سورة
اية:

وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى أنه ما خلق الخلق عبثاً، وإنما خلقهم ليعبدوه ويوحّدوه، ثم يجمعهم يوم الجمع فيثيب المطيع ويعذب الكافر، ولهذا قال تبارك وتعالى: { وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا} أي الذين لا يرون بعثاً ولا معاداً، وإنما يعتقدون هذه الدار فقط، { فويل للذين كفروا من النار} أي ويل لهم يوم معادهم ونشورهم من النار المعدة لهم، ثم بيَّن تعالى أنه عزَّ وجلَّ من عدله وحكمته لا يساوي بين المؤمنين والكافرين، فقال تعالى: { أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} أي لا نفعل ذلك، ولا يستوون عند اللّه، وإذا كان الأمر كذلك، فلا بد من دار أخرى يثاب فيها هذا المطيع، ويعاقب فيها هذا الفاجر، وتدل العقول السليمة والفطر المستقيمة على أنه لا بد من معاد وجزاء، فإنا نرى الظالم الباغي يزداد ماله وولده ونعيمه ويموت كذلك، ونرى المطيع المظلوم يموت بكمده، فلابد في حكمة الحكيم العليم العادل، الذي لا يظلم مثقال ذرة من إنصاف هذا من هذا، وإذا لم يقع هذا في هذه الدار فتعين أن هناك داراً أخرى لهذا الجزاء والمواساة، ولما كان القرآن يرشد إلى المقاصد الصحيحة والمآخذ العقلية الصريحة قال تعالى: { كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب} أي ذوو العقول، وهي الألباب جمع لب وهو العقل، قال الحسن البصري: واللّه ما تدبره بحفظ حروفه، وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: قرأت القرآن كله ما يرى له القرآن في خلق ولا عمل" "رواه ابن أبي حاتم عن الحسن البصري".

تفسير الجلالين

{ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا } عبثا { ذلك } أي خلق ما ذكر لا لشيء { ظن الذين كفروا } من أهل مكة { فويل } وادِ { للذين كفروا من النار } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْض وَمَا بَيْنهمَا بَاطِلًا } عَبَثًا وَلَهْوًا , مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا لِيَعْمَل فِيهِمَا بِطَاعَتِنَا , وَيُنْتَهَى إِلَى أَمْرنَا وَنَهْينَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْض وَمَا بَيْنهمَا بَاطِلًا } عَبَثًا وَلَهْوًا , مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا لِيَعْمَل فِيهِمَا بِطَاعَتِنَا , وَيُنْتَهَى إِلَى أَمْرنَا وَنَهْينَا .' { ذَلِكَ ظَنّ الَّذِينَ كَفَرُوا } يَقُول : أَيْ ظَنّ أَنَّا خَلَقْنَا ذَلِكَ بَاطِلًا وَلَعِبًا , ظَنّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاَللَّهِ فَلَمْ يُوَحِّدُوهُ , وَلَمْ يَعْرِفُوا عَظَمَته , وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْبَث , فَيَتَيَقَّنُوا بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَخْلُق شَيْئًا بَاطِلًا . { ذَلِكَ ظَنّ الَّذِينَ كَفَرُوا } يَقُول : أَيْ ظَنّ أَنَّا خَلَقْنَا ذَلِكَ بَاطِلًا وَلَعِبًا , ظَنّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاَللَّهِ فَلَمْ يُوَحِّدُوهُ , وَلَمْ يَعْرِفُوا عَظَمَته , وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْبَث , فَيَتَيَقَّنُوا بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَخْلُق شَيْئًا بَاطِلًا .' { فَوَيْل لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ النَّار } يَعْنِي : مِنْ نَار جَهَنَّم . { فَوَيْل لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ النَّار } يَعْنِي : مِنْ نَار جَهَنَّم .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا} أي هزلا ولعبا. أي ما خلقناهما إلا لأمر صحيح وهو الدلالة على قدرتنا. { ذلك ظن الذين كفروا} أي حسبان الذين كفروا أن الله خلقهما باطلا. { فويل للذين كفروا من النار} ثم وبخهم فقال: { أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات} والميم صلة تقديره : أنجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات { كالمفسدين في الأرض} فكان في هذا رد على المرجئة؛ لأنهم يقولون : يجوز أن يكون المفسد كالصالح أو أرفع درجة منه. وبعده أيضا { نجعل المتقين كالفجار} أي أنجعل أصحاب محمد عليه السلام كالكفار؛ قاله ابن عباس. وقيل هو عام في المسلمين المتقين والفجار الكافرين وهو أحسن، وهو رد على منكري البعث الذين جعلوا مصير المطيع والعاصي إلى شيء واحد. قوله تعالى: { كتاب} أي هذا كتاب { أنزلناه إليك مبارك} أي { أنزلناه إليك مبارك} يا محمد { ليدبروا} أي ليتدبروا فأدغمت التاء في الدال. وفي هذا دليل على، وجوب معرفة معاني القرآن، ودليل على أن الترتيل أفضل من الهَذِّ؛ إذ لا يصح التدبر مع الهذ على ما بيناه في كتاب التذكار. وقال الحسن : تدبر آيات الله اتباعها. وقراءة العامة: { ليدبروا } . وقرأ أبو حنيفة وشيبة { لتدبروا} بتاء وتخفيف الدال، وهي قراءة علي رضي الله عنه، والأصل لتتدبروا فحذف إحدى التاءين تخفيفا { وليتذكر أولو الألباب} أي أصحاب العقول واحدها لب، وقد جمع على ألب، كما جمع بؤس على أبؤس، ونعم على أنعم؛ قال أبو طالب : قلبي إليه مشرف الألب وربما أظهروا التضعيف في ضرورة الشعر؛ قال الكميت : إليكم ذوي آل النبي تطلعت ** نوازع من قلبي ظماء وألبب

