سورة
اية:

هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ

تفسير بن كثير

هذه القصة قد تقدمت في سورة هود والحجر، فقوله: { هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين} أي الذين أرصد لهم الكرامة، وقد ذهب الإمام أحمد إلى وجوب الضيافة للنزيل، وقد وردت السنة بذلك كما هو ظاهر التنزيل، وقوله تعالى: { قالوا سلاماً قال سلام} الرفع أقوى وأثبت من النصب، فردّه أفضل من التسليم، ولهذا قال تعالى: { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها} فالخليل اختار الأفضل، وقوله تعالى: { قوم منكرون} وذلك أن الملائكة، وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل، قدموا عليه في صورة شبان حسان عليهم مهابة عظيمة، ولهذا قال { قوم منكرون} . وقوله عزَّ وجلَّ: { فراغ إلى أهله} أي انسل خفية في سرعة، { فجاء بعجل سمين} أي من خيار ماله، وفي الآية الأُخْرى: { فما لبث أن جاء بعجل حنيذ} أي مشوي على الرَّضْف الحجارة المحماة { فقربه إليهم} أي أدناه منهم، { قال ألا تأكلون} ؟ تلطف في العبارة وعرض حسن، وهذه الآية انتظمت آداب الضيافة فإنه جاء بطعام من حيث لا يشعرون بسرعة، وأتى بأفضل ما وجد من ماله وهو عجلٌ فتيٌ سمين مشوي، فقربه إليهم لم يضعه وقال اقتربوا، بل وضعه بين أيديهم، ولم يأمرهم أمراً يشق على سامعه بصيغة الجزم، بل قال: { ألا تأكلون} ؟ على سبيل العرض والتلطف، كما يقول القائل اليوم: إن رأيت أن تتفضل وتحسن وتتصدق فافعل. وقوله تعالى: { فأوجس منهم خيفة} كقوله تعالى: { فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة} { قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم} البشارة له بشارة لها، لأن الولد منهما فكل منهما بشر به، وقوله تعالى: { فأقبلت امرأته في صرة} أي في صرخة عظيمة ورنة وهو قول ابن العباس ومجاهد وعكرمة والضحّاك والسدي وغيرهم ، وهي قولها { يا ويلتا} { فصكت وجهها} أي ضربت بيدها على جبينها، قال ابن عباس: لطمت أي تعجباً، كما تتعجب النساء من الأمر الغريب { وقالت عجوز عقيم} أي كيف ألد وأنا عجوز وقد كنت في حال الصبا عقيماً لا أحبل؟ { قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم} أي عليم بما تستحقون من الكرامة، حكيم في أقواله وأفعاله.

تفسير الجلالين

{ هل أتاك } خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم { حديث ضيف إبراهيم المكرمين } وهم ملائكة اثنا عشر أو عشرة أو ثلاثة، منهم جبريل .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { هَلْ أَتَاك حَدِيث ضَيْف إِبْرَاهِيم } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , يُخْبِرهُ أَنَّهُ مُحِلٌّ بِمَنْ تَمَادَى فِي غَيّه , وَأَصَرَّ عَلَى كُفْره , فَلَمْ يَتُبْ مِنْهُ مِنْ كُفَّار قَوْمه , مَا أَحَلَّ بِمَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَم الْخَالِيَة , وَمُذَكِّرًا قَوْمَهُ مِنْ قُرَيْش بِإِخْبَارِهِ إِيَّاهُمْ أَخْبَارَهُمْ وَقَصَصَهُمْ , وَمَا فُعِلَ بِهِمْ , هَلْ أَتَاك يَا مُحَمَّد حَدِيث ضَيْف إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن الْمُكْرَمِينَ. الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { هَلْ أَتَاك حَدِيث ضَيْف إِبْرَاهِيم } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , يُخْبِرهُ أَنَّهُ مُحِلٌّ بِمَنْ تَمَادَى فِي غَيّه , وَأَصَرَّ عَلَى كُفْره , فَلَمْ يَتُبْ مِنْهُ مِنْ كُفَّار قَوْمه , مَا أَحَلَّ بِمَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَم الْخَالِيَة , وَمُذَكِّرًا قَوْمَهُ مِنْ قُرَيْش بِإِخْبَارِهِ إِيَّاهُمْ أَخْبَارَهُمْ وَقَصَصَهُمْ , وَمَا فُعِلَ بِهِمْ , هَلْ أَتَاك يَا مُحَمَّد حَدِيث ضَيْف إِبْرَاهِيم خَلِيل الرَّحْمَن الْمُكْرَمِينَ.' يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { الْمُكْرَمِينَ } أَنَّ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام وَسَارَة خَدَمَاهُمْ بِأَنْفُسِهِمَا . وَقِيلَ : إِنَّمَا قِيلَ { الْمُكْرَمِينَ } كَمَا : 24920 -حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { ضَيْف إِبْرَاهِيم الْمُكْرَمِينَ } قَالَ : أَكْرَمَهُمْ إِبْرَاهِيم , وَأَمَرَ أَهْله لَهُمْ بِالْعِجْلِ حِينَئِذٍ . 'يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { الْمُكْرَمِينَ } أَنَّ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام وَسَارَة خَدَمَاهُمْ بِأَنْفُسِهِمَا . وَقِيلَ : إِنَّمَا قِيلَ { الْمُكْرَمِينَ } كَمَا : 24920 -حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { ضَيْف إِبْرَاهِيم الْمُكْرَمِينَ } قَالَ : أَكْرَمَهُمْ إِبْرَاهِيم , وَأَمَرَ أَهْله لَهُمْ بِالْعِجْلِ حِينَئِذٍ . ''

