سورة
اية:

وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا

تفسير بن كثير

لما ذكر تعالى بر الوالدين، عطف بذكر الإحسان إلى القرابة وصلة الأرحام، وفي الحديث: (أمك وأباك ثم أدناك أدناك)، وفي رواية: (ثم الأقرب فالأقرب) وفي الحديث: (من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أجله فليصل رحمه) وقوله: { ولا تبذر تبذيرا} لما أمر بالإنفاق نهى عن الإسراف فيه، بل يكون وسطاً كما قال في الآية الأخرى: { والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا} الآية، ثم قال منفراً عن التبذير والسرف: { إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين} : أي أشباههم في ذلك، قال ابن مسعود: التبذير الإنفاق في غير حق، وقال مجاهد: لو أنفق إنسان ماله في الحق لم يكن مبذراً، ولو أنفق مداً في غير حق كان مبذراً. وقال قتادة: التبذير النفقة في معصية اللّه تعالى، وفي غير الحق والفساد، وقوله: { إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين} : أي في التبذير والسفه، وترك طاعة اللّه وارتكاب معصيته، ولهذا قال: { وكان الشيطان لربه كفورا} : أي جحوداً، لأنه أنكر نعمة اللّه عليه ولم يعمل بطاعته، بل أقبل على معصيته ومخالفته، وقوله: { وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك} الآية: أي إذا سألك أقاربك ومن أمرناك بإعطائهم وليس عندك شيء وأعرضت عنهم لفقد النفقة { فقل لهم قولا ميسورا} أي عدهم وعداً بسهولة ولين إذا جاء رزق اللّه فسنصلكم إن شاء اللّه) هكذا فسره مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة فسروا القول الميسور بالوعد .