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

يعني: ما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً، بل خلقناهما بالحق، لذلك تجدها ثابتة لا تتغير، كما قال سبحانه:
{  لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ }
[يس: 40] ولو كان هذا الخَلْق على غير ذلك لحدثَ صدام في كل دقيقة وفي كل لحظة بين هذه الأجرام والأفلاك.

ومعنى { ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ.. } [ص: 27] أي: أنهم يظنون أنها خُلِقَتْ باطلاً، ذلك ظَنُّهم وهو مجرد ظن، ولو جاء الخَلْق كما يظنون ما كان خَلْقاً، لأن الخَلْق لا بُدَّ أن يكون له غاية عند الخالق قبل أنْ يخلق، كما قلنا أن الذي اخترع الغسالة أو الثلاجة قبل أنْ يخلقها حدَّدَ لها مهمتها، لا أنه خلقها. وقال: انظروا فيما تصلح هذه الآلة.

فالذي صنع هو الذي يحدد الغاية، وهو الذي يضع قانون الصيانة لصناعته. لذلك نقول: إن ضلالَ العالم كله ناشئ من أنهم يريدون أنْ يقننوا بأنفسهم غاية ما صنع الله، ويريدون أنْ يضعوا لخَلْق الله قانون صيانته، وأنْ يتجاهلوا ما وضع الله، لا رد الأمر إلى صاحبه كما تفعل في أمور الدنيا، فكل صانع أعلم بما يُصلح صَنْعته.

ثم يأتي هذا التهديد: { فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ } [ص: 27] كثيراً ما يُهدِّد الخالق سبحانه خَلْقه بالنار، ويتوعَّدهم بالعذاب، والبعض يرى في ذلك لوناً من القسوة، والحقيقة أنها لَوْنٌ من ألوان الرحمة لا القسوة، فمن رحمة الله بنا أنْ يعظم الذنب، وأنْ يُظهر العقوبة، ومن رحمته بنا أنْ يضعَ الجزاء قبل أنْ يقع الذنْب؛ لأنك حين تستحضر الجزاء ترتدع ولا تفعل.

إذن: التهديد والوعيد لحكمة.


www.alro7.net