تفسير القرطبي

قوله تعالى { هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين} ذكر قصة إبراهيم عليه السلام ليبين بها أنه أهلك المكذب بآياته كما فعل بقوم لوط. { هل أتاك} أي ألم يأتك. وقيل { هل} بمعنى قد؛ كقوله تعالى { هل أتى على الإنسان حين من الدهر} [الإنسان : 1]. وقد مضى الكلام في ضيف إبراهيم في [هود والحجر]. { المكرمين} أي عند الله؛ دليله قوله تعالى { بل عباد مكرمون} [الأنبياء : 26] قال ابن عباس : يريد جبريل وميكائيل وإسرافيل - زاد عثمان بن حصين - ورفائيل عليهم الصلاة والسلام. وقال محمد بن كعب : كان جبريل ومعه تسعة. وقال عطاء وجماعة : كانوا ثلاثة جبريل وميكائيل ومعهما ملك آخر. قال ابن عباس : سماهم مكرمين لأنهم غير مذعورين. وقال مجاهد : سماهم مكرمين لخدمة إبراهيم إياهم بنفسه. قال عبدالوهاب : قال لي علي بن عياض : عندي هريسة ما رأيك فيها؟ قلت : ما أحسن رأيي فيها؛ قال : امض بنا؛ فدخلت الدار فنادى الغلام فإذا هو غائب، فما راعني إلا به ومعه القمقمة والطست وعلى عاتقه المنديل، فقلت : إنا لله وإنا إليه راجعون، لو علمت يا أبا الحسن أن الأمر هكذا؛ قال : هون عليك فإنك عندنا مكرم، والمكرم إنما يخدم بالنفس؛ انظر إلى قوله تعالى { هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين} . قوله تعالى { إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما} تقدم في [الحجر]. { قال سلام} أي عليكم سلام. ويجوز بمعنى أمري سلام أو ردي لكم سلام. وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما { سِلم} بكسر السين. { قوم منكرون} أي أنتم قوم منكرون؛ أي غرباء لا نعرفكم. وقيل : لأنه رآهم على غير صورة البشر، وعلى غير صورة الملائكة الذين كان يعرفهم فنكرهم، فقال { قوم منكرون} . وقيل : أنكرهم لأنهم دخلوا عليه من غير استئذان. وقال أبو العالية : أنكر سلامهم في ذلك الزمان وفي تلك الأرض. وقيل : خافهم؛ يقال أنكرته إذا خفته، قال الشاعر : فأنكرتني وما كان الذي نكرت ** من الحوادث إلا الشيب والصلعا قوله تعالى { فراغ إلى أهله} قال الزجاج : أي عدل إلى أهله. وقد مضى في { والصافات} . ويقال : أراغ وارتاغ بمعنى طلب، وماذا تريغ أي تريد وتطلب، وأراغ إلى كذا أي مال إليه سرا وحاد، فعلى هذا يكون راغ وأراغ لغتين بمعنى. { فجاء بعجل سمين} أي جاء ضيفه بعجل قد شواه لهم كما في [هود] فما لبث أن جاء بعجل حنيذ [هود : 69]. ويقال : إن إبراهيم انطلق إلى منزله كالمستخفي من ضيفه، لئلا يظهروا على ما يريد أن يتخذ لهم من الطعام. { فقربه إليهم} يعني العجل. { قال ألا تأكلون} قال قتادة : كان عامة مال إبراهيم البقر، واختاره لهم سمينا زيادة في إكرامهم. وقيل : العجل في بعض اللغات الشاة. ذكره القشيري. وفي الصحاح : العجل ولد البقرة والعجول مثله والجمع العجاجيل والأنثى عجلة، عن أبي الجراح، وبقرة معجل ذات عجل، وعجل قبيلة من ربيعة. قوله تعالى { فأوجس منهم خيفة} أي أحس منهم في نفسه خوفا. وقيل : أضمر لما لم يتحرموا بطعامه. ومن أخلاق الناس : أن من تحرم بطعام إنسان أمنه. وقال عمرو بن دينار : قالت الملائكة لا نأكل إلا بالثمن. قال : كلوا وأدوا ثمنه. قالوا : وما ثمنه؟ قال : تسمون الله إذا أكلتم وتحمدونه إذا فرغتم. فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا : لهذا اتخذك الله خليلا. وقد تقدم هذا في [هود] ولما رأوا ما بإبراهيم من الخوف { قالوا لا تخف} وأعلموه أنهم ملائكة الله ورسله. { وبشروه بغلام عليم} أي بولد يولد له من سارة زوجته. وقيل : لما أخبروه أنهم ملائكة لم يصدقهم، فدعوا الله فأحيا العجل الذي قربه إليهم. وروى عون بن أبي شداد : أن جبريل مسح العجل بجناحه، فقام يدرج حتى لحق بأمه وأم العجل في الدار. ومعنى { عليم} أي يكون بعد بلوغه من أولي العلم بالله وبدينه. والجمهور على أن المبشر به هو إسحاق. وقال مجاهد وحده : هو إسماعيل وليس بشيء فإن الله تعالى يقول { وبشرناه بإسحاق} [الصافات : 112]. وهذا نص.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الذاريات الايات 20 - 30

