سورة
اية:

يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ

تفسير بن كثير

هذه وصية من اللّه عزَّ وجلَّ لولاة الأمور، أن يحكموا بين الناس بالحق المنزل من عنده تبارك وتعالى، ولا يعدلوا عنه فيضلوا عن سبيل اللّه، وقد توعد تبارك وتعالى من ضل عن سبيله وتناسى يوم الحساب، بالوعيد الأكيد والعذاب الشديد، روى ابن أبي حاتم بسنده عن أبي زرعة - وكان قد قرأ الكتاب - أن الوليد بن عبد الملك قال له: أيحاسب الخليفة فإنك قد قرأت الكتاب الأول وقرأت القرآن وفقهت؟ فقلت: يا أمير المؤمنين أقول؟ قال: قل في أمان اللّه، قلت: يا أمير المؤمنين أنت أكرم على اللّه أو داود عليه الصلاة والسلام؟ إن اللّه تعالى جمع له النبوة والخلافة ثم توعده في كتابه فقال تعالى: { يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل اللّه} الآية ""أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي زرعة" "وقال عكرمة: { لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب} هذا من المقدم والمؤخر: لهم عذاب شديد يوم الحساب بما نسوا، وقال السدي: لهم عذاب شديد بما تركوا أن يعملوا ليوم الحساب، وهذا القول أظهر، واللّه سبحانه وتعالى الموفق للصواب.

