سورة
اية:

وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مسلياً لنبيّه محمد صلى اللّه عليه وسلم في تكذيب من كذبه من قومه، ومبشراً بأن العاقبة والنصرة له في الدنيا والآخرة كما جرى لموسى بن عمران عليه السلام، فإن اللّه تعالى أرسله بالآيات البينات، والدلائل الواضحات، ولهذا قال تعالى: { بآياتنا وسلطان مبين} والسلطان هو الحجة والبرهان، { إلى فرعون} وهو ملك القبط بالديار المصرية، { وهامان} وهو وزيره في مملكته { وقارون} وكان أكثر الناس في زمانه مالاً وتجارة، { فقالوا: ساحر كذاب} أي كذبوه وجعلوه ساحراً مجنوناً، ممّوهاً كذاباً في أن اللّه جلا وعلا أرسله وهذه كقوله تعالى: { كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون} ، { فلما جاءهم بالحق من عندنا} أي بالبرهان القاطع الدال على أن اللّه عزَّ وجلَّ أرسله إليهم، { قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم} ، وهذا أمر ثان من فرعون بقتل ذكور بني إسرائيل، أما الأول فكان لأجل الاحتراز من وجود موسى، أو لإذلال هذا الشعب وتقليل عددهم، أو لمجموع الأمرين، وأما الأمر الثاني فلإهانة هذا الشعب، ولكي يتشاءموا بموسى عليه السلام، ولهذا قالوا: { أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا} ، قال اللّه عزَّ وجلَّ: { وما كيد الكافرين إلا في ضلال} أي وما مكرهم وقصدهم الذي هو تقليل عدد بني إسرائيل لئلا ينصروا عليهم إلا ذاهب وهالك في ضلال { وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه} ، وهذا عزم من فرعون - لعنه اللّه - على قتل موسى عليه الصلاة والسلام؛ أي قال لقومه دعوني حتى أقتل لكم هذا { وليدع ربه} أي لا أبالي منه، وهذا في غاية الجحد والعناد { إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد} يخشى فرعون أن يضل موسى الناس ويغير رسومهم وعاداتهم، وهذا كما يقال في المثل: صار فرعون مذكراً، يعني واعظاً، يشفق على الناس من موسى عليه السلام، { وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب} أي لما بلغه قول فرعون { ذروني أقتل موسى} قال موسى عليه السلام: استجرت باللّه، وعذت به من شره وشر أمثاله، ولهذا قال: { إني عذت بربي وربكم} أيها المخاطبون { من كل متكبر} أي عن الحق مجرم { لا يؤمن بيوم الحساب} ، ولهذا جاء في الحديث أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان إذا خاف قوماً قال: (اللهم إنا نعوذ بك من شرورهم، وندرأ بك في نحورهم).

تفسير الجلالين

{ وقال موسى } لقومه وقد سمع ذلك إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب } .