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

هذا إخبار من الله تعالى عن سيدنا إبراهيم عليه السلام، ولأنه خبر هام وعجيب بدأه الحق سبحانه بهذا الاستفهام { هَلْ أَتَاكَ... } [الذاريات: 24] وهل تلازم دائماً الشيء العجيب الذي يستحق أنْ نلتفت إليه.

ويشوِّقنا الحق سبحانه إلى معرفته، كما في قوله تعالى:
{  يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ }
[الصف: 10] يُشوِّقنا لنقول: نعم يا رب دلنا.

ولأن قصة ضيف سيدنا إبراهيم قصة عجيبة قال الله عنها { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ... } [الذاريات: 24] أي نبأ { ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ ٱلْمُكْرَمِينَ } [الذاريات: 24].

وسيدنا إبراهيم أبو الأنبياء كرَّمه الله بقوله:
{  إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً... }
[النحل: 120] لأن فيه من الفضائل ومن خصال الخير ما يوجد في أمة بأكملها، لأن الله تعالى وزع الفضائل على الخَلْق جميعاً، فأنت لك فضيلة، وغيرك له فضيلة ثانية وثالثة وهكذا.

هذا ليتكاتف الخَلْق ويتعاون الناس، وإلا لاستغنى بعضنا عن بعض ولحدث التفكك في المجتمع، لذلك تجد العاقل لا يحتقر أحداً مهما رأى نفسه أفضل منه لأنه يعلم ميزان المساواة بين الخَلْق في هذه الفضائل، فيقول في نفسه: إنْ كنت أفضل منه في شيء فلا بدَّ أنه أفضل مني في شيء آخر.

وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الله أخفى ثلاثاً في ثلاث: أخفى رضاه في طاعته، فلا تحتقرن طاعة مهما قلَّتْ، فإن الله قد غفر لرجل لأنه سقى كلباً يأكل الثرى من العطش.

وأخفى غضبه في معصيته فلا تحقرن معصية مهما صَغُرَتْ، فإن الله تعالى أدخل امرأة النار في هِرَّة حبستها، فلا هي أطعمتها وِسَقَتْها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض، وأخفى أسراره في خلقه فلا تحقرن عبداً ما ".

والإمام علي رضي الله عنه يقول: عندما ترى مَنْ هو أدنى منك في شيء فتحَسّر، لأنك لا تعرف الفضيلة التي فضَّل بها عليك، ولا بدَّ للخَلْق أنْ يعي هذه الحقيقة لأنهم أمام الله سواسية، والله تعالى لم يلد ولم يولد، وخَلْقه عنده سواء، لا يتفاضلون إلا بالتقوى والعمل الصالح.

