سورة
اية:

وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ...} الآية. [27].
نزلت في قوم من أهل الصفة تمنوا سعة الدنيا والغنى.
قال خَبَّاب بن الأَرَتّ: فينا نزلت هذه الآية، وذلك أنا نظرنا إلى أموال قُرَيْظَةَ والنَّضِير فتمنيناها، فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية.
قال: أخبرني أبو عثمان المؤذن، قالك أخبرنا أبو علي الفقيه، قال: أخبرنا أبو محمد بن معاذ، قال: أخبرنا الحسين بن الحسن بن حرب، قال: أخبرنا ابن المبارك قال: حدَّثنا حَيْوَةُ، قال: أخبرنا أبو هانىء الخولاني، أنه سمع عمرو بن حُرَيث يقول:
إنما نزلت هذه الآية في أصحاب الصُّفَّة: { وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ} وذلك أنهم قالوا: لو أن لنا الدنيا فتمنوا الدنيا.

تفسير بن كثير

يقول تعالى ممتناً على عباده بقبول توبتهم إذا تابوا ورجعوا إليه، أنه من كرمه وحلمه يعفو ويصفح، ويستر ويغفر، كقوله عزَّ وجلَّ: { ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر اللّه يجد اللّه غفوراً رحيماً} ، وقد ثبت في صحيح مسلم، عن أنَس بن مالك قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (لَلّهُ تعالى أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كانت راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها وقد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح)، وقوله عزَّ وجلَّ: { ويعفو عن السيئات} أي يقبل التوبة في المستقبل ويعفو عن السيئات في الماضي، { ويعلم ما تفعلون} أي هو عالم بجميع ما فعلتم وصنعتم وقلتم، ومع هذا يتوب على من تاب إليه، وقوله تعالى: { ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات} قال السدي: يعني يستجيب لهم، أي الدعاء لأنفسهم ولأصحابهم وإخوانهم، { ويزيدهم من فضله} أي يستجيب دعاءهم ويزيدهم فوق ذلك، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا بقية، حدثنا إسماعيل بن عبد اللّه الكِنْدي، حدثنا الأعمش عن شقيق عن عبد اللّه رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (في قوله تعالى: { ويزيدهم من فضله} قيل: الشفاعة لمن وجبت له النار ممن صنع إليهم معروفاً في الدنيا) وقال إبراهيم النخعي في قوله عزَّ وجلَّ: { ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات} قال: يشفعون في إخوانهم، { ويزيدهم من فضله} قال: يشفعون في إخوان إخوانهم، وقوله عزَّ وجلَّ: { والكافرون لهم عذاب شديد} لما ذكر المؤمنين وما لهم من الثواب الجزيل ذكر الكافرين وما لهم عنده يوم القيامة من العذاب الشديد الموجع المؤلم يوم معادهم وحسابهم. وقوله تعالى: { ولو بسط اللّه الرزق لعباده لبغوا في الأرض} أي لو أعطاهم فوق حاجتهم من الرزق لحملهم ذلك على البغي والطغيان، من بعضهم على بعض أشراً وبطراً، وقال قتادة: وكان يقال خير العيش ما لا يلهيك ولا يطغيك، وذكر قتادة حديث: (إنما أخاف عليكم ما يخرج اللّه تعالى من زهرة الحياة الدنيا)، وقوله عزَّ وجلَّ: { ولكن ينزِّل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير} أي ولكن يرزقهم من الرزق ما يختاره، مما فيه صلاحهم وهو أعلم بذلك، فيغني من يستحق الغنى، ويفقر من يستحق الفقر، كما جاء في الحديث المروي المراد بالحديث المروي أي المحكي عن اللّه عزَّ وجلَّ وهو المشهور بالحديث القدسي : (إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه). وقوله تعالى: { وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا} ، أي من يأس الناس من نزول المطر، ينزله عليهم في وقت حاجتهم وفقرهم إليه، كقوله عزَّ وجلَّ: { وإن كانوا من قبل أن ينزّل عليهم من قبله لمبلسين} ، وقوله جلَّ جلاله: { وينشر رحمته} أي يعم بها الوجود على أهل ذلك القطر وتلك الناحية، وقال قتادة: ذكر لنا أن رجلاً قال لعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: يا أمير المؤمنين قحط المطر، وقنط الناس، فقال عمر رضي اللّه عنه: مطرتم، ثم قرأ: { وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد} أي هو المتصرف لخلقه بما ينفعهم في دنياهم وأخراهم، وهو المحمود العاقبة في جميع ما يقدره ويفعله.

