سورة
اية:

وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: { وله من في السموات والأرض} أي ملكه وعبيده { كل له قانتون} أي خاضعون خاشعون طوعاً وكرهاً، وقوله: { وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} ، قال ابن عباس: يعني أيسر عليه، وقال مجاهد: الإعادة أهون عليه من البداءة، والبداءة عليه هينة، وروى البخاري عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (يقول اللّه تعالى كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ اللّه ولداً، وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد) ""أخرجه البخاري وأحمد""، وقال آخرون: كلاهما بالنسبة إلى القدرة على السواء، وقال العوفي عن ابن عباس: كلّ عليه هيِّن، وقوله: { وله المثل الأعلى في السموات والأرض} ، قال ابن عباس: كقوله تعالى: { ليس كمثله شيء} وقال قتادة: مثله أنه لا إله إلا هو ولا رب غيره، قوله: { وهو العزيز الحكيم} وهو العزيز الذي لا يغالب ولا يمانع، بل قد غلب كل شيء، وقهر كل شيء بقدرته وسلطانه { الحكيم} في أقواله وأفعاله، وعن مالك في قوله تعالى: { وله المثل الأعلى} قال: لا إله إلا اللّه.

تفسير الجلالين

{ وله من في السماوات والأرض } ملكا وخلقا وعبيدا { كل له قانتون } مطيعون.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض كُلّ لَهُ قَانِتُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض مِنْ مَلَك وَجِنّ وَإِنْس عَبِيد وملك { كُلّ لَهُ قَانِتُونَ } يَقُول : كُلّ لَهُ مُطِيعُونَ , فَيَقُول قَائِل : وَكَيْفَ قِيلَ { كُلّ لَهُ قَانِتُونَ } وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ أَكْثَر الْإِنْس وَالْجِنّ لَهُ عَاصُونَ ؟ فَنَقُول : اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَنَذْكُر اِخْتِلَافهمْ , ثُمَّ نُبَيِّن الصَّوَاب عِنْدنَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْقَوْل , فَقَالَ بَعْضهمْ : ذَلِكَ كَلَام مَخْرَجه مَخْرَج الْعُمُوم , وَالْمُرَاد بِهِ الْخُصُوص , وَمَعْنَاهُ : كُلّ لَهُ قَانِتُونَ فِي الْحَيَاة وَالْبَقَاء وَالْمَوْت , وَالْفَنَاء وَالْبَعْث وَالنُّشُور , لَا يَمْتَنِع عَلَيْهِ شَيْء مِنْ ذَلِكَ , وَإِنْ عَصَاهُ بَعْضهمْ مِنْ غَيْر ذَلِكَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21273 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { وَمِنْ آيَاته أَنْ تَقُوم السَّمَاء وَالْأَرْض بِأَمْرِهِ } إِلَى { كُلّ لَهُ قَانِتُونَ } يَقُول : مُطِيعُونَ , يَعْنِي الْحَيَاة وَالنُّشُور وَالْمَوْت , وَهُمْ عَاصُونَ لَهُ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْعِبَادَة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : كُلّ لَهُ قَانِتُونَ بِإِقْرَارِهِمْ بِأَنَّهُ رَبّهمْ وَخَالِقهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21274 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { كُلّ لَهُ قَانِتُونَ } : أَيْ مُطِيع مُقِرّ بِأَنَّ اللَّه رَبّه وَخَالِقه . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ عَلَى الْخُصُوص , وَالْمَعْنَى : وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض مِنْ مَلَك وَعَبْد مُؤْمِن لِلَّهِ مُطِيع دُون غَيْرهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21275 -حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { كُلّ لَهُ قَانِتُونَ } قَالَ : كُلّ لَهُ مُطِيعُونَ . الْمُطِيع : الْقَانِت , قَالَ : وَلَيْسَ شَيْء إِلَّا وَهُوَ مُطِيع , إِلَّا اِبْن آدَم , وَكَانَ أَحَقّهمْ أَنْ يَكُون أَطْوَعهمْ لِلَّهِ . وَفِي قَوْله { وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } 2 238 قَالَ : هَذَا فِي الصَّلَاة , لَا تَتَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاة كَمَا يَتَكَلَّم أَهْل الْكِتَاب فِي الصَّلَاة , قَالَ : وَأَهْل الْكِتَاب يَمْشِي بَعْضهمْ إِلَى بَعْض فِي الصَّلَاة , قَالَ : وَيَتَقَابَلُونَ فِي الصَّلَاة , فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ , قَالُوا : لِكَيْ تَذْهَب الشَّحْنَاء مِنْ قُلُوبنَا تَسْلَم قُلُوب بَعْضنَا لِبَعْضٍ , فَقَالَ اللَّه : وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ لَا تَزُولُوا كَمْ يَزُولُونَ . قَانِتِينَ : لَا تَتَكَلَّمُوا كَمَا يَتَكَلَّمُونَ. قَالَ : فَأَمَّا مَا سِوَى هَذَا كُلّه فِي الْقُرْآن مِنْ الْقُنُوت فَهُوَ الطَّاعَة , إِلَّا هَذِهِ الْوَاحِدَة . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ الْقَوْل الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَهُوَ أَنَّ كُلّ مَنْ فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض مِنْ خَلْق لِلَّهِ مُطِيع فِي تَصَرُّفه فِيمَا أَرَادَ تَعَالَى ذِكْره مِنْ حَيَاة وَمَوْت , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ , وَإِنْ عَصَاهُ فِيمَا يَكْسِبهُ بِقَوْلِهِ , وَفِيمَا لَهُ السَّبِيل إِلَى اِخْتِيَاره وَإِيثَاره عَلَى خِلَافه . وَإِنَّمَا قُلْت : ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , لِأَنَّ الْعُصَاة مِنْ خَلْقه فِيمَا لَهُمْ السَّبِيل إِلَى اِكْتِسَابه كَثِير عَدَدهمْ , وَقَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْره عَنْ جَمِيعهمْ أَنَّهُمْ لَهُ قَانِتُونَ , فَغَيْر جَائِز أَنْ يُخْبِر عَمَّنْ هُوَ عَاصٍ أَنَّهُ لَهُ قَانِت فِيمَا هُوَ لَهُ عَاصٍ. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَاَلَّذِي فِيهِ عَاصٍ هُوَ مَا وَصَفْت , وَاَلَّذِي هُوَ لَهُ قَانِت مَا بَيَّنْت . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض كُلّ لَهُ قَانِتُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض مِنْ مَلَك وَجِنّ وَإِنْس عَبِيد وملك { كُلّ لَهُ قَانِتُونَ } يَقُول : كُلّ لَهُ مُطِيعُونَ , فَيَقُول قَائِل : وَكَيْفَ قِيلَ { كُلّ لَهُ قَانِتُونَ } وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ أَكْثَر الْإِنْس وَالْجِنّ لَهُ عَاصُونَ ؟ فَنَقُول : اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَنَذْكُر اِخْتِلَافهمْ , ثُمَّ نُبَيِّن الصَّوَاب عِنْدنَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْقَوْل , فَقَالَ بَعْضهمْ : ذَلِكَ كَلَام مَخْرَجه مَخْرَج الْعُمُوم , وَالْمُرَاد بِهِ الْخُصُوص , وَمَعْنَاهُ : كُلّ لَهُ قَانِتُونَ فِي الْحَيَاة وَالْبَقَاء وَالْمَوْت , وَالْفَنَاء وَالْبَعْث وَالنُّشُور , لَا يَمْتَنِع عَلَيْهِ شَيْء مِنْ ذَلِكَ , وَإِنْ عَصَاهُ بَعْضهمْ مِنْ غَيْر ذَلِكَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21273 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { وَمِنْ آيَاته أَنْ تَقُوم السَّمَاء وَالْأَرْض