تفسير الجلالين

{ يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض } تدبر أمر الناس { فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى } أي هوى النفس { فيضلك عن سبيل الله } أي عن الدلائل الدالة على توحيده { إن الذين يضلون عن سبيل الله } أي عن الإيمان بالله { لهم عذاب شديد بما نسوا } بنسيانهم { يوم الحساب } المرتب عليه تركهم الإيمان، وقالوا أيقنوا بيوم الحساب لآمنوا في الدنيا .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { يَا دَاوُد إِنَّا جَعَلْنَاك خَلِيفَة فِي الْأَرْض } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَقُلْنَا لِدَاوُدَ : يَا دَاوُد إِنَّا اِسْتَخْلَفْنَاك فِي الْأَرْض مِنْ بَعْد مَنْ كَانَ قَبْلك مِنْ رُسُلنَا حَكَمًا بَيْنَ أَهْلهَا , كَمَا : 22947 -حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ { إِنَّا جَعَلْنَاك خَلِيفَة } مُلْكه فِي الْأَرْض .وَقَوْله : { يَا دَاوُد إِنَّا جَعَلْنَاك خَلِيفَة فِي الْأَرْض } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَقُلْنَا لِدَاوُدَ : يَا دَاوُد إِنَّا اِسْتَخْلَفْنَاك فِي الْأَرْض مِنْ بَعْد مَنْ كَانَ قَبْلك مِنْ رُسُلنَا حَكَمًا بَيْنَ أَهْلهَا , كَمَا : 22947 -حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ { إِنَّا جَعَلْنَاك خَلِيفَة } مُلْكه فِي الْأَرْض .' { فَاحْكُمْ بَيْن النَّاس بِالْحَقِّ } يَعْنِي : بِالْعَدْلِ وَالْإِنْصَاف { فَاحْكُمْ بَيْن النَّاس بِالْحَقِّ } يَعْنِي : بِالْعَدْلِ وَالْإِنْصَاف' { وَلَا تَتَّبِع الْهَوَى } يَقُول : وَلَا تُؤْثِر هَوَاك فِي قَضَائِك بَيْنهمْ عَلَى الْحَقّ وَالْعَدْل فِيهِ , فَتَجُور عَنْ الْحَقّ { وَلَا تَتَّبِع الْهَوَى } يَقُول : وَلَا تُؤْثِر هَوَاك فِي قَضَائِك بَيْنهمْ عَلَى الْحَقّ وَالْعَدْل فِيهِ , فَتَجُور عَنْ الْحَقّ' { فَيُضِلّك عَنْ سَبِيل اللَّه } يَقُول : فَيَمِيل بِك اِتِّبَاعك هَوَاك فِي قَضَائِك عَلَى الْعَدْل وَالْعَمَل بِالْحَقِّ عَنْ طَرِيق اللَّه الَّذِي جَعَلَهُ لِأَهْلِ الْإِيمَان فِيهِ , فَتَكُون مِنْ الْهَالِكِينَ بِضَلَالِك عَنْ سَبِيل اللَّه. { فَيُضِلّك عَنْ سَبِيل اللَّه } يَقُول : فَيَمِيل بِك اِتِّبَاعك هَوَاك فِي قَضَائِك عَلَى الْعَدْل وَالْعَمَل بِالْحَقِّ عَنْ طَرِيق اللَّه الَّذِي جَعَلَهُ لِأَهْلِ الْإِيمَان فِيهِ , فَتَكُون مِنْ الْهَالِكِينَ بِضَلَالِك عَنْ سَبِيل اللَّه.' وَقَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيل اللَّه لَهُمْ عَذَاب شَدِيد بِمَا نَسُوا يَوْم الْحِسَاب } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ الَّذِينَ يَمِيلُونَ عَنْ سَبِيل اللَّه , وَذَلِكَ الْحَقّ الَّذِي شَرَعَهُ لِعِبَادِهِ , وَأَمَرَهُمْ بِالْعَمَلِ بِهِ , فَيَجُورُونَ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا , لَهُمْ فِي الْآخِرَة يَوْم الْحِسَاب عَذَاب شَدِيد عَلَى ضَلَالهمْ عَنْ سَبِيل اللَّه بِمَا نَسُوا أَمْر اللَّه , يَقُول : بِمَا تَرَكُوا الْقَضَاء بِالْعَدْلِ , وَالْعَمَل بِطَاعَةِ اللَّه { يَوْم الْحِسَاب } مِنْ صِلَة الْعَذَاب الشَّدِيد. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22948 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْعَوَّام , عَنْ عِكْرِمَة , فِي قَوْله : { عَذَاب شَدِيد بِمَا نَسُوا يَوْم الْحِسَاب } قَالَ : هَذَا مِنْ التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير , يَقُول : لَهُمْ يَوْم الْحِسَاب عَذَاب شَدِيد بِمَا نَسُوا . 22949 -حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَوْله : { بِمَا نَسُوا يَوْم الْحِسَاب } قَالَ : نَسُوا : تَرَكُوا .وَقَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيل اللَّه لَهُمْ عَذَاب شَدِيد بِمَا نَسُوا يَوْم الْحِسَاب } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ الَّذِينَ يَمِيلُونَ عَنْ سَبِيل اللَّه , وَذَلِكَ الْحَقّ الَّذِي شَرَعَهُ لِعِبَادِهِ , وَأَمَرَهُمْ بِالْعَمَلِ بِهِ , فَيَجُورُونَ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا , لَهُمْ فِي الْآخِرَة يَوْم الْحِسَاب عَذَاب شَدِيد عَلَى ضَلَالهمْ عَنْ سَبِيل اللَّه بِمَا نَسُوا أَمْر اللَّه , يَقُول : بِمَا تَرَكُوا الْقَضَاء بِالْعَدْلِ , وَالْعَمَل بِطَاعَةِ اللَّه { يَوْم الْحِسَاب } مِنْ صِلَة الْعَذَاب الشَّدِيد. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22948 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْعَوَّام , عَنْ عِكْرِمَة , فِي قَوْله : { عَذَاب شَدِيد بِمَا نَسُوا يَوْم الْحِسَاب } قَالَ : هَذَا مِنْ التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير , يَقُول : لَهُمْ يَوْم الْحِسَاب عَذَاب شَدِيد بِمَا نَسُوا . 22949 -حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَوْله : { بِمَا نَسُوا يَوْم الْحِسَاب } قَالَ : نَسُوا : تَرَكُوا .'

