلنَّاسِ } قَالَ : أَرْسَلَ اللَّه مُحَمَّدًا إِلَى الْعَرَب وَالْعَجَم , فَأَكْرَمَهُمْ عَلَى اللَّه أَطْوَعهمْ لَهُ . ذَكَرَ لَنَا نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " أَنَا سَابِق الْعَرَب , وَصُهَيْب سَابِق الرُّوم , وَبِلَال سَابِق الْحَبَشَة , وَسَلْمَان سَابِق فَارِس " . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاس لَا يَعْلَمُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَا أَرْسَلْنَاك يَا مُحَمَّد إِلَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ مِنْ قَوْمك خَاصَّة , وَلَكِنَّا أَرْسَلْنَاك كَافَّة لِلنَّاسِ أَجْمَعِينَ , الْعَرَب مِنْهُمْ وَالْعَجَم , وَالْأَحْمَر وَالْأَسْوَد , بَشِيرًا مَنْ أَطَاعَك , وَنَذِيرًا مَنْ كَذَّبَك , { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاس لَا يَعْلَمُونَ } أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَك كَذَلِكَ إِلَى جَمِيع الْبَشَر . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22052 حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا كَافَّة لِلنَّاسِ } قَالَ : أَرْسَلَ اللَّه مُحَمَّدًا إِلَى الْعَرَب وَالْعَجَم , فَأَكْرَمَهُمْ عَلَى اللَّه أَطْوَعهمْ لَهُ . ذَكَرَ لَنَا نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " أَنَا سَابِق الْعَرَب , وَصُهَيْب سَابِق الرُّوم , وَبِلَال سَابِق الْحَبَشَة , وَسَلْمَان سَابِق فَارِس " .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { وما أرسلناك إلا كافة للناس} أي وما أرسلناك إلا للناس كافة أي عامة؛ في الكلام تقديم وتأخير. وقال الزجاج : أي وما أرسلنا إلا جامعا للناس بالإنذار والإبلاغ. والكافة بمعنى الجامع. وقيل : معناه كافا للناس، تكفهم عما هم فيه من الكفر وتدعوهم إلى الإسلام. والهاء للمبالغة. وقيل : أي إلا ذا كافة، فحذف المضاف، أي ذا منع للناس من أن يشذوا عن تبليغك، أو ذا منع لهم من الكفر، ومنه : كف الثوب، لأنه ضم طرفيه. { بشيرا} أي بالجنة لمن أطاع. { ونذيرا} من النار لمن كفر. { ولكن أكثر الناس لا يعلمون} لا يعلمون ما عند الله وهم المشركون؛ وكانوا في ذلك الوقت أكثر من المؤمنين عددا. { ويقولون متى هذا الوعد} يعني موعدكم لنا بقيام الساعة. { إن كنتم صادقين} فقال تعالى: { قل} أي قل لهم يا محمد { لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون} فلا يغرنكم تأخيره. والميعاد الميقات. ويعني بهذا الميعاد وقت البعث وقيل وقت حضور الموت؛ أي لكم قبل يوم القيامة وقت معين تموتون فيه فتعلمون حقيقة قولي. وقيل : أراد بهذا اليوم يوم بدر؛ لأن ذلك اليوم كان ميعاد عذابهم في الدنيا في حكم الله تعالى. وأجاز النحويون "ميعاد يوم" على أن "ميعاد" ابتداء و"يوم" بدل منه، والخبر "لكم". وأجازوا "ميعاد يوما" يكون ظرفا، وتكون الهاء في "عنه" ترجع إلى "يوم" ولا يصح "ميعاد يومَ لا تستأخرون" بغير تنوين، وإضافة "يوم" إلى ما بعده إذا قدرت الهاء عائدة على اليوم، لأن ذلك يكون من إضافة الشيء إلى نفسه من أجل الهاء التي في الجملة. ويجوز ذلك على أن تكون الهاء للميعاد لا لليوم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة سبأ الايات 27 - 33

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

معنى { أَرْسَلْنَاكَ.. } [سبأ: 28] أي: جعلناك رسولاً { إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ.. } [سبأ: 28] كلمة كافة تبين منزلة الرسول الخاتم، فقبل بعثة سيدنا رسول الله كان الرسول يُبعث لقوم مخصوصين، كما قال سبحانه وتعالى:
{  وَرَسُولاً إِلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ.. }
[آل عمران: 49].

ذلك، لأن البشر لما تكاثروا كما قال سبحانه:
{  وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً.. }
[النساء: 1] تفرَّقوا في أنحاء الأرض هنا وهناك، والعالم لا يزال في طفولة فطرته، ليس فيه ارتقاءات للقاء بين هذه الجماعات، فكانت جماعات منعزلة، لا اتصال بينها، ولكل بيئة منها داءاتها: فهؤلاء يُطفِّفون الكيل والميزان، وهؤلاء يعبدون الأصنام... إلخ فيأتي الرسول إلى قوم مخصوصين ليعالج داءهم لا علاقة له بغيرهم.

