سورة
اية:

وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا

تفسير بن كثير

يقول تعالى آمراً بعبادته وحده لا شريك له، فإن القضاء هاهنا بمعنى الأمر. قال مجاهد { وقضى} يعني وصّى، ولهذا قرن بعبادته بر الوالدين فقال: { وبالوالدين إحسانا} أي وأمر بالوالدين إحساناً، كقوله في الآية الأخرى: { أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير} ، وقوله: { إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف} أي لا تسمعهما قولاً سيئاً حتى ولا التأفف الذي هو أدنى مراتب القول السيء، { ولا تنهرهما} أي ولا يصدر منك إليهما فعل قبيح، كما قال عطاء: { ولا تنهرهما} أي لا تنفض يدك عليهما، ولما نهاه عن القول القبيح والفعل القبيح، أمره بالقول الحسن والفعل الحسن، فقال: { وقل لهما قولا كريما} أي ليناً طيباً حسناً بتأدب وتوقير وتعظيم، { واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} أي تواضع لهما بفعلك، { وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا} أي في كبرهما وعند وفاتهما. وقد جاء في بر الوالدين أحاديث كثيرة، منها الحديث المروي من طرق عن أنَس وغيره أن النبي صلى اللّه عليه وسلم صعد المنبر ثم قال: (آمين آمين آمين)، قيل: يا رسول اللّه علامَ أمَّنت؟ قال: (أتاني جبريل، فقال: يا محمد رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل عليك، قل آمين، فقلت آمين، ثم قال رغم أنف رجل دخل عليه شهر رمضان ثم خرج فلم يغفر له، قل آمين، فقلت آمين، ثم قال رغم أنف رجل أدرك والديه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة، قل آمين، فقلت آمين) ""أخرجه الترمذي الحاكم عن أبي هريرة"". حديث آخر : روى الإمام أحمد عن أبي مالك القشيري قال، قال النبي صلى اللّه عليه وسلم: (من أدرك والديه أو أحدهما ثم دخل النار من بعد ذلك فأبعده اللّه وأسحقه) ""ورواه أبو داود الطيالسي عن شعبة وفيه زيادات أخر"". حديث آخر : روى الإمام أحمد، عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (رغم أنف ثم رغم أنف ثم رغم أنف: رجل أدرك أحد أبويه أو كلاهما عنده الكبر ولم يدخل الجنة) حديث آخر : عن مالك بن ربيعة الساعدي قال: بينما أنا جالس عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذ جاءه رجل من الأنصار، فقال: يا رسول اللّه هل بقي من بر أبويّ شيء بعد موتهما أبرهما به؟ قال: (نعم خصال أربع: الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما، فهو الذي بقي عليك من برهما بعد موتهما) ""رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه"". حديث آخر : عن معاوية بن جاهمة السلمي، أن جاهمة جاء إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال: يا رسول اللّه أردت الغزو، وجئتك أستشيرك، فقال: (فهل لك من أم؟) قال: نعم، قال: (فالزمها فإن الجنة عند رجليها) ""رواه أحمد والنسائي وابن ماجه"". حديث آخر : قال الحافظ البزار في مسنده عن سليمان بن بريدة، عن أبيه أن رجلاً كان في الطواف حاملاً أمه يطوف بها، فسأل النبي صلى اللّه عليه وسلم: هل أديت حقها؟ قال: (لا، ولا بزفرة واحدة) ""قال ابن كثير: في سنده الحسن بن أبي جعفر وهو ضعيف"".