تفسير القرطبي

فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: { إنا جعلناك خليفة في الأرض} أي ملكناك لتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فتخلف من كان قبلك من الأنبياء والأئمة الصالحين وقد مضى في { البقرة} القول في الخليفة وأحكامه مستوفى والحمد لله. الثانية: قوله تعالى: { فاحكم بين الناس بالحق} أي بالعدل وهو أمر على الوجوب وقد ارتبط هذا بما قبله، وذلك أن الذي عوتب عليه داود طلبه المرأة من زوجها وليس ذلك بعدل. فقيل له بعد هذا؛ فاحكم بين الناس بالعدل: { ولا تتبع الهوى} أي لا تقتد بهواك المخالف لأمر الله. { فيضلك عن سبيل الله} أي عن طريق الجنة. { إن الذين يضلون عن سبيل الله} أي يحيدون عنها ويتركونها { لهم عذاب شديد} في النار { بما نسوا يوم الحساب} أي بما تركوا من سلوك طريق الله؛ فقوله: { نسوا} أي تركوا الإيمان به، أو تركوا العمل به فصاروا كالناسين. ثم قيل : هذا لداود لما أكرمه الله بالنبوة. وقيل : بعد أن تاب عليه وغفر خطيئته. الثالثة: الأصل في الأقضية قوله تعالى: { يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق} وقوله: { وأن احكم بينهم بما أنزل الله} [المائدة : 49] وقوله تعالى: { لتحكم بين الناس بما أراك الله} [النساء : 105] وقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط} [المائدة : 8] الآية. وقد تقدم الكلام فيه. الرابعة: قال ابن عباس في قوله تعالى: { يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله} قال : إن ارتفع لك الخصمان فكان لك في أحدهما هوى، فلا تشته في نفسك الحق له ليفلح على صاحبه، فإن فعلت محوت اسمك من نبوتي، ثم لا تكون خليفتي ولا أهل كرامتي. فدل هذا على بيان وجوب الحكم بالحق، وألا يميل إلى أحد الخصمين لقرابة أو رجاء نفع، أو سبب يقتضي الميل من صحبة أوصداقة، أوغيرهما. وقال ابن عباس : إنما ابتلي سليمان بن داود عليه السلام، لأنه تقدم إليه خصمان فهوي أن يكون الحق لأحدهما. وقال عبدالعزيز بن أبي رواد : بلغني أن قاضيا كان في زمن بني إسرائيل، بلغ من اجتهاده أن طلب إلى ربه أن يجعل بينه وبينه علما، إذا هو قضى بالحق عرف ذلك؛ وإذا هو قصر عرف ذلك، فقيل له : ادخل منزلك، ثم مد يدك في جدارك، ثم انظر حيث تبلغ أصابعك من الجدار فاخطط عندها خطا؛ فإذا أنت قمت من مجلس القضاء، فارجع إلى ذلك الخط فامدد يدك إليه، فإنك متى ما كنت على الحق فإنك ستبلغه، وإن قصرت عن الحق قصر بك، فكان يغدو إلى القضاء وهو مجتهد فكان لا يقضي إلا بحق، وإذا قام من مجلسه وفرغ لم يذق طعاما ولا شرابا، ولم يفض إلى أهله بشيء من الأمور حتى يأتي ذلك الخط، فإذا بلغه حمد الله وأفضى إلى كل ما أحل الله له من أهل أو مطعم أو مشرب. فلما كان ذات يوم وهو في مجلس القضاء، أقبل إليه رجلان يريدانه : فوقع في نفسه أنهما يريدان أن يختصما إليه، وكان أحدهما له صديقا وخدنا، فتحرك قلبه عليه محبة أن يكون الحق له فيقضي له، فلما أن تكلما دار الحق على صاحبه فقضى عليه، فلما قام من مجلسه ذهب إلى خطه كما كان يذهب كل يوم، فمد يده إلى الخط فإذا الخط قد ذهب وتشمر إلى السقف، وإذا هو لا يبلغه فخر ساجدا وهو يقول : يا رب شيئا لم أتعمده ولم أرده فبينه لي. فقيل له : أتحسبن أن الله تعالى لم يطلع على خيانة قلبك، حيث أحببت أن يكون الحق لصديقك لتقضي له به، قد أردته وأحببته ولكن الله قد رد الحق إلى أهله وأنت كاره. وعن ليث قال : تقدم إلى عمر بن الخطاب خصمان فأقامهما، ثم عادا فأقامهما، ثم عادا ففصل بينهما، فقيل له في ذلك، فقال : تقدما إلي فوجدت لأحدهما ما لم أجد لصاحبه، فكرهت أن أفصل بينهما على ذلك، ثم، عادا فوجدت بعض ذلك له، ثم عادا وقد ذهب ذلك ففصلت بينهما. وقال الشعبي : كان بين عمر وأُبيّ خصومة، فتقاضيا إلى زيد بن ثابت، فلما دخلا عليه أشار لعمر إلى وسادته، فقال عمر : هذا أول جورك؛ أجلسني وإياه مجلسا واحدا؛ فجلسا بين يديه. الخامسة: هذه الآية تمنع من حكم الحاكم بعلمه؛ لأن الحكام لو مكنوا أن يحكموا بعلمهم لم يشأ أحدهم إذا أراد أن يحفظ وليه ويهلك عدوه إلا ادعى علمه فيما حكم به. ونحو ذلك روي عن جماعة من الصحابة منهم أبو بكر؛ قال : لو رأيت رجلا على حد من حدود الله، ما أخذته حتى يشهد على ذلك غيري. وروي أن امرأة جاءت إلى عمر فقالت له : احكم لي على فلان بكذا فإنك تعلم ما لي عنده. فقال لها : إن أردت أن أشهد لك فنعم وأما الحكم فلا. وفي صحيح مسلم عن ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بيمين وشاهد؛ و""روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اشترى فرسا فجحده البائع، فلم يحكم عليه بعلمه وقال : (من يشهد لي) فقام خزيمة فشهد فحكم. خرج الحديث أبو داود وغيره وقد مضى في { البقرة} .