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { ولقد أرسلنا موسى بآياتنا} وهي التسع الآيات المذكورة في قوله تعالى: { ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات} [الإسراء : 101] وقد مضى تعيينها. { وسلطان مبين} أي بحجة واضحة بينة، وهو يذكر ومؤنث. وقيل : أراد بالسلطان التوراة. { إلى فرعون وهامان وقارون} خصهم بالذكر لأن مدار التدبير في عداوة موسى كان عليهم؛ ففرعون الملك وهامان الوزير وقارون صاحب الأموال والكنوز فجمعه الله معهما؛ لأن عمله في الكفر والتكذيب كأعمالهما. { فقالوا ساحر كذاب} لما عجزوا عن معارضته حملوا المعجزات على السحر. قوله تعالى: { فلما جاءهم بالحق من عندنا} وهي المعجزة الظاهرة { قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم} قال قتادة : هذا قتل غير القتل الأول؛ لأن فرعون كان قد أمسك عن قتل الولدان بعد ولادة موسى، فلما بعث الله موسى أعاد القتل على بني إسرائيل عقوبة لهم فيمتنع الإنسان من الإيمان؛ ولئلا يكثر جمعهم فيعتضدوا بالذكور من أولادهم، فشغلهم الله عن ذلك بما أنزل عليهم من أنواع العذاب، كالضفادع والقمل والدم والطوفان إلى أن خرجوا من مصر، فأغرقهم الله. { وما كيد الكافرين إلا في ضلال} أي في خسران وهلاك، وإن الناس لا يمتنعون من الإيمان وإن فعل بهم مثل هذا فكيده يذهب باطلا. قوله تعالى: { وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه} { أقتل} جزم؛ لأنه جواب الأمر { وليدع} جزم؛ لأنه أمر و { ذروني} ليس بمجزوم وإن كان أمرا ولكن لفظه لفظ المجزوم وهو مبني. وقيل : هذا يدل على أنه قيل لفرعون : إنا نخاف أن يدعو عليك فيجاب؛ فقال: { وليدع ربه} أي لا يهولنكم ما يذكر من ربه فإنه لا حقيقة له وأنا ربكم الأعلى. { إني أخاف أن يبدل دينكم} أي عبادتكم لي إلى عبادة ربه { أو أن يظهر في الأرض الفساد} إن لم يبدل دينكم فإنه يظهر في الأرض الفساد. أي يقع بين الناس بسببه الخلاف. وقراءة المدنيين وأبي عبدالرحمن السلمي وابن عامر وأبي عمرو { وأن يظهر في الأرض الفساد} وقراءة الكوفيين { أو أن يظهر} بفتح الياء { الفساد} بالرفع وكذلك هي في مصاحف الكوفيين { أو} بألف وإليه يذهب أبو عبيد؛ قال : لأن فيه زيادة حرف وفيه فصل؛ ولأن { أو} تكون بمعنى الواو. النحاس : وهذا عند حذاق النحويين لا يجوز أن تكون بمعنى الواو؛ لأن في ذلك بطلان المعاني؛ ولوجاز أن تكون بمعنى الواو لما احتيج إلى هذا ها هنا؛ لأن معنى الواو { إني أخاف} الأمرين جميعا ومعنى { أو} لأحد الأمرين أي { إني أخاف أن يبدل دينكم} فإن أعوزه ذلك أظهر في الأرض الفساد. قوله تعالى: { وقال موسى إني عذت بربي وربكم} لما هدده فرعون بالقتل استعاذ موسى بالله { من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب} أي متعظم عن الإيمان بالله، وصفته أنه { لا يؤمن بيوم الحساب} .

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة غافر الايات 17 - 27


سورة غافر الايات 23 - 35

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

هنا يؤكد موسى على ربوبية الحق سبحانه بعد أنْ هدده فرعون بالقتل
{  ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ.. }
ثم استهزأ بربه
{  وَلْيَدْعُ رَبَّهُ.. }
[غافر: 26] لذلك جاء ردّ موسى (إِنِّي) وفيها تأكيد واستحضار لعبوديته أمام عِزِّ الربوبية التي يستهزئ بها فرعون، فلما يقُلْ مثلاً: أعوذ بالله من فعلك، إنما أكد أن الله ربه بل { وَرَبِّكُـمْ } أيضاً.

ومعنى { عُذْتُ.. } [غافر: 27] لجأتُ إليه وهو القادر على نُصرتي وحمايتي، فقوله { إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي.. } [غافر: 27] يبين لنا منزلة الاستعاذة بالله، فالإنسان حين يستعيذ بالله من شيء لا يَقْوَى عليه فقد أفاض وأنصف، لأنه سلط على مَنْ آذاه وليستْ له قدرة على أنْ يردَّه، سلَّط عليه مَنْ يقدر على أن يفعل.

لذلك قال سبحانه:
{  فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ }
[النحل: 98].

لماذا؟ لأنك حين تقرأ القرآن تنفعل، وتكون معه في حضرة الله يكلمك وأنت تسمع، وحين تنفعل بالقرآن وتتدبر معانيه تحدث عندك إشراقات ومواجيد ترقى بك، وهذا كله يغيظ الشيطان فيسارع إليك ليصرفك عن القراءة، كما يحدث لنا كثيراً في الصلاة مثلاً، ويشكو الكثيرون منا من الانشغال في الصلاة بسبب وسوسة الشيطان.

لكن لا عجبَ في ذلك إذا تأملنا قوله تعالى يحكي لنا موقف الشيطان منا:
{  لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ }
[الأعراف: 16] نعم، وأيّ صراط أقوم من الصلاة وقراءة القرآن، لذلك قلنا: إن الشيطان ليس في حاجة لأنْ يذهب إلى الخمارة مثلاً، إنما يذهب إلى المسجد ليفسد عليك صلاتك ويشغلك عن منهج الهداية، لذلك أمرك الله بالاستعاذة منه ليكون لك حصناً ووقاية.