تفسير الجلالين

{ وآت } أعط { ذا القربى } القرابة { حقه } من البر والصلة { والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا } بالإنفاق في غير طاعة الله .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَآتِ ذَا الْقُرْبَى } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْمَعْنِيّ بِقَوْلِهِ { وَآتِ ذَا الْقُرْبَى } فَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى بِهِ : قَرَابَة الْمَيِّت مِنْ قِبَل أَبِيهِ وَأُمّه , أَمَرَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عِبَاده بِصِلَتِهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16786 - حَدَّثَنَا عِمْرَان بْن مُوسَى , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَارِث بْن سَعِيد , قَالَ : ثنا حَبِيب الْمُعَلِّم , قَالَ : سَأَلَ رَجُل الْحَسَن , قَالَ : أَعْطِي قَرَابَتِي زَكَاة مَالِي , فَقَالَ : إِنَّ لَهُمْ فِي ذَلِكَ لَحَقًّا سِوَى الزَّكَاة , ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَة { وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقّه } . 16787 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عِكْرِمَة , قَوْله { وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقّه } قَالَ : صِلَته الَّتِي تُرِيد أَنْ تَصِلهُ بِهَا مَا كُنْت تُرِيد أَنْ تَفْعَلهُ إِلَيْهِ . 16788 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقّه وَالْمِسْكِين وَابْن السَّبِيل } قَالَ : هُوَ أَنْ تَصِل ذَا الْقُرْبَة وَالْمِسْكِين وَتُحْسِن إِلَى اِبْن السَّبِيل . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِهِ قَرَابَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16789 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عُمَارَة الْأَسَدِيّ , قَالَ : ثنا إِسْمَاعِيل بْن أَبَانَ , قَالَ : ثنا الصَّبَّاح بْن يَحْيَى الْمُزَنِيّ , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ أَبِي الدَّيْلَم , قَالَ : قَالَ عَلِيّ بْن الْحُسَيْن عَلَيْهِمَا السَّلَام لِرَجُلٍ مِنْ أَهْل الشَّام : أَقَرَأْت الْقُرْآن ؟ قَالَ : نَعَمْ , قَالَ : أَفَمَا قَرَأْت فِي بَنِي إِسْرَائِيل { وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقّه } قَالَ : وَإِنَّكُمْ لِلْقَرَابَةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنْ يُؤْتَى حَقّه ؟ قَالَ : نَعَمْ . وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ عِنْدِي بِالصَّوَابِ , تَأْوِيل مَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ أَنَّهَا بِمَعْنَى وَصِيَّة اللَّه عِبَاده بِصِلَةِ قَرَابَات أَنْفُسهمْ وَأَرْحَامهمْ مِنْ قِبَل , آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتهمْ , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَقَّبَ ذَلِكَ عَقِيب حَضّه عِبَاده عَلَى بِرّ الْآبَاء وَالْأُمَّهَات , فَالْوَاجِب أَنْ يَكُون ذَلِكَ حَضًّا عَلَى صِلَة أَنْسَابهمْ دُون أَنْسَاب غَيْرهمْ الَّتِي لَمْ يَجْرِ لَهَا ذِكْر . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَتَأْوِيل الْكَلَام : وَأَعْطِ يَا مُحَمَّد ذَا قَرَابَتك حَقّه مِنْ صِلَتك إِيَّاهُ , وَبِرّك بِهِ , وَالْعَطْف عَلَيْهِ . وَخَرَجَ ذَلِكَ مَخْرَج الْخِطَاب لِنَبِيِّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالْمُرَاد بِحُكْمِهِ جَمِيع مَنْ لَزِمَتْهُ فَرَائِض اللَّه , يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ اِبْتِدَاؤُهُ الْوَصِيَّة بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَقَضَى رَبّك أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَن عِنْدك الْكِبَر أَحَدهمَا } فَوَجَّهَ الْخَطَّاب بِقَوْلِهِ { وَقَضَى رَبّك } إِلَى نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ قَالَ { أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ } فَرَجَعَ بِالْخِطَابِ بِهِ إِلَى الْجَمِيع , ثُمَّ صَرَفَ الْخِطَاب بِقَوْلِهِ { إِمَّا يَبْلُغَن عِنْدك } إِلَى إِفْرَاده بِهِ . وَالْمَعْنِيّ بِكُلِّ ذَلِكَ جَمِيع مَنْ لَزِمَتْهُ فَرَائِض اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , أَفْرَدَ بِالْخِطَابِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْده , أَوْ عَمَّ بِهِ هُوَ وَجَمِيع أُمَّته . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَآتِ ذَا الْقُرْبَى } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْمَعْنِيّ بِقَوْلِهِ { وَآتِ ذَا الْقُرْبَى } فَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى بِهِ : قَرَابَة الْمَيِّت مِنْ قِبَل أَبِيهِ وَأُمّه , أَمَرَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عِبَاده بِصِلَتِهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16786 - حَدَّثَنَا عِمْرَان بْن مُوسَى , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَارِث بْن سَعِيد , قَالَ : ثنا حَبِيب الْمُعَلِّم , قَالَ : سَأَلَ رَجُل الْحَسَن , قَالَ : أَعْطِي قَرَابَتِي زَكَاة مَالِي , فَقَالَ : إِنَّ لَهُمْ فِي ذَلِكَ لَحَقًّا سِوَى الزَّكَاة , ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَة { وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقّه } . 16787 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عِكْرِمَة , قَوْله { وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقّه } قَالَ : صِلَته الَّتِي تُرِيد أَنْ تَصِلهُ بِهَا مَا كُنْت تُرِيد أَنْ تَفْعَلهُ إِلَيْهِ . 16788 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقّه وَالْمِسْكِين وَابْن السَّبِيل } قَالَ : هُوَ أَنْ تَصِل ذَا الْقُرْبَة وَالْمِسْكِين وَتُحْسِن إِلَى اِبْن السَّبِيل . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِهِ قَرَابَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16789 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عُمَارَة الْأَسَدِيّ , قَالَ : ثنا إِسْمَاعِيل بْن أَبَانَ , قَالَ : ثنا الصَّبَّاح بْن يَحْيَى الْمُزَنِيّ , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ أَبِي الدَّيْلَم , قَالَ : قَالَ عَلِيّ بْن الْحُسَيْن عَلَيْهِمَا السَّلَام لِرَجُلٍ مِنْ أَهْل الشَّام : أَقَرَأْت الْقُرْآن ؟ قَالَ : نَعَمْ , قَالَ : أَفَمَا قَرَأْت فِي بَنِي إِسْرَائِيل { وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقّه } قَالَ : وَإِنَّكُمْ لِلْقَرَابَةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنْ يُؤْتَى حَقّه ؟ قَالَ : نَعَمْ . وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ عِنْدِي بِالصَّوَابِ , تَأْوِيل مَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ أَنَّهَا بِمَعْنَى وَصِيَّة اللَّه عِبَاده بِصِلَةِ قَرَابَات أَنْفُسهمْ وَأَرْحَامهمْ مِنْ قِبَل , آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتهمْ , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَقَّبَ ذَلِكَ عَقِيب حَضّه عِبَاده عَلَى بِرّ الْآبَاء وَالْأُمَّهَات , فَالْوَاجِب أَنْ يَكُون ذَلِكَ حَضًّا عَلَى صِلَة أَنْسَابهمْ دُون أَنْسَاب غَيْرهمْ الَّتِي لَمْ يَجْرِ لَهَا ذِكْر . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَتَأْوِيل الْكَلَام : وَأَعْطِ يَا مُحَمَّد ذَا قَرَابَتك حَقّه مِنْ صِلَتك إِيَّاهُ , وَبِرّك بِهِ , وَالْعَطْف عَلَيْهِ . وَخَرَجَ ذَلِكَ مَخْرَج الْخِطَاب لِنَبِيِّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالْمُرَاد بِحُكْمِهِ جَمِيع مَنْ لَزِمَتْهُ فَرَائِض اللَّه , يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ اِبْتِدَاؤُهُ الْوَصِيَّة بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَقَضَى رَبّك أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَن عِنْدك الْكِبَر أَحَدهمَا } فَوَجَّهَ الْخَطَّاب بِقَوْلِهِ { وَقَضَى رَبّك } إِلَى نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ قَالَ { أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ } فَرَجَعَ بِالْخِطَابِ بِهِ إِلَى الْجَمِيع , ثُمَّ صَرَفَ الْخِطَاب بِقَوْلِهِ { إِمَّا يَبْلُغَن عِنْدك } إِلَى إِفْرَاده بِهِ . وَالْمَعْنِيّ بِكُلِّ ذَلِكَ جَمِيع مَنْ لَزِمَتْهُ فَرَائِض اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , أَفْرَدَ بِالْخِطَابِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْده , أَوْ عَمَّ بِهِ هُوَ وَجَمِيع أُمَّته .' وَقَوْله : { وَالْمِسْكِين } وَهُوَ الذِّلَّة مِنْ أَهْل الْحَاجَة . وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى مَعْنَى الْمِسْكِين بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَقَوْله { وَابْن السَّبِيل } يَعْنِي : الْمُسَافِر الْمُنْقَطِع بِهِ , يَقُول تَعَالَى : وَصِلْ قَرَابَتك , فَأَعْطِهِ حَقّه مِنْ صِلَتك إِيَّاهُ , وَالْمِسْكِين ذَا الْحَاجَة , وَالْمُجْتَاز بِك الْمُنْقَطِع بِهِ , فَأَعْنِهِ , وَقَوِّهِ عَلَى قَطْع سَفَره . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّمَا عَنَى بِالْأَمْرِ بِإِتْيَانِ اِبْن السَّبِيل حَقّه أَنْ يُضَاف ثَلَاثَة أَيَّام . وَالْقَوْل الْأَوَّل عِنْدِي أَوْلَى بِالصَّوَابِ , لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى لَمْ يَخْصُصْ مِنْ حُقُوقه شَيْئًا دُون شَيْء فِي كِتَابه , وَلَا عَلَى لِسَان رَسُوله , فَذَلِكَ عَامّ فِي كُلّ حَقّ لَهُ أَنْ يُعْطَاهُ مِنْ ضِيَافَة أَوْ حُمُولَة أَوْ مَعُونَة عَلَى سَفَره .وَقَوْله : { وَالْمِسْكِين } وَهُوَ الذِّلَّة مِنْ أَهْل الْحَاجَة . وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى مَعْنَى الْمِسْكِين بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَقَوْله { وَابْن السَّبِيل } يَعْنِي : الْمُسَافِر الْمُنْقَطِع بِهِ , يَقُول تَعَالَى : وَصِلْ قَرَابَتك , فَأَعْطِهِ حَقّه مِنْ صِلَتك إِيَّاهُ , وَالْمِسْكِين ذَا الْحَاجَة , وَالْمُجْتَاز بِك الْمُنْقَطِع بِهِ , فَأَعْنِهِ , وَقَوِّهِ عَلَى قَطْع سَفَره . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّمَا عَنَى بِالْأَمْرِ بِإِتْيَانِ اِبْن السَّبِيل حَقّه أَنْ يُضَاف ثَلَاثَة أَيَّام . وَالْقَوْل الْأَوَّل عِنْدِي أَوْلَى بِالصَّوَابِ , لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى لَمْ يَخْصُصْ مِنْ حُقُوقه شَيْئًا دُون شَيْء فِي كِتَابه , وَلَا عَلَى لِسَان رَسُوله , فَذَلِكَ عَامّ فِي كُلّ حَقّ لَهُ أَنْ يُعْطَاهُ مِنْ ضِيَافَة أَوْ حُمُولَة أَوْ مَعُونَة عَلَى سَفَره .' وَقَوْله { وَلَا تُبَذِّر تَبْذِيرًا } يَقُول : وَلَا تُفَرِّق يَا مُحَمَّد مَا أَعْطَاك اللَّه مِنْ مَال فِي مَعْصِيَته تَفْرِيقًا . وَأَصْل التَّبْذِير : التَّفْرِيق فِي السَّرَف ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : أُنَاس أَجَارُونَا فَكَانَ جِوَارهمْ أَعَاصِير مِنْ فِسْق الْعِرَاق الْمُبَذَّر وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16790 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عُبَيْد الْمُحَارِبِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو الْأَحْوَص , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ أَبِي الْعُبَيْدَيْنِ , قَالَ : قَالَ عَبْد اللَّه فِي قَوْله { وَلَا تُبَذِّر تَبْذِيرًا } قَالَ : التَّبْذِير فِي غَيْر الْحَقّ , وَهُوَ الْإِسْرَاف . * - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ سَلَمَة , عَنْ مُسْلِم الْبُطَيْن , عَنْ أَبِي الْعُبَيْدَيْنِ , قَالَ : سُئِلَ عَبْد اللَّه عَنْ الْمُبَذِّر فَقَالَ : الْإِنْفَاق فِي غَيْر حَقّ . