سورة
اية:

وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ۚ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: { ومن آياته} الدالة على عظمته أنه { يريكم البرق خوفاً وطمعاً} أي تارة تخافون مما يحدث بعده من أمطار مزعجة، وصواعق متلفة، وتارة ترجون وميضه وما يأتي به من المطر المحتاج إليه، ولهذا قال تعالى: { وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها} أي بعدما كانت هامدة لا نبات فيها ولا شيء، فلما جاءها الماء { اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج} ، وفي ذلك عبرة ودلالة واضحة على المعاد وقيام الساعة، ولهذا قال: { إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} ، ثم قال تعالى: { ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره} ، كقوله تعالى: { ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه} ، وقوله: { إن اللّه يمسك السموات والأرض أن تزولا} وكان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه إذا اجتهد في اليمين قال: والذي تقوم السماء والأرض بأمره، أي هي قائمة ثابتة بأمره لها وتسخيره إياها، ثم إذا كان يوم القيامة بدلت الأرض غير الأرض والسماوات، وخرجت الأموات من قبورها أحياء، بأمره تعالى ودعائه إياهم، ولهذا قال تعالى: { ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون} أي من الأرض، كما قال تعالى: { يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتنم إلا قليلاً} ، وقال تعالى: { فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة} .

