سورة
اية:

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ

تفسير بن كثير

يذكر تعالى أنه هو الذي أضل المشركين، وأن ذلك بمشيئته وكونه وقدرته، وهو الحكيم في أفعاله بما قيض لهم من القرناء من شياطين الإنس والجن، { فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم} أي حسنوا لهم أعمالهم فلم يروا أنفسهم إلا محسنين، كما قال تعالى: { وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون} ، وقوله: { وحق عليهم القول} أي كلمة العذاب كما حق على أمم قد خلت من قبلهم، ممن فعل كفعلهم من الجن والإنس، { إنهم كانوا خاسرين} أي استووا هم وإياهم في الخسار والدمار، وقوله تعالى: { وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن} أي تواصوا فيما بينهم ألا يطيعوا القرآن ولا ينقادوا لأوامره، { والغوا فيه} أي إذا تلي لا تسمعوا له، كما قال مجاهد { والغوا فيه} يعني بالمكاء والصفير والتخليط في المنطق على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا قرأ القرآن وكانت قريش تفعله، وقال الضحاك عن ابن عباس: { والغوا فيه} عيبوه، وقال قتادة: اجحدوا به وأنكروه وعادوه، { لعلكم تغلبون} هذا حال هؤلاء الجهلة من الكفار ومن سلك مسلكهم عند سماع القرآن، وقد أمر اللّه سبحانه وتعالى عباده المؤمنين بخلاف ذلك، فقال تعالى: { وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} ، ثم قال عزَّ وجلَّ: { فلنذيقن الذين كفروا عذاباً شديداً} أي في مقابلة ما اعتقدوه في القرآن وعند سماعه، { ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون} أي بشر أعمالهم وسيء أفعالهم، { ذلك جزاء أعداء اللّه النار لهم فيها دار الخلد جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون . وقال الذين كفروا ربنا أرنا اللذَيْن أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين} . عن علي رضي اللّه عنه في قوله تعالى: { اللذين أضلانا} قال: إبليس وابن آدم الذي قتل أخاه، فإبليس الداعي إلى كل شرّ من شرك فما دونه، وابن آدم الأول كما ثبت في الحديث: (ما قُتلت نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل) ""أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي""، وقولهم: { نجعلهما تحت أقدامنا} أي أسفل منا في العذاب ليكونا أشد عذاباً منا، ولهذا قالوا { ليكونا من الأسفلين} أي في الدرك الأسفل من النار، كما تقدم في الأعراف في سؤال الأتباع من اللّه تعالى أن يعذب قادتهم أضعاف عذابهم { قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون} أي أنه تعالى قد أعطى كلاً منهم ما يستحقه من العذاب والنكال بحسب عمله وإفساده، كما قال تعالى: { الذين كفروا وصدوا عن سبيل اللّه زدناهم عذاباً فوق العذاب بما كانوا يفسدون} .