تفسير الجلالين

{ ولو بسط الله الرزق لعباده } جميعهم { لبغوا } جميعهم أي طغوا { في الأرض ولكن ينزل } بالتخفيف وضده من الأرزاق { بقدر ما يشاء } فيبسطها لبعض عباده دون، وينشأ عن البسط البغي { إنه بعباده خبير بصير } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ بَسَطَ اللَّه الرِّزْق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْض وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاء } ذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ مِنْ أَجْل قَوْم مِنْ أَهْل الْفَاقَة مِنَ الْمُسْلِمِينَ تَمَنَّوْا سَعَة الدُّنْيَا وَالْغِنَى , فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَلَوْ بَسَطَ اللَّه الرِّزْق لِعِبَادِهِ , فَوَسَّعَهُ وَكَثَرَهُ عِنْدهمْ لَبَغَوْا , فَتَجَاوَزُوا الْحَدّ الَّذِي حَدَّهُ اللَّه لَهُمْ إِلَى غَيْر الَّذِي حَدَّهُ لَهُمْ فِي بِلَاده بِرُكُوبِهِمْ فِي الْأَرْض مَا حَظَرَهُ عَلَيْهِمْ , وَلَكِنَّهُ يُنَزِّل رِزْقهمْ بِقَدَرٍ لِكِفَايَتِهِمْ الَّذِي يَشَاء مِنْهُ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23715 -يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ أَبُو هَانِئ : سَمِعْت عَمْرو بْن حُرَيْث وَغَيْره يَقُولُونَ : إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي أَصْحَاب الصُّفَّة { وَلَوْ بَسَطَ اللَّه الرِّزْق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْض وَلَكِنْ يُنَزِّل بِقَدَرٍ مَا يَشَاء } ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا : لَوْ أَنَّ لَنَا , فَتَمَنَّوْا . * -حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سِنَان الْقَزَّاز , قَالَ : ثنا أَبُو عَبْد الرَّحْمَن الْمُقْرِي , قَالَ : ثنا حَيْوَة , قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو هَانِئ , أَنَّهُ سَمِعَ عَمْرو بْن حُرَيْث يَقُول : إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة , ثُمَّ ذَكَرَ مِثْله . 23716 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَلَوْ بَسَطَ اللَّه الرِّزْق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْض } . ... الْآيَة قَالَ : كَانَ يُقَال : خَيْر الرِّزْق مَا لَا يُطْغِيك وَلَا يُلْهِيك . وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " أَخْوَف مَا أَخَاف عَلَى أُمَّتِي زَهْرَة الدُّنْيَا وَكَثْرَتهَا " . فَقَالَ لَهُ قَائِل : يَا نَبِيّ اللَّه هَلْ يَأْتِي الْخَيْر بِالشَّرِّ ؟ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَهَلْ يَأْتِي الْخَيْر بِالشَّرِّ ؟ " فَأَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِ عِنْد ذَلِكَ , وَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ كَرَبَ لِذَلِكَ , وَتَرَبَّدَ وَجْهه , حَتَّى إِذَا سُرِّيَ عَنْ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " هَلْ يَأْتِي الْخَيْر بِالشَّرِّ " يَقُولهَا ثَلَاثًا : " إِنَّ الْخَيْر لَا يَأْتِي إِلَّا بِالْخَيْرِ " , يَقُولهَا ثَلَاثًا , وَكَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتْر الْكَلَام : وَلَكِنَّهُ وَاللَّه مَا كَانَ رَبِيع قَطُّ إِلَّا أُحْبِطَ أَوْ أَلَمَّ فَأَمَّا عَبْد أَعْطَاهُ اللَّه مَالًا , فَوَضَعَهُ فِي سَبِيل اللَّه الَّتِي افْتَرَضَ وَارْتَضَى , فَذَلِكَ عَبْد أُرِيدَ بِهِ خَيْر , وَعُزِمَ لَهُ عَلَى الْخَيْر , وَأَمَّا عَبْد أَعْطَاهُ اللَّه مَالًا فَوَضَعَهُ فِي شَهَوَاته وَلَذَّاتِهِ , وَعَدَلَ عَنْ حَقّ اللَّه عَلَيْهِ , فَذَلِكَ عَبْد أُرِيدَ بِهِ شَرّ , وَعُزِمَ لَهُ عَلَى شَرّ " . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ بَسَطَ اللَّه الرِّزْق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْض وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاء } ذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ مِنْ أَجْل قَوْم مِنْ أَهْل الْفَاقَة مِنَ الْمُسْلِمِينَ تَمَنَّوْا سَعَة الدُّنْيَا وَالْغِنَى , فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَلَوْ بَسَطَ اللَّه الرِّزْق لِعِبَادِهِ , فَوَسَّعَهُ وَكَثَرَهُ عِنْدهمْ لَبَغَوْا , فَتَجَاوَزُوا الْحَدّ الَّذِي حَدَّهُ اللَّه لَهُمْ إِلَى غَيْر الَّذِي حَدَّهُ لَهُمْ فِي بِلَاده بِرُكُوبِهِمْ فِي الْأَرْض مَا حَظَرَهُ عَلَيْهِمْ , وَلَكِنَّهُ يُنَزِّل رِزْقهمْ بِقَدَرٍ لِكِفَايَتِهِمْ الَّذِي يَشَاء مِنْهُ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23715 -يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ أَبُو هَانِئ : سَمِعْت عَمْرو بْن حُرَيْث وَغَيْره يَقُولُونَ : إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي أَصْحَاب الصُّفَّة { وَلَوْ بَسَطَ اللَّه الرِّزْق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْض وَلَكِنْ يُنَزِّل بِقَدَرٍ مَا يَشَاء } ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا : لَوْ أَنَّ لَنَا , فَتَمَنَّوْا . * -حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سِنَان الْقَزَّاز , قَالَ : ثنا أَبُو عَبْد الرَّحْمَن الْمُقْرِي , قَالَ : ثنا حَيْوَة , قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو هَانِئ , أَنَّهُ سَمِعَ عَمْرو بْن حُرَيْث يَقُول : إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة , ثُمَّ ذَكَرَ مِثْله . 23716 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَلَوْ بَسَطَ اللَّه الرِّزْق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْض } . ... الْآيَة قَالَ : كَانَ يُقَال : خَيْر الرِّزْق مَا لَا يُطْغِيك وَلَا يُلْهِيك . وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " أَخْوَف مَا أَخَاف عَلَى أُمَّتِي زَهْرَة الدُّنْيَا وَكَثْرَتهَا " . فَقَالَ لَهُ قَائِل : يَا نَبِيّ اللَّه هَلْ يَأْتِي الْخَيْر بِالشَّرِّ ؟ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَهَلْ يَأْتِي الْخَيْر بِالشَّرِّ ؟ " فَأَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِ عِنْد ذَلِكَ , وَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ كَرَبَ لِذَلِكَ , وَتَرَبَّدَ وَجْهه , حَتَّى إِذَا سُرِّيَ عَنْ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " هَلْ يَأْتِي الْخَيْر بِالشَّرِّ " يَقُولهَا ثَلَاثًا : " إِنَّ الْخَيْر لَا يَأْتِي إِلَّا بِالْخَيْرِ " , يَقُولهَا ثَلَاثًا , وَكَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتْر الْكَلَام : وَلَكِنَّهُ وَاللَّه مَا كَانَ رَبِيع قَطُّ إِلَّا أُحْبِطَ أَوْ أَلَمَّ فَأَمَّا عَبْد أَعْطَاهُ اللَّه مَالًا , فَوَضَعَهُ فِي سَبِيل اللَّه الَّتِي افْتَرَضَ وَارْتَضَى , فَذَلِكَ عَبْد أُرِيدَ بِهِ خَيْر , وَعُزِمَ لَهُ عَلَى الْخَيْر , وَأَمَّا عَبْد أَعْطَاهُ اللَّه مَالًا فَوَضَعَهُ فِي شَهَوَاته وَلَذَّاتِهِ , وَعَدَلَ عَنْ حَقّ اللَّه عَلَيْهِ , فَذَلِكَ عَبْد أُرِيدَ بِهِ شَرّ , وَعُزِمَ لَهُ عَلَى شَرّ " . ' وَقَوْله : { إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِير بَصِير } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ اللَّه بِمَا يُصْلِح عِبَاده وَيُفْسِدهُمْ مِنْ غِنًى وَفَقْر وَسَعَة وَإِقْتَار , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ مَصَالِحهمْ وَمَضَارّهمْ , ذُو خِبْرَة , وَعِلْم , بَصِير بِتَدْبِيرِهِمْ , وَصَرْفهمْ فِيمَا فِيهِ صَلَاحهمْ.وَقَوْله : { إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِير بَصِير } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ اللَّه بِمَا يُصْلِح عِبَاده وَيُفْسِدهُمْ مِنْ غِنًى وَفَقْر وَسَعَة وَإِقْتَار , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ مَصَالِحهمْ وَمَضَارّهمْ , ذُو خِبْرَة , وَعِلْم , بَصِير بِتَدْبِيرِهِمْ , وَصَرْفهمْ فِيمَا فِيهِ صَلَاحهمْ.'