تفسير الجلالين

{ ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره } بإرادته من غير عمد { ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض } بأن ينفخ إسرافيل في الصور للبعث من القبور { إذا أنتم تخرجون } منها أحياء فخروجكم منها بدعوة من آياته تعالى.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ آيَاته أَنْ تَقُوم السَّمَاء وَالْأَرْض بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَة مِنْ الْأَرْض إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمِنْ حُجَجه أَيّهَا الْقَوْم عَلَى قُدْرَته عَلَى مَا يَشَاء , قِيَام السَّمَاء وَالْأَرْض بِأَمْرِهِ خُضُوعًا لَهُ بِالطَّاعَةِ بِغَيْرِ عَمْد تَرَى { ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَة مِنْ الْأَرْض إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ } يَقُول : إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ مِنْ الْأَرْض , إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَة مُسْتَجِيبِينَ لِدَعْوَتِهِ إِيَّاكُمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21271 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَمِنْ آيَاته أَنْ تَقُوم السَّمَاء وَالْأَرْض بِأَمْرِهِ } قَامَتَا بِأَمْرِهِ بِغَيْرِ عَمْد { ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَة مِنْ الْأَرْض إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ } قَالَ : دَعَاهُمْ فَخَرَجُوا مِنْ الْأَرْض . 21272 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول , فِي قَوْله : { إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ } يَقُول : مِنْ الْأَرْض . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ آيَاته أَنْ تَقُوم السَّمَاء وَالْأَرْض بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَة مِنْ الْأَرْض إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمِنْ حُجَجه أَيّهَا الْقَوْم عَلَى قُدْرَته عَلَى مَا يَشَاء , قِيَام السَّمَاء وَالْأَرْض بِأَمْرِهِ خُضُوعًا لَهُ بِالطَّاعَةِ بِغَيْرِ عَمْد تَرَى { ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَة مِنْ الْأَرْض إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ } يَقُول : إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ مِنْ الْأَرْض , إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَة مُسْتَجِيبِينَ لِدَعْوَتِهِ إِيَّاكُمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21271 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَمِنْ آيَاته أَنْ تَقُوم السَّمَاء وَالْأَرْض بِأَمْرِهِ } قَامَتَا بِأَمْرِهِ بِغَيْرِ عَمْد { ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَة مِنْ الْأَرْض إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ } قَالَ : دَعَاهُمْ فَخَرَجُوا مِنْ الْأَرْض . 21272 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول , فِي قَوْله : { إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ } يَقُول : مِنْ الْأَرْض . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { ومن آياته أن خلقكم من تراب} أي من علامات ربوبيته ووحدانيته أن خلقكم من تراب؛ أي خلق أباكم منه والفرع كالأصل، وقد مضى بيان هذا في "الأنعام". و { أن} في موضع رفع بالابتداء وكذا { أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا} . قوله تعالى: { ثم إذا أنتم بشر تنتشرون} ثم أنتم عقلاء ناطقون تتصرفون فيما هو قوام معايشكم، فلم يكن ليخلقكم عبثا؛ ومن قدر على هذا فهو أهل للعبادة والتسبيح. ومعنى { خلق لكم من أنفسكم أزواجا} أي نساء تسكنون إليها. { من أنفسكم} أي من نطف الرجال ومن جنسكم. وقيل : المراد حواء، خلقها من ضلع آدم؛ قاله قتادة. { وجعل بينكم مودة ورحمة} قال ابن عباس ومجاهد : المودة الجماع، والرحمة الولد؛ وقاله الحسن. وقيل : المودة والرحمة عطف قلوبهم بعضهم على بعض. وقال السدي : المودة : المحبة، والرحمة : الشفقة؛ وروي معناه عن ابن عباس قال : المودة حب الرجل امرأته، والرحمة رحمته إياها أن يصيبها بسوء. ويقال : إن الرجل أصله من الأرض، وفيه قوة الأرض، وفيه الفرج الذي منه بدئ خلقه فيحتاج إلى سكن، وخلقت المرأة سكنا للرجل؛ قال الله تعالى: { ومن آياته أن خلقكم من تراب} الآية. وقال: { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها} فأول ارتفاق الرجل بالمرأة سكونه إليها مما فيه من غليان القوة، وذلك أن الفرج إذا تحمل فيه هيج ماء الصلب إليه، فإليها يسكن وبها يتخلص من الهياج، وللرجال خلق البضع منهن، قال الله تعالى: { وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم} الشعراء : 166] فأعلم الله عز وجل الرجال أن ذلك الموضع خلق منهن للرجال، فعليها بذله في كل وقت يدعوها الزوج؛ فإن منعته فهي ظالمة وفي حرج عظيم؛ ويكفيك من ذلك ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطا عليها حتى يرضى عنها). وفي لفظ آخر : (إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح). { ومن