سورة
اية:

قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عما رد به نوح على قومه في ذلك: { أرأيتم إن كنت على بينة من ربي} أي على يقين وأمر جلي ونبوة صادقة وهي الرحمة العظيمة من اللّه به وبهم، { فعميت عليكم} أي خفيت عليكم فلم تهتدوا إليها ولا عرفتم قدرها بل بادرتم إلى تكذيبها وردها { أنلزمكموها} أي نغصبكم بقبولها وأنتم لها كارهون.

تفسير الجلالين

{ قال يا قوم أرأيتم } أخبروني { إن كنت على بينة } بيان { من ربي وآتاني رحمة } نبوة { من عنده فَعَميتْ } خفيت { عليكم } وفي قراءة بتشديد الميم والبناء للمفعول { أنُلزمُكُموها } أنجبركم على قبولها { وأنتم لها كارهون } لا نقدر على ذلك .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ يَا قَوْم أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْت عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّي } يَقُول تَعَالَى ذِكْره مُخْبِرًا عَنْ قِيل نُوح لِقَوْمِهِ إِذْ كَذَّبُوهُ وَرَدُّوا عَلَيْهِ مَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه مِنْ النَّصِيحَة : { يَا قَوْم أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْت عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّي } عَلَى عِلْم وَمَعْرِفَة وَبَيَان مِنْ اللَّه لِي مَا يَلْزَمنِي لَهُ , وَيَجِب عَلَيَّ مِنْ إِخْلَاص الْعِبَادَة لَهُ وَتَرْك إِشْرَاك الْأَوْثَان مَعَهُ فِيهَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ يَا قَوْم أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْت عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّي } يَقُول تَعَالَى ذِكْره مُخْبِرًا عَنْ قِيل نُوح لِقَوْمِهِ إِذْ كَذَّبُوهُ وَرَدُّوا عَلَيْهِ مَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه مِنْ النَّصِيحَة : { يَا قَوْم أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْت عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّي } عَلَى عِلْم وَمَعْرِفَة وَبَيَان مِنْ اللَّه لِي مَا يَلْزَمنِي لَهُ , وَيَجِب عَلَيَّ مِنْ إِخْلَاص الْعِبَادَة لَهُ وَتَرْك إِشْرَاك الْأَوْثَان مَعَهُ فِيهَا .' { وَآتَانِي رَحْمَة مِنْ عِنْده } يَقُول : وَرَزَقَنِي مِنْهُ التَّوْفِيق وَالنُّبُوَّة وَالْحِكْمَة , فَآمَنْت بِهِ وَأَطَعْته فِيمَا أَمَرَنِي وَنَهَانِي . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْمَدِينَة وَبَعْض أَهْل الْبَصْرَة وَالْكُوفَة : " فَعَمِيَتْ " بِفَتْحِ الْعَيْن وَتَخْفِيف الْمِيم , بِمَعْنَى : فَعُمِّيَتْ الرَّحْمَة عَلَيْكُمْ فَلَمْ تَهْتَدُوا لَهَا فَتُقِرُّوا بِهَا وَتُصَدِّقُوا رَسُولكُمْ عَلَيْهَا . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفِيِّينَ : { فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ } بِضَمِّ الْعَيْن وَتَشْدِيد الْمِيم , اِعْتِبَارًا مِنْهُمْ ذَلِكَ بِقِرَاءَةِ عَبْد اللَّه , وَذَلِكَ أَنَّهُمَا فِيمَا ذُكِرَ فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه : " فَعَمَّاهَا عَلَيْكُمْ " . وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَهُ : { فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ } بِضَمِّ الْعَيْن وَتَشْدِيد الْمِيم لِلَّذِي ذَكَرُوا مِنْ الْعِلَّة لِمَنْ قَرَأَ بِهِ , وَلِقُرْبِهِ مِنْ قَوْله : { أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْت عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَة مِنْ عِنْده } فَأَضَافَ الرَّحْمَة إِلَى اللَّه , فَكَذَلِكَ تَعْمِيَته عَلَى الْآخَرِينَ بِالْإِضَافَةِ إِلَيْهِ أَوْلَى . وَهَذِهِ الْكَلِمَة مِمَّا حَوَّلَتْ الْعَرَب الْفِعْل عَنْ مَوْضِعه , وَذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَان