سورة
اية:

إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مسلياً لنبيّه محمد صلى اللّه عليه وسلم في تكذيب من كذبه من قومه، ومبشراً بأن العاقبة والنصرة له في الدنيا والآخرة كما جرى لموسى بن عمران عليه السلام، فإن اللّه تعالى أرسله بالآيات البينات، والدلائل الواضحات، ولهذا قال تعالى: { بآياتنا وسلطان مبين} والسلطان هو الحجة والبرهان، { إلى فرعون} وهو ملك القبط بالديار المصرية، { وهامان} وهو وزيره في مملكته { وقارون} وكان أكثر الناس في زمانه مالاً وتجارة، { فقالوا: ساحر كذاب} أي كذبوه وجعلوه ساحراً مجنوناً، ممّوهاً كذاباً في أن اللّه جلا وعلا أرسله وهذه كقوله تعالى: { كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون} ، { فلما جاءهم بالحق من عندنا} أي بالبرهان القاطع الدال على أن اللّه عزَّ وجلَّ أرسله إليهم، { قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم} ، وهذا أمر ثان من فرعون بقتل ذكور بني إسرائيل، أما الأول فكان لأجل الاحتراز من وجود موسى، أو لإذلال هذا الشعب وتقليل عددهم، أو لمجموع الأمرين، وأما الأمر الثاني فلإهانة هذا الشعب، ولكي يتشاءموا بموسى عليه السلام، ولهذا قالوا: { أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا} ، قال اللّه عزَّ وجلَّ: { وما كيد الكافرين إلا في ضلال} أي وما مكرهم وقصدهم الذي هو تقليل عدد بني إسرائيل لئلا ينصروا عليهم إلا ذاهب وهالك في ضلال { وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه} ، وهذا عزم من فرعون - لعنه اللّه - على قتل موسى عليه الصلاة والسلام؛ أي قال لقومه دعوني حتى أقتل لكم هذا { وليدع ربه} أي لا أبالي منه، وهذا في غاية الجحد والعناد { إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد} يخشى فرعون أن يضل موسى الناس ويغير رسومهم وعاداتهم، وهذا كما يقال في المثل: صار فرعون مذكراً، يعني واعظاً، يشفق على الناس من موسى عليه السلام، { وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب} أي لما بلغه قول فرعون { ذروني أقتل موسى} قال موسى عليه السلام: استجرت باللّه، وعذت به من شره وشر أمثاله، ولهذا قال: { إني عذت بربي وربكم} أيها المخاطبون { من كل متكبر} أي عن الحق مجرم { لا يؤمن بيوم الحساب} ، ولهذا جاء في الحديث أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان إذا خاف قوماً قال: (اللهم إنا نعوذ بك من شرورهم، وندرأ بك في نحورهم).

تفسير الجلالين

{ إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا } هو { ساحرٌ كذاب } .