كلمة { حَدِيثُ... } [الذاريات: 24] يعني الخبر المتداول، وفيه حقيقة أو حكمة، لذلك يتداوله الناسُ ويهتمون به { ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ... } [الذاريات: 24] جاءت كلمة (ضيف) مفردة مع أنهم كانوا جمعاً من الملائكة، فلم يقل ضيوف ولا أضياف، إنما اختار اللفظ المفرد، فقال: (ضيف).

قالوا: لأن (ضيف) تُطلق على المفرد والمثنى والجمع ممَّنْ استدعيته إلى بيتك أو جاءك فصار ضيفاً عليك، والمستضيف ينبغي أنْ يعامل الأضيافَ جميعاً معاملة واحدة ويستقبلهم بوجه واحد لا يُفضل أحداً على أحد، ولا يحتفي بأحد دون الآخر.

فكأنهم عنده شخص واحد لا يميز أحداً، لا في مجلسه ولا في نظره إليهم، لذلك عبَّر القرآن عنهم بصيغة المفرد، فهم في حكم الرجل الواحد.وقد علمنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الدرس، فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يُسوي بين جُلسائه حتى في نظرة إليهم حتى ليظن كل منهم أنه لا يوجد في المجلس غيره.

وفي القرآن الكريم مواضع كثيرة تستخدم المفرد وتريد به الجماعة، ذلك حينما يكون توجههم واحداً وهدفهم واحداً، وحينما يجتمعون على أمر الله، وأمر الله دائماً واحد لا اختلافَ فيه، والجماعة حينئذ في حكم الواحد.

اقرأ هذا مثلاً في قوله تعالى في قصة سيدنا موسى وسيدنا هارون
{  فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ }
[الشعراء: 16].

إذن: ضيف يعني أضياف، ومعنى { ٱلْمُكْرَمِينَ } [الذاريات: 24] جمع مكرم، وهو الذي يقع عليه الكرم من غيره، والفاعل مُكرِم والمفعول مُكرَم، فوصف الملائكة بأنهم مكرمون فمَنْ أكرمهم؟

قالوا: لها معنيان: أكرمهم الله تعالى كما قال سبحانه:
{  وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ }
[الأنبياء: 26-27].

أو مُكرمون أكرمهم سيدنا إبراهيم حينما أعدَّ لهم طعاماً وباشر خدمتهم بنفسه لا بعبيده، وجعل امرأته تشاركه في خدمتهم، مع أن المرأة مستورة وأكرمهم بأن بادرهم بالتحية.

ثم إنه لم يقدم لهم الطعام الحاضر، إنما أكرمهم وذبح لهم عجلاً مرة وصفه بأنه سمين، ومرة وصفه بأنه حنيذ وهذا كمال في الوصف، فهو سمين في ذاته. أي: ليس هزيلاً في تكوينه. وهو حنيذ، والحنيذ هو أفضل أنواع الشواء عندهم، فهو من حيث طريقة طهيه حنيذ مشوي، وهذا منتهى الإكرام.

وقوله: { إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ... } [الذاريات: 25] أي: الملائكة في صورة بشر { فَقَالُواْ سَلاَماً... } [الذاريات: 25] فردّ عليهم { سَلاَمٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ } [الذاريات: 25] أي: غير معروفين لنا، ويقال: إنه قالها في نفسه ولم يجهر بها.

ونلاحظ هنا فرقاً بين سلام الملائكة وردّ السلام من سيدنا إبراهيم، لأنهم حيَّوْه بقولهم { سَلاَماً... } [الذاريات: 25] هكذا بالنصب فردَّ عليهم { سَلاَمٌ... } [الذاريات: 25] بالرفع، هم بادروه بالسلام، لأن القادم قد يخشى المقدوم عليه منه، فبادروه بلاسلام ليأمن جانبهم.

كلمة { سَلاَماً... } [الذاريات: 25] بالنصب دلَّتْ على أنها مفعول لفعل مقدّر أي: نسلم عليك سلاماً، والجملة الفعلية تدل دائماً على حدث سيحدث، وهو الأمر الذي جاءوا من أجله.

أما ردُّ السلام فكان بالرفع { سَلاَمٌ... } [الذاريات: 25] أي: سلام عليكم، فهي جملة اسمية، والجملة الاسمية تدلُّ على الثبوت، وهو حال المستقبل سيدنا إبراهيم.


www.alro7.net