سورة
اية:

إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ

تفسير بن كثير

ضرب تبارك وتعالى مثلاً لزهرة الحياة الدنيا وزينتها، وسرعة انقضائها وزوالها، بالنبات الذي أخرجه اللّه من الأرض، مما يأكل الناس من زروع وثمار، على اختلاف أنواعها وأصنافها، وما تأكل الأنعام، { حتى إذا أخذت الأرض زخرفها} أي زينتها الفانية، { وازينت} أي حسنت بما خرج في رباها من زهور نضرة مختلفة الأشكال والألوان { وظن أهلها} الذين زرعوها وغرسوها { أنهم قادرون عليها} أي على جذاذها وحصادها، فبينما هم كذلك إذ جاءتها صاعقة أو ريح شديدة باردة، فأيبست أوراقها وأتلفت ثمارها، ولهذا قال تعالى: { أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا} أي يابساً بعد الخضرة والنضارة، { كأن لم تغن بالأمس} أي كأنها ما كانت حيناً قبل ذلك، وقال قتادة: { كأن لم تغن} كأن لم تنعم، وهكذا الأمور بعد زوالها كأنها لم تكن، قال تعالى: إخباراً عن المهلكين: { فأصبحوا في دارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها} ، ثم قال تعالى: { كذلك نفصل الآيات} أي نبين الحجج والأدلة { لقوم يتفكرون} فيعتبرون بهذا المثل في زوال الدنيا عن أهلها سريعاً، مع اغترارهم بها وتفلتها عنهم، وقد ضرب اللّه تعالى مثل الدنيا بنبات الأرض في غير ما آية من كتابه العزيز فقال: { واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان اللّه على كل شيء مقتدرا} ، وكذا في سورة الزمر والحديد "يضرب اللّه بذلك مثل الحياة الدنيا، وقوله: { واللّه يدعو إلى دار السلام} لما ذكر تعالى الدنيا وسرعة زوالها، رغَّب في الجنة ودعا إليها وسمّاها دار السلام، أي من الآفات والنقائص والنكبات فقال: { واللّه يدعو إلى دار السلام، ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} روي عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنه، أنه قال: خرج علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوماً فقال: (إني رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي، وميكائيل عند رجلي، يقول أحدهما لصاحبه: اضرب له مثلاً، فقال: إنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ داراً، ثم بنى فيها بيتاً ثم جعل فيها مأدبة، ثم بعث رسولاً يدعو الناس إلى طعامه، فمنهم من أجاب الرسول، ومنهم من تركه؛ فاللّه الملك، والدار الإسلام، والبيت الجنة، وأنت يا محمد الرسول؛ فمن أجابك دخل الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل الجنة، من دخل الجنة أكل منها) "أخرجه ابن جرير عن جابر بن عبد اللّه".

تفسير الجلالين

{ إنما مَثَل } صفة { الحياة الدنيا كماء } مطر { أنزلناه من السماء فاختلط به } بسببه { نبات الأرض } واشتبك بعضه ببعض { مما يأكل الناس } من البرّ والشعير وغيرهما { والأنعام } من الكلأ { حتى إذا أخذت الأرض زخرفها } بهجتها من النبات { وازَّيَّنت } بالزهر، وأصله تزينت، أبدلت التاء زايا وأدغمت في الزاي { وظن أهلها أنهم قادرون عليها } متمكنون من تحصيل ثمارها { أتاها أمرنا } قضاؤنا أو عذابنا { ليلا أو نهارا فجعلناها } أي زرعها { حصيدا } كالمحصود بالمناجل { كأن } مخففة أي كأنها { لم تغن } تكن { بالأمس كذلك نفصَّل } نبين { الآيات لقوم يتفكرون } .