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

كلمة { خَلِيفَةً } [ص: 26] هنا إما خليفة لله في الأرض خلافة عامة لأن الإنسان كله خليفة لكنه عليه السلام عمدة على الخليفة، أو خليفة الأنبياء في حَمْل رسالاتهم إلى الناس، وما دام هو مستخلفاً فهو موظف إنْ أحسنَ الوظيفة دامتْ له، وإنْ لم يحسن نُزِعَتْ منه.

فآفة الإنسان أنه إذا ما استجابتْ له الأشياء وطاوعتْه الأسباب يظن أنه صار أصيلاً في الكون، ونسي أنه مُسْتخلف غيرِ أصيل، إنما لو ظَلَّ على ذِكْرِ لخلافته في الأرض، وأنه من الممكن أنْ يُعزِلَ عن الخلافة في أيِّ وقت لظلَّ مؤدباً مع ربه الذي استخلفه:
{  كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ }
[العلق: 6-7].

وقوله تعالى { فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ } [ص: 26] يعني: ما دُمْتَ خليفة لله في الأرض تعمرها بالأحكام وتقيم فيها الحق { فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ } [ص: 26] وهذه نصيحة غالية لكل مَنْ يحكم بين الناس، فالحق أمامك نبراس يهديك، فضعْهُ في موضعه أياً كان، ولا تتبع هواك لأن الرأي يُفسِده الهوى.

لذلك وقف بعض المفكرين أمام قول الله تعالى عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:
{  وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ }
[النجم: 3-4].

قالوا: ما دام هو وَحْي يُوحَى، فلماذا يُعدِّل الله له كما في قوله سبحانه:
{  عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ.. }
[التوبة: 43].

وقوله تعالى:
{  يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ }
[التحريم: 1].

وقوله تعالى:
{  عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَآءَهُ ٱلأَعْمَىٰ }
[عبس: 1-2].

قالوا: إن الحق سبحانه لا يعدل لرسوله، إنما يخبر أنه لا هوى له يجعله يميل عند الحكم، فهو صلى الله عليه وسلم يدخل على المسألة بدون هوى، سواء أكان الأمر من عند الله أو من المفوَّض له أنْ يشرع فيه.

والحق سبحانه حينما أراد أنْ يحدد مهمة رسوله صلى الله عليه وسلم حدَّد مهمة كتابه بأنه كتاب مُعجز، ويحمل أصول المنهج لا فروعه، وأنه مهيمن على غيره من الكتب السابقة، لأن الكتب السابقة عليه أثبتَ الله أنها بُدِّلَتْ وحُرِّقت، فلم يأمن عليها المؤمنين بها كما قال سبحانه:
{  بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ.. }
[المائدة: 44].

ومعنى استحفظوا: طُلب منهم حفظه وحفظ منهجه، فحِفْظ الكتاب المنزَّل كان تكليفاً والتكليف عُرْضة أَنْ يُطاع وأنْ يُعصَى، وهؤلاء عَصَوْا وبدَّلوا وحرَّفوا، كما قال الله
{  وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ }
[المائدة: 13] والذين لم ينسوا حرَّفوا
{  يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ }
[المائدة: 13] ومنهم مَنْ جاء بكلام من عند نفسه، وأدخله في كلام الله
{  وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ }
[آل عمران: 78].