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ الْحَكَم , قَالَ : سَمِعْت يَحْيَى بْن الْجَزَّار يُحَدِّث عَنْ أَبِي الْعُبَيْدَيْنِ , ضَرِير الْبَصَر , أَنَّهُ سَأَلَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود عَنْ هَذِهِ الْآيَة { وَلَا تُبَذِّر تَبْذِيرًا } قَالَ : إِنْفَاق الْمَال فِي غَيْر حَقّه . * - حَدَّثَنِي زَكَرِيَّا بْن يَحْيَى بْن أَبِي زَائِدَة , قَالَ : ثنا اِبْن إِدْرِيس , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ الْحَكَم , عَنْ يَحْيَى بْن الْجَزَّار , عَنْ أَبِي الْعُبَيْدَيْنِ , عَنْ عَبْد اللَّه , مِثْله . * - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا اِبْن عُلَيَّة , قَالَ : أَخْبَرَنَا شُعْبَة , عَنْ الْحَكَم بْن عُتَيْبَة , عَنْ يَحْيَى بْن الْجَزَّار أَنَّ أَبَا الْعُبَيْدَيْنِ , كَانَ ضَرِير الْبَصَر , سَأَلَ اِبْن مَسْعُود فَقَالَ : مَا التَّبْذِير ؟ فَقَالَ : إِنْفَاق الْمَال فِي غَيْر حَقّه . * - حَدَّثَنَا خَلَّاد بْن أَسْلَمَ , قَالَ : أَخْبَرَنَا النَّضْر بْن شُمَيْل , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْمَسْعُودِيّ , قَالَ : أَخْبَرَنَا سَلَمَة بْن كُهَيْلٍ , عَنْ أَبِي الْعُبَيْدَيْنِ , وَكَانَتْ بِهِ زَمَانَة , وَكَانَ عَبْد اللَّه يَعْرِف لَهُ ذَلِكَ , فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْد الرَّحْمَن , مَا التَّبْذِير ؟ فَذَكَرَ مِثْله . * - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مَنْصُور الرَّمَادِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو الْحَوْئَب , عَنْ عَمَّار بْن زُرَيْق , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ حَارِثَة بْن مُضْرِب , عَنْ أَبِي الْعُبَيْدَيْنِ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود , قَالَ : كُنَّا أَصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَتَحَدَّث أَنَّ التَّبْذِير : النَّفَقَة فِي غَيْر حَقّه . * - حَدَّثَنَا اِبْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن كَثِير الْعَنْبَرِيّ , قَالَ : ثنا شُعْبَة , قَالَ : كُنْت أَمْشِي مَعَ أَبِي إِسْحَاق فِي طَرِيق الْكُوفَة , فَأَتَى عَلَى دَار تُبْنَى بِجِصٍّ وَآجُرّ , فَقَالَ : هَذَا التَّبْذِير فِي قَوْل عَبْد اللَّه : إِنْفَاق الْمَال فِي غَيْر حَقّه . 16791 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { وَلَا تُبَذِّر تَبْذِيرًا } قَالَ : الْمُبَذِّر : الْمُنْفِق فِي غَيْر حَقّه . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا عَبَّاد , عَنْ حُصَيْن , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : الْمُبَذِّر : الْمُنْفِق فِي غَيْر حَقّه . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : لَا تُنْفِق فِي الْبَاطِل , فَإِنَّ الْمُبَذِّر : هُوَ الْمُسْرِف فِي غَيْر حَقّ . قَالَ اِبْن جُرَيْج وَقَالَ مُجَاهِد : لَوْ أَنْفَقَ إِنْسَان مَاله كُلّه فِي الْحَقّ مَا كَانَ تَبْذِيرًا , وَلَوْ أَنْفَقَ مُدًّا فِي بَاطِل كَانَ تَبْذِيرًا . 16792 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { وَلَا تُبَذِّر تَبْذِيرًا } قَالَ : التَّبْذِير : النَّفَقَة فِي مَعْصِيَة اللَّه , وَفِي غَيْر الْحَقّ وَفِي الْفَسَاد . 16793 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله { وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقّه وَالْمِسْكِين وَابْن السَّبِيل } قَالَ : بَدَأَ بِالْوَالِدَيْنِ قَبْل هَذَا , فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْوَالِدَيْنِ وَحَقّهمَا , ذَكَرَ هَؤُلَاءِ وَقَالَ { لَا تُبَذِّر تَبْذِيرًا } : لَا تُعْطِ فِي مَعَاصِي اللَّه . وَقَوْله { وَلَا تُبَذِّر تَبْذِيرًا } يَقُول : وَلَا تُفَرِّق يَا مُحَمَّد مَا أَعْطَاك اللَّه مِنْ مَال فِي مَعْصِيَته تَفْرِيقًا . وَأَصْل التَّبْذِير : التَّفْرِيق فِي السَّرَف ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : أُنَاس أَجَارُونَا فَكَانَ جِوَارهمْ أَعَاصِير مِنْ فِسْق الْعِرَاق الْمُبَذَّر وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16790 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عُبَيْد الْمُحَارِبِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو الْأَحْوَص , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ أَبِي الْعُبَيْدَيْنِ , قَالَ : قَالَ عَبْد اللَّه فِي قَوْله { وَلَا تُبَذِّر تَبْذِيرًا } قَالَ : التَّبْذِير فِي غَيْر الْحَقّ , وَهُوَ الْإِسْرَاف . * - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ سَلَمَة , عَنْ مُسْلِم الْبُطَيْن , عَنْ أَبِي الْعُبَيْدَيْنِ , قَالَ : سُئِلَ عَبْد اللَّه عَنْ الْمُبَذِّر فَقَالَ : الْإِنْفَاق فِي غَيْر حَقّ . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ الْحَكَم , قَالَ : سَمِعْت يَحْيَى بْن الْجَزَّار يُحَدِّث عَنْ أَبِي الْعُبَيْدَيْنِ , ضَرِير الْبَصَر , أَنَّهُ سَأَلَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود عَنْ هَذِهِ الْآيَة { وَلَا تُبَذِّر تَبْذِيرًا } قَالَ : إِنْفَاق الْمَال فِي غَيْر حَقّه . * - حَدَّثَنِي زَكَرِيَّا بْن يَحْيَى بْن أَبِي زَائِدَة , قَالَ : ثنا اِبْن إِدْرِيس , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ الْحَكَم , عَنْ يَحْيَى بْن الْجَزَّار , عَنْ أَبِي الْعُبَيْدَيْنِ , عَنْ عَبْد اللَّه , مِثْله . * - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا اِبْن عُلَيَّة , قَالَ : أَخْبَرَنَا شُعْبَة , عَنْ الْحَكَم بْن عُتَيْبَة , عَنْ يَحْيَى بْن الْجَزَّار أَنَّ أَبَا الْعُبَيْدَيْنِ , كَانَ ضَرِير الْبَصَر , سَأَلَ اِبْن مَسْعُود فَقَالَ : مَا التَّبْذِير ؟ فَقَالَ : إِنْفَاق الْمَال فِي غَيْر حَقّه . * - حَدَّثَنَا خَلَّاد بْن أَسْلَمَ , قَالَ : أَخْبَرَنَا النَّضْر بْن شُمَيْل , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْمَسْعُودِيّ , قَالَ : أَخْبَرَنَا سَلَمَة بْن كُهَيْلٍ , عَنْ أَبِي الْعُبَيْدَيْنِ , وَكَانَتْ بِهِ زَمَانَة , وَكَانَ عَبْد اللَّه يَعْرِف لَهُ ذَلِكَ , فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْد الرَّحْمَن , مَا التَّبْذِير ؟ فَذَكَرَ مِثْله . * - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مَنْصُور الرَّمَادِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو الْحَوْئَب , عَنْ عَمَّار بْن زُرَيْق , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ حَارِثَة بْن مُضْرِب , عَنْ أَبِي الْعُبَيْدَيْنِ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود , قَالَ : كُنَّا أَصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَتَحَدَّث أَنَّ التَّبْذِير : النَّفَقَة فِي غَيْر حَقّه . * - حَدَّثَنَا اِبْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن كَثِير الْعَنْبَرِيّ , قَالَ : ثنا شُعْبَة , قَالَ : كُنْت أَمْشِي مَعَ أَبِي إِسْحَاق فِي طَرِيق الْكُوفَة , فَأَتَى عَلَى دَار تُبْنَى بِجِصٍّ وَآجُرّ , فَقَالَ : هَذَا التَّبْذِير فِي قَوْل عَبْد اللَّه : إِنْفَاق الْمَال فِي غَيْر حَقّه . 16791 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { وَلَا تُبَذِّر تَبْذِيرًا } قَالَ : الْمُبَذِّر : الْمُنْفِق فِي غَيْر حَقّه . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا عَبَّاد , عَنْ حُصَيْن , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : الْمُبَذِّر : الْمُنْفِق فِي غَيْر حَقّه . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : لَا تُنْفِق فِي الْبَاطِل , فَإِنَّ الْمُبَذِّر : هُوَ الْمُسْرِف فِي غَيْر حَقّ . قَالَ اِبْن جُرَيْج وَقَالَ مُجَاهِد : لَوْ أَنْفَقَ إِنْسَان مَاله كُلّه فِي الْحَقّ مَا كَانَ تَبْذِيرًا , وَلَوْ أَنْفَقَ مُدًّا فِي بَاطِل كَانَ تَبْذِيرًا . 16792 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { وَلَا تُبَذِّر تَبْذِيرًا } قَالَ : التَّبْذِير : النَّفَقَة فِي مَعْصِيَة اللَّه , وَفِي غَيْر الْحَقّ وَفِي الْفَسَاد . 16793 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله { وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقّه وَالْمِسْكِين وَابْن السَّبِيل } قَالَ : بَدَأَ بِالْوَالِدَيْنِ قَبْل هَذَا , فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْوَالِدَيْنِ وَحَقّهمَا , ذَكَرَ هَؤُلَاءِ وَقَالَ { لَا تُبَذِّر تَبْذِيرًا } : لَا تُعْطِ فِي مَعَاصِي اللَّه . '