هُوَ الَّذِي يَعْمَى عَنْ إِبْصَار الْحَقّ , إِذْ يَعْمَى عَنْ إِبْصَاره , وَالْحَقّ لَا يُوصَف بِالْعَمَى إِلَّا عَلَى الِاسْتِعْمَال الَّذِي قَدْ جَرَى بِهِ الْكَلَام , وَهُوَ فِي جَوَازه لِاسْتِعْمَالِ الْعَرَب إِيَّاهُ نَظِير قَوْلهمْ : دَخَلَ الْخَاتَم فِي يَدِي , وَالْخُفّ فِي رِجْلِي , وَمَعْلُوم أَنَّ الرِّجْل هِيَ الَّتِي تَدْخُل فِي الْخُفّ , وَالْأُصْبُع فِي الْخَاتَم , وَلَكِنَّهُمْ اِسْتَعْمَلُوا ذَلِكَ كَذَلِكَ لَمَّا كَانَ مَعْلُومًا الْمُرَاد فِيهِ . { وَآتَانِي رَحْمَة مِنْ عِنْده } يَقُول : وَرَزَقَنِي مِنْهُ التَّوْفِيق وَالنُّبُوَّة وَالْحِكْمَة , فَآمَنْت بِهِ وَأَطَعْته فِيمَا أَمَرَنِي وَنَهَانِي . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْمَدِينَة وَبَعْض أَهْل الْبَصْرَة وَالْكُوفَة : " فَعَمِيَتْ " بِفَتْحِ الْعَيْن وَتَخْفِيف الْمِيم , بِمَعْنَى : فَعُمِّيَتْ الرَّحْمَة عَلَيْكُمْ فَلَمْ تَهْتَدُوا لَهَا فَتُقِرُّوا بِهَا وَتُصَدِّقُوا رَسُولكُمْ عَلَيْهَا . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفِيِّينَ : { فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ } بِضَمِّ الْعَيْن وَتَشْدِيد الْمِيم , اِعْتِبَارًا مِنْهُمْ ذَلِكَ بِقِرَاءَةِ عَبْد اللَّه , وَذَلِكَ أَنَّهُمَا فِيمَا ذُكِرَ فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه : " فَعَمَّاهَا عَلَيْكُمْ " . وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَهُ : { فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ } بِضَمِّ الْعَيْن وَتَشْدِيد الْمِيم لِلَّذِي ذَكَرُوا مِنْ الْعِلَّة لِمَنْ قَرَأَ بِهِ , وَلِقُرْبِهِ مِنْ قَوْله : { أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْت عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَة مِنْ عِنْده } فَأَضَافَ الرَّحْمَة إِلَى اللَّه , فَكَذَلِكَ تَعْمِيَته عَلَى الْآخَرِينَ بِالْإِضَافَةِ إِلَيْهِ أَوْلَى . وَهَذِهِ الْكَلِمَة مِمَّا حَوَّلَتْ الْعَرَب الْفِعْل عَنْ مَوْضِعه , وَذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَان هُوَ الَّذِي يَعْمَى عَنْ إِبْصَار الْحَقّ , إِذْ يَعْمَى عَنْ إِبْصَاره , وَالْحَقّ لَا يُوصَف بِالْعَمَى إِلَّا عَلَى الِاسْتِعْمَال الَّذِي قَدْ جَرَى بِهِ الْكَلَام , وَهُوَ فِي جَوَازه لِاسْتِعْمَالِ الْعَرَب إِيَّاهُ نَظِير قَوْلهمْ : دَخَلَ الْخَاتَم فِي يَدِي , وَالْخُفّ فِي رِجْلِي , وَمَعْلُوم أَنَّ الرِّجْل هِيَ الَّتِي تَدْخُل فِي الْخُفّ , وَالْأُصْبُع فِي الْخَاتَم , وَلَكِنَّهُمْ اِسْتَعْمَلُوا ذَلِكَ كَذَلِكَ لَمَّا كَانَ مَعْلُومًا الْمُرَاد فِيهِ .' وَقَوْله : { أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ } يَقُول : أَنَأْخُذُكُمْ بِالدُّخُولِ فِي الْإِسْلَام وَقَدْ عَمَّاهُ اللَّه عَلَيْكُمْ , { لَهَا كَارِهُونَ } يَقُول : وَأَنْتُمْ لإلزامِنَاكُمُوها كَارِهُونَ , يَقُول : لَا نَفْعَل ذَلِكَ , وَلَكِنْ نَكِل أَمْركُمْ إِلَى اللَّه حَتَّى يَكُون هُوَ الَّذِي يَقْضِي فِي أَمْركُمْ مَا يَرَى وَيَشَاء . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13985 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ نُوح : { يَا قَوْم إِنْ كُنْت عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّي } قَالَ : قَدْ عَرَفْتهَا وَعَرَفْت بِهَا أَمْره وَأَنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ , { وَآتَانِي رَحْمَة مِنْ عِنْده } الْإِسْلَام وَالْهُدَى وَالْإِيمَان وَالْحُكْم وَالنُّبُوَّة 13986 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْت عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّي } الْآيَة , أَمَا وَاَللَّه لَوْ اِسْتَطَاعَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَأَلْزَمَهَا قَوْمه , وَلَكِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ ذَلِكَ وَلَمْ يَمْلِكهُ 13987 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ دَاوُد , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة , قَالَ : فِي قِرَاءَة أَبِي : " أَنُلْزِمُكُمُوهَا مِنْ شَطْر أَنْفُسنَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ " 13988 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر , عَنْ اِبْن عُيَيْنَة , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَمْرو بْن دِينَار قَالَ : قَرَأَ اِبْن عَبَّاس : " أَنُلْزِمُكُمُوهَا مِنْ شَطْر أَنْفُسنَا " قَالَ عَبْد اللَّه : مِنْ شَطْر أَنْفُسنَا : مِنْ تِلْقَاء أَنْفُسنَا حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثَنَا اِبْن عُيَيْنَة , عَنْ عَمْرو بْن دِينَار , عَنْ اِبْن عَبَّاس مِثْله . حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ دَاوُد بْن أَبِي هِنْد , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة , عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب : أَنُلْزِمُكُمُوهَا مِنْ شَطْر قُلُوبنَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ وَقَوْله : { أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ } يَقُول : أَنَأْخُذُكُمْ بِالدُّخُولِ فِي الْإِسْلَام وَقَدْ عَمَّاهُ اللَّه عَلَيْكُمْ , { لَهَا كَارِهُونَ } يَقُول : وَأَنْتُمْ لإلزامِنَاكُمُوها كَارِهُونَ , يَقُول : لَا نَفْعَل ذَلِكَ , وَلَكِنْ نَكِل أَمْركُمْ إِلَى اللَّه حَتَّى يَكُون هُوَ الَّذِي يَقْضِي فِي أَمْركُمْ مَا يَرَى وَيَشَاء . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13985 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ نُوح : { يَا قَوْم إِنْ كُنْت عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّي } قَالَ : قَدْ عَرَفْتهَا وَعَرَفْت بِهَا أَمْره وَأَنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ , { وَآتَانِي رَحْمَة مِنْ عِنْده } الْإِسْلَام وَالْهُدَى وَالْإِيمَان وَالْحُكْم وَالنُّبُوَّة 13986 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْت عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّي } الْآيَة , أَمَا وَاَللَّه لَوْ اِسْتَطَاعَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَأَلْزَمَهَا قَوْمه , وَلَكِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ ذَلِكَ وَلَمْ يَمْلِكهُ 13987 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ دَاوُد , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة , قَالَ : فِي قِرَاءَة أَبِي : " أَنُلْزِمُكُمُوهَا مِنْ شَطْر أَنْفُسنَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ " 13988 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر , عَنْ اِبْن عُيَيْنَة , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَمْرو بْن دِينَار قَالَ : قَرَأَ اِبْن عَبَّاس : " أَنُلْزِمُكُمُوهَا مِنْ شَطْر أَنْفُسنَا " قَالَ عَبْد اللَّه : مِنْ شَطْر أَنْفُسنَا : مِنْ تِلْقَاء أَنْفُسنَا حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثَنَا اِبْن عُيَيْنَة , عَنْ عَمْرو بْن دِينَار , عَنْ اِبْن عَبَّاس مِثْله . حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ دَاوُد بْن أَبِي هِنْد , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة , عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب : أَنُلْزِمُكُمُوهَا مِنْ شَطْر قُلُوبنَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ '

