سورة
اية:

نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عمن أسلم وجهه للّه أي أخلص له العمل، وانقاد لأمره واتبع شرعه، ولهذا قال: { وهو محسن} أي في عمله باتباع ما به أمر، وترك ما عنه زجر { فقد استمسك بالعروة الوثقى} أي فقد أخذ موثقاً من اللّه متيناً أنه لا يعذبه، { وإلى اللّه عاقبة الأمور . ومن كفر فلا يحزنك كفره} أي لا تحزن عليهم يا محمد في كفرهم باللّه وبما جئت به، فإن قدر اللّه نافذ فيهم، وإلى اللّه مرجعهم { فينبئهم بما عملوا} أي فيجزيهم عليه، { إن اللّه عليم بذات الصدور} فلا تخفى عليه خافية، ثم قال تعالى: { نمتعهم قليلاً} أي في الدنيا، { ثم نضطرهم} أي نلجئهم { إلى عذاب غليظ} أي فظيع صعب شاق على النفوس، كما قال تعالى: { متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون} .

تفسير الجلالين

{ نمتعهم } في الدنيا { قليلاً } أيام حياتهم { ثم نضطرهم } في الآخرة { إلى عذابٍ غليظٍ } وهو عذاب النار لا يجدون عنه محيصاً.

تفسير الطبري

وَقَوْله : { نُمَتِّعهُمْ قَلِيلًا } يَقُول : نُمْهِلهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا مَهْلًا قَلِيلًا يَتَمَتَّعُونَ فِيهَاوَقَوْله : { نُمَتِّعهُمْ قَلِيلًا } يَقُول : نُمْهِلهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا مَهْلًا قَلِيلًا يَتَمَتَّعُونَ فِيهَا' { ثُمَّ نَضْطَرّهُمْ إِلَى عَذَاب غَلِيظ } يَقُول : ثُمَّ نُورِدهُمْ عَلَى كُرْه مِنْهُمْ عَذَابًا غَلِيظًا , وَذَلِكَ عَذَاب النَّار , نَعُوذ بِاللَّهِ مِنْهَا , وَمِنْ عَمَل يُقَرِّب مِنْهَا. { ثُمَّ نَضْطَرّهُمْ إِلَى عَذَاب غَلِيظ } يَقُول : ثُمَّ نُورِدهُمْ عَلَى كُرْه مِنْهُمْ عَذَابًا غَلِيظًا , وَذَلِكَ عَذَاب النَّار , نَعُوذ بِاللَّهِ مِنْهَا , وَمِنْ عَمَل يُقَرِّب مِنْهَا.'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا} أي نجازيهم بما عملوا. { إن الله عليم بذات الصدور} . { نمتعهم قليلا} أي نبقيهم في الدنيا مدة قليلة يتمتعون بها. { ثم نضطرهم} أي نلجئهم ونسوقهم. { إلى عذاب غليظ} وهو عذاب جهنم. ولفظ { من} يصلح للواحد والجمع، فلهذا قال: { كفره} ثم قال: { مرجعهم} وما بعده على المعنى.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة لقمان الايات 22 - 26

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

الحق سبحانه يُبيِّن لكل مؤمن ألاَّ يغتر بحال الكفار حين يراهم في حال رَغَد من العيش، وسعة وعافية وتمكُّن؛ لأن ذلك كله متاع قليل، والحق سبحانه يريد من أتباع الأنبياء أنْ يدخلوا الدين على أنه تضحية لا مغنم.

وسبق أن أوضحنا أنك تستطيع أن تُفرِّق بين مبدأ الحق ومبدأ الباطل بشيء واحد، هو استهلال الاثنين، فالداخل في مبدأ الحق مستعد لأنْ يُضحِّي، والداخل في مبدأ الباطل ينتظر أنْ يأخذ المقابل؛ لذلك ضحَّى المسلمون الأوائل في سبيل دينهم بالأنفس والأموال، وتركوا بلادهم وأبناءهم لماذا؟ لأنهم مُكلَّفون بأداء مهمة إنسانية عالمية، لا يحملها إلا مَنْ كان مستعداً للعطاء، أما أصحاب الدعوات الباطلة كالشيوعية وغيرها فلا بُدَّ أنْ يأخذوا أولاً.

لذلك روُي أن صحابياً حين سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم البشرى بالجنة، وأنه ليس بينه وبينها إلا أنْ يحارب فيُقتل ألقى تمرات كانت في يده، ولم ينتظر حتى يمضغها، وأسرع إلى المعركة مُبتغياً الشهادة وطامعاً فيما عند الله، وقد سُمع منهم في ساحة القتال أنْ ينادي أحدهم: هُبِّي يا رياح الجنة، وآخر يقول: إني لأجد ريح الجنة دون أحد.

فقوله تعالى: { نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ } [لقمان: 24] هذا التمتُّع بزينه الحياة الدنيا ما هو إلا استدراج لهم لا تكريم، وقلنا: إنك لا تلقى بعدوك من على الحصيرة مثلاً، إنما تعليه وترفعه ليكون أَخْذه أليماً وشديداً، كذلك الحق سبحانه يُمتَّعهم، لكن لفترة محدودة لتكون حسرتهم أعظم إذا ما أخذهم من هذا النعيم.

واقرأ في هذا المعنى قول الله تعالى:
{  فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ }
[الأنعام: 44] أي: يائسون.

وكلمة الفتح لا تؤدي نفعاً إلا إذا جاءت معرفة (الفتح) وقلنا: هناك فرق بين فتح لك وفتح عليك، فتح لك أي: لصالحك، أمّا فتح عليك أي: أعطاك الدنيا لتكون حِمْلاً فوق رأسك.

إذن: فإذا رأيت لهم هذا الفتح فلا تغترّ به، واعلم انهم نَسُوا ما ذُكَّروا به. وقد ورد في الأثر أن الله تعالى إذا غضب من المرء رزقه من الحرام، فإذا اشتد غضبه عليه بارك له فيه.

ذلك ليظل في سَعَة ورَغَد عيش وعُلو مكان، حتى إذا أخذه الله آلمه الأخذ واشتد عليه، فأخْذُ الكافر وهو في أَوْج قوته وجبروته يدل على قوة الأَخْذ وقدرته، أما الضعيف فلا مزيّة في أَخْذه، كالذي يريد أنْ يحطم الرقم القياسي مثلاً، فإنه يعمد إلى أعلى الأرقام فيحطمها ليثبت جدارته.

ومن ذلك أيضاً نرى أن القرآن لما أراد التحدي ببلاغته وفصاحته تحدَّى العرب، وهم أهل الفصاحة والبلاغة وفن الأداء البياني، ولا معنى لأنْ يتحدى عَيّياً لا يقدر على الكلام.

ومعنى { نَضْطَرُّهُمْ.. } [لقمان: 24] نلجئهم أي: نُضيِّق عليهم الخناق، بحيث لا يجدون إلا العذابَ الغليظ، أو: أن فترة الحساب وما قبل العذاب أشدّ من العذاب نفسه، كما جاء في الحديث من " أن الشمس تدنو من الرؤوس، حتى ليتمنى الناسُ الانصرافَ ولو إلى النار ".

ووصف العذاب هنا بأنه { غَلِيظٍ } [لقمان: 24] والغِلظ يعني السُّمْك، فالمعنى أنه عذاب كبير يصعب قلقلة النفس منه، فلو كان رقيقاً لربما أمكن الإفلات منه.

ثم يعود السياق إليهم: { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ... }.


www.alro7.net