تفسير القرطبي

فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى { وآت ذا القربى حقه} أي كما راعيت حق الوالدين فصل الرحم، ثم تصدق على المسكين وابن السبيل. وقال علي بن الحسين في قوله تعالى { وآت ذا القربى حقه} هم قرابة النبي صلى الله عليه وسلم، أمر صلى الله عليه وسلم بإعطائهم حقوقهم من بيت المال، أي من سهم ذوي القربى من الغزو والغنيمة، ويكون خطابا للولاة أو من قام مقامهم. والحق في هذه الآية ما يتعين من صلة الرحم، وسد الخلة، والمواساة عند الحاجة بالمال، والمعونة بكل وجه. الثانية: قوله تعالى { ولا تبذر} أي لا تسرف في الإنفاق في غير حق. قال الشافعي رضي الله عنه : والتبذير إنفاق المال في غير حقه، ولا تبذير في عمل الخير. وهذا قول الجمهور. وقال أشهب عن مالك : التبذير هو أخذ المال من حقه ووضعه في غير حقه، وهو الإسراف، وهو حرام لقوله تعالى { إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين} وقوله { إخوان} يعني أنهم في حكمهم؛ إذ المبذر ساع في إفساد كالشياطين، أو أنهم يفعلون ما تسول لهم أنفسهم، أو أنهم يقرنون بهم غدا في النار؛ ثلاثة أقوال. والإخوان هنا جمع أخ من غير النسب؛ ومنه قوله تعالى { إنما المؤمنون إخوة} [الحجرات : 10]. وقوله تعالى { وكان الشيطان لربه كفورا} أي احذروا متابعته والتشبه به في الفساد. والشيطان اسم الجنس. وقرأ الضحاك { إخوان الشيطان} على الانفراد، وكذلك ثبت في مصحف أنس بن مالك رضي الله عنه. الثالثة: من أنفق مال في الشهوات زائدا على قدر الحاجات وعرضه بذلك للنفاد فهو مبذر. ومن أنفق ربح مال في شهواته وحفظ الأصل أو الرقبة فليس بمبذر. ومن أنفق درهما في حرام فهو مبذر، ويحجر عليه في نفقته الدرهم في الحرام، ولا يحجر عليه إن بذله في الشهوات إلا إذا خيف عليه النفاد.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الاسراء الايات 24 - 29

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

الحق سبحانه بعد أنْ حنَّن الإنسان على والديْه صعَّد المسألة فحنَّنه على قرابة أبيه وقرابة أمه، فقال: { وَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ.. } [الإسراء: 26]

{ حَقَّهُ } لأن الله تعالى جعله حَقّاً للأقارب إنْ كانوا في حاجة، وإلا فلو كانا غير محتاجين، فالعطاء بينهما هدية متبادلة، فكل قريب يُهادي أقرباءه ويهادونه. والحق سبحانه وتعالى يريد أن يُشيعَ في المجتمع روح التكافل الاجتماعي.

لذلك كان بعض فقهاء الأندلس إذا منع الرجل زكاةً تقرُب من النِّصاب أمر بقطع يده، كأنه سرقه؛ لأن الله تعالى أسماه (حقاً) فَمْن منع صاحب الحق من حقه، فكأنه سرقه منه.

وقد سلك فقهاء الأندلس هذا المسلك، لأنهم في بلاد ترف وغنى، فتشدّدوا في هذه المسألة؛ لأنه لا عُذْر لأحد فيها.

لذلك، لما جاء أحد خلفائهم إلى المنذر بن سعيد، وقال: لقد حُلفت يميناً، وأرى أن أُكفِّر عنه فأفتاه بأن يصوم ثلاثة أيام، فقال أحدهم: لقد ضيّقتَ واسعاً فقد شرع الله للكفارة أيضاً إطعامَ عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فرد عليه المنذر قائلاً: أو مثلُ أمير المؤمنين يُزْجَر بإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم؟ إنه يفعل ذلك في اليوم لألْف وأكثر، وإنما يزجره الصوم، وهكذا أخذوا الحكم بالروح لا بالنص؛ ليتناسب مع مقدرة الخليفة، ويُؤثِّر في رَدْعه وزَجْره.

وكلمة (حق) وردت في القرآن على معنيين:

الأول: في قوله تعالى:
{  وَٱلَّذِينَ فِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ }
[المعارج: 24]

والحق المعلوم هو الزكاة.

أما الحق الآخر فحقٌّ غير معلوم وغير موصوف، وهو التطوع والإحسان، حيث تتطوَّع لله بجنس ما فرضه عليك، كما قال تعالى:
{  إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ }
[الذاريات: 16-19]

ولم يقل: " معلوم ": لأنه إحسان وزيادة عَمَّا فرضه الله علينا.

ويجب على من يُؤْتِى هذا الحق أن يكون سعيداً به، وأن يعتبره مَغْنماً لا مَغْرماً؛ لأن الدنيا كما نعلم أغيار تتحول وتتقلب بأهلها، فالصحيح قد يصير سقيماً، والغني قد يصير فقيراً وهكذا، فإعطاؤك اليوم ضمانٌ لك في المستقبل، وضمان لأولادك من بعدك، والحق الذي تعطيه اليوم هو نفسه الذي قد تحتاجه غداً، إنْ دارتْ عليك الدائرة.