بِأَمْرِهِ } إِلَى { كُلّ لَهُ قَانِتُونَ } يَقُول : مُطِيعُونَ , يَعْنِي الْحَيَاة وَالنُّشُور وَالْمَوْت , وَهُمْ عَاصُونَ لَهُ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْعِبَادَة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : كُلّ لَهُ قَانِتُونَ بِإِقْرَارِهِمْ بِأَنَّهُ رَبّهمْ وَخَالِقهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21274 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { كُلّ لَهُ قَانِتُونَ } : أَيْ مُطِيع مُقِرّ بِأَنَّ اللَّه رَبّه وَخَالِقه . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ عَلَى الْخُصُوص , وَالْمَعْنَى : وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض مِنْ مَلَك وَعَبْد مُؤْمِن لِلَّهِ مُطِيع دُون غَيْرهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21275 -حَدَّثني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { كُلّ لَهُ قَانِتُونَ } قَالَ : كُلّ لَهُ مُطِيعُونَ . الْمُطِيع : الْقَانِت , قَالَ : وَلَيْسَ شَيْء إِلَّا وَهُوَ مُطِيع , إِلَّا اِبْن آدَم , وَكَانَ أَحَقّهمْ أَنْ يَكُون أَطْوَعهمْ لِلَّهِ . وَفِي قَوْله { وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } 2 238 قَالَ : هَذَا فِي الصَّلَاة , لَا تَتَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاة كَمَا يَتَكَلَّم أَهْل الْكِتَاب فِي الصَّلَاة , قَالَ : وَأَهْل الْكِتَاب يَمْشِي بَعْضهمْ إِلَى بَعْض فِي الصَّلَاة , قَالَ : وَيَتَقَابَلُونَ فِي الصَّلَاة , فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ , قَالُوا : لِكَيْ تَذْهَب الشَّحْنَاء مِنْ قُلُوبنَا تَسْلَم قُلُوب بَعْضنَا لِبَعْضٍ , فَقَالَ اللَّه : وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ لَا تَزُولُوا كَمْ يَزُولُونَ . قَانِتِينَ : لَا تَتَكَلَّمُوا كَمَا يَتَكَلَّمُونَ. قَالَ : فَأَمَّا مَا سِوَى هَذَا كُلّه فِي الْقُرْآن مِنْ الْقُنُوت فَهُوَ الطَّاعَة , إِلَّا هَذِهِ الْوَاحِدَة . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ الْقَوْل الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَهُوَ أَنَّ كُلّ مَنْ فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض مِنْ خَلْق لِلَّهِ مُطِيع فِي تَصَرُّفه فِيمَا أَرَادَ تَعَالَى ذِكْره مِنْ حَيَاة وَمَوْت , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ , وَإِنْ عَصَاهُ فِيمَا يَكْسِبهُ بِقَوْلِهِ , وَفِيمَا لَهُ السَّبِيل إِلَى اِخْتِيَاره وَإِيثَاره عَلَى خِلَافه . وَإِنَّمَا قُلْت : ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , لِأَنَّ الْعُصَاة مِنْ خَلْقه فِيمَا لَهُمْ السَّبِيل إِلَى اِكْتِسَابه كَثِير عَدَدهمْ , وَقَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْره عَنْ جَمِيعهمْ أَنَّهُمْ لَهُ قَانِتُونَ , فَغَيْر جَائِز أَنْ يُخْبِر عَمَّنْ هُوَ عَاصٍ أَنَّهُ لَهُ قَانِت فِيمَا هُوَ لَهُ عَاصٍ. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَاَلَّذِي فِيهِ عَاصٍ هُوَ مَا وَصَفْت , وَاَلَّذِي هُوَ لَهُ قَانِت مَا بَيَّنْت .