تفسير القرطبي

قوله تعالى‏ { ‏قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي‏} ‏ أي على يقين؛ قاله أبو عمران الجوني‏.‏ وقيل‏:‏ على معجزة؛ وقد تقدم في ‏ { ‏الأنعام‏} ‏ هذا المعنى‏.‏ { ‏وآتاني رحمة من عنده‏} ‏ أي نبوة ورسالة؛ عن ابن عباس؛ ‏(‏وهي رحمة على الخلق‏)‏‏.‏ وقيل‏:‏ الهداية إلى الله بالبراهين‏.‏ وقيل‏:‏ بالإيمان والإسلام‏.‏ ‏ { فعميت عليكم‏} ‏ أي عميت عليكم الرسالة والهداية فلم تفهموها‏.‏ يقال‏:‏ عميت عن كذا، وعمي علي كذا أي لم أفهمه‏.‏ والمعنى‏:‏ فعميت الرحمة؛ فقيل‏:‏ هو مقلوب؛ لأن الرحمة لا تعمى إنما يعمى عنها؛ فهو كقولك‏:‏ أدخلت في القلنسوة رأسي، ودخل الخف في رجلي‏.‏ وقرأها الأعمش وحمزة والكسائي { ‏فعُمِّيت‏} ‏ بضم العين وتشديد الميم على ما لم يسم فاعله، أي فعماها الله عليكم؛ وكذا في قراءة أبي ‏ { ‏فعماها‏} ‏ ذكرها الماوردي‏.‏ ‏ { ‏أنلزمكموها‏} ‏ قيل‏:‏ شهادة أن لا إله إلا الله‏.‏ وقيل‏:‏ الهاء ترجع إلى الرحمة‏.‏ وقيل‏:‏ إلى البينة؛ أي أنلزمكم قبولها، ونوجبها عليكم‏؟‏ ‏!‏ وهو استفهام بمعنى الإنكار؛ أي لا يمكنني أن أضطركم إلى المعرفة بها؛ وإنما قصد نوح عليه السلام بهذا القول أن يرد عليهم‏.‏ وحكى الكسائي والفراء { ‏أنلزمكموها‏} ‏ بإسكان الميم الأولى تخفيفا؛ وقد أجاز مثل هذا سيبويه، وأنشد‏:‏ فاليوم أشرب غير مستحقب ** إثما من الله ولا واغل وقال النحاس‏:‏ ويجوز على قول يونس [في غير القرآن] أنلزمكمها يجري المضمر مجرى المظهر؛ كما تقول‏:‏ أنلزمكم ذلك‏.‏ { ‏وأنتم لها كارهون‏} ‏ أي لا يصح قبولكم لها مع الكراهة عليها‏.‏ قال قتادة‏:‏ والله لو استطاع نبي الله نوح عليه السلام لألزمها قومه ولكنه لم يملك ذلك‏.‏ قوله تعالى ‏ { ‏ويا قوم لا أسألكم عليه مالا‏} ‏ أي على التبليغ، والدعاء إلى الله، والإيمان به أجرا أي ‏ { ‏مالا‏} ‏ فيثقل عليكم‏.‏ ‏ { ‏إن أجري إلا على الله‏} ‏ أي ثوابي في تبليغ الرسالة‏.