إذن: مثل هؤلاء لا يُؤتَمنون على حفظ كتاب الله، وقد ثبت ذلك بهذه التجربة، لذلك لم يجعل الحق سبحانه حِفْظ القرآن إلى المؤمنين به، إنما تكفَّل سبحانه بحفظ القرآن، فقال سبحانه:
{  إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }
[الحجر: 9].

ولأن الحق سبحانه جعل لنبيه محمد هذه المنزلة أراد أنْ يُبينها، فقال: " مَثَلي ومَثَل الأنبياء من قَبْلي كَمَثَل رجل بنى بيتاً فحسَّنه وأجمله، إلا موضعَ لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هَلاَّ وُضِعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين ".

والحق سبحانه يُبيِّن منزلة رسوله في إكمال الأديان، فيقول
{  ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي.. }
[المائدة: 3] ليس هذا فحسب، إنما يعطيه مهمة أخرى، هي صيانة هذه الأديان به وبالعلماء الذين يخلفون مَنْ بعده، لذلك قال سبحانه:
{  لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً.. }
[البقرة: 143]

فالرسول يشهد أنه بلغنا، وعلينا أنْ نمد رسالة رسول الله، فنشهد أننا بلغنا الناس من بعده. لذلك يحذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من طائفة تأتي ممَّن لا يؤمنون بسنته يقولون: علينا بكتاب الله فما وجدنا فيه من حلال حللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه.

وحين تتتبع لفظ الطاعة في القرآن تجد أنه أتى على صور متعددة.

فمرة يقول:
{  وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ }
[التغابن: 12] بتكرار الأمر بالطاعة.

ومرة يقول:
{  وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ }
[آل عمران: 132] بدون تكرار لفعل الأمر.

ومرة يقول:
{  أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ }
[الأنفال: 20]

فتكرار الأمر بالطاعة مرة لله ومرة لرسول الله حين يكون لله أمر في القضية الإجمالية مثل الصلاة مثلاً، ولرسول الله أمر في تفصيل كيفية الصلاة. فإنْ توارد أمر رسول الله مع أمر الله جاء الأمر واحداً بدون تكرار، فإنْ كان الأمر خاصاً برسول الله، ولم يردْ فيه من الله شيء قال: أطيعوا الرسول.

لذلك تلحظ العظمة في الأداء في قوله تعالى:
{  يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ }
[النساء: 59] ولم يقل: وأطيعوا أولي الأمر، لماذا؟ ليلفتنا إلى أن طاعة أُولي الأمر من باطن طاعة الله، وطاعة رسول الله يعني ليس لهم طاعة خاصة بهم؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

وقوله تعالى { فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ } [ص: 26]

أي: حكماً عاماً للناس جميعاً ليس خاصاً بك، وهنا لا بُدَّ أنْ نذكر قوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:
{  إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً }
[النساء: 105]

ولهذه الآية قصة، فقد نزلت في كل من زيد بن السمين، وكان رجلاً أميناً مع أنه يهودي، وفي قتادة بن النعمان وطعمة بن أبيرق، فقد كان لقتادة دِرْع سرقه ابن أبيرق واتهِم فيه اليهودي ابن السمين، وبعد استقصاء الأمر وجدوا الدرع عند ابن أبيرق المسلم وظهرت براءة اليهودي.وهنا أسرع الناس إلى رسول الله حتى لا يحكم على المسلم، فتكون سبة في حق المسلمين أمام اليهود، فتردَّد رسولُ الله في المسألة، فأنزل الله عليه:
{  إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ }
[النساء: 105] أي: الناس جميعاً اليهود والنصارى والمسلمين وفعلاً حكم رسول الله على المسلم وبرَّأ ساحة اليهودي ولم يُبَال أحد لا رسولُ الله ولا المسلمون بأنْ ينتصر اليهودي على المسلم؛ لأن الحق أعزُّ من هذا ومن ذاك.