تفسير الجلالين

{ وقال الذين كفروا } عند قراءة النبي صلى الله عليه وسلم { لا تسمعوا لهذا القرآن والغوْا فيه } ائتوا باللغط ونحوه وصيحوا في زمن قراءته { لعلكم تغلبون } فيسكت عن القراءة .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآن } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا } بِاللَّهِ وَرَسُوله مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْش : { لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآن وَالْغَوْا فِيهِ } يَقُول : قَالُوا لِلَّذِينَ يُطِيعُونَهُمْ مِنْ أَوْلِيَائِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ : لَا تَسْمَعُوا لِقَارِئِ هَذَا الْقُرْآن إِذَا قَرَأَهُ , وَلَا تُصْغُوا لَهُ , وَلَا تَتَّبِعُوا مَا فِيهِ فَتَعْمَلُوا بِهِ , كَمَا : 23544 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس قَوْله : { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآن وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ } قَالَ : هَذَا قَوْل الْمُشْرِكِينَ , قَالُوا : لَا تَتَّبِعُوا هَذَا الْقُرْآن وَالْهُوا عَنْهُ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآن } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا } بِاللَّهِ وَرَسُوله مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْش : { لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآن وَالْغَوْا فِيهِ } يَقُول : قَالُوا لِلَّذِينَ يُطِيعُونَهُمْ مِنْ أَوْلِيَائِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ : لَا تَسْمَعُوا لِقَارِئِ هَذَا الْقُرْآن إِذَا قَرَأَهُ , وَلَا تُصْغُوا لَهُ , وَلَا تَتَّبِعُوا مَا فِيهِ فَتَعْمَلُوا بِهِ , كَمَا : 23544 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس قَوْله : { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآن وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ } قَالَ : هَذَا قَوْل الْمُشْرِكِينَ , قَالُوا : لَا تَتَّبِعُوا هَذَا الْقُرْآن وَالْهُوا عَنْهُ . ' وَقَوْله : { وَالْغَوْا فِيهِ } يَقُول : الْغَطُوا بِالْبَاطِلِ مِنَ الْقَوْل إِذَا سَمِعْتُمْ قَارِئَهُ يَقْرَؤُهُ كَيْمَا لَا تَسْمَعُوهُ , وَلَا تَفْهَمُوا مَا فِيهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23545 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنِ الْقَاسِم بْن أَبِي بَزَّة , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآن وَالْغَوْا فِيهِ } قَالَ : الْمُكَاء وَالتَّصْفِير , وَتَخْلِيط مِنَ الْقَوْل عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَرَأَ , قُرَيْش تَفْعَلهُ . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَالْغَوْا فِيهِ } قَالَ : بِالْمُكَاءِ وَالتَّصْفِير وَالتَّخْلِيط فِي الْمَنْطِق عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَرَأَ الْقُرْآن , قُرَيْش تَفْعَلهُ . 23546 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآن وَالْغَوْا فِيهِ } : أَيْ اجْحَدُوا بِهِ وَأَنْكِرُوهُ وَعَادُوهُ , قَالَ : هَذَا قَوْل مُشْرِكِي الْعَرَب . 23547 -حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , قَالَ : قَالَ بَعْضهمْ فِي قَوْله : { وَالْغَوْا فِيهِ } قَالَ : تَحَدَّثُوا وَصِيحُوا كَيْمَا لَا تَسْمَعُوهُ. وَقَوْله : { وَالْغَوْا فِيهِ } يَقُول : الْغَطُوا بِالْبَاطِلِ مِنَ الْقَوْل إِذَا سَمِعْتُمْ قَارِئَهُ يَقْرَؤُهُ كَيْمَا لَا تَسْمَعُوهُ , وَلَا تَفْهَمُوا مَا فِيهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23545 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنِ الْقَاسِم بْن أَبِي بَزَّة , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآن وَالْغَوْا فِيهِ } قَالَ : الْمُكَاء وَالتَّصْفِير , وَتَخْلِيط مِنَ الْقَوْل عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَرَأَ , قُرَيْش تَفْعَلهُ . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَالْغَوْا فِيهِ } قَالَ : بِالْمُكَاءِ وَالتَّصْفِير وَالتَّخْلِيط فِي الْمَنْطِق عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَرَأَ الْقُرْآن , قُرَيْش تَفْعَلهُ . 23546 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآن وَالْغَوْا فِيهِ } : أَيْ اجْحَدُوا بِهِ وَأَنْكِرُوهُ وَعَادُوهُ , قَالَ : هَذَا قَوْل مُشْرِكِي الْعَرَب . 23547 -حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , قَالَ : قَالَ بَعْضهمْ فِي قَوْله : { وَالْغَوْا فِيهِ } قَالَ : تَحَدَّثُوا وَصِيحُوا كَيْمَا لَا تَسْمَعُوهُ. ' وَقَوْله : { لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ } يَقُول : لَعَلَّكُمْ بِفِعْلِكُمْ ذَلِكَ تَصُدُّونَ مَنْ أَرَادَ اسْتِمَاعه عَنْ اسْتِمَاعه , فَلَا يَسْمَعهُ , وَإِذَا لَمْ يَسْمَعهُ وَلَمْ يَفْهَمهُ لَمْ يَتْبَعهُ , فَتَغْلِبُونَ بِذَلِكَ مِنْ فِعْلكُمْ مُحَمَّدًا.وَقَوْله : { لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ } يَقُول : لَعَلَّكُمْ بِفِعْلِكُمْ ذَلِكَ تَصُدُّونَ مَنْ أَرَادَ اسْتِمَاعه عَنْ اسْتِمَاعه , فَلَا يَسْمَعهُ , وَإِذَا لَمْ يَسْمَعهُ وَلَمْ يَفْهَمهُ لَمْ يَتْبَعهُ , فَتَغْلِبُونَ بِذَلِكَ مِنْ فِعْلكُمْ مُحَمَّدًا.'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن} لما أخبر تعالى عن كفر قوم هود وصالح وغيرهم أخبر عن مشركي قريش وأنهم كذبوا القرآن فقالوا: { لا تسمعوا} . وقيل : معنى { لا تسمعوا} لا تطيعوا؛ يقال : سمعت لك أي أطعتك. { والغوا فيه} قال ابن عباس : قال أبو جهل إذا قرأ محمد فصيحوا في وجهه حتى لا يدري ما يقول. وقيل : إنهم فعلوا ذلك لما أعجزهم القرآن. وقال مجاهد : المعنى { والغوا فيه} بالمكاء والتصفيق والتخليط في المنطق حتى يصير لغوا. وقال الضحاك : أكثروا الكلام ليختلط عليه ما يقول. وقال أبو العالية وابن عباس أيضا : قعوا فيه. وعيبوه. { لعلكم تغلبون} محمدا على قراءته فلا يظهر ولا يستميل القلوب. وقرأ عيسى بن عمر والجحدري وابن أبي إسحاق وأبو حيوة وبكر بن حبيب السهمي { والغوا} بضم الغين وهي لغة من لغا يلغو. وقراءة الجماعة من لغي يلغى. قال الهروي : وقوله: { والغوا فيه} قيل : عارضوه بكلام لا يفهم. يقال : لغوت ألغو وألغى، ولغي يلغى ثلاث لغات. وقد مضى معنى اللغو في { البقرة} وهو ما لا يعلم له حقيقة ولا تحصيل. قوله تعالى: { فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا} قد تقدم أن الذوق يكون محسوسا، ومعنى العذاب الشديد : ما يتوالى فلا ينقطع. وقيل : هو العذاب في جميع أجزائهم. { ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون} أي ولنجزينهم في الآخرة جزاء قبح أعمالهم التي عملوها في الدنيا. وأسوأ الأعمال الشرك. { ذلك جزاء أعداء الله النار} أي ذلك العذاب الشديد، ثم بينه بقوله: { النار} وقرأ ابن عباس { ذلك جزاء أعداء الله النار دار الخلد} فترجم بالدار عن النار وهو مجاز الآية. و { ذلك} ابتداء و { جزاء} الخبر و { النار} بدل من { جزاء} أوخبر مبتدأ مضمر، والجملة في موضع بيان للجملة الأولى. قوله تعالى: { وقال الذين كفروا} يعني في النار فذكره بلفظ الماضي والمراد المستقبل { ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس} يعني إبليس وابن آدم الذي قتل أخاه. عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما؛ ويشهد لهذا القول الحديث المرفوع : (ما من مسلم يقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من ذنبه لأنه أول من سن القتل) خرجه الترمذي، وقيل : هو بمعنى الجنس وبني على التثنية لاختلاف الجنسين. { نجعلهما تحت أقدامنا} سألوا ذلك حتى يشتفوا منهم بأن يجعلوهم تحت أقدامهم { ليكونا من الأسفلين} في النار وهو الدرك الأسفل سألوا أن يضعف الله عذاب من كان سبب ضلالتهم من الجن والإنس. وقرأ ابن محيصن والسوسي عن أبي عمرو وابن عامر وأبو بكر والمفضل { أرنا} بإسكان الراء، وعن أبي عمرو أيضا باختلاسها. وأشبع الباقون كسرتها وقد تقدم في { الأعراف} .