تفسير الجلالين

{ واخفض لهما جناح الذل } ألن لهما جانبك الذليل { من الرحمة } أي لرقتك عليهما { وقل رب ارحمهما كما } رحماني حين { ربياني صغيرا } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاح الذُّلّ مِنْ الرَّحْمَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَكُنْ لَهُمَا ذَلِيلًا رَحْمَة مِنْك بِهِمَا تُطِيعهُمَا فِيمَا أَمَرَاك بِهِ مِمَّا لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ مَعْصِيَة , وَلَا تُخَالِفهُمَا فِيمَا أَحَبَّا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16765 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة , عَنْ أَبِيهِ , فِي قَوْله { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاح الذُّلّ مِنْ الرَّحْمَة } قَالَ : لَا تَمْتَنِع مِنْ شَيْء يُحِبَّانِهِ . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا الْأَشْجَعِيّ , قَالَ : سَمِعْت هِشَام بْن عُرْوَة , عَنْ أَبِيهِ , فِي قَوْله { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاح الذُّلّ مِنْ الرَّحْمَة } قَالَ : هُوَ أَنْ تَلِينَ لَهُمَا حَتَّى لَا تَمْتَنِع مِنْ شَيْء أَحَبَّاهُ . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْحَكَم , قَالَ : ثنا أَيُّوب بْن سُوَيْد , قَالَ : ثنا الثَّوْرِيّ , عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة , عَنْ أَبِيهِ , فِي قَوْله { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاح الذُّلّ مِنْ الرَّحْمَة } قَالَ : لَا تَمْتَنِع مِنْ شَيْء أَحَبَّاهُ . * - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْمُخْتَار , عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة , عَنْ أَبِيهِ , فِي قَوْله { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاح الذُّلّ مِنْ الرَّحْمَة } قَالَ : هُوَ أَنْ لَا تَمْتَنِع مِنْ شَيْء يُرِيدَانِهِ . 16766 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا الْمُقْرِئ أَبُو عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ حَرْمَلَة بْن عِمْرَان , عَنْ أَبِي الْهَدَّاج , قَالَ : قُلْت لِسَعِيدِ بْن الْمُسَيَّب : مَا قَوْله { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاح الذُّلّ مِنْ الرَّحْمَة } قَالَ : أَلَمْ تَرَ إِلَى قَوْل الْعَبْد الْمُذْنِب لِلسَّيِّدِ الْفَظّ الْغَلِيظ . وَالذُّلّ بِضَمِّ الذَّال وَالذِّلَّة مَصْدَرَانِ مِنْ الذَّلِيل , وَذَلِكَ أَنْ يَتَذَلَّل , وَلَيْسَ بِذَلِيلٍ فِي الْخِلْقَة مِنْ قَوْل الْقَائِل : قَدْ ذَلَلْت لَك أَذِلّ ذِلَّة وَذُلًّا , وَذَلِكَ نَظِير الْقُلّ وَالْقُلَّة , إِذَا أَسْقَطْت الْهَاء ضُمَّتْ الذَّال مِنْ الذُّلّ , وَالْقَاف مِنْ الْقُلّ , وَإِذَا أُثْبِتَتْ الْهَاء كُسِرَتْ الذَّال مِنْ الذِّلَّة , وَالْقَاف مِنْ الْقِلَّة , لِمَا قَالَ الْأَعْشَى : وَمَا كُنْت قُلًّا قَبْل ذَلِكَ أَزْيَبَا يُرِيد : الْقِلَّة . وَأَمَّا الذِّلّ بِكَسْرِ الذَّال وَإِسْقَاط الْهَاء فَإِنَّهُ مَصْدَر مِنْ الذَّلُول مِنْ قَوْلهمْ : دَابَّة ذَلُول : بَيِّنَة الذُّلّ , وَذَلِكَ إِذَا كَانَتْ لَيِّنَة غَيْر صَعْبَة . وَمِنْهُ قَوْل اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْض ذَلُولًا } 67 15 يَجْمَع ذَلِكَ ذُلُلًا , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { فَاسْلُكِي سُبُل رَبّك ذُلُلًا } 16 69 وَكَانَ مُجَاهِد يَتَأَوَّل ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَتَوَعَّر عَلَيْهَا مَكَان سَلَكَتْهُ . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْحِجَاز وَالْعِرَاق وَالشَّام { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاح الذُّلّ } بِضَمِّ الذَّال عَلَى أَنَّهُ مَصْدَر مِنْ الذَّلِيل . وَقَرَأَ ذَلِكَ سَعِيد بْن جُبَيْر وَعَاصِم الْجَحْدَرِيّ : " جَنَاح الذِّلّ " بِكَسْرِ الذَّال . 16767 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا بَهْز بْن أَسَد , قَالَ : ثنا أَبُو عَوَانَة , عَنْ أَبِي بِشْر , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر أَنَّهُ قَرَأَ : " وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاح الذُّلّ مِنْ الرَّحْمَة " قَالَ : كُنْ لَهُمَا ذَلِيلًا , وَلَا تَكُنْ لَهُمَا ذَلُولًا . 16768 - حَدَّثَنَا نَصْر بْن عَلِيّ , قَالَ : أَخْبَرَنِي عُمَر بْن شَفِيق , قَالَ : سَمِعْت عَاصِمًا الْجَحْدَرِيّ يَقْرَأ : " وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاح الذُّلّ مِنْ الرَّحْمَة " قَالَ : كُنْ لَهُمَا ذَلِيلًا , وَلَا تَكُنْ لَهُمَا ذَلُولًا . * - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عُمَر بْن شَقِيق , عَنْ عَاصِم , مِثْله . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيل الَّذِي تَأَوَّلَهُ عَاصِم كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُون قِرَاءَته بِضَمِّ الذَّال لَا بِكَسْرِهَا . * - حَدَّثَنَا نَصْر وَابْن بَشَّار ; وَحَدَّثَتْ عَنْ الْفَرَّاء , قَالَ : ثني هُشَيْم , عَنْ أَبِي بِشْر جَعْفَر بْن إِيَاس , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , أَنَّهُ قَرَأَ : " وَاخْفِضْ لَهُمَا جُنَاح الذُّلّ " . قَالَ الْفَرَّاء : وَأَخْبَرَنِي الْحَكِيم بْن ظَهِير , عَنْ عَاصِم بْن أَبَى النَّجُود , أَنَّهُ قَرَأَهَا الذُّلّ أَيْضًا , فَسَأَلْت أَبَا بَكْر فَقَالَ : الذُّلّ قَرَأَهَا عَاصِم . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاح الذُّلّ مِنْ الرَّحْمَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَكُنْ لَهُمَا ذَلِيلًا رَحْمَة مِنْك بِهِمَا تُطِيعهُمَا فِيمَا أَمَرَاك بِهِ مِمَّا لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ مَعْصِيَة , وَلَا تُخَالِفهُمَا فِيمَا أَحَبَّا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16765 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة , عَنْ أَبِيهِ , فِي قَوْله { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاح الذُّلّ مِنْ الرَّحْمَة } قَالَ : لَا تَمْتَنِع مِنْ شَيْء يُحِبَّانِهِ . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا الْأَشْجَعِيّ , قَالَ : سَمِعْت هِشَام بْن عُرْوَة , عَنْ أَبِيهِ , فِي قَوْله { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاح الذُّلّ مِنْ الرَّحْمَة } قَالَ : هُوَ أَنْ تَلِينَ لَهُمَا حَتَّى لَا تَمْتَنِع مِنْ شَيْء أَحَبَّاهُ . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْحَكَم , قَالَ : ثنا أَيُّوب بْن سُوَيْد , قَالَ : ثنا الثَّوْرِيّ , عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة , عَنْ أَبِيهِ , فِي قَوْله { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاح الذُّلّ مِنْ الرَّحْمَة } قَالَ : لَا تَمْتَنِع مِنْ شَيْء أَحَبَّاهُ . * - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْمُخْتَار , عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة , عَنْ أَبِيهِ , فِي قَوْله { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاح الذُّلّ مِنْ الرَّحْمَة } قَالَ : هُوَ أَنْ لَا تَمْتَنِع مِنْ شَيْء يُرِيدَانِهِ . 16766 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا الْمُقْرِئ أَبُو عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ حَرْمَلَة بْن عِمْرَان , عَنْ أَبِي الْهَدَّاج , قَالَ : قُلْت لِسَعِيدِ بْن الْمُسَيَّب : مَا قَوْله { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاح الذُّلّ مِنْ الرَّحْمَة } قَالَ : أَلَمْ تَرَ إِلَى قَوْل الْعَبْد الْمُذْنِب لِلسَّيِّدِ الْفَظّ الْغَلِيظ . وَالذُّلّ بِضَمِّ الذَّال وَالذِّلَّة مَصْدَرَانِ مِنْ الذَّلِيل , وَذَلِكَ أَنْ يَتَذَلَّل , وَلَيْسَ بِذَلِيلٍ فِي الْخِلْقَة مِنْ قَوْل الْقَائِل : قَدْ ذَلَلْت لَك أَذِلّ ذِلَّة وَذُلًّا , وَذَلِكَ نَظِير الْقُلّ وَالْقُلَّة , إِذَا أَسْقَطْت الْهَاء ضُمَّتْ الذَّال مِنْ الذُّلّ , وَالْقَاف مِنْ الْقُلّ , وَإِذَا أُثْبِتَتْ الْهَاء كُسِرَتْ الذَّال مِنْ الذِّلَّة , وَالْقَاف مِنْ الْقِلَّة , لِمَا قَالَ الْأَعْشَى : وَمَا كُنْت قُلًّا قَبْل ذَلِكَ أَزْيَبَا يُرِيد : الْقِلَّة . وَأَمَّا الذِّلّ بِكَسْرِ الذَّال وَإِسْقَاط الْهَاء فَإِنَّهُ مَصْدَر مِنْ الذَّلُول مِنْ قَوْلهمْ : دَابَّة ذَلُول : بَيِّنَة الذُّلّ , وَذَلِكَ إِذَا كَانَتْ لَيِّنَة غَيْر صَعْبَة . وَمِنْهُ قَوْل اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْض ذَلُولًا } 67 15 يَجْمَع ذَلِكَ ذُلُلًا , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { فَاسْلُكِي سُبُل رَبّك ذُلُلًا } 16 69 وَكَانَ مُجَاهِد يَتَأَوَّل ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَتَوَعَّر عَلَيْهَا مَكَان سَلَكَتْهُ . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْحِجَاز وَالْعِرَاق وَالشَّام { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاح الذُّلّ } بِضَمِّ الذَّال عَلَى أَنَّهُ مَصْدَر مِنْ الذَّلِيل . وَقَرَأَ ذَلِكَ سَعِيد بْن جُبَيْر وَعَاصِم الْجَحْدَرِيّ : " جَنَاح الذِّلّ " بِكَسْرِ الذَّال . 16767 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا بَهْز بْن أَسَد , قَالَ : ثنا أَبُو عَوَانَة , عَنْ أَبِي بِشْر , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر أَنَّهُ قَرَأَ : " وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاح الذُّلّ مِنْ الرَّحْمَة " قَالَ : كُنْ لَهُمَا ذَلِيلًا , وَلَا تَكُنْ لَهُمَا ذَلُولًا . 16768 - حَدَّثَنَا نَصْر بْن عَلِيّ , قَالَ : أَخْبَرَنِي عُمَر بْن شَفِيق , قَالَ : سَمِعْت عَاصِمًا الْجَحْدَرِيّ يَقْرَأ : " وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاح الذُّلّ مِنْ الرَّحْمَة " قَالَ : كُنْ لَهُمَا ذَلِيلًا , وَلَا تَكُنْ لَهُمَا ذَلُولًا . * - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عُمَر بْن شَقِيق , عَنْ عَاصِم , مِثْله . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيل الَّذِي تَأَوَّلَهُ عَاصِم كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُون قِرَاءَته بِضَمِّ الذَّال لَا بِكَسْرِهَا . * - حَدَّثَنَا نَصْر وَابْن بَشَّار ; وَحَدَّثَتْ عَنْ الْفَرَّاء , قَالَ : ثني هُشَيْم , عَنْ أَبِي بِشْر جَعْفَر بْن إِيَاس , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , أَنَّهُ قَرَأَ : " وَاخْفِضْ لَهُمَا جُنَاح الذُّلّ " . قَالَ الْفَرَّاء : وَأَخْبَرَنِي الْحَكِيم بْن ظَهِير , عَنْ عَاصِم بْن أَبَى النَّجُود , أَنَّهُ قَرَأَهَا الذُّلّ أَيْضًا , فَسَأَلْت أَبَا بَكْر فَقَالَ : الذُّلّ قَرَأَهَا عَاصِم . ' وَأَمَّا قَوْله : { وَقُلْ رَبّ اِرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } فَإِنَّهُ يَقُول : اُدْعُ اللَّه لِوَالِدَيْك بِالرَّحْمَةِ , وَقُلْ رَبّ اِرْحَمْهُمَا , وَتَعَطَّفْ عَلَيْهِمَا بِمَغْفِرَتِك وَرَحْمَتك , كَمَا تَعَطَّفَا عَلَيَّ فِي صِغَرِي , فَرَحِمَانِي وَرَبَّيَانِي صَغِيرًا , حَتَّى اِسْتَقْلَلْت بِنَفْسِي , وَاسْتَغْنَيْت عَنْهُمَا . كَمَا : 16769 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاح الذُّلّ مِنْ الرَّحْمَة وَقُلْ رَبّ اِرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } هَكَذَا عَلِمْتُمْ , وَبِهَذَا أُمِرْتُمْ , خُذُوا تَعْلِيم اللَّه وَأَدَبه . ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ ذَات يَوْم وَهُوَ مَادّ يَدَيْهِ رَافِع صَوْته يَقُول : " مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ أَوْ أَحَدهمَا ثُمَّ دَخَلَ النَّار بَعْد ذَلِكَ فَأَبْعَدَهُ اللَّه وَأَسْحَقَهُ " . وَلَكِنْ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مَنْ بَرَّ وَالِدَيْهِ , وَكَانَ فِيهِ أَدْنَى تُقًى , فَإِنَّ ذَلِكَ مَبْلَغه جَسِيم الْخَيْر . وَقَالَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْعِلْم : إِنَّ قَوْل اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَقُلْ رَبّ اِرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } مَنْسُوخ بِقَوْلِهِ : { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْد مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَاب الْجَحِيم } ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16770 - حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن دَاوُدَ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَقُلْ رَبّ اِرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بَعْد هَذَا : { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى } 16771 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , عَنْ يَزِيد , عَنْ عِكْرِمَة , قَالَ فِي سُورَة بَنِي إِسْرَائِيل { إِمَّا يَبْلُغَانِّ عِنْدك الْكِبَر أَحَدهمَا أَوْ كِلَاهُمَا } . ... إِلَى قَوْله { وَقُلْ رَبّ اِرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } فَنَسَخَتْهَا الْآيَة الَّتِي فِي بَرَاءَة { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى } 9 113 . .. الْآيَة . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ اِبْن جُرَيْج , قَالَ اِبْن عَبَّاس { وَقُلْ رَبّ اِرْحَمْهُمَا } . ... الْآيَة , قَالَ : نَسَخَتْهَا الْآيَة الَّتِي فِي بَرَاءَة { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ } . . . الْآيَة . وَقَدْ تَحْتَمِل هَذِهِ الْآيَة أَنْ تَكُون وَإِنْ كَانَ ظَاهِرهَا عَامًّا فِي كُلّ الْآبَاء بِغَيْرِ مَعْنَى النَّسْخ , بِأَنْ يَكُون تَأْوِيلهَا عَلَى الْخُصُوص , فَيَكُون مَعْنَى الْكَلَام : وَقُلْ رَبّ اِرْحَمْهُمَا إِذَا كَانَا مُؤْمِنِينَ , كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا , فَتَكُون مُرَادًا بِهَا الْخُصُوص عَلَى مَا قُلْنَا غَيْر مَنْسُوخ مِنْهَا شَيْء . وَعَنَى بِقَوْلِ رَبَّيَانِي : نَمَّيَانِي .وَأَمَّا قَوْله : { وَقُلْ رَبّ اِرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } فَإِنَّهُ يَقُول : اُدْعُ اللَّه لِوَالِدَيْك بِالرَّحْمَةِ , وَقُلْ رَبّ اِرْحَمْهُمَا , وَتَعَطَّفْ عَلَيْهِمَا بِمَغْفِرَتِك وَرَحْمَتك , كَمَا تَعَطَّفَا عَلَيَّ فِي صِغَرِي , فَرَحِمَانِي وَرَبَّيَانِي صَغِيرًا , حَتَّى اِسْتَقْلَلْت بِنَفْسِي , وَاسْتَغْنَيْت عَنْهُمَا . كَمَا : 16769 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاح الذُّلّ مِنْ الرَّحْمَة وَقُلْ رَبّ اِرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } هَكَذَا عَلِمْتُمْ , وَبِهَذَا أُمِرْتُمْ , خُذُوا تَعْلِيم اللَّه وَأَدَبه . ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ ذَات يَوْم وَهُوَ مَادّ يَدَيْهِ رَافِع صَوْته يَقُول : " مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ أَوْ أَحَدهمَا ثُمَّ دَخَلَ النَّار بَعْد ذَلِكَ فَأَبْعَدَهُ اللَّه وَأَسْحَقَهُ " . وَلَكِنْ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مَنْ بَرَّ وَالِدَيْهِ , وَكَانَ فِيهِ أَدْنَى تُقًى , فَإِنَّ ذَلِكَ مَبْلَغه جَسِيم الْخَيْر . وَقَالَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْعِلْم : إِنَّ قَوْل اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَقُلْ رَبّ اِرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } مَنْسُوخ بِقَوْلِهِ : { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْد مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَاب الْجَحِيم } ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16770 - حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن دَاوُدَ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَقُلْ رَبّ اِرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بَعْد هَذَا : { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى } 16771 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , عَنْ يَزِيد , عَنْ عِكْرِمَة , قَالَ فِي سُورَة بَنِي إِسْرَائِيل { إِمَّا يَبْلُغَانِّ عِنْدك الْكِبَر أَحَدهمَا أَوْ كِلَاهُمَا } . ... إِلَى قَوْله { وَقُلْ رَبّ اِرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } فَنَسَخَتْهَا الْآيَة الَّتِي فِي بَرَاءَة { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى } 9 113 . .. الْآيَة . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ اِبْن جُرَيْج , قَالَ اِبْن عَبَّاس { وَقُلْ رَبّ اِرْحَمْهُمَا } . ... الْآيَة , قَالَ : نَسَخَتْهَا الْآيَة الَّتِي فِي بَرَاءَة { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ } . . . الْآيَة . وَقَدْ تَحْتَمِل هَذِهِ الْآيَة أَنْ تَكُون وَإِنْ كَانَ ظَاهِرهَا عَامًّا فِي كُلّ الْآبَاء بِغَيْرِ مَعْنَى النَّسْخ , بِأَنْ يَكُون تَأْوِيلهَا عَلَى الْخُصُوص , فَيَكُون مَعْنَى الْكَلَام : وَقُلْ رَبّ اِرْحَمْهُمَا إِذَا كَانَا مُؤْمِنِينَ , كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا , فَتَكُون مُرَادًا بِهَا الْخُصُوص عَلَى مَا قُلْنَا غَيْر مَنْسُوخ مِنْهَا شَيْء . وَعَنَى بِقَوْلِ رَبَّيَانِي : نَمَّيَانِي .'