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { ومن آياته أن خلقكم من تراب} أي من علامات ربوبيته ووحدانيته أن خلقكم من تراب؛ أي خلق أباكم منه والفرع كالأصل، وقد مضى بيان هذا في "الأنعام". و { أن} في موضع رفع بالابتداء وكذا { أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا} . قوله تعالى: { ثم إذا أنتم بشر تنتشرون} ثم أنتم عقلاء ناطقون تتصرفون فيما هو قوام معايشكم، فلم يكن ليخلقكم عبثا؛ ومن قدر على هذا فهو أهل للعبادة والتسبيح. ومعنى { خلق لكم من أنفسكم أزواجا} أي نساء تسكنون إليها. { من أنفسكم} أي من نطف الرجال ومن جنسكم. وقيل : المراد حواء، خلقها من ضلع آدم؛ قاله قتادة. { وجعل بينكم مودة ورحمة} قال ابن عباس ومجاهد : المودة الجماع، والرحمة الولد؛ وقاله الحسن. وقيل : المودة والرحمة عطف قلوبهم بعضهم على بعض. وقال السدي : المودة : المحبة، والرحمة : الشفقة؛ وروي معناه عن ابن عباس قال : المودة حب الرجل امرأته، والرحمة رحمته إياها أن يصيبها بسوء. ويقال : إن الرجل أصله من الأرض، وفيه قوة الأرض، وفيه الفرج الذي منه بدئ خلقه فيحتاج إلى سكن، وخلقت المرأة سكنا للرجل؛ قال الله تعالى: { ومن آياته أن خلقكم من تراب} الآية. وقال: { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها} فأول ارتفاق الرجل بالمرأة سكونه إليها مما فيه من غليان القوة، وذلك أن الفرج إذا تحمل فيه هيج ماء الصلب إليه، فإليها يسكن وبها يتخلص من الهياج، وللرجال خلق البضع منهن، قال الله تعالى: { وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم} الشعراء : 166] فأعلم الله عز وجل الرجال أن ذلك الموضع خلق منهن للرجال، فعليها بذله في كل وقت يدعوها الزوج؛ فإن منعته فهي ظالمة وفي حرج عظيم؛ ويكفيك من ذلك ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطا عليها حتى يرضى عنها). وفي لفظ آخر : (إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح). { ومن آياته خلق السماوات والأرض} تقدم في "البقرة". وكانوا يعترفون بأن الله هو الخالق. { واختلاف ألسنتكم وألوانكم} اللسان في الفم؛ وفيه اختلاف اللغات : من العربية والعجمية والتركية والرومية. واختلاف الألوان في الصور : من البياض والسواد والحمرة؛ فلا تكاد ترى أحدا إلا وأنت تفرق بينه وبين الآخر. وليس هذه الأشياء من فعل النطفة ولا من فعل الأبوين؛ فلا بد من فاعل، فعلم أن الفاعل هو الله تعالى؛ فهذا من أدل دليل على المدبر البارئ. { إن في ذلك لآيات للعالمين} أي للبر والفاجر. وقرأ حفص { للعالِمين} بكسر اللام جمع عالم. قوله تعالى: { ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله} قيل : في هذه الآية تقديم وتأخير، والمعنى : ومن آياته منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار؛ فحذف حرف الجر لاتصاله بالليل وعطفه عليه، والواو تقوم مقام حرف الجر إذا اتصلت بالمعطوف عليه في الاسم الظاهر خاصة؛ فجعل النوم بالليل دليلا على الموت، والتصرف بالنهار دليلا على البعث. { إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون} يريد سماع تفهم وتدبر. وقيل : يسمعون الحق فيتبعونه. وقيل : يسمعون الوعظ فيخافونه. وقيل : يسمعون القرآن فيصدقونه؛ والمعنى متقارب. وقيل : كان منهم من إذا تلي القرآن وهو حاضر سد أذنيه حتى لا يسمع؛ فبين الله عز وجل هذه الدلائل عليه. { ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا} قيل : المعنى أن يريكم، فحذف { أن} لدلالة الكلام عليه؛ قال طرفة : ألا أيهذا اللائمي أحضُرُ الوغى ** وأن أشهدَ اللذات هل أنت مخلدي وقيل : هو على التقديم والتأخير؛ أي ويريكم البرق من آياته. وقيل : أي ومن