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء} معنى الآية التشبيه والتمثيل، أي صفة الحياة الدنيا في فنائها وزوالها وقلة خطرها والملاذ بها كماء؛ أي مثل ماء، فالكاف في موضع رفع. وسيأتي لهذا التشبيه مزيد بيان في { الكهف} إن شاء الله تعالى. { أنزلناه من السماء} نعت لـ { ماء} . { فاختلط} روي عن نافع أنه وقف على { فاختلط} أي فاختلط الماء بالأرض، { به نبات الأرض} أي بالماء نبات الأرض؛ فأخرجت ألوانا من النبات، فنبات على هذا ابتداء، وعلى مذهب من لم يقف على { فاختلط} مرفوع باختلط؛ أي اختلط النبات بالمطر، أي شرب منه فتندى وحسن وأخضر. والاختلاط تداخل الشيء بعضه في بعض. قوله تعالى: { مما يأكل الناس} من الحبوب والثمار والبقول. { والأنعام} من الكلأ والتبن والشعير. { حتى إذا أخذت الأرض زخرفها} أي حسنها وزينتها. والزخرف كمال حسن الشيء؛ ومنه قيل للذهب : زخرف. { وازينت} أي بالحبوب والثمار والأزهار؛ والأصل تزينت أدغمت التاء في الزاي وجيء بألف الوصل؛ لأن الحرف المدغم مقام حرفين الأول منهما ساكن والساكن لا يمكن الابتداء به. وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب { وتزينت} على الأصل. وقرأ الحسن والأعرج وأبو العالية { وازينت} أي أتت بالزينة عليها، أي الغلة والزرع، وجاء بالفعل على أصله ولو أعله لقال وازانت. وقال عوف بن أبي جميلة الأعرابي : قرأ أشياخنا { وازيانت} وزنه اسوادت. وفي رواية المقدمي { وازاينت} والأصل فيه تزاينت، وزنه تقاعست ثم أدغم. وقرأ الشعبي وقتادة { وازيانت} مثل أفعلت. وقرأ عثمان النهدي { وازينت} مثل أفعلت، وعنه أيضا { وازيانت مثل أفعالت، وروى عنه { ازيأنت} بالهمزة؛ ثلاث قراءات. قوله تعالى: { وظن أهلها} أي أيقن. { أنهم قادرون عليها} أي على حصادها والانتفاع بها؛ أخبر عن الأرض والمعنى النبات إذ كان مفهوما وهو منها. وقيل : رد إلى الغلة، وقيل : إلى الزينة. { أتاها أمرنا} أي عذابنا، أو أمرنا بهلاكها. { ليلا أو نهارا} ظرفان. { فجعلناها حصيدا} مفعولان، أي محصودة مقطوعة لا شيء فيها. وقال { حصيدا} ولم يؤنث لأنه فعيل بمعنى مفعول. قال أبو عبيد : الحصيد المستأصل. { كأن لم تغن بالأمس} أي لم تكن عامرة؛ من غني إذا أقام فيه وعمره. والمغاني في اللغة : المنازل التي يعمرها الناس. وقال قتادة : كأن لم تنعم. قال لبيد : وغنيت سبتا قبل مجرى داحس ** لو كان للنفس اللجوج خلود وقراءة العامة { تغن} بالتاء لتأنيث الأرض. وقرأ قتادة { يغن} بالياء، يذهب به إلى الزخرف؛ يعني فكما يهلك هذا الزرع هكذا كذلك الدنيا. { نفصل الآيات} أي نبينها. { لقوم يتفكرون} في آيات الله.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة يونس الايات 22 - 24


سورة يونس الايات 24 - 27

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

والماء الذي ينزل من السماء، هو الماء الصالح للري وللسقي؛ لأن المياه الموجودة في الوجود، هي مخازن للحياة، وغالباً ما تكون مالحة، كمياه البحار والمحيطات، وشاء الحق سبحانه ذلك، لحمايتها من العفن والفساد، ثم تتم عملية تقطير المياه بأشعة الشمس التي تحوّل الماء إلى بخار، ويتجمع البخار كسحاب، ثم يسقط ماء عَذْباً مقطراً صالحاً للشرب والرّي.

والحق سبحانه يقول هنا: { كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ } [يونس: 24]

والاختلاط: اجتماع شيئين أو أشياء على هيئة الانفصال بحيث يمكن أن تعزل هذا عن ذاك، فإن خلطت بعضاً من حبات الفول مع بعض من حبّات الترمس؛ فأنت تستطيع أن تفصل أيا منهما عن الآخر، ولكن هناك لوناً آخر من جمع الأشياء على هيئة المزج، مثلما تعصر ليمونة على ماء محلّى بالسكر، وهذا ينتج عنه ذوبان كل جزىء من الليمون والسكر في جزيئات الماء.