تفسير القرطبي

فيه ست عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى { وقضى} أي أمر وألزم وأوجب. قال ابن عباس والحسن وقتادة : وليس هذا قضاء حكم بل هو قضاء أمر. وفي مصحف ابن مسعود { ووصى} وهي قراءة أصحابه وقراءة ابن عباس أيضا وعلي وغيرهما، وكذلك عند أبي بن كعب. قال ابن عباس : إنما هو { ووصى ربك} فالتصقت إحدى الواوين فقرئت { وقضى ربك} إذ لو كان على القضاء ما عصى الله أحد. وقال الضحاك : تصحفت على قوم { وصى بقضي} حين اختلطت الواو بالصاد وقت كتب المصحف. وذكر أبو حاتم عن ابن عباس مثل قول الضحاك. وقال عن ميمون بن مهران أنه قال : إن على قول ابن عباس لنورا؛ قال الله تعالى { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك} [الشورى : 13] ثم أبى أبو حاتم أن يكون ابن عباس قال ذلك. وقال : لو قلنا هذا لطعن الزنادقة في مصحفنا، ثم قال علماؤنا المتكلمون وغيرهم : القضاء يستعمل في اللغة على وجوه : فالقضاء بمعنى الأمر؛ كقوله تعالى { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} معناه أمر. والقضاء بمعنى الخلق؛ كقوله { فقضاهن سبع سماوات في يومين} [فصلت : 12] يعني خلقهن. والقضاء بمعنى الحكم؛ كقوله تعالى { فاقض ما أنت قاض} يعني احكم ما أنت تحكم. والقضاء بمعنى الفراغ؛ كقوله { قضى الأمر الذي فيه تستفتيان} [يوسف : 41] أي فرغ منه؛ ومنه قوله تعالى { فإذا قضيتم مناسككم} [البقرة : 200]. وقوله تعالى { فإذا قضيت الصلاة} . والقضاء بمعنى الإرادة؛ كقوله تعالى { إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} [آل عمران : 47]. والقضاء بمعنى العهد؛ كقوله تعالى { وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر} [القصص : 44]. فإذا كان القضاء يحتمل هذه المعاني فلا يجوز إطلاق القول بأن المعاصي بقضاء الله؛ لأنه إن أريد به الأمر فلا خلاف أنه لا يجوز ذلك، لأن الله تعالى لم يأمر بها، فإنه لا يأمر بالفحشاء. وقال زكريا بن سلام : جاء رجل إلى الحسن فقال إنه طلق امرأته ثلاثا. فقال : إنك قد عصيت ربك وبانت منك. فقال الرجل : قضى الله ذلك علي فقال الحسن وكان فصيحا : ما قضى الله ذلك أي ما أمر الله به، وقرأ هذه الآية { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} . الثانية: أمر الله سبحانه بعبادته وتوحيده، وجعل بر الوالدين مقرونا بذلك، كما قرن شكرهما بشكره فقال { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا} . وقال { أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير} [لقمان : 14]. وفي صحيح البخاري عن عبدالله قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب إلى الله عز وجل؟ قال : (الصلاة على وقتها) قال : ثم أي؟ قال : (ثم بر الوالدين) قال ثم أي؟ قال : (الجهاد في سبيل الله) فأخبر صلى الله عليه وسلم أن بر الوالدين أفضل الأعمال بعد الصلاة التي هي أعظم دعائم الإسلام. ورتب ذلك بـ (ثم) التي تعطي الترتيب والمهلة. الثالثة: من البر بهما والإحسان إليهما ألا يتعرض لسبهما ولا يعقهما؛ فإن ذلك من الكبائر بلا خلاف، وبذلك وردت السنة الثابتة؛ ففي صحيح مسلم عن عبدالله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (إن من الكبائر شتم الرجل والديه) قالوا : يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه؟ قال (نعم. يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه). الرابعة: عقوق الوالدين مخالفتهما في أغراضهما الجائزة لهما؛ كما أن برهما موافقتهما على أغراضهما. وعلى هذا إذا أمرا أو أحدهما ولدهما بأمر وجبت طاعتهما فيه، إذا لم يكن ذلك الأمر معصية، وإن كان ذلك المأمور به من قبيل المباح في أصله، وكذلك إذا كان من قبيل المندوب. وقد ذهب بعض الناس إلى أن أمرهما بالمباح يصيره في حق الولد مندوبا إليه وأمرهما بالمندوب يزيده تأكيدا في ندبيته. الخامسة: روى الترمذي عن ابن عمر قال : كانت تحتي امرأة أحبها، وكان أبي يكرهها فأمرني أن أطلقها فأبيت، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : (يا عبدالله بن عمر طلق امرأتك). قال هذا حديث حسن صحيح. السادسة: روى الصحيح عن أبي هريرة قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال : (أمك) قال : ثم من؟ قال : (ثم أمك) قال : ثم من؟ قال : (ثم أمك) قال : ثم من؟ قال : (ثم أبوك). فهذا الحديث يدل على أن محبة الأم والشفقة عليها ينبغي أن تكون ثلاثة أمثال محبة الأب؛ لذكر النبي صلى الله عليه وسلم الأم ثلاث مرات وذكر الأب في الرابعة فقط. وإذا توصل هذا المعنى شهد له العيان. وذلك أن صعوبة الحمل وصعوبة الوضع وصعوبة الرضاع والتربية تنفرد بها الأم دون الأب؛ فهذه ثلاث منازل يخلو منها الأب. وروي عن مالك أن رجلا قال له : إن أبي في بلد السودان، وقد كتب إلي أن أقدم عليه، وأمي تمنعني من ذلك؛ فقال : أطع أباك، ولا تعص أمك. فدل قول مالك هذا أن برهما متساو عنده. وقد سئل الليث عن هذه المسألة فأمره بطاعة الأم؛ وزعم أن لها ثلثي البر. وحديث أبي هريرة يدل على أن لها ثلاثة أرباع البر؛ وهو الحجة على من خالف. وقد زعم المحاسبي في (كتاب الرعاية) له أنه لا خلاف بين العلماء أن للأم ثلاثة أرباع البر وللأب الربع؛ على مقتضى حديث أبي هريرة رضي الله عنه. والله أعلم. السابعة: لا يختص بر الوالدين بأن يكونا مسلمين، بل إن كانا كافرين يبرهما ويحسن إليهما إذا كان لهما عهد؛ قال الله تعالى { لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم} [الممتحنة : 8]. وفي صحيح البخاري عن أسماء قالت : قدمت أمي وهي مشركة في عهد قريش ومدتهم إذ عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم مع أبيها، فاستفتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : إن أمي قدمت وهي راغبة أفأصِلها؟ قال : (نعم صلي أمك). وروي أيضا عن أسماء قالت : أتتني أمي راغبة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فسأل النبي صلى الله عليه وسلم أأصلها؟ قال : (نعم). قال ابن عينية : فأنزل الله عز وجل فيها { لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين} [الممتحنة : 8] الأول معلق والثاني مسند. الثامنة: من الإحسان إليهما والبر بهما إذا لم يتعين الجهاد ألا يجاهد إلا بإذنهما. روى الصحيح عن عبدالله بن عمرو قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد فقال : (أحي والداك)؟ قال نعم. قال : (ففيهما فجاهد). لفظ مسلم. في غير الصحيح قال : نعم؛ وتركتهما يبكيان. قال : (اذهب فأضحكهما كما أبكيتهما). وفي خبر آخر أنه قال : (نومك مع أبويك على فراشهما يضاحكانك ويلاعبانك أفضل لك من الجهاد معي). ذكره ابن خويز منداد. ولفظ البخاري في كتاب بر الوالدين : أخبرنا أبو نعيم أخبرنا سفيان عن عطاء بن السائب عن أبيه عن عبدالله بن عمرو قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يبايعه على الهجرة، وترك أبويه يبكيان فقال : (ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما). قال ابن المنذر : في هذا الحديث النهي عن الخروج بغير إذن الأبوين ما لم يقع النفير؛ فإذا وقع وجب الخروج على الجميع. وذلك بين في حديث أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث جيش الأمراء...؛ فذكر قصة زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وابن رواحة وأن منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى بعد ذلك : أن الصلاة جامعة؛ فاجتمع الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : (أيها الناس، اخرجوا فأمدوا إخوانكم ولا يتخلفن أحد) فخرج الناس مشاة وركبانا في حر شديد. فدل قوله : (اخرجوا فأمدوا إخوانكم) أن العذر في التخلف عن الجهاد إنما هو ما لم يقع النفير؛ مع قوله عليه السلام : (فإذا استنفرتم فانفروا). قلت : وفي هذه الأحاديث دليل على أن المفروض أو المندوبات متى اجتمعت قدم الأهم منها. وقد استوفى هذا المعنى المحاسبي في كتاب الرعاية. التاسعة: واختلفوا في الوالدين المشركين هل يخرج بإذنهما إذا كان الجهاد من فروض الكفاية؛ فكان الثوري يقول : لا يغزو إلا بإذنهما. وقال الشافعي : له أن يغزو بغير إذنهما. قال ابن المنذر : والأجداد آباء، والجدات أمهات فلا يغزو المرء إلا بإذنهم، ولا أعلم دلالة توجب ذلك لغيرهم من الأخوة وسائر القرابات. وكان طاوس يرى السعي على الأخوات أفضل من الجهاد في سبيل الله عز وجل. العاشرة: من تمام برهما صلة أهل ودهما؛ ففي الصحيح عن ابن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (إن من أبر صلة الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولي). وروى أبو أسيد وكان بدريا قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم جالسا فجاءه رجل من الأنصار فقال : يا رسول الله، هل بقي من بر والدي من بعد موتهما شيء أبرهما به؟ قال : (نعم. الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما بعدهما وإكرام صديقهما وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما فهذا الذي بقي عليك). وكان صلى الله عليه وسلم يهدي لصدائق خديجة برا بها ووفاء لها وهي زوجته، فما ظنك بالوالدين. الحادية عشر: قوله تعالى { إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما} خص حالة الكبر لأنها الحالة التي يحتاجان فيها إلى بره لتغير الحال عليهما بالضعف والكبر؛ فألزم في هذه الحالة من مراعاة أحوالهما أكثر مما ألزمه من قبل، لأنهما في هذه الحالة قد صارا كلا عليه، فيحتاجان أن يلي منهما في الكبر ما كان يحتاج في صغره أن يليا منه؛ فلذلك خص هذه الحالة بالذكر. وأيضا فطول المكث للمرء يوجب الاستثقال للمرء عادة ويحصل الملل ويكثر الضجر فيظهر غضبه على أبويه وتنتفخ لهما أوداجه، ويستطيل عليهما بدالة البنوة وقلة الديانة، وأقل المكروه ما يظهره بتنفسه المتردد من الضجر. وقد أمر أن يقابلهما بالقول الموصوف بالكرامة، وهو السالم عن كل عيب فقال { فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما} . روى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (رغم أنفه رغم أنفه رغم أنفه) قيل : من يا رسول الله؟ قال : (من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة). وقال البخاري في كتاب الوالدين : حدثنا مسدد حدثنا بشر بن المفضل حدثنا عبدالرحمن بن إسحاق عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي. رغم أنف رجل أدرك أبويه عند الكبر أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة. ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له). حدثنا ابن أبي أويس حدثنا أخي عن سليمان بن بلال عن محمد بن هلال عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة السالمي عن أبيه رضي الله عنه قال : إن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم : (أحضروا المنبر) فلما خرج رقي إلى المنبر، فرقي في أول درجة منه قال: آمين ثم رقي في الثانية فقال: آمين ثم لما رقى في الثالثة قال: آمين، فلما فرغ ونزل من المنبر قلنا : يا رسول الله، لقد سمعنا منك اليوم شيئا ما كنا نسمعه منك؟ قال : (وسمعتموه)؟ قلنا نعم. قال : (إن جبريل عليه السلام اعترض قال : بعد من أدرك رمضان فلم يغفر له فقلت آمين فلما رقيت في الثانية قال: بعد من ذكرت عنده فلم يصل عليك فقلت آمين فلما رقيت في الثالثة قال: بعد من أدرك عنده أبواه الكبر أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة قلت آمين). حدثنا أبو نعيم حدثنا سلمة بن وردان سمعت أنسا رضي الله عنه يقول : ارتقى رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر درجة فقال: (آمين) ثم ارتقى درجة فقال: (آمين) ثم ارتقى الدرجة الثالثة فقال: (آمين) ثم استوى وجلس فقال أصحابه : يا رسول الله، علام أمنت؟ قال : (أتاني جبريل عليه السلام فقال رغم أنف من ذكرت عنده فلم يصل عليك فقلت آمين ورغم أنف من أدرك أبويه أو أحدهما فلم يدخل الجنة فقلت آمين) الحديث. فالسعيد الذي يبادر اغتنام فرصة برهما لئلا تفوته بموتهما فيندم على ذلك. والشقي من عقهما، لا سيما من بلغه الأمر ببرهما. الثانية عشر: قوله تعالى { فلا تقل لهما أف} أي لا تقل لهما ما يكون فيه أدنى تبرم. وعن أبي رجاء العطاردي قال : الأف الكلام القذع الرديء الخفي. وقال مجاهد : معناه إذا رأيت منهما في حال الشيخ الغائط والبول الذي رأياه منك في الصغر فلا تقذرهما وتقول أف. والآية أعم من هذا. والأف والتف وسخ الأظفار. ويقال لكل ما يضجر ويستثقل : أف له. قال الأزهري : والتف أيضا الشيء الحقير. وقرئ { أف} منون مخفوض؛ كما تخفض الأصوات وتنون، تقول : صه ومه. وفيه عشر لغات : أف، وإف، وأف، وأفا وأف، وأفه، وإف لك (بكسر الهمزة)، وأف (بضم الهمزة وتسكين الفاء)، وأفا (مخففة الفاء). وفي الحديث : (فألقى طرف ثوبه على أنفه ثم قال أف أف). قال أبو بكر : معناه استقذار لما شم. وقال بعضهم : معنى أف الاحتقار والاستقلال؛ أخذ من الأف وهو القليل. وقال القتبي : أصله نفخك الشيء يسقط عليك من رماد وتراب وغير ذلك، وللمكان تريد إماطة شيء لتقعد فيه؛ فقيلت هذه الكلمة لكل مستثقل. وقال أبو عمرو بن العلاء : الأف وسخ بين الأظفار، والتف قلامتها. وقال الزجاج : معنى أف النتن. وقال الأصمعي : الأف وسخ الأذن، والتف وسخ الأظفار؛ فكثر استعماله حتى ذكر في كل ما يتأذى به. وروي من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لو علم الله من العقوق شيئا أردأ من { أف} لذكره فليعمل البار ما شاء أن يعمل فلن يدخل النار. وليعمل العاق ما شاء أن يعمل فلن يدخل الجنة). قال علماؤنا : وإنما صارت قولة { أف} للأبوين أردأ شيء لأنه رفضهما رفض كفر النعمة، وجحد التربية ورد الوصية التي أوصاه في التنزيل. و { أف} كلمة مقولة لكل شيء مرفوض؛ ولذلك قال إبراهيم لقومه { أف لكم ولما تعبدون من دون الله} [الأنبياء : 67] أي رفض لكم ولهذه الأصنام معكم. الثالثة عشر: قوله تعالى { ولا تنهرهما} النهر : الزجر والغلظة. { وقل لهما قولا كريما} أي لينا لطيفا، مثل : يا أبتاه ويا أماه، من غير أن يسميهما ويكنيهما؛ قال عطاء. وقال ابن البداح التجيبي : قلت لسعيد بن المسيب كل ما في القرآن من بر الوالدين قد عرفته إلا قوله { وقل لهما قولا كريما} ما هذا القول الكريم؟ قال ابن المسيب : قول العبد المذنب السيد الفظ الغليظ. الرابعة عشر: قوله تعالى { واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} هذه استعارة في الشفقة والرحمة بهما والتذلل لهما تذلل الرعية للأمير والعبيد للسادة؛ كما أشار إليه سعيد بن المسيب. وضرب خفض الجناح ونصبه مثلا لجناح الطائر حين ينتصب بجناحه لولده. والذل : هو اللين. وقراءة الجمهور بضم الذال، من ذل يذل ذلا وذلة ومذلة فهو ذال وذليل. وقرأ سعيد بن جبير وابن عباس وعروة بن الزبير { الذل} بكسر الذال، ورويت عن عاصم؛ من قولهم : دابة ذلول بينة الذل. والذل في الدواب المنقاد السهل دون الصعب. فينبغي بحكم هذه الآية أن يجعل الإنسان نفسه مع أبويه في خير ذلة، في أقواله وسكناته ونظره، ولا يحد إليهما بصره فإن تلك هي نظرة الغاضب. الخامسة عشر: الخطاب في هذه الآية للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته؛ إذ لم يكن له عليه السلام في ذلك الوقت أبوان. ولم يذكر الذل في قوله تعالى { واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين} [الشعراء : 215] وذكره هنا بحسب عظم الحق وتأكيده. و { من} في قوله { من الرحمة} لبيان الجنس، أي إن هذا الخفض يكون من الرحمة المستكنة في النفس، لا بأن يكون ذلك استعمالا. ويصح أن يكون لانتهاء الغاية، ثم أمر تعالى عباده بالترحم على آبائهم والدعاء لهم، وأن ترحهما كما رحماك وترفق بهما كما رفقا بك؛ إذ ولياك صغيرا جاهلا محتاجا فآثراك على أنفسهما، وأسهرا ليلهما، وجاعا وأشبعاك، وتعريا وكسواك، فلا تجزيهما إلا أن يبلغا من الكبر الحد الذي كنت فيه من الصغر، فتلي منهما ما وليا منك، ويكون لهما حينئذ فضل التقدم. قال صلى الله عليه وسلم : (لا يجزي ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه). وسيأتي في سورة [مريم] الكلام على هذا الحديث. السادسة عشر: قوله تعالى { كما ربياني} خص التربية بالذكر ليتذكر العبد شفقة الأبوين وتبعهما في التربية، فيزيده ذلك إشفاقا لهما وحنانا عليهما، وهذا كله في الأبوين المؤمنين. وقد نهى القرآن عن الاستغفار للمشركين الأموات ولو كانوا أولي قربى، كما تقدم. وذكر عن ابن عباس وقتادة أن هذا كله منسوخ بقوله { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين - إلى قوله - أصحاب الجحيم} [التوبة : 113] فإذا كان والدا المسلم ذميين استعمل معهما ما أمره الله به هاهنا؛ إلا الترحم لهما بعد موتهما على الكفر؛ لأن هذا وحده نسخ بالآية المذكورة. وقيل : ليس هذا موضع نسخ، فهو دعاء بالرحمة الدنيوية للأبوين المشركين ما داما حيين، كما تقدم. أو يكون عموم هذه الآية خص بتلك، لا رحمة الآخرة، لا سيما وقد قيل إن قوله { وقل رب ارحمهما} نزلت في سعد بن أبي وقاص، فإنه أسلم، فألقت أمه نفسها في الرمضاء متجردة، فذكر ذلك لسعد فقال : لتمت، فنزلت الآية. وقيل : الآية خاصة في الدعاء للأبوين المسلمين. والصواب أن ذلك عموم كما ذكرنا، وقال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم : (من أمسى مرضيا لوالديه وأصبح، أمسى وأصبح وله بابان مفتوحان من الجنة وإن واحدا فواحدا. ومن أمسى وأصبح مسخطا لوالديه أمسى وأصبح وله بابان مفتوحان إلى النار وإن واحدا فواحدا) فقال رجل : يا رسول الله، وإن ظلماه؟ قال : (وإن ظلماه وإن ظلماه وإن ظلماه). وقد روينا بالإسناد المتصل عن جابر بن عبدالله رضي الله تعالى عنه قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله، إن أبي أخذ مالي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل : (فأتني بأبيك) فنزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : (إن الله عز وجل يقرئك السلام ويقول لك إذا جاءك الشيخ فاسأله عن شيء قاله في نفسه ما سمعته أذناه) فلما جاء الشيخ قال له النبي صلى الله عليه وسلم : (ما بال ابنك يشكوك أتريد أن تأخذ ماله)؟ فقال : سله يا رسول الله، هل أنفقه إلا على إحدى عماته أو خالاته أو على نفسي! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إيه، دعنا من هذا أخبرني عن شيء قلته في نفسك ما سمعته أذناك)؟ فقال الشيخ : والله يا رسول الله، ما زال الله عز وجل يزيدنا بك يقينا، لقد قلت في نفسي شيئا ما سمعته أذناي. قال : (قل وأنا أسمع) قال قلت : غذوتك مولودا ومنتك يافعا ** تعل بما أجني عليك وتنهل إذا ليلة ضافتك بالسقم لم أبت ** لسقمك إلا ساهرا أتململ كأني أنا المطروق دونك بالذي ** طرقت به دوني فعيني تهمل تخاف الردى نفسي عليك وإنها ** لتعلم أن الموت وقت مؤجل فلما بلغت السن والغاية التي ** إليها مدى ما كنت فيك أؤمل جعلت جزائي غلظة وفظاظة ** كأنك أنت المنعم المتفضل فليتك إذ لم ترع حق أبوتي ** فعلت كما الجار المصاقب يفعل فأوليتني حق الجوار ولم تكن ** علي بمال دون مالك تبخل قال : فحينئذ أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بتلابيب ابنه وقال : (أنت ومالك لأبيك). قال الطبراني : اللخمي لا يروى - يعني هذا الحديث - عن ابن المنكدر بهذا التمام والشعر إلا بهذا الإسناد؛ وتفرد به عبيدالله بن خلصة. والله أعلم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الاسراء الايات 21 - 24