آياته آية يريكم بها البرق؛ كما قال الشاعر : وما الدهر إلا تارتان فمنهما ** أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح وقيل : أي من آياته أنه يريكم البرق خوفا وطمعا من آياته؛ قاله الزجاج، فيكون عطف جملة على جملة. { خوفا} أي للمسافر. { وطمعا} للمقيم؛ قاله قتادة. الضحاك { خوفا} من الصواعق، { وطمعا} في الغيث. يحيى بن سلام { خوفا} من البرد أن يهلك الزرع، { وطمعا} في المطر أن يحيي الزرع. ابن بحر { خوفا} أن يكون البرق برقا خُلَّبا لا يمطر، { وطمعا} أن يكون ممطرا؛ وأنشد قول الشاعر : لا يكن برقك برقا خلّبا ** إن خير البرق ما الغيث معه وقال آخر : فقد أرد المياه بغير زاد ** سوى عدي لها برق الغمام والبرق الخلّب : الذي لا غيث فيه كأنه خادع؛ ومنه قيل لمن يعد ولا ينجز : إنما أنت كبرق خلب. والخلب أيضا : السحاب الذي لا مطر فيه. ويقال : برق خلب، بالإضافة. قوله تعالى: { وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} تقدم. { ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره} { أن} في محل رفع كما تقدم؛ أي قيامها واستمساكها بقدرته بلا عمد. وقيل : بتدبيره وحكمته؛ أي يمسكها بغير عمد لمنافع الخلق. وقيل: { بأمره} بإذنه؛ والمعنى واحد. { ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون} أي الذي فعل هذه الأشياء قادر على أن يبعثكم من قبوركم؛ والمراد سرعة وجود ذلك من غير توقف ولا تلبث؛ كما يجيب الداعي المطاع مدعوه؛ كما قال القائل : دعوت كليبا باسمه فكأنما ** دعوت برأس الطود أو هو أسرع يريد برأس الطود : الصدى أو الحجر إذا تدهده. وإنما عطف هذا على قيام السموات والأرض بـ { ثم} لعظم ما يكون من ذلك الأمر واقتداره على مثله، وهو أن يقول : يأهل القبور قوموا؛ فلا تبقى نسمة من الأولين والآخرين إلا قامت تنظر؛ كما قال تعالى: { ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون} الزمر : 68]. { وإذا} الأولى في قوله تعالى: { إذا دعاكم} للشرط، والثانية في قوله تعالى: { إذا أنتم} للمفاجأة، وهي تنوب مناب الفاء في جواب الشرط. وأجمع القراء على فتح التاء هنا في { تخرجون} . واختلفوا في التي في "الأعراف" فقرأ أهل المدينة { ومنها تخرجون} الأعراف : 25] بضم التاء، وقرأ أهل العراق : بالفتح، وإليه يميل أبو عبيد. والمعنيان متقاربان، إلا أن أهل المدينة فرقوا بينهما لنسق الكلام، فنسق الكلام في التي في "الأعراف" بالضم أشبه؛ إذ كان الموت ليس من فعلهم، وكذا الإخراج. والفتح في سورة الروم أشبه بنسق الكلام؛ أي إذا دعاكم خرجتم أي أطعتم؛ فالفعل بهم أشبه. وهذا الخروج إنما هو عند نفخة إسرافيل النفخة الآخرة؛ على ما تقدم ويأتي. وقرئ { تخرجون} بضم التاء وفتحها، ذكره الزمخشري ولم يزد على هذا شيئا، ولم يذكر ما ذكرناه من الفرق، والله أعلم. { وله من في السماوات والأرض} خلقا وملكا وعبدا. { كل له قانتون} روي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (كل قنوت في القرآن فهو طاعة). قال النحاس : مطيعون طاعة انقياد. وقيل: { قانتون} مقرون بالعبودية، إما قالة وإما دلالة؛ قاله عكرمة وأبو مالك والسدي. وقال ابن عباس { قانتون} مصلون. الربيع بن أنس { كل له قانتون} أي قائم يوم القيامة؛ كما قال { يوم يقوم الناس لرب العالمين} المطففين : 6] أي للحساب. الحسن : كل له قائم بالشهادة أنه عبد له. سعيد بن جبير { قانتون} مخلصون.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الروم الايات 23 - 27