وهنا يقول الحق سبحانه: { كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ } وقد يُفهم من ذلك أن الماء والنبات قد اختلطا معاً، لكن النبات ـ كما نعلم ـ ككائن حي مخلوق من الماء مصداقاً لقول الحق سبحانه:
{  وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ }
[الأنبياء: 30].

وهنا لا بد أن نلتفت إلى الفارق بين " باء " الخلط، و " باء " السببية فالباء هنا في هذه الآية هي باء السببية، وبذلك يكون المعنى: فاختلط بسببه نبات الأرض. وأنت ترى بعد سقوط المطر على الأرض أن المياه تغطي الأرض، ثم تجد بعد ذلك بأيام أو أسابيع، أن سطح الأرض مغطى بالزروع، وكلها مختلطة متشابكة، وكلما تشابكت الزروع مع بعضها فهذا دليل على أن الري موجود والخصوبة في هذه الأرض عالية، وهذا نتيجة تفاعل الماء مع التربة.

أما إن كانت الأرض غير خصبة، فأنت تجد نَبْتة في منطقة من الأرض، وأخرى متباعدة عنها، وهذا ما يطلق عليه أهل الريف المصري أثناء زراعة الذرة ـ على سبيل المثال: " الذرة تفلس " أي: أن كل عود من أعواد الذرة يتباعد عن الآخر نتيجة عدم خصوبة الأرض.

إذن: فخصوبة الأرض لها أساس هام في الإنبات والماء موجود لإذابة عناصر الغذاء للنبات، فتنتشر بها جذور النبات.

وإن سمحتْ لك الظروف بزيارة المراكز العلمية للزراعة في " طوكيو " أو " كاليفورنيا "؛ فلسوف ترى أنهم يزرعون النباتات على خيوط رفيعة؛ تُسقى بالماء الذي يحتوي على عناصر الغذاء اللازمة للإنبات؛ لأنهم وجدوا أن أي نبات يأخذ من الأرض المواد اللازمة لإنباته بما لا يتجاوز خمسة في المائة من وزنه، ويأخذ من الهواء خمسة وتسعين في المائة من وزنه.إذن: فالمطر النازل من السماء خلال الهواء هو الذي يذيب عناصر الأرض؛ ليمتصها النبات.

والحق سبحانه وتعالى هنا أراد أن يضرب لنا المثل، والمثل: هو قول شُبِّه مَضْرِبُهُ بِمَوْلِدِه، أي: شيء نريد أن نمثله بشيء، ولا بد أن يكون الشيء الممثل به معلوماً، والشيءُ المأخوذ كمثلٍ هو الذي نريد أن نوضح صورته؛ ولذلك لا يصح أن نمثل مجهولاً بمجهول، وإنما نمثل مجهولاً بمعلوم.

وتجد من يقول لك: ألا تعرف فلاناً؟ فتقول: لا أعرفه، فيرد عليك صاحبك: إنه مثل فلان في الشكل. وهكذا عرَّفْتَ المجهول بمعلوم.

وبعض من الذين يحاولون الاعتراض على القرآن، دخلوا من هذه الناحية، وقالوا: إذا كان الشيء مجهولاً ونريد أن نعرِّف به، ألا نعرِّفه بمعلوم؟ فما بال الله ـ سبحانه وتعالى ـ يقول في شجرة الزقوم:
{  إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ }
[الصافات: 64ـ65].

ما بال الله سبحانه يبين شجرة الزقوم، وهي شجرة في النار لا نعرفها، فيعرِّفها للمؤمنين به بأن طلعها يشبه رءوس الشياطين، وبذلك يكون سبحانه قد مثَّل مجهولاً بمجهول. والذين قالوا ذلك فاتهم أن الذي يتكلم هو الله تعالى. وقد أراد الحق سبحانه أن يُمثِّل لنا شجرة الزقوم بشيء بشع معلوم لنا، والبشع المعلوم هو الشيطان.