تفسير الطبري

{ إِلَى فِرْعَوْن وَهَامَان وَقَارُون فَقَالُوا سَاحِر كَذَّاب } يَقُول : فَقَالَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ مُوسَى لِمُوسَى : هُوَ سَاحِر يَسْحَر الْعَصَا , فَيَرَى النَّاظِر إِلَيْهَا أَنَّهَا حَيَّة تَسْعَى , { كَذَّاب } يَقُول : يَكْذِب عَلَى اللَّه , وَيَزْعُم أَنَّهُ أَرْسَلَهُ إِلَى النَّاس رَسُولًا . { إِلَى فِرْعَوْن وَهَامَان وَقَارُون فَقَالُوا سَاحِر كَذَّاب } يَقُول : فَقَالَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ مُوسَى لِمُوسَى : هُوَ سَاحِر يَسْحَر الْعَصَا , فَيَرَى النَّاظِر إِلَيْهَا أَنَّهَا حَيَّة تَسْعَى , { كَذَّاب } يَقُول : يَكْذِب عَلَى اللَّه , وَيَزْعُم أَنَّهُ أَرْسَلَهُ إِلَى النَّاس رَسُولًا .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { ولقد أرسلنا موسى بآياتنا} وهي التسع الآيات المذكورة في قوله تعالى: { ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات} [الإسراء : 101] وقد مضى تعيينها. { وسلطان مبين} أي بحجة واضحة بينة، وهو يذكر ومؤنث. وقيل : أراد بالسلطان التوراة. { إلى فرعون وهامان وقارون} خصهم بالذكر لأن مدار التدبير في عداوة موسى كان عليهم؛ ففرعون الملك وهامان الوزير وقارون صاحب الأموال والكنوز فجمعه الله معهما؛ لأن عمله في الكفر والتكذيب كأعمالهما. { فقالوا ساحر كذاب} لما عجزوا عن معارضته حملوا المعجزات على السحر. قوله تعالى: { فلما جاءهم بالحق من عندنا} وهي المعجزة الظاهرة { قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم} قال قتادة : هذا قتل غير القتل الأول؛ لأن فرعون كان قد أمسك عن قتل الولدان بعد ولادة موسى، فلما بعث الله موسى أعاد القتل على بني إسرائيل عقوبة لهم فيمتنع الإنسان من الإيمان؛ ولئلا يكثر جمعهم فيعتضدوا بالذكور من أولادهم، فشغلهم الله عن ذلك بما أنزل عليهم من أنواع العذاب، كالضفادع والقمل والدم والطوفان إلى أن خرجوا من مصر، فأغرقهم الله. { وما كيد الكافرين إلا في ضلال} أي في خسران وهلاك، وإن الناس لا يمتنعون من الإيمان وإن فعل بهم مثل هذا فكيده يذهب باطلا. قوله تعالى: { وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه} { أقتل} جزم؛ لأنه جواب الأمر { وليدع} جزم؛ لأنه أمر و { ذروني} ليس بمجزوم وإن كان أمرا ولكن لفظه لفظ المجزوم وهو مبني. وقيل : هذا يدل على أنه قيل لفرعون : إنا نخاف أن يدعو عليك فيجاب؛ فقال: { وليدع ربه} أي لا يهولنكم ما يذكر من ربه فإنه لا حقيقة له وأنا ربكم الأعلى. { إني أخاف أن يبدل دينكم} أي عبادتكم لي إلى عبادة ربه { أو أن يظهر في الأرض الفساد} إن لم يبدل دينكم فإنه يظهر في الأرض الفساد. أي يقع بين الناس بسببه الخلاف. وقراءة المدنيين وأبي عبدالرحمن السلمي وابن عامر وأبي عمرو { وأن يظهر في الأرض الفساد} وقراءة الكوفيين { أو أن يظهر} بفتح الياء { الفساد} بالرفع وكذلك هي في مصاحف الكوفيين { أو} بألف وإليه يذهب أبو عبيد؛ قال : لأن فيه زيادة حرف وفيه فصل؛ ولأن { أو} تكون بمعنى الواو. النحاس : وهذا عند حذاق النحويين لا يجوز أن تكون بمعنى الواو؛ لأن في ذلك بطلان المعاني؛ ولوجاز أن تكون بمعنى الواو لما احتيج إلى هذا ها هنا؛ لأن معنى الواو { إني أخاف} الأمرين جميعا ومعنى { أو} لأحد الأمرين أي { إني أخاف أن يبدل دينكم} فإن أعوزه ذلك أظهر في الأرض الفساد. قوله تعالى: { وقال موسى إني عذت بربي وربكم} لما هدده فرعون بالقتل استعاذ موسى بالله { من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب} أي متعظم عن الإيمان بالله، وصفته أنه { لا يؤمن بيوم الحساب} .

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة غافر الايات 17 - 27


سورة غافر الايات 23 - 35

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

الحق سبحانه يذكر هنا قصة سيدنا موسى عليه السلام لأنها امتازت على قصص الرسل السابقين له، من حيث إنهم جاءوا ليشفعوا الناس من بعض الأمراض العقدية، ويخرجوهم من جاهلية افعل ولا تفعل، ويعيدوهم إلى الجادة، أمَّا سيدنا موسى فقد جاء ليجابه رجلاً ادعى الألوهية وتكبَّر وتجبَّر فكانت مهمته أصعب، لذلك كان أكثر الرسل قصصاً في القرآن الكريم.

قوله تعالى: { بِآيَاتِنَا.. } [غافر: 23] المراد الآيات الواضحات التسع التي أُوتيها موسى عليه السلام، تأييداً له وبرهاناً على صِدْق رسالته وأولها العصا، وللعصا في قصة سيدنا موسى تاريخ ومواقف، فبها ضرب البحر فصار كل فِرق كالطود العظيم بها انفلق البحر وتجمد الماء، وبنفس العصا ضرب الحجر فانفجرتْ منه اثنتا عشر عيناً، إذن: المسألة ليست في الماء والجبل، إنما معجزة خالق الماء وخالق الجبل الذي يقول للشيء: كُنْ فيكون.

لذلك وقف المستشرقون عند قصة سيدنا موسى، ورأوا أنها أخذتْ النصيب الأوفر بين موكب الرسالات وفصِّلها القرآن تفصيلاً ظنوه تكراراً معاداً، خاصة في مسألة العصا، حيث ذُكرت في ثلاثة مواقف، هي في الحقيقة ليست تكراراً إنما هي لقطات مختلفة لحدث متجمع، فأول ما أعطى الله موسى العصا معجزةً سأله عنها:
{  وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ }
[طه: 17-18].

وقلنا: إن موسى لم يرد على قدر السؤال لأن الذي يسأله ربه فأراد أنْ يطيل أَمَد الحديث مع ربه عز وجل، فلم يَقُلْ عصا أو عصاي، فلما أحسَّ أنه أطال أجمل وقال:
{  وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ }
[طه: 18].

