سورة
اية:

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ ۖ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ ۖ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى أنه منذ بعث نوحاً عليه السلام، لم يرسل بعده رسولاً ولا نبياً إلا من ذريته، وكذلك إبراهيم عليه السلام خليل الرحمن، لم يرسل رسولاً إلا وهو من سلالته، كما قال تعالى في الآية الأُخْرَى: { وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب} حتى كان آخر أنبياء بني إسرائيل { عيسى بن مريم} الذي بشر من بعده بمحمد صلوات اللّه وسلامه عليهما، ولهذا قال تعالى: { ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى بن مريم وآتيناه الإنجيل} وهو الكتاب الذي أوحاه اللّه إليه، { وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه} وهم الحواريون { رأفة} أي رقة وهي الخشية { ورحمة} بالخلق، وقوله: { ورهبانية ابتدعوها} أي ابتدعها أمّة النصارى، { ما كتبناها عليهم} أي ما شرعناها وإنما هم التزموها من تلقاء أنفسهم، وقوله تعالى: { إلا ابتغاء رضوان اللّه} فيه قولان أحدهما : أنهم قصدوا بذلك رضوان اللّه، قاله سعيد بن جبير وقتادة، والآخر : ما كتبنا عليهم ذلك إنما كتبنا عليهم ابتغاء رضوان اللّه، وقوله تعالى: { فما رعوها حق رعايتها} أي فما قاموا بما التزموه حق القيام، وهذا ذم لهم من وجهين: أحدهما : الابتداع في دين اللّه ما لم يأمر به اللّه، والثاني : في عدم قيامهم بما التزموه مما زعموا أنه قربة يقربهم إلى اللّه عزَّ وجلَّ. وقد روى ابن أبي حاتم، عن ابن مسعود قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (يا ابن مسعود) قلت: لبيك يا رسول اللّه، قال: (هل علمت أن بني إسرائيل افترقوا على اثنتين وسبعين فرقة؟ لم ينج منها إلا ثلاث فرق، قامت بين الملوك والجبابرة بعد عيسى بن مريم عليه السلام، فدعت إلى دين اللّه ودين عيسى بن مريم، فقاتلت الجبابرة فقتلت فصبرت ونجت، ثم قامت طائفة أُخْرَى لم تكن لها قوة بالقتال فقامت بين الملوك والجبابرة، فدعوا إلى دين اللّه ودين عيسى بن مريم فقتلت وقطعت بالمناشير وحرقت بالنيران فصبرت ونجت، ثم قامت طائفة أُخْرَى لم يكن لها قوة ولم تطق القيام بالقسط فلحقت بالجبال فتعبّدت وترهبت وهم الذين ذكر اللّه تعالى { ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم} ) ""أخرجه ابن أبي حاتم، ورواه ابن جرير بطريق أُخْرَى ولفظ آخر"". وروى الإمام أحمد، عن إياس بن مالك أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (لكل نبي رهبانية، ورهبانية هذه الأمّة الجهاد في سبيل اللّه عزَّ وجلَّ) وفي رواية: (لكل أمّة رهبانية، ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل اللّه) ""أخرجه أحمد والحافظ أبو يعلى"". وعن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه أن رجلاً جاءه فقال: أوصني، فقال: سألت عما سألت عنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من قبلك، أوصيك بتقوى اللّه فإنه رأس كل شيء، وعليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام، وعليك بذكر اللّه وتلاوة القرآن، فإنه روحك في السماء وذكرك في الأرض) ""أخرجه الإمام أحمد"".