آياته خلق السماوات والأرض} تقدم في "البقرة". وكانوا يعترفون بأن الله هو الخالق. { واختلاف ألسنتكم وألوانكم} اللسان في الفم؛ وفيه اختلاف اللغات : من العربية والعجمية والتركية والرومية. واختلاف الألوان في الصور : من البياض والسواد والحمرة؛ فلا تكاد ترى أحدا إلا وأنت تفرق بينه وبين الآخر. وليس هذه الأشياء من فعل النطفة ولا من فعل الأبوين؛ فلا بد من فاعل، فعلم أن الفاعل هو الله تعالى؛ فهذا من أدل دليل على المدبر البارئ. { إن في ذلك لآيات للعالمين} أي للبر والفاجر. وقرأ حفص { للعالِمين} بكسر اللام جمع عالم. قوله تعالى: { ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله} قيل : في هذه الآية تقديم وتأخير، والمعنى : ومن آياته منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار؛ فحذف حرف الجر لاتصاله بالليل وعطفه عليه، والواو تقوم مقام حرف الجر إذا اتصلت بالمعطوف عليه في الاسم الظاهر خاصة؛ فجعل النوم بالليل دليلا على الموت، والتصرف بالنهار دليلا على البعث. { إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون} يريد سماع تفهم وتدبر. وقيل : يسمعون الحق فيتبعونه. وقيل : يسمعون الوعظ فيخافونه. وقيل : يسمعون القرآن فيصدقونه؛ والمعنى متقارب. وقيل : كان منهم من إذا تلي القرآن وهو حاضر سد أذنيه حتى لا يسمع؛ فبين الله عز وجل هذه الدلائل عليه. { ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا} قيل : المعنى أن يريكم، فحذف { أن} لدلالة الكلام عليه؛ قال طرفة : ألا أيهذا اللائمي أحضُرُ الوغى ** وأن أشهدَ اللذات هل أنت مخلدي وقيل : هو على التقديم والتأخير؛ أي ويريكم البرق من آياته. وقيل : أي ومن آياته آية يريكم بها البرق؛ كما قال الشاعر : وما الدهر إلا تارتان فمنهما ** أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح وقيل : أي من آياته أنه يريكم البرق خوفا وطمعا من آياته؛ قاله الزجاج، فيكون عطف جملة على جملة. { خوفا} أي للمسافر. { وطمعا} للمقيم؛ قاله قتادة. الضحاك { خوفا} من الصواعق، { وطمعا} في الغيث. يحيى بن سلام { خوفا} من البرد أن يهلك الزرع، { وطمعا} في المطر أن يحيي الزرع. ابن بحر { خوفا} أن يكون البرق برقا خُلَّبا لا يمطر، { وطمعا} أن يكون ممطرا؛ وأنشد قول الشاعر : لا يكن برقك برقا خلّبا ** إن خير البرق ما الغيث معه وقال آخر : فقد أرد المياه بغير زاد ** سوى عدي لها برق الغمام والبرق الخلّب : الذي لا غيث فيه كأنه خادع؛ ومنه قيل لمن يعد ولا ينجز : إنما أنت كبرق خلب. والخلب أيضا : السحاب الذي لا مطر فيه. ويقال : برق خلب، بالإضافة. قوله تعالى: { وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} تقدم. { ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره} { أن} في محل رفع كما تقدم؛ أي قيامها واستمساكها بقدرته بلا عمد. وقيل : بتدبيره وحكمته؛ أي يمسكها بغير عمد لمنافع الخلق. وقيل: { بأمره} بإذنه؛ والمعنى واحد. { ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون} أي الذي فعل هذه الأشياء قادر على أن يبعثكم من قبوركم؛ والمراد سرعة وجود ذلك من غير توقف ولا تلبث؛ كما يجيب الداعي المطاع مدعوه؛ كما قال القائل : دعوت كليبا باسمه فكأنما ** دعوت برأس الطود أو هو أسرع يريد برأس الطود : الصدى أو الحجر إذا تدهده. وإنما عطف هذا على قيام السموات والأرض بـ { ثم} لعظم ما يكون من ذلك الأمر واقتداره على مثله، وهو أن يقول : يأهل القبور قوموا؛ فلا تبقى نسمة من الأولين والآخرين إلا قامت تنظر؛ كما قال تعالى: { ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون} الزمر : 68]. { وإذا} الأولى في قوله تعالى: { إذا دعاكم} للشرط، والثانية في قوله تعالى: { إذا أنتم} للمفاجأة، وهي تنوب مناب الفاء في جواب الشرط. وأجمع القراء على فتح التاء هنا في { تخرجون} . واختلفوا في التي في "الأعراف" فقرأ أهل المدينة { ومنها تخرجون} الأعراف : 25] بضم التاء، وقرأ أهل العراق : بالفتح، وإليه يميل أبو عبيد. والمعنيان متقاربان، إلا أن أهل المدينة فرقوا بينهما لنسق الكلام، فنسق الكلام في التي في "الأعراف" بالضم أشبه؛ إذ كان الموت ليس من فعلهم، وكذا الإخراج. والفتح في سورة الروم أشبه بنسق الكلام؛ أي إذا دعاكم خرجتم أي أطعتم؛ فالفعل بهم أشبه. وهذا الخروج إنما هو عند نفخة إسرافيل النفخة الآخرة؛ على ما تقدم ويأتي. وقرئ { تخرجون} بضم التاء وفتحها، ذكره الزمخشري ولم يزد على هذا شيئا، ولم يذكر ما ذكرناه من الفرق، والله أعلم. { وله من في السماوات والأرض} خلقا وملكا وعبدا. { كل له قانتون} روي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (كل قنوت في القرآن فهو طاعة). قال النحاس : مطيعون طاعة انقياد. وقيل: { قانتون} مقرون بالعبودية، إما قالة وإما دلالة؛ قاله عكرمة وأبو مالك والسدي. وقال ابن عباس { قانتون} مصلون. الربيع بن أنس { كل له قانتون} أي قائم يوم القيامة؛ كما قال { يوم يقوم الناس لرب العالمين} المطففين : 6] أي للحساب. الحسن : كل له قائم بالشهادة أنه عبد له. سعيد بن جبير { قانتون} مخلصون.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الروم الايات 23 - 27