‏ ‏ { ‏وما أنا بطارد الذين آمنوا‏} ‏ سألوه أن يطرد الأراذل الذين آمنوا به، كما سألت قريش النبي صلى الله عليه وسلم أن يطرد الموالي والفقراء، حسب ما تقدم في { ‏الأنعام‏} ‏ بيانه؛ فأجابهم بقوله ‏ { ‏وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقو ربهم‏} ‏ يحتمل أن يكون قال هذا على وجه الإعظام لهم بلقاء الله عز وجل، ويحتمل أن يكون قاله على وجه الاختصام؛ أي لو فعلت ذلك لخاصموني عند الله، فيجازيهم على إيمانهم، ويجازي من طردهم‏‏} ‏ولكني أراكم قوما تجهلون‏} ‏ في استرذالكم لهم، وسؤالكم طردهم‏.‏ قوله تعالى ‏ { ‏ويا قوم من ينصرني من الله‏} ‏ قال الفراء‏:‏ أي يمنعني من عذابه‏.‏ ‏ { ‏إن طردتهم‏} ‏ أي لأجل إيمانهم‏.‏ { ‏أفلا تتذكرون‏} ‏ أدغمت التاء في الذال‏.‏ ويجوز حذفها فتقول‏:‏ تَذَكرون‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب‏} ‏ أخبر بتذلُّله وتواضعه لله عز وجل، وأنه لا يدعي ما ليس له من خزائن الله؛ وهي إنعامه على من يشاء من عباده؛ وأنه لا يعلم الغيب؛ لأن الغيب لا يعلمه إلا الله عز وجل‏.‏ { ‏ولا أقول إني ملك‏} ‏ أي لا أقول إن منزلتي عند الناس منزلة الملائكة‏.‏ وقد قالت العلماء‏:‏ الفائدة في الكلام الدلالة على أن الملائكة أفضل من الأنبياء؛ لدوامهم على الطاعة، واتصال عباداتهم إلى يوم القيامة، صلوات الله عليهم أجمعين‏.‏ وقد تقدم هذا المعنى في { ‏البقرة‏} ‏‏.‏ ‏} ‏ولا أقول للذي تزدري أعينكم‏} ‏ أي تستثقل وتحتقر أعينكم؛ والأصل تزدريهم حذفت الهاء والميم لطول الاسم‏.‏ والدال مبدلة من تاء؛ لأن الأصل في تزدري تزتري، ولكن التاء تبدل بعد الزاي دالا؛ لأن الزاي مجهورة والتاء مهموسة، فأبدل من التاء حرف مجهور من مخرجها‏.‏ ويقال‏:‏ أزريت عليه إذا عبته‏.‏ وزريت عليه إذا حقرته‏.‏ وأنشد الفراء‏:‏ يباعده الصديق وتزدريه ** حليلته وينهره الصغير { ‏لن يؤتيهم الله خيرا‏} ‏ أي ليس لاحتقاركم لهم تبطل أجورهم، أو ينقص ثوابهم‏.‏ { ‏الله أعلم بما في أنفسهم‏} ‏ فيجازيهم عليه ويؤاخذهم به‏.‏ { ‏إني إذا لمن الظالمين‏} ‏ أي إن قلت هذا الذي تقدم ذكره‏.‏ و‏ { ‏إذا‏} ‏ ملغاة؛ لأنها متوسطة‏.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة هود الايات 27 - 31