أما سيدنا رسول الله، فكان هو الرسول الخاتم المبعوث للناس كافّة؛ لأن الله تعالى عَلِم أزلاً أنه سيأتي على التقاء مع الدنيا كلها، وعلى اتصال بين الجماعات التي كانت مُتفرِّقة، وها نحن الآن نعيش عالم القرية الواحدة، وما يحدث في أقصى بلاد الدنيا نسمعه ونراه في وقته، وما دام العالم التقت مجتمعاته وقاراته، فالداءات واحدة؛ لذلك جاء رسول واحد ليعالج كل الداءات في كل المجتمعات، هذا معنى: { وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ.. } [سبأ: 28].

ومعنى أنه صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل أنه مشهود له، وليس شاهداً لغيره، فقد أخذ الله تعالى العهد على الرسل، أنه إذا جاء محمد يشهدون له فشهدوا له جميعاً، أما هو صلى الله عليه وسلم فلم يشهد لأحد؛ لأنه لم يأْتِ بعده رسول.

قال العلماء في كلمة { كَآفَّةً.. } [سبأ: 28] يعني: للناس جميعاً، ففي موضع آخر يقول تعالى:
{  قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً.. }
[الأعراف: 158].

يعني: لم تَعُدْ هناك خصوصية، لا زمانية ولا مكانية. وحين نتأمل كلمة { كَآفَّةً.. } [سبأ: 28] نجد لها مناسبة في واقع لغتنا، استقر على ألسنة العامة: نشاهد الخياط مثلاً حين يخيط ثوباً يُعمِل المقصَّ في القماش، فيقطعه إلى لُحمة وسُدة، لكن تخرج خيوط الثوب من خلال أطرافه كما نقول القماش (بينسِّل) فيجمع الخياط هذه الأطراف بعضها إلى بعض، بحيث تكون أطراف القماش إلى الداخل، وهذه العملية نسميها (كفكفة) القماش، أو نسميها الآن (السَّرفلة).

ومن ذلك كلمة (كَافَّة) يعني: جَمْع شتات الناس في كل زمان ومكان، بحيث لا يخرج منهم جنس ولا جماعة، ولا يشذّ عن منهجه أحد.

وعندنا في الفلاحين نبات ينمو على حوافِّ القنوات اسمه النجيل، وهو غير الحشيش المعروف، والنجيل لا يرتفع عن سطح الأرض، وتتشابك عيدانه وجذوره بحيث يمنع هذه الحوافّ أن تنهار، أو يسقط منها الردم فيسدّ القناة، فكأن النجيل أدى مهمة هي كفّ الردم ومنعه أنْ ينهار يعني: كفّ جنساً أن يشرد عن مهمته.وكلمة { كَآفَّةً.. } [سبأ: 28] من كفّ الشيء يكُفُّه، فهو كافٌّ، وزيدت تاء التأنيث للمبالغة، كما في عالم وعلاَّم وعلاَّمة، لذلك يقول ربنا عن نفسه سبحانه:
{  عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ }
[التوبة: 78] فإنْ قُلْتَ: لماذا لم يَقُلْ علاَّمة؟ نقول: لأن علْم الله تعالى لا يترقى بلاغة وقِلَّة.

فمعنى { وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ.. } [سبأ: 28] يعني: تكفُّهم وتمنعهم عن كل شر يفسد الصلاح في الأرض، وهذه هي مهمة المنهج الذي جاء به سيدنا رسول الله؛ لذلك قال سبحانه:
{  وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا.. }
[الأعراف: 56].

إذن: كلمة { كَآفَّةً.. } [سبأ: 28] إما وَصْف للناس بمعنى جميعاً، وإما وَصْف لرسول الله بمعنى كافٌّ للناس عن الشر، والتاء للمبالغة.

ومعنى { بَشِيراً وَنَذِيراً.. } [سبأ: 28] من البشارة، وهي أنْ تخبر بخير لم يَأْتِ أوانه بعد، ويقابلها النذارة، وهي أن تخبر بشرٍّ لم يأْتِ أوانه بعد، فمَيْزة البشارة أنها نخبرك بالخير القادم لك لتأخذ بأسبابه وتُقبل عليه وتجتهد في سبيله، وأنت مشتاق إليه، كذلك النذارة تحذرك من الخطر المقبل لتنصرف عن أسبابه وتدفعه عنك.

ومثال ذلك: المعلم الذي يبشِّر التلميذ المجتهد بالنجاح والتفوق، وينذر المهمل بالفشل والرسوب، لماذا؟ لأنه يريد من المجتهد أنْ يزيد في اجتهاده، ومن الكسول المهمل أنْ يترك الكسل والإهمال ليتفوَّق هو الآخر.

وقوله: { وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } [سبأ: 28] أي: لا يعلمون أنك الرسول الخاتم، أو الرسول الذي جاء ليمنع الشر عن البشرية كلها ويصلح حركتها. وما دام أكثر الناس لا يعلمون، فمعنى ذلك أن القلة هي التي تعلم، وهذه القلة العالمة هي خميرة الخير في الوجود؛ لذلك نرى الناس مهما بالغوا في الإلحاد، وفي الخروج عن منهج الحق لا بُدَّ أن تخرج من بينهم هذه القلة التي تتمسك بالحق وتسعى إليه وتنادي به، فهي موجودة في كل زمان ومكان وإنْ قلَّتْ.

لذلك يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة ".

إذن: لا بُدَّ أنْ تبقى فينا هذه القلة كنماذج وخليّات للخير، ولاستبقائه بين الناس مهما أظلمتْ الدنيا من حولهم.

ثم يقول الحق سبحانه:

{ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ... }.


www.alro7.net