هنا يقول موسى عليه السلام: إني أعوذ بالله منك يا فرعون وهو أقوى منك وقادر على حمايتي من كيدك، فهو (ربي) أي: الذي خلقني ورباني وأنا مسئول منه، فهو أوجدني بقدرته ويصونني بقيوميته، ألاَ ترى أن كلَّ صانع يحفظ صنعته، ويجعل لها ضماناً للصيانة؟

أليس الخالق سبحانه أولى بأنْ يضمن لي حياتي التي خلقها؟ بلى بشرط أنْ تقولها: (عُذْتُ بِربِّي).

وكان يكفي أنْ يقول (إنِّي عُذْتُ بِريِّي) فلماذا قتل (وَرَبكُمْ)؟ قالوا: ليؤكد على ربوبية ربه عز وجل، ويؤكد سعادته بهذه الربوبية؟ فهو ربي وربُّ الآخرين وربكم جميعاً ليقولوها معه: إنَّا عُذْنا بربنا من فرعون وعمله، وكأنه يريد أن يستجمع قُوَى الخير والإيمان ويُقوِّي جانبه بالجماعة المؤمنة، ليكون الدعاء أَدْعَى للقبول وأَوْلى.

هذه المسألة تفسر لنا أهمية الجماعة وروح الجماعة في الإسلام، إننا مثلاً في الصلاة نقرأ بفاتحة الكتاب، نقول:
{  إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }
[الفاتحة: 5] هكذا بالجمع، فلماذا لم يَقُلْ: إياك أعبد وإياك أستعين. لأن دعاء الجماعة أقوى، الجماعة تُدخِلك في زمرة الصالحين، فإذا لم تكُنْ صالحاً فجاور الصالحين لعله ينالك ما ينالهم من الثواب والقبول.لذلك احذر أن تحتقر أهل التقوى وأهل الصلاح، فلعلَّك تُؤخذ في محضِ الفضل معهم.

إذن: دعاء الجماعة أَوْلَى بالقبول من دعاء الفرد، لذلك كانت صلاة الجماعة تفوق صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة، أنت ترى التاجر مثلاً يبيع السلعة فيها المعطوبة وفيها السليمة، فإذا ناقشته وقلتَ له لا آخذ المعطوبة مثلاً يقول لك: هذه صفقة واحدة المعطوبة في السليمة، كذلك نحن في صلاة الجماعة نداري المعطوبة في السليمة أملاً في أنْ تُقبل الصفقة كلها.

فمن أيِّ شيء استعاذ سيدنا موسى؟ { مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ } [غافر: 27] هكذا بصيغة الجمع وبالوصف { مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ.. } [غافر: 27] ولم يصرح باسم خصمه فرعون صاحب القضية ومُدَّعي الألوهية ومهدده بالقتل، فلماذا؟

قالوا: لم يُذْكر فرعون في هذا المقام لأمرين:

الأول: حتى لا يجعل فرعون في مقابل الله لو قال: إني عُذْتُ بربي من فرعون، ثم إن فرعون لم يكُنْ وحده، بل كان معه آخرون على شاكلته، فأراد أنْ يجمعهم بكلمة تشمل كل متكبر.

الأمر الآخر: أن سيدنا موسى هنا يراعي حقَّ التربية ويحفظ لفرعون هذا الجميل فلم يصرح باسمه، ويكفي أنه داخلٌ ضمن هذا الوصف { مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ } [غافر: 27].

لذلك نجد القرآن الكريم جعل التربية شقيقة الولادة، يعني الابن في الدم مثل الابن في التربية، فقال سبحانه:
{  وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ.. }
[لقمان: 14] ثم خصَّ الأم بالحيثية
{  حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ.. }
[لقمان: 14] لماذا يذكر القرآنُ هذه الحيثية للأم؟

قالوا: لأن هذه الحيثية لا يدركها الولد وهو طفل، في حين يدرك بعد ذلك فضلَ والده فذكَّره الله بفضل أمه لأنه لم يشهده، ثم يقول سبحانه:
{  وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً }
[الإسراء: 24] فِعلَّة الدعاء هنا التربية، سواء أكانت للأم التي ولدت، أم للأم التي ربَّتْ، فمن ربِّي غير ولده كان أهلاً لأنْ يدعي له هذا الدعاء
{  وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً }
[الإسراء: 24].

وقوله: { مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ } [غافر: 27] يعني: اجتمعتْ فيه خَصْلتان من خصال الشر، فهو متكبر يعني قاسي القلب، وقسوة القلب لا تردعه عن القهر والجبروت، ثم هو لا يؤمن بالحساب فلا يخاف من القصاص، ولا يعمل حساباً للعواقب، ومثل هذا لا أملَ في إصلاحه.


www.alro7.net