وحين رأى اليهودُ رسولَ الله يحكم لليهودي ويدين المسلم أقبلوا على الإسلام، وأسلم منهم كثيرون على رأسهم (مخيريق) الذي أعلن إسلامه، ووهب كل ماله لرسول الله، ثم خرج للغزو لما أعجله النفير قبل أن يصلي لله ركعة واحدة، وقُتِل (مخيريق) في هذه الغزو شهيداً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه: " نِعْمَ مُخيريق، دخل الجنة ولم يُصَلِّ لله ركعة ".

هذا معنى { فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ.. } [ص: 26]

ومعنى { خَلِيفَةً } [ص: 26] أن الله استخلفنا جميعاً في الأرض، وجعل للمستخلفين خليفة يدبر أمرهم ويحكم بينهم فيما اختلفوا فيه بمنهج من استخلف الكُلُّ. أو خليفة للرسل الذين سبقوه يُنبه إلى ما انطمس من مواكب الحق في الخَلْق، والحكومة بين الناس لا تكون إلا عن اختلاف بينهم؛ لأنهم لو لم يختلفوا ما تحاكموا، وما لم يختلف فيه الناس فلا دَخْلَ للحاكم فيه إلا أنْ يكونوا قد اختلفوا مع الحق الأعلى، فعندها لا بُدَّ أنْ يتدخَّل.

وكلمة { بِٱلْحَقِّ.. } [ص: 26] الحق يعني: الشيء الثابت الذي لا يتغير، وهذا لله تعالى، أما الإنسان فأموره تتغير ولا تستقر على حال، ونحن منها أغيار، لكن الحكم الذي يحكم حركة الإنسان ما دام من الله فهو ثابت لا يتغير، وما دام الله تعالى قد أتمَّ النعمة وأكمل الدين ورضي الإسلام، فلا استدراك لأحد عليه في شيء من الأشياء؛ لأن الاستدراك طَعْنٌ في استقصاء الله لحكمة الحكم.

والحق يقابله الباطل، وقد يعلو الباطل في بعض الأحيان، لكن يظل الحق هو الحق حتى يعلوَ في نهاية المطاف. والحق سبحانه يترك الباطلَ يعلو في بعض الأحيان لحكمة، هي أن يعضَّ الباطلُ الناسَ، ويكويهم بناره لتظهر لهم حلاوة الحق، فإذا لَذَعهم مُرُّ الباطل فزعوا هم إلى طلب الحق.

إذن: فإنْ عَلاَ الباطل فالحق أعْلَى، وقد ضرب لنا الحق سبحانه مثلاً يوضح هذه المسألة، فقال سبحانه:
{  أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ }
[الرعد: 17].

إذن: فالحق ثابت، وبهذا الثبات نفهم أن المناهج الإلهية ما جاءت لتجعل كلمة الله هي العليا، إنما جاءت لتجعلَ كلمة الذين كفروا السفلى، وهذا المعنى واضح في قوله تعالى:
{  وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا.. }
[التوبة: 40] فلم يعطف الثانية على الأولى، ولم يقل: وكلمة الله هي العليا. لأن كلمة الله ليستْ جعلاً، وإنما هي شيء ثابت، وهي حَقٌّ أزلاً.

ثم يقول سبحانه مخاطباً سيدنا داود: { وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ... } [ص: 26] الهوى: مَيْلُ النفس إلى شيء تهواه بغَضِّ النظر عن منهج يحكمه، والهوى يختلف باختلاف الناس، حتى الأصدقاء الحميمون المتلازمون في المأكل والمشرب والميول إذا ذهبوا لشراء شيء اشتروا أشياء مختلفة وألواناً متباينة.

نعم، هناك جامعة تجمعهم هي الصداقة، لكن الأهواء مختلفة، فإذا كان هواي يخالف هواك، فلا بُدَّ أنْ نرجع إلى شيء لا نختلف فيه، فإنْ كان هذا الشيء الذي لا نختلف فيه من أعلى مِنّا فلا غضاضة، الغضاضة تأتي حين تخضع لمن يساويك وتحكّمه، وتنتهي إلى رأيه.

لذلك الحق سبحانه يحكم هذه المسألة بقوله تعالى:
{  وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ.. }
[المؤمنون: 71]

ونحن نفهم أن اختلاف الأهواء يفسد الحياة على الأرض، لكن كيف يفسد السماء؟ ولماذا بدأ بفساد السماوات قبل الأرض؟

قالوا: نعم، لأن الفساد سيتعدَّى فسادَ الأرض، ويفسد أيضاً السماء، بمعنى أنه سيفسد حكم الله المنزَّل من السماء، وما دام سيفسد حكم الله المنزَّل من السماء وهو الحق، وهذا الفساد سابق لفساد ما على الأرض.