وشاء الحق سبحانه ألا يحدد البشاعة؛ حتى لا ينقضي التشبيه؛ لأن الشيء قد يكون بشعاً في نظرك، وغير بشع في نظر غيرك. ويريد الله سبحانه أن يبشع طلع شجرة الزقوم؛ فاختار الشيء المتفق على بشاعته، وهو رءوس الشياطين، وليتصور كل إنسان صورة الشيطان، بما ينفر منه ويقبِّحه، وهكذا تتجلَّى عظمة الحق سبحانه في أن جعل شكل الشيطان مبهماً.

وأما المثل الذي نحن بصدده هنا وهو تشبيه الحياة الدنيا بأنها كالماء الذي أنزله الحق سبحانه من السماء فاختلط به نبات الأرض، والحياة الدنيا نحن ندرك بعضها، وكلٌّ منا يدرك فترة منها، ولم يدرك أولها، وقد لا يدرك آخرها، فجاء الحق سبحانه بمثل يراه كل واحد منا، وهو الزرع الذي يرتوي بالمطر، فأراد الحق سبحانه أن يجمع لنا صورة الدنيا في مثلٍ معروف لنا جميعاً، وندركه جميعاً؛ فندرك ما سبق، وما يلحق، فكل شيء يأخذ حظه في الازدهار، والجمال، ثم ينتهي، كذلك الدنيا.

يقول الحق سبحانه:

{ كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلأَمْسِ } [يونس: 24]

والزخرف: هو الشيء الجميل المستميل للنفس وتُسرُّ به حينما تراه، وتتزين الدنيا بالألوان المتنوعة في تنسيق بديع، ثم يصبح كل ذلك حصيداً وهذا ما نراه في حياتنا، وهكذا جمع الله سبحانه وتعالى مثل الحياة الدنيا من أولها إلى آخرها بالصورة المرئية لكل إنسان، حتى لايخدع إنسان بزخرف الدنيا ولا بزينتها.والحق سبحانه هو القائل:


{  فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا ٱلأَرْضَ شَقّاً * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَآئِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً * مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ * فَإِذَا جَآءَتِ ٱلصَّآخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَٰحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ }
[عبس: 24ـ37].

إذن: فالدنيا بكل جمالها الذي تراه إنما تذوي، وما تراه من بديع ألوانها إنما يذبل، ومهما ازدانت الدنيا فهي إلى زوال، فإياك أن تبغي؛ لأن البغي فيه متاع الدنيا، والدنيا كلها إلى زوال؛ كزوال الروض التي ينزل عليها المطر؛ فتنبت الأرض الأزهار، ثم يذوي كل ذلك.

وقد قال الحق سبحانه:


{  إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ }
[القلم: 17ـ20].

إذن: فالدنيا بهذا الشكل وعلى هذا الحال.

وهنا يقول الحق سبحانه: { حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ } [يونس: 24].

والأرض تتزين بأمر ربها، والحق سبحانه ينسب الإدراكات إلى ما لا نعرف أن له عقلاً أو إرادة. ألم يقل الحق سبحانه في قصة العبد الصالح:
{  فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ }
[الكهف: 77].

فهل يملك الجدار إرادة أن ينقضَّ؟ ولو حققنا الأمر جيداً؛ لوجدنا أن الحق سبحانه جعل لكل كائن في الوجود حياة تناسبه، وله إرادة تناسبه، وله انفعال يناسبه. وقد ضرب الحق سبحانه لنا في ذلك صوراً شتّى، فنجد أن الشيء الذي يعزُّ على عقولنا أن تفهمه يبرز لنا ببيان من الله تعالى.

ومثال هذا: معرفة الهدهد في قصة سليمان عليه السلام بالتوحيد، وكيف أخبر هذا الهدهد سيدنا سليمان عليه السلام بحكاية مملكة سبأ حيث يسجد الناس هناك للشمس من دون الله، فكأن الهدهد قد علم مَنْ يستحق السجود له إذ قال:
{  أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ ٱلَّذِي يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ }
[النمل