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

السماء هنا بمعنى السماوات السبع التي تقوم بلا عَمَد، وقلنا: إن الشيء الذي يعلوك إما أنْ يُحمل على أعمدة، وإما أنْ يُشدَّ إلى أعلى، مثل الكبارى المعلقة مثلاً، وكذلك السماء سقف مرفوع لا نرى له أعمدة. إذن: لا تبقى إلا الوسيلة الأخرى، وهي أن الله تعالى
{  وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ... }
[الحج: 65] فهي قائمة بأمره.

{ وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ بِأَمْرِهِ... } [الروم: 25] لا يهتز لها نظام أبداً، ولا تجد فيها فروجاً، لأنها محْكَمة البناء، وانظر إليها حين صفاء السماء وخُلوِّها من السحب تجدها ملساء ذات لون واحد على اتساعها، أيستطيع أحد من رجال الدهانات أن يطلي لنا مثل هذه المساحة بلون واحد لا يختلف؟

وإذا أخذنا السماء على أنها كُلُّ ما علاك فأظلَّك، فانظر إلى الشمس والقمر والنجوم والكواكب، وكيف أنها تقوم بأمر الله خالقها على نظام دقيق لا اختلالَ فيه، فلم نَر مثلاً كوكباً اصطدم بآخر، ولا شيئاً منها خرج عن مساره.

وصدق الله تعالى
{  كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ }
[الأنبياء: 33] فلكل منها سرعة، ولكل منها مداره الخاص ونظام بحسبان؛ ذلك لأنها تقوم بأمر الله وقدرته تعالى فهي منضبطة تؤدي مهمتها دون خلل، ودون تخلّف.

فمعنى { تَقُومَ... } [الروم: 25] يعني: تظل قائمة على حالها دون فساد، وهو فعل مضارع دالٌّ على استمرار. وحين تتأمل: قبل أن يخترع الإنسان المجاهر والميكروسكوبات لم نكن نرى من المجموعة الشمسية غير الشمس، فلما اخترعوا المجهر رأينا الكواكب الأخرى التي تدور حولها.

والعجيب أنها لا تدور في دوائر متساوية، إنما في شكل إهليلي، يتسع من ناحية، ويضيق من ناحية، وهذه الكواكب لها دورة حول الشمس، ودورة أخرى حول نفسها. فالأرض مثلاً لها مدار حول الشمس ينشأ عنه الفصول الأربعة، ولها دورة حول نفسها ينشأ عنها الليل والنهار، وكل هذه الحركة المركبة تتم بنظام دقيق محكم منضبط غاية الانضباط.

وهذه الكواكب تتفاوت في قُرْبها أو بُعْدها عن الشمس، فأقربها من الشمس عطارد، ثم الزهرة، ثم الأرض، ثم المشتري، ثم المريخ، ثم زحل، ثم أورانوس، ثم نبتون، ثم أبعدها عن الشمس بلوتو. ولكل منها مداره الخاص حول الشمس وتسمى (عام)، ودورة حول نفسه تسمى (يوم).

وعجيب أن يوم الزهرة، وهو ثاني كوكب من الشمس يُقدَّر بـ 44 يوماً من أيام الأرض، في حين أن العام بالنسبة لها يُقدَّر بـ 25 يوماً من أيام الأرض، فالعام أقل من اليوم، كيف؟ قالوا: لأن هذه دورة مستقلة، وهذه دورة مستقلة، فهي سريعة في دورانها حول الشمس، وبطيئة في دورانها حول نفسها.