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة فُصّلت الايات 20 - 30

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

يميَّز العربُ قديماً بمَلَكة عربية تتذوَّق اللغة وتجيد أساليبها وفنونها، بدليل أنهم جعلوا للكلمة مؤتمرات وأسواقاً، ففي حين كانت البلاد الأخرى تقيم المعارض والأسواق لترويج بضاعتهم، لم يكُنْ عند العرب بضاعة غير الكلام والفصاحة، فجعلوا لها سوقاً ينشد فيها أجود أشعارهم ثم يختارون أفضله، ويُعلقونه على أستار الكعبة، وهو أشرف مكان على الأرض، وهذا أمر لم يحدث في أي أمة أخرى.

لذلك اختار الحق سبحانه أمة العرب لتتلقي منهجه، وتبلغ دعوته سبحانه إلى خَلْقه ونزل عليهم القرآن لأنها الأمة الوحيدة التي ستفهم لغته وتتذوقها.

إذن: جاء القرآن على أمة لها نبوغٌ في اللغة والبيان لتكون مجالاً للتحدي، وحين تعجز أمام تحدِّي القرآن فعَجْز غيرها من باب أَوْلَى، وأيضاً فلم يجعل الله لهم تقدُّماً في شيء غير تقدمهم اللغوي والبياني؛ لأن مفتاح الدين ومعجزة الرسالة ستكون هي القرآن.

ولو كانت هذه الأمة أمةَ تقدُّم وحضارة في أيِّ مجال من المجالات غير اللغة لقالوا عن الإسلام ثورة حضارية، لا ليست أمة حضارية بل أمة أمية ورسولها أيضاً أُمِّي.

ومن هنا كانت هذه الأمة أمةَ تقدُّم وحضارة في أيِّ مجال من المجالات غير اللغة لقالوا عن الإسلام ثورة حضارية، لا ليست أمة حضارية بل أمة أمية ورسولها أيضاً أُمِّي.

ومن هنا كانت الأمية ميْزة وشرفاً لرسول الله، لكنها ليستْ شرفاً فينا نحن لأن أمية رسول الله تعني أنه لم تدخل عليه معلومة من البشر، وإنما كلّ معلوماته من الله، فمَنْ إذن ربَّاهُ، ومَنْ أدَّبه، ومَنْ علّمه؟ الله.

فإذا كانت الأمة أُميّة، ورسولها أمياً، فهذا دليلٌ على أن كلَّ منافذ الخير في هذه الأمة ليستْ من عند البشر.

وأيضاً تميزتْ هذه الأمة بأنها أمة ليس لها وطن، فالعربي موطنه خيمته يضعها حيث وُجد الماء والعشب ويحملها على بعيره إلى أيِّ مكان آخر حين يجفّ الماء أو ينتهي الكلأ، ليس له وطن ولا بناء يعزّ عليه أن يفارقه، فبيته على ظهر جمله، لذلك قال تعالى:
{  مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ.. }
[النحل 80].

شيء آخر، وهو الأهمّ أن العرب كانوا دائماً في محلّ قتال، وتظل الحربُ دائرةً بين القبائل إلى أربعين سنة، هذه الحروب جعلتهم كلهم أهل خبرة في فنون الحروب والقتال؛ لذلك ساعة احتاج رسول الله إلى جنود لنشر دعوته لم يُدرِّب أحداً على القتال، إنما وجد جنوداً جاهزين على أُهْبة الاستعداد للقتال، لذلك لم يكُنْ هناك مدارس حربية ولا معسكرات للتدريب.

فإذا أخذنا في الاعتبار أن العربي لم يكُنْ له وطن يرتبط به، وأنه ذو قدرة وكفاءة في فنون القتال، علماً أنه من السهل تكوين الجيش، ومن السهل إرسال جماعة هنا وجماعة هناك يحملون راية الإسلام، وقد أرسلهم رسول الله بالفعل إلى فارس وإلى الروم وإلى الحبشة.. إلخ فسَهُلَ ذلك عليهم.

لذلك لم يكُنْ لرسول الله جيشٌ مُعَدٌّ وموقوف للقتال، لأنه ليس في حاجة إلى هذا الجيش، فإنْ أراد القتال نادى فقط (حيَّ على الجهاد) فيجتمع عليه الصحابة خاصة الشباب منهم يتسابقون إلى الخروج مع رسول الله، لدرجة أن رسول الله كان يختار منهم فيقول: هذا يخرج وهذا لا يخرج، فكان الذي لا يقع عليه اختيار رسول الله يغضب وربما بكى لأنه لم يخرج للجهاد مع رسول الله.