سورة الاسراء الايات 24 - 29

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

{ وَٱخْفِضْ }: الخفْض ضد الرّفْع.

{ جَنَاحَ ٱلذُّلِّ }: الطائر معروف أنه يرفع جناحه ويُرفْرِف به، إنْ أراد أن يطير، ويخفضه إنْ أراد أن يحنوَ على صغاره، ويحتضنهم ويغذيهم.

وهذه صورة مُحسَّة لنا، يدعونا الحق سبحانه وتعالى أن نقتدي بها، وأن نعامل الوالدين هذه المعاملة، فنحنو عليهم، ونخفض لهم الجناح، كنايةً عن الطاعة والحنان والتواضع لهما، وإياك أن تكون كالطائر الذي يرفع جناحيه ليطير بهما مُتعالياً على غيره.

وكثيراً ما يُعطينا الشرع الحكيم أمثلة ونماذج للرأفة والرحمة في الطيور، ويجعلها قدوة لنا بني البشر. والذي يرى الطائر يحتضن صغاره تحت جناحه، ويزقّهم الغذاء يرى عجباً، فالصغار لا يقدرون على مضغ الطعام وتكسيره، وليس لديهم اللعاب الذي يساعدهم على أنْ يزدردوا الطعام فيقوم الوالدان بهذه المهمة ثم يناولانهم غذاءهم جاهزاً يسهل بَلْعه، وإنْ تيسر لك رؤية هذا المنظر فسوف ترى الطائر وفراخه يتراصون فرحة وسعادة.

إذن: قوله تعالى: { جَنَاحَ ٱلذُّلِّ.. } [الإسراء: 24]

كناية عن الخضوع والتواضع، والذُّل قد يأتي بمعنى القهر والغلبة، وقد يأتي بمعنى العطف والرحمة، يقول تعالى:
{  يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ.. }
[المائدة: 54]

فلو كان الذلّة هنا بمعنى القهر لقال: أذلة للمؤمنين، ولكن المعنى: عطوفين على المؤمنين. وفي المقابل
{  أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ.. }
[المائدة: 54]

أي: أقوياء عليهم قاهرين لهم.

وفي آية أخرى يقول تعالى:
{  مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ.. }
[الفتح: 29]

لأن الخالق سبحانه لم يخلق الإنسان رحيماً على الإطلاق ولا شديداً على الإطلاق، بل خلق في المؤمن مرونة تمكِّنه أن يتكيف تبعاً للمواقف التي يمر بها، فإنْ كان على الكافر كان عزيزاً، وإنْ كان على المؤمن كان ذليلاً متواضعاً.

ونرى وضوحَ هذه القضية في سيرة الصِّديق أبي بكر والفاروق عمر رضي الله عنهما، وقد عُرِف عن الصِّديق اللين ورِقَّة القلب والرحمة، وعُرِف عن عمر الشدة في الحق والشجاعة والقوة، فكان عمر كثيراً ما يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تصادم بأحد المعاندين: " إئذن لي يا رسول الله أضرب عنقه ".

وعندما حدثت حروب الردة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم كان لكل منهما موقف مغاير لطبيعته، فكان مِنْ رأي عمر ألاّ يحاربهم في هذه الفترة الحرجة من عمر الدعوة، في حين رأى الصديق محاربتهم والأخْذ على أيديهم بشدة حتى يعودوا إلى ساحة الإسلام، ويُذعنوا لأمر الله تعالى فقال: " والله، لو منعوني عقالاً كانوا يُؤدُّونه لرسول الله لجالدتهم عليه بالسيف، والله لو لم يَبْق إلا الزرع ".

وقد جاء هذا الموقف من الصِّديق والفاروق لحكمة عالية، فلو قال عمر مقالة أبي بكر لكان شيئاً طبيعياً يُنْسب إلى شدة عمر وجرأته، لكنه أتى من صاحب القلب الرحيم الصِّديق ـ رضي الله عنه ـ ليعرف الجميع أن الأمر ليسد للشدة لذاتها، ولكن للحفاظ على الدين والدفاع عنه.وكأن الموقف هو الذي صنع أبا بكر، وتطلب منه هذه الشدة التي تغلبت على طابع اللين السائد في أخلاقه.

فيقول تعالى: { وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ.. } [الإسراء: 24]

إذن: الذلَّة هنا ذِلَّة تواضع ورحمة بالوالدين، ولكن رحمتك أنت لا تكفي، فعليك أن تطلب لهما الرحمة الكبرى من الله تعالى: { وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً.. } [الإسراء: 24]

لأن رحمتك بهما لا تَفيِ بما قدّموه لك، ولا ترد لهما الجميل، وليس البادئ كالمكافئ، فهم أحسنوا إليك بداية وأنت أحسنتَ إليهما ردّاً؛ لذلك ادْعُ الله أنْ يرحمهما، وأنْ يتكفل سبحانه عنك برد الجميل، وأن يرحمهما رحمة تكافئ إحسانهما إليك.

وقوله تعالى: { كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً.. } [الإسراء: 24]

كما: قد تفيد التشبيه، فيكون المعنى: ارحمهما رحمة مثل رحمتهما بي حين ربياني صغيراً. أو تفيد التعليل: أي ارحمهما لأنهما ربياني صغيراً، كما قال تعالى:
{  وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ.. }
[البقرة: 198]

و { رَبَّيَانِي } هذه الكلمة أدخلت كل مُربٍّ للإنسان في هذا الحكم، وإنْ لم يكُنْ من الوالدين، لأن الولد قد يُربّيه غير والديه لأيِّ ظرف من الظروف، والحكم يدور مع العلة وجوداً وعَدماً، فإنْ ربّاك غير والديك فلهما ما للوالدين من البرِّ والإحسان وحُسْن المعاملة والدعاء.

وهذه بشرى لمن رَبَّى غير ولده، ولاسيما إنْ كان المربَّى يتيماً، أو في حكم اليتيم.

وفي: { رَبَّيَانِي صَغِيراً.. } [الإسراء: 24] اعتراف من الابن بما للوالدين من فضل عليه وجميل يستحق الرد.

وبعد ذلك يأتي الحق سبحانه في تذييل هذا الحكم بقضية تشترك فيها معاملة الابن لأبويه مع معاملته لربه عز وجل، فيقول تعالى: { رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً }.


www.alro7.net