ولو علمتَ أن في الفضاء وفي كون الله الواسع مليون مجموعة مثل مجموعتنا الشمسية في (سكة التبَّانة)، وهذا كله في المجرة التي نعرفها - لو علمت ذلك لتبيَّن لك عظَم هذا الكون الذي لا نعرف عنه إلا القليل؛ لذلك حين تقرأ:
{  وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ }
[الذاريات: 47] فاعلم أنها مسألة لا نهاية لها ولا حدودَ في علمنا وفي عقولنا، لكن لها نهاية عند الله.

ولا أدلَّ على انضباط حركة هذه الكونيات من انضباط موعد الكسوف أو الخسوف الذي يحسبه العلماء فيأتي منضبطاً تماماً، وهم يبنون حساباتهم على حركة الكواكب ودورانها؛ لذلك نقول لمن يكابر حتى الآن ويقول بعدم دوران الأرض: عليك أن تعترف إذن أن هؤلاء الذين يتنبأون بالكسوف والخسوف يعلمون الغيب. فالأقرب - إذن - أن نقول: إنها لله الذي خلقها على هذه الهيئة من الانضباط والدقة، فاجعلها لله بدل أنْ تجعلها للعلماء.

ثم يقول سبحانه: { ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ... } [الروم: 25] معنى { دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ... } [الروم: 25] المراد النفخة الثانية، فالأولى التي يقول الله عنها:
{  إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ }
[يس: 29] والثانية يقول فيها:
{  إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ }
[يس: 53].

فالأولى للموت الكلي، والثانية للبعث الكلي، ولو نظرت إلى هاتين النفختين وما جعل الله فيهما من أسرار تلتقي بما في الحياة الدنيا من أسرار لوجدتَ عجباً.

فكل لحظة من لحظات الزمن يحدث فيها ميلاد، ويحدث فيها موت، فنحن مختلفون في مواليدنا وفي آجالنا، أما في الآخرة فالأمر على الاتفاق، فالذين اختلفوا في المواليد سيتفقون في البعث
{  إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ }
[يس: 53].

والذين اختلفوا في الموت سيتفقون في الخمود:
{  إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ }
[يس: 29] فالميلاد يقابله البعث، والموت يقابله الخمود. إذن: اختلاف هذه يعالج اتفاق هذه، واتفاق هذه يعالج اختلاف هذه؛ لذلك يقول:
{  يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ... }
[التغابن: 9].

والنفخة الثانية يؤديها إسرافيل بأمر الله؛ لأن الحق - سبحانه وتعالى - يزاول أشياء بذاته، ولا نعلم منها إلا أنه سبحانه وتعالى خلق الإنسان وسَّواه بيده، كما قال سبحانه:
{  يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ... }
[ص: 75] أما غير ذلك فهو سبحانه يزاول الأشياء بواسطة خَلْقه في كل مسائل الكونيات.

تأمل مثلاً:
{  ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا... }
[الزمر: 42] فالمتوفِّي هنا الله عز وجل، وفي موضع آخر:
{  قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ... }
[السجدة: 11] فنقلها إلى ملَك الموت، وفي موضع آخر:
{  تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا... }
[الأنعام: 61] فنقلها إلى رسل الموت من الملائكة، وهم جنود لملَك الموت.

وبيان ذلك أنه سبحانه نسب الموت لنفسه أولاً؛ لأنه صاحب الأمر الأعلى فيه، فيأمر به ملَك الموت، وملَك الموت بدوره يأمر جنوده، إذن: فمردُّها إلى الله.

ثم يقول سبحانه: { إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ } [الروم: 25] أي: حين يسمع الموتى هذه الصيحة يهبُّون جميعاً أحياء، فإذا هنا الفجائية الدالة على الفجأة، وهذا هو الفارق بين ميلاد الدنيا وميلاد الآخرة، ميلاد الدنيا لم يكُنْ فجأة، بل على مهل، فالمرأة قبل أنْ تلد نشاهد حملها عدة أشهر، وتعاني هي آلام الحمل عدة أشهر، فلا فجأة إذن.


www.alro7.net