إذن: تميَّزَتْ هذه الأمة بعدة خصال أهَّلتْهَا لأنْ تكون محلاً لمنهج الله وتبليغ رسالته، أولاً: كانت أمة بلاغة وفصاحة. ثانياً: كانت أمة ترحال لا توطن لهم. الثالث: أنهم كانوا على دراية بفنون الحرب والقتال ولم يحتاجوا إلى تدريب في معسكرات، بل كانوا على استعداد تام، كلما سمعوا هَيْعة طاروا إليها، وبذلك كانوا بطبيعتهم مُعدِّين لحَمْل هذه المهمة.

قوله تعالى حكاية عن كفار قريش: { وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ.. } [فصلت: 26] جاء نتيجة تمكُّن العربي من اللغة، وتذوّقه لها، وفَهْمه لمعانيها، فلو تركوا القوم يستمعون لمحمد وهو يقرأ القرآن لا بدَّ أنْ يتأثروا به، ولا بدَّ أنْ يميلوا وينجذبوا إليه، فما الحل؟

الحل عندهم { لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ.. } [فصلت: 26] لأنهم علموا علمَ اليقين أنهم لو سمعوا لأخذهم القرآن بجمال أسلوبه، وجلا معانيه، وقوة أدائه، ولو كانوا يعلمون خلافَ ذلك ما نَهَوْا قومهم عن سماعه.

ولم يقف الأمر عند النهي عن السماع، بل وشوَّشوا عليه حين يقرأ { وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ } [فصلت: 26] إذن وسيلة الغلبة ألاَّ تسمعوا للقرآن، وأنْ تُشوِّشوا عليه حين يقرأ حتى لا تُعْطوا فرصة لمَنْ يسمع أن يتدبر وقولهم { وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ } [فصلت: 26] يعني: احتمال تكُون لكم الغلبة، إنْ فعلتم ذلك فهو أمر غير مؤكد عندهم.

والدليل على ذلك على أنهم آمنوا ببلاغة القرآن وإعجاز القرآن، وآخر المطاف لما ضاقتْ بهم الحِيَل قالوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه مجنون وردَّ الله عليهم، فقال لرسوله:
{  وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ }
[القلم: 4] وهل للمجنون خلق، وخلق عظيم؟

قالوا ذلك وهم يعلمون صدق رسول الله وأمانته وحُسْن سيرته فيهم، فقالوا: ساحر والرد على هذا سهل، فلو أن محمداً سحر مَنْ آمن، به، فلماذا لم يَسْحركم كما سحركم، وتنتهي المسـألة؟ وقال: شاعر وكذبوا أيضاً، لأنهم أمة كلام وبيانٍ، ويعلمون جيداً ما الشعر، وما جرَّبوا على محمد شيئاً من هذا.

وفي نهاية الأمر اعترفوا بصدق القرآن وبلاغته وإعجازه، لكن اعترضوا على أنْ ينزل على محمد بالذات، فقالوا:
{  وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ }
[الزخرف: 31].

فالآفة ليستْ في القرآن، فالقرآن لا غبار عليه، الآفة في نزوله على محمد وهو فقير من عامة القوم، ليس سيِّداً من ساداتهم من عتبة وشيبة وغيرهما، وبذلك أقروا وشهدوا للقرآن بأنه كتاب كامل يستوعب كلَّ وجوه الخير وكمالات الخلْق اللازمة لصلاح الدنيا والآخرة، فاعتراضهم إذن على شخص رسول الله لا على القرآن.

لكنهم لم ينتبهوا إلى أنَّ شهادتهم للقرآن وإقرارهم بإعجازه أَوْلى عند رسول الله من شهادتكم له هو؛ لأن الذين آمنوا بالله وآمنوا بوحي الله كانوا أقربَ لرسول الله ممَّنْ أنكروه.

فالرومان لم يُصدِّقوا محمداً، لكنهم يؤمنون بكتاب ويؤمنون بوحي وبرسل، وفارس لم يكُنْ عندها هذا الإيمان الذين عند الرومان، فكانت قلوبُ رسول الله والمؤمنين تميل إلى الرومان، لأنهم أهلُ كتاب ويؤمنون بالله؛ لأن عصبية رسول الله لربه فوق عصبيته لنفسه، ألاَ ترى أن المسلمين حزنوا لما غُلِبَتْ الروم وفرحوا لما انتصروا بعد ذلك؟


www.alro7.net