تفسير الجلالين

{ ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب } يعني الكتب الأربعة: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان فإنها في ذرية إبراهيم { فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيم وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتهمَا النُّبُوَّة وَالْكِتَاب فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِير مِنْهُمْ فَاسِقُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا أَيّهَا النَّاس نُوحًا إِلَى خَلْقنَا , وَإِبْرَاهِيم خَلِيله إِلَيْهِمْ رُسُلًا { وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتهمَا النُّبُوَّة وَالْكِتَاب } وَكَذَلِكَ كَانَتْ النُّبُوَّة فِي ذُرِّيَّتهمَا , وَعَلَيْهِمْ أُنْزِلَتْ الْكُتُب : التَّوْرَاة , وَالْإِنْجِيل , وَالزَّبُور , وَالْفُرْقَان , وَسَائِر الْكُتُب الْمَعْرُوفَة { فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ } يَقُول : فَمِنْ ذُرِّيَّتهمَا مُهْتَدٍ إِلَى الْحَقّ مُسْتَبْصِر { وَكَثِير مِنْهُمْ } يَعْنِي مِنْ ذُرِّيَّتهمَا { فَاسِقُونَ } يَعْنِي ضُلَّال , خَارِجُونَ عَنْ طَاعَة اللَّه إِلَى مَعْصِيَته . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيم وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتهمَا النُّبُوَّة وَالْكِتَاب فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِير مِنْهُمْ فَاسِقُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا أَيّهَا النَّاس نُوحًا إِلَى خَلْقنَا , وَإِبْرَاهِيم خَلِيله إِلَيْهِمْ رُسُلًا { وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتهمَا النُّبُوَّة وَالْكِتَاب } وَكَذَلِكَ كَانَتْ النُّبُوَّة فِي ذُرِّيَّتهمَا , وَعَلَيْهِمْ أُنْزِلَتْ الْكُتُب : التَّوْرَاة , وَالْإِنْجِيل , وَالزَّبُور , وَالْفُرْقَان , وَسَائِر الْكُتُب الْمَعْرُوفَة { فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ } يَقُول : فَمِنْ ذُرِّيَّتهمَا مُهْتَدٍ إِلَى الْحَقّ مُسْتَبْصِر { وَكَثِير مِنْهُمْ } يَعْنِي مِنْ ذُرِّيَّتهمَا { فَاسِقُونَ } يَعْنِي ضُلَّال , خَارِجُونَ عَنْ طَاعَة اللَّه إِلَى مَعْصِيَته .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات} أي بالمعجزات البينة والشرائع الظاهرة. وقيل : الإخلاص لله تعالى في العبادة، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، بذلك دعت الرسل : نوح فمن دونه إلى محمد صلى الله عليه وسلم. { وأنزلنا معهم الكتاب} أي الكتب، أي أوحينا إليهم خبر ما كان قبلهم { والميزان} قال ابن زيد : هو ما يوزن به ومتعامل { ليقوم الناس بالقسط} أي بالعدل في معاملاتهم. وقوله { بالقسط} يدل على أنه أراد الميزان المعروف وقال قوم : أراد به العدل. قال القشيري : وإذا حملناه على الميزان المعروف، فالمعنى أنزلنا الكتاب ووضعنا الميزان فهو من باب : علفتها تبنا وماء باردا ويدل على هذا قوله تعالى { والسماء رفعها ووضع الميزان} [الرحمن : 7] ثم قال { وأقيموا الوزن بالقسط} [الرحمن : 9] وقد مضى القول فيه. { وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد} روى عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (إن الله أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض : الحديد والنار والماء والملح). وروى عكرمة عن ابن عباس قال : ثلاثة أشياء نزلت مع آدم عليه السلام : الحجر الأسود وكان أشد بياضا من الثلج، وعصا موسى وكانت من آس الجنة، طولها عشرة أذرع مع طول موسى، والحديد أنزل معه ثلاثة أشياء : السندان والكلبتان والميقعة وهي المطرقة، ذكره الماوردي. وقال الثعلبي : قال ابن عباس نزل آدم من الجنة ومعه من الحديد خمسة أشياء من آلة الحدادين : السندان، والكلبتان، والميقعة، والمطرقة، والإبرة. وحكاه القشيري قال : والميقعة ما يحدد به، يقال وقعت الحديدة أقعها أي حددتها. وفي الصحاح : والميقعة الموضع الذي يألفه البازي فيقع عليه، وخشية القصار التي يدق عليها، والمطرقة والمسن الطويل. وروي أن الحديد أنزل في يوم الثلاثاء. { فيه بأس شديد} أي لإهراق الدماء. ولذلك نهى عن الفصد والحجامة في يوم الثلاثاء؛ لأنه يوم جرى فيه الدم. روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : (في يوم الثلاثاء ساعة لا يرقأ فيها الدم). وقيل { أنزلنا الحديد} أي أنشأناه وخلقناه، كقوله تعالى { وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج} [الزمر : 6] وهذا قول الحسن. فيكون من الأرض غير منزل من السماء. وقال أهل المعاني : أي أخرج الحديد من المعادن وعلمهم صنعته بوحيه. { فيه بأس شديد} يعني السلاح والكراع والجنة. وقيل : أي فيه من خشية القتل خوف شديد. { ومنافع للناس} قال مجاهد : يعني جنة. وقيل : يعني انتفاع الناس بالماعون من الحديد، مثل السكين والفأس والإبرة ونحوه. { وليعلم الله من ينصره} أي أنزل الحديد ليعلم من ينصره. وقيل : هو عطف على قوله تعالى { ليقوم الناس بالقسط} أي أرسلنا رسلنا وأنزلنا معهم الكتاب، وهذه الأشياء، ليتعامل الناس بالحق، { وليعلم الله من ينصره} وليرى الله من ينصر دينه وينصر رسله { ورسله بالغيب} قال ابن عباس : ينصرونهم لا يكذبونهم، ويؤمنون بهم { بالغيب} أي وهم لا يرونهم. { إن الله قوي} { قوي} في أخذه { عزيز} أي منيع غالب. وقد تقدم. وقيل { بالغيب} بالإخلاص. قوله تعالى { ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم} فصل ما أجمل من إرسال الرسل بالكتب، وأخبر أنه أرسل نوحا وإبراهيم وجعل النبوة في نسلهما { وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب} أي جعلنا بعض ذريتهما الأنبياء، وبعضهم أمما يتلون الكتب المنزلة من السماء : التوراة والإنجيل والزبور والفرقان. وقال ابن عباس : الكتاب الخط بالقلم { فمنهم} أي من ائتم بإبراهيم ونوح { مهتد} وقيل { فمنهم مهتد} أي من ذريتهما مهتدون. { وكثير منهم فاسقون} كافرون خارجون عن الطاعة.


www.alro7.net