لذلك لم يقولوا:
{  أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً.. }
[الإسراء: 92] هذا هوى، ولو أجابهم الله فيما طلبوا لفَسدتْ فعلاً السماوات والأرض، فمن رحمة الله بالخَلْق أنْ عَصَم أهواءهم في المناهج النظرية التي تحكم الناس فيما يختلفون فيه، أما الشيء الذي لا يُختلف فيه فتركه لكم تربعون فيه كما تشاءون.

فإنْ قلتَ: فلماذا ترك لهم الأمور التي لا اختلاف فيها؟ نقول: لأنهم سينتهون فيها إلى حَقٍّ واحد مجْمع عليه، وهذا ما نراه مثلاً في العلوم المادية التجريبية، فهي مجال مفتوح للجميع، الروس مثل الأمريكان، بل نراهم يجعلون على هذه العلوم حواجز حديدية حتى لا تصل إلى غيرهم، والبعض يتلصَّص ويسرق ما وصل إليه الآخرون.

إذن: فالشيء الذي سنتفق فيه لا تتدخَّل فيه السماء، وهذه المسألة حكمها سيدنا رسول الله، وأعطانا مثالاً في نفسه صلى الله عليه وسلم في مسألة تأبير النخل، فلما اقترح عليهم عدم تأبير النخل فسد في هذا العام ولم يثمر، فقال صلى الله عليه وسلم: " أنتم أعلم بشئون دنياكم ".

لماذا؟ لأنكم ستصلون بالتجربة إلى شيء واحد، تتفقون عليه وتسرقونه من الآخرين، أما في الأهواء فهي مختلفة من واحد لآخر، ويحصل منها الصدام بارداً كان أو حاراً.ثم يُبيِّن الحقُّ سبحانه العِلَّة من النهي عن اتباع الهوى، فيقول: { فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ... } [ص: 26] يعني: لا تتبع الهوى، لأن اتباع الهوى يُضلّك عن سبيل الله، وقد أوضح لنا النبي صلى الله عليه وسلم هذه المسألة حين خَطَّ للصحابة خطاً مستقيماً، وخَطَّ حوله خطوطاً متعددة، ثم تلا:
{  وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ.. }
[الأنعام: 153]

وتفرُّق السُّبُل ينشأ من الاختلاف مهما كان يسيراً، (فالمللي) الواحد يُفرِّق السبل، ولو رسمتَ خطَّيْن من مركز واحد ومال أحدهما عن الآخر (مللي) واحد لنتج عن ذلك تباعدهما بالتدريج كلما بَعُدَا عن المركز، أرأيتَ مثلاً المحولجي الذي يقوم بتحويل مسار القطار ماذا يفعل؟ إنه يحرك طرف القضيب الذي لا يتجاوز سمكه خمسة (مللي) متر، فينتج عن هذه الحركة تحويل مسار القطار من الإسكندرية إلى أسوان.

وهكذا تتفرق السبل، وينشأ عن الاختلاف اليسير اختلاف عظيم، فالتباعد الهيِّن البسيط عند المركز ينتج عنه تباعد واسع كلما طالت المسافة، وكما يكون التفرُّق في السُّبُل المتعددة يكون التفرق كذلك في الطريق الواحد حين يكون واسعاً يسمح بالتفرق.

فمثلاً الطريق الصحراوي إلى الإسكندرية طريق واسع من اتجاهين، ويمكنك أنْ تسير في أحدهما بطريقة ملتوية تميل مرة إلى اليمين ومرة إلى اليسار، فينشأ عن ذلك طول الطريق؛ لذلك قالوا سواء السبيل يعني: أن تجعل الجانبين على سواء.

ثم يوضح الحق سبحانه عاقبة الضلال والانحراف عن جادة الطريق، فيقول: { إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ } [ص: 26]

إذن: فالغفلة عن هذا اليوم ونسيان العاقبة هو سبب الوقوع في العذاب الشديد، فلو ذكر الإنسانُ الجزاءَ على السيئة ما فعلها، ولو ذكر ثوابَ الحسنة مَا غفل عنها، ولا تكاسل عن أدائها.


www.alro7.net