تفسير القرطبي

فيه مسألتان: الأولى: في نزولها؛ قيل : إنها نزلت في قوم من أهل الصفة تمنوا سعة الرزق. وقال خباب بن الأرت : فينا نزلت؛ نظرنا إلى أموال بني النضير وقريظة وبني قينقاع فتمنيناها فنزلت. { لو بسط} معناه وسع. وبسط الشيء نشره. وبالصاد أيضا. { لبغوا في الأرض} طغوا وعصوا. وقال ابن عباس : بغيهم طلبهم منزلة بعد منزلة ودابة بعد دابة ومركبا بعد مركب وملبسا بعد ملبس. وقيل : أراد لو أعطاهم الكثير لطلبوا ما هو أكثر منه، لقوله : (لوكان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى إليهما ثالثا) وهذا هو البغي، وهو معنى قول ابن عباس. وقيل : لو جعلناهم سواء في المال لما انقاد بعضهم لبعض، ولتعطلت الصنائع. وقيل : أراد بالرزق المطر الذي هو سبب الرزق؛ أي لو أدام المطر لتشاغلوا به عن الدعاء، فيقبض تارة ليتضرعوا ويبسط أخرى ليشكروا. وقيل : كانوا إذا أخصبوا أغار بعضهم على بعض؛ فلا يبعد حمل البغي على هذا. الزمخشري: { لبغوا} من البغي وهو الظلم؛ أي لبغى هذا على ذاك وذاك على هذا؛ لأن الغنى مبطرة مأشرة، وكفى بقارون عبرة. ومنه قول عليه السلام : (أخوف ما أخاف على أمتي زهرة الدنيا وكثرتها). ولبعض العرب : وقد جعل الوسمي ينبت بيننا ** وبين بني دودان نبعا وشوحطا يعني أنهم أحيوا فحدثوا أنفسهم بالبغي والتغابن. أومن البغي وهو البذخ والكبر؛ أي لتكبروا في الأرض وفعلوا ما يتبع الكبر من العلو فيها والفساد. { ولكن ينزل بقدر ما يشاء} أي ينزل أرزاقهم بقدر ما يشاء لكفايتهم وقال مقاتل: { ينزل بقدر ما يشاء} يجعل من يشاء غنيا ومن يشاء فقيرا. قال علماؤنا : أفعال الرب سبحانه لا تخلو عن مصالح وإن لم يجب على الله الاستصلاح؛ فقد يعلم من حال عبد أنه لو بسط عليه قاده ذلك إلى الفساد فيزوي عنه الدنيا مصلحة له. فليس ضيق الرزق هوانا ولا سعة فضيلة؛ وهد أعطى أقواما مع علمه أنهم يستعملونه في الفساد، ولو فعل بهم خلاف ما فعل لكانوا أقرب إلى الصلاح. والأمر على الجملة مفوض إلى مشيئته، ولا يمكن التزام مذهب الاستصلاح في كل فعل من أفعال الله تعالى. وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى قال : (من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وإني لأسرع شيء إلى نصرة أوليائي وإني لأغضب لهم كما يغضب الليث الحرد. وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض روح عبدي المؤمن يكره الموت وأنا أكره إساءته ولا بد له منه. وما تقرب إلي عبدي المؤمن بمثل أداء ما افترضت عليه. وما يزال عبدي المؤمن يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فاذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا ومؤيدا فإن سألني أعطيته وإن دعاني أجبته. وإن من عبادي المؤمنين من يسألني الباب من العبادة وإني عليم أن لو أعطيته إياه لدخله العجب فأفسده. وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده الفقر. وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده الغنى. وإني لأدبر عبادي لعلمي بقلوبهم فإني عليم خبير). ثم قال أنس : اللهم إني من عبادك المؤمنين الذين لا يصلحهم إلا الغنى، فلا تفقرني برحمتك.