الموقف الثاني الذي ذُكِرت فيه العصا لما أراد الحق سبحانه أن يدرب موسى على استخدامها، وأنْ يجربها هو بنفسه ليكون على استعداد ودُرْبة حينما يواجه مُدَّعي الألوهية فرعون فقال له:
{  قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ * قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلأُولَىٰ }
[طه: 19-21].

هذا هو المطلوب من إجراء هذه التجربة أمام موسى، أن يخاف منها، وأنْ يراها على حقيقتها وهي حية، ولو أنها ظلتْ على حالتها عصا ما خاف منها موسى، ولما قال له ربه
{  وَلاَ تَخَفْ.. }
[طه: 21].

ثم كان الموقف الأخير للعصا حين التقى موسى بسحرة فرعون وفي حضرته حين جابه سِحْرهم بعصاه التي ألقاها فراحتْ تلقف ما صنعوا، وعن هذا الموقف قال تعالى:
{  قَالُواْ يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ * قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ * قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ }
[طه: 65-68].

إذن: ليس في ذكر عصا موسى تكرار، إنما هي مواقف مختلفة وحالات عِدَّة للشيء الواحد.وقوله { وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ } [غافر: 23] السلطان هو الحجة الواضحة، والسلطان هو القوة، إما قوة البرهان والحجة، وإما قوة القهر والغلبة، كما ورد في حوار الشيطان يوم القيامة:
{  وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي.. }
[إبراهيم: 22].

يعني: لم يكن لي سلطان حجة تقنعكم، ولا سلطان قهر وقوة ترهبكم وتجبركم على المعصية، بل كنتم على (تشويرة) مجرد أن دعوتكم استجبتم
{  فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ.. }
[إبراهيم: 22] نقول: صرخ فلان فأصرخته يعني: أزلتُ أسباب صراخه.

وقوله: { إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ.. } [غافر: 24] نعم كان فرعون هو رأس الفتنة ومُدَّعي الألوهية، لكن ذكر معه هامان لأنه كان وزيره ومساعده، وقارون لأنه كان صاحبَ خزانته، فكان الثلاثة شركاء، لذلك اشتركوا أيضاً في اتهام موسى { فَقَالُواْ سَاحِرٌ كَـذَّابٌ } [غافر: 24].

{ فَلَمَّا جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ مِنْ عِندِنَا.. } [غافر: 25] أي: بالآيات { قَالُواْ ٱقْتُلُوۤاْ أَبْنَآءَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ.. } [غافر: 25] مسألة قَتْل الأبناء جاءت من فرعون مرتين: الأولى: أيام كان موسى طفلاً، وعلم فرعون من المنجِّمين أن زوال ملْكه سيكون على يد أحد أبناء بني إٍسرائيل، فأخذ يقتل الأبناء الصغار مخافةَ هذا الولد الذي سيُولد ويزول مُلكه على يديه.

والعجيب أن نرى هنا غباء فرعون وتغفيله في قتل أبناء بني إسرائيل وحرصه على ألاَّ يفلت منهم أحدٌ، حتى أن رجاله كانوا يدخلون البيوت يبحثون فيها عن الأطفال الصغار.

وقد أظهر هذا الموقف غباءه من ناحيتين، أولاً: أنه يقتل الأبناء الصغار مع أن النبوءة تقول: إن زوال مُلْكه سيكون على يد واحد منهم، ثم يأتيه غلام بهذه الطريقة المريبة: صندوق في البحر بداخله غلام صغير جاءه إلى باب بيته، فيطمئن إليه ويأخذه ويُربِّيه على عينه ويغفل عما يُراد به.

وهذا الموقف يوضحه قوله تعالى:
{  وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ... }
[الأنفال: 24] نعم إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يُقلِّبها كيف يشاء.

وقوله: { وَٱسْتَحْيُواْ نِسَآءَهُمْ.. } [غافر: 25] أي: اقتلوا الأبناء الذكور، لأنهم مصدر الخوف، ومنهم يكون التمرد، ومنهم مَنْ يزول مُلْك فرعون على يديه، أمَّا النساء فاتركوهن أحياء للخدمة وللإذلال.

وهذا يفسر لنا: لماذا كان العرب إذا خرجوا للحرب أخذوا معهم نساءهم، لكي يكُنَّ معهم في مصير واحد، فإنِ انتصروا عادوا سالمين، وإنْ قُتِلوا قُتِلوا جميعاً حتى لا يبقى النساء بعدهم للأسْر والسَّبي والإذلال.

{ وَمَا كَـيْدُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ } [غافر: 25] نعم كان هذا كيداً من فرعون وأعوانه، لكن هل أنفذ كيده ببني إسرائيل؟ لا بل ردَّ الله كيده عليه وباء بالضلال والخسران.


www.alro7.net