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

نعرف أن (مَنْ) للعاقل، ولنا أن نسأل: لماذا خصَّ العاقل مع أن لك ما في الكون خاضع لله طائع مُسبِّح يدخل في دائرة القنوت لله؟ قالوا: لأن التمرد لا يأتي إلا من ناحية العقل؛ لذلك بدأ الله به، أما الجماد الذي لا عقلَ له، فأمره يسير حيث لا يتأبَّى منه شيء على الله، لا الجماد ولا الحيوان ولا النبات.

تأمل مثلاً الحمار تُحمِّله القاذورات فيحمل، فإذا رقَّيْته وجعلته مطية للركوب لا يعترض، لا عصى في الأولى، ولا عصى في الأخرى؛ لأنه مُذلَّل لك بتذليل الله، ما ذلَّلته لك بعقلك ولا بقوتك
{  أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ }
[يس: 71-72].

وضربنا لذلك مثلاً بالجمل لما ذلَّله الله لك استطاع الغلام الصغير أنْ يقوده ويُنيخه ويركبه ويحمله، أما الثعبان الصغير فيُخيفك رغم صِغَره؛ لأن الله لم يُذلِّله لك.

ونقف هنا عند قوله تعالى { مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ... } [الروم: 26] فمن في السماوات نعم هم قانتون لله أي: خاضعون له سبحانه، مطيعون لإرادته لأنهم ملائكة مُكرَّمون
{  لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }
[التحريم: 6].


{  يُسَبِّحُونَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ }
[الأنبياء: 20].

فما بال أهل الأرض، وفيهم ملاحدة وكفار ليسوا قانتين، فكيف إذن نفهم { كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ } [الروم: 26].

قالوا: لأنهم لما تمرَّدوا على الله وكفروا به، أو تمرَّدوا على حكمه فعصَوْه لم يتمردوا بذواتهم، إنما بما خلق الله فيهم من اختيار، ولو أرادهم سبحانه مقهورين ما شذَّ واحد منهم عن مراد ربه، والله عز وجل لا يريد أنْ يحكم الإنسان بقهر القدرة، إنما يريد لعبده أنْ يأتيه طواعية مختاراً، فإمكانه أن يكفر ومع ذلك آمن، وبإمكانه أن يعصي ومع ذلك أطاع.

فلو أرادهم الله مؤمنين ما وجدوا إلى الكفر سبيلاً، ولعصمهم كما عصم الأنبياء، ربك يريدك مؤمناً عن محبة وإخلاص لا عن قهر وغلبة؛ لذلك قال إبليس في جداله:
{  فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ }
[ص: 82-83].

فلا قدرة له على عباد الله المخلصين، الذين اختارهم الله لنفسه، ولا سلطانَ له عليهم، فإبليس إذن ليس في معركة مع ربه، إنما في معركة مع الإنسان. وفي موضع آخر قال تعالى:
{  إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ... }
[الحجر: 42].

ولما عشق هؤلاء المتمرِّدون على الله التمرد، وأحبوه زادهم الله منه وأعانهم عليه؛ لأنه سبحانه لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين، فختم على قلوبهم فلا يدخلها إيمان، ولا يخرج منها كفر، وهو سبحانه الغني عن خَلْقه؛ لذلك لما خلق الجنة خلقها لتتسع للناس جميعاً إنْ آمنوا، ولما خلق النار خلقها لتتسع للناس جميعاً إنْ كفروا، وترك لنا سبحانه الاختيار:
{  فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ }
[الكهف: 29].

وكأن الحق سبحانه يقول لنا: أنتم أحرار، فأنا مستعد للجزاء على أيِّ حال تسعكم جنتي، إنْ آمنتم جميعاً، ولا تضيق بكم النار إنْ كفرتم جميعاً.

ونقول لمن تمرَّد على الله: ينبغي أن تكون منطقياً مع نفسك، وأن تظل متمرداً على الله في كل شيء ما دمت قد ألفتَ التمرد، فإنْ جاءك المرض تتأبى عليه، وإنْ جاءك الموت ترفضه، فإذا لم تستطع فأنت مقهور لله خاضع له { كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ } [الروم: 26] خاضعون، إما عن اختيار، وإما عن قهر في كل أمر لا اختيار لك فيه، إذن: فأنت قانت رغماً عنك، وقنوتك مع تمرُّدك أبلغ في الشهادة لله.

إذن: فالمؤمن خاضع لله في منطقة الاختيار، وهي الإيمان والتكاليف، وخاضع لله فيما لا اختيار له فيه كالقضاء والأمور الاضطرارية، فهو يستقبلها عن رضا، أما الكافر فهو خاضع لله لا يستطيع الفكاك عن قضائه ولا عن قدره رغماً عنه في الأمور التي لا اختيارَ له فيها، لكنه يستقبلها بالسُّخْط وعدم الرضا، فهو كافر بالله كاره لقضائه.

فنقول لمن تمرد على الله فكفر به، أو تمرَّد على أحكامه فعصاها: ما لكم لا تتمردون على الله فيما يقضيه عليكم من أمور اضطرارية؟ هذا دليل على أنكم اتخذتم الاختيار في غير محلِّه؛ لأن الذي يختار ينبغي أنْ يأخذ الاختيار في كل شيء، لكن أنْ تختار في شيء ولا تختار في شيء آخر، فهذا لا يجوز.


www.alro7.net