إذن: فالحق الذي تدفعه اليوم لأصحابه تأمين لك في المستقبل يجعلك تجابه الحياة بقوة، وتجابه الحياة بغير خور وبغير ضعف، وتعلم أن حقك محفوظ في المجتمع، وكذلك إنْ تركتَ أولادك في عوزٍ وحاجة، فالمجتمع مُتكفِّل بهم.

وصدق الله تعالى حين قال:
{  وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً }
[النساء: 9]

ولذلك، فالناس أصحاب الارتقاء والإثراء لورعهم لا يعطون الأقارب من أموال الزكاة، بل يخصُّون بها الفقراء الأباعد عنهم، ويُعْطون الأقارب من مالهم الخاص مساعدة وإحساناً.و { ٱلْمِسْكِينَ } هو الذي يملك وله مال، لكن لا يكفيه، بدليل قوله الحق سبحانه:
{  أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي ٱلْبَحْرِ.. }
[الكهف: 79]

أما الفقير فهو الذي لا يملك شيئاً، وقد يعكس البعض في تعريف المسكين والفقير، وهذا فهم خاطئ.

و { وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ.. } [الإسراء: 26]

السبيل هو الطريق، والإنسان عادةً يُنْسَب إلى بلده، فنقول: ابن القاهرة، ابن بورسعيد، فإنْ كان منقطعاً في الطريق وطرأتْ عليه من الظروف ما أحوجه للعون والمساعدة، وإن كان في الحقيقة صاحب يسارٍ وَغِنىً، كأن يُضيع ماله فله حَقٌّ في مال المسلمين بقدر ما يُوصّله إلى بلده.

وابن السبيل إذا طلب المساعدة لا تسأله عن حقيقة حاله، لأن له حقاً واجباً فلا تجعله في وضع مذلّة أو حرج.

{ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً } [الإسراء: 26]

كما قال تعالى في آية أخرى:
{  وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ }
[الأنعام: 141]

فالتبذير هو الإسراف، مأخوذ من البذر، وهو عملية يقوم بها الفلاح فيأخذ البذور التي يريد زراعتها، وينثرها بيده في أرضه، فإذا كان متقناً لهذه العملية تجده يبذر البذور بنسب متساوية، بحيث يوزع البذور على المساحة المراد زراعتها، وتكون المسافة بين البذور متساوية.

وبذلك يفلح الزرع ويعطي المحصول المرجو منه، أما إنْ بذرَ البذور بطريقة عشوائية وبدون نظام نجد البذور على مسافات غير متناسبة، فهي كثيرة في مكان، وقليلة في مكان آخر، وهذا ما نُسمِّيه تبذيراً، لأنه يضع الحبوب في موضع غير مناسب؛ فهي قليلة في مكان مزدحمة في آخر فَيُعاق نموّها.

لذلك، فالحق سبحانه آثر التعبير عن الإسراف بلفظ (التبذير)؛ لأنه يضيع المال في غير موضعه المناسب، وينفق هكذا كلما اتفق دون نظام، فقد يعطي بسخاء في غير ما يلزم، في حين يمسك في الشيء الضروري.

إذن: التبذير: صَرْف المال في غير حِلِّه، أو في غير حاجة، أو ضرورة.

والنهي عن التبذير هنا قد يُراد منه النهي عن التبذير في الإيتاء، يعني حينما تعطي حَقّ الزكاة، فلا تأخذك الأريحية الإيمانية فتعطي أكثر مما يجب عليك، وربما سمعتَ ثناء الناس وشكرهم فتزيد في عطائك، ثم بعد ذلك وبعد أن تخلوَ إلى نفسك ربما ندمتَ على ما فعلتَ، ولُمْتَ نفسك على هذا الإسراف.

وقد يكون المعنى: أعْطِ ذا القربى والمساكين وابن السبيل، ولكن لا تُبذِّر في الأمور الأخرى، فالنهي هنا لا يعود إلى الإيتاء، بل إلى الأمور التافهة التي يُنفَق فيها المال في غير ضرورة.

ثم يقول الحق سبحانه: { إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوۤاْ إِخْوَانَ ٱلشَّيَاطِينِ... }.


www.alro7.net