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وقول نوح عليه السلام: { أَرَأَيْتُمْ } أي: أخبروني إن كنت على بين موهوبة من الله تعالى ونور وبصيرة وفطرة بالهداية، وآتاني الحق سبحانه: { رَحْمَةً } أي: رسالة، بينما خفيت هذه المسألة عنكم، فهل أجبركم على ذلك؟ لا؛ لأن الإيمان لا بد أن يأتي طواعية بعد إقناع ملموس، وانفعال مأنوس، واختيار بيقين.

وحين ننظر في قوله:

{ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ } [هود: 28].

نجد الهمزة الاستفهامية ثم الفعل " نلزم " ثم كاف المخاطبة، وهنا نكون أمام استفهام، وفعل، وفاعل مطمور في الفعل، ومفعول أو هو كاف المخاطبة، ومفعول ثان هو الرحمة.

إذن: فلا إلزام من الرسول لقومه بأن يؤمنوا؛ لأن الإيمان يحتاج إلى قلوب، لا قوالب، وإكراه القوالب لا يزرع الإيمان في القلوب.

والحق سبحانه يريد من خلقه قلوباً تخشع، لا قوالب تخضع، ولو شاء سبحانه لأرغمهم وأخضعهم كما أخضع الكون كله له، سبحانه القائل:


{  أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ }
[النازعات: 27].

فالحق سبحانه وتعالى أخضع السماء والشمس والقمر، وكلَّ الكون، وهو سبحانه يقول لنا:


{  لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ }
[غافر: 57].

والكون كله يخضع لمشيئة الله سبحانه وتعالى.

وقد خلق الحق سبحانه الملائكة وهم جنس أعلى من البشر، وقال سبحانه عنهم:


{  لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }
[التحريم: 6].

إذن: فالحق سبحانه وتعالى لو أراد قوالب لأخضع الخلق كلهم لعبادته، ولكنه سبحانه وتعالى يريد قلوباً تخشع؛ ولذلك يقول تبارك وتعالى:


{  لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ }
[الشعراء: 3ـ4].

وهكذا نعلم أن الحق سبحانه مُنَزَّهٌ عن رغبة أخضاع القوالب البشرية، بل شاء سبحانه أن يجعل الإنسان مختاراً؛ ولذلك لا يُكْرِهُ الله سبحانه أحداً على الإيمان.

والدِّين لا يكون بالإكراه، بل بالطواعية والرضا.

والحق سبحانه وتعالى هو القائل:


{  لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ }
[البقرة: 256].

وهكذا يطلب الحق سبحانه من الخلق أن يعرضوا أمر الإيمان على العقل، فالعقل بالإدراك ينفعل متعجباً لإبداع المبدع، وعند الإعجاب ينزع إلى اختياره بيقين المؤمن.

يقول الحق:


{  إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ }
[آل عمران: 190].

والإكراه إنما يكون على أمر غير مُتَبَيَّن، أما الدِّين فأمر يتبيَّن فيه الرشد؛ لأن المنهج حين يطلب منك ألا تسرق غيرك، فهو يضمن لك ألا يسرقك الغير، وحين يأمرك ألا تنظر إلى محارم غيرك، فهو يحمي محارمك، وحين يأمرك ألا تغتاب أحداً، وألا تحقد على أحد، ففي هذا كله راحة للإنسان.

إذن: فما يطلبه المنهج هو كل أمر مريح للإنسان، وأنت إن نظرت في مطلوبات المنهج فلن تجدها مطلوبة منك وحدك، ولكن مطلوبة من الناس لك أيضاً.وهو تبادل مراد من الله لإعمار الكون أخذاً وعطاء.

ولذلك لا يحتاج مثل هذا الرشد إلى إكراه عليه، بل تجد فيه البينة واضحة فاصلة بينه وبين الغَيِّ.

والآفة أن بعضاً من الناس يستخدمون هذه الآية في غير موضعها، فحين تطلب من مسلم أن يصلِّي تجده يقول لك:


{  لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ }
[البقرة: 256].

ولك أن تقول له: لا إكراه في الحَمْل على الدِّين والإيمان به، لكنك إذا آمنت بالدِّين فإياك أن تكسره، بتعطيل منهجه أو الإعراض عنه.

ولذلك يشدِّد الحق سبحانه عقوبة الخروج من الدين؛ لأن الحق سبحانه لم يُكرِه أحداً على الدخول في الدين، بل للإنسان أن يفكر ويتدبر؛ لأنه إن دخَل في الدين وارتكب ذنباً فسيلقى عقاب الذنب؛ لأنه دخل برغبته واختاره بيقينه، فالمخالفة لها عقابها.

إذن: فالدخول إلى الإيمان لا إكراه فيه، ولكن الخروج من الدين يقتضي إقامة الحد على المرتدِّ ومعاقبة العاصي على عصيانه.

وعندما يعلم الجميع هذا الأمر فهم يعلمون أن الحق سبحانه وتعالى قد جعل الصعوبة في الدخول إلى الدين عن طريق تصعيب آثار الخروج منه.

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك على لسان نوح عليه السلام: { وَيٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً }


www.alro7.net