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

هذه الآية تقرر طبيعة في النفس الإنسانية، كما قال سبحانه في موضع آخر:
{  كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ }
[العلق: 6-7] لأن الرزق عندما يكون مبسوطاً ميسَّراً لا يشغل المرء به ولا بالحركة من أجله، فلا يكد ولا يتعب ويتفرغ لأمور أخرى تشغله ومنها البغي.

لذلك لما تحدّث القرآن عن قارون، وهو أوضح مثال للغَني الطاغي، قال سبحانه:
{  إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ.. }
[القصص: 76] إذن: النعمة والثراء قد يدعوان الإنسان إلى الطغيان والبغي بغير الحق، وبسطة الرزق تعني سعته وتيسير سُبُله، وهي في هذه الحالة نوع من الابتلاء.

وقوله: { وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ } [الشورى: 27] أي: يسوق الرزق بقدر معين وبحساب على مقتضى علمه سبحانه وحكمته في تدبير شئون خلقه، فيعطيهم بحساب بحيث لا يصل العبد إلى مرحلة الطغيان والبغي، وهو سبحانه أعلم بطباع عباده وأعلم بما يصلحهم، لذلك ورد في الحديث القدسي: " إن من عبادي مَنْ إذا أغنيته لفسد حاله، ومنهم إذا أفقرته لصلح حاله ".

وقد اهتم الإسلام بالجانب الاقتصادي في حركة الحياة وفرضَ الزكاة من أجل استطراق الخير في المجتمع، وعلَّمنا أن نُفرِّق بين الفقر عن عجز واحتياج، والفقر عن حرفة وخداع، فمَنْ يتخذ الفقر حرفة ليس له نصيب، ولا يصح أنْ تعينه على التكاسل والقعود عن العمل.

أما العاجز فمستحق، لأنه غير قادر على الكسب، لذلك جعل الله له جزءاً في مال القادر يصل إليه، وهو مُعزَّز لا يريق ماء وجهه للقمة العيش، بل يحفظ له الحقُّ سبحانه كرامته، ويجعلك أنت أيها الغني القادر تذهب إليه وتطرق عليه بابه وتعطيه ليعلم أن الله حين سلبه قدرته سَخَّر له قدرات الآخرين.

كذلك مثلاً في فريضة الحج ترى غير المستطيع حزيناً لأنه لم يحج، والواقع أنه أحظُّ عند الله من المستطيع الذي يحج؛ لأن المستطيع قد يؤدي ولا يقبل منه، أما غير المستطيع فقد سقط عنه الفرض أصلاً. ويقولون: إن نسبة تسعين بالمائة من الناس لم يروا البيت يعني لم يطوفوا به، فهل يعني هذا أن الله يحرمهم رؤيته؟ لا بل لهم منه نصيب كما قيل: " من الناس مَنْ يطوف بالبيت، ومن الناس مَنْ يطوف بهم البيت ".

ثم إن حالة الفقر هذه أو العجز لا تدوم مداولة بين الناس، كما قال سبحانه:
{  وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ.. }
[آل عمران: 140].

وسبق أنْ بيَّنا أن الفقر في المجتمع له حكمة، لأن حركة المجتمع ومصالح الناس لا يمكن أنْ تقوم على التفضُّل، إنما تقوم على الحاجة، فحين تُلجئك الحاجة تعمل ولا تستنكف من العمل الشاق أو الحقير، وإلا فمَنْ سيقوم بهذه الأعمال.

ورأينا العامل حين يرضى بقدر الله فيه ويخلص في عمله يقول الله له: رضيتَ بقدري فسأعطيك على قدري. فتراه بعد فترة أصبح صاحب عمل بعد أنْ كان أجيراً، لأنه أخلص لصاحب العمل ولم يحقد عليه، ولم يكره النعمة عنده.

إذن: الحق سبحانه لا يضيق الرزق ولا يعطي بقدر إلا في مظنة الضرر، فمَنْ علم الله منه أنَّ بسطة الرزق تفسده يُضيِّق عليه منافذ الرزق ليصلحه بالفقر. فالأصل أنه تعالى جواد كريم يبسط رزقه لعباده، لذلك يقول في الآية بعدها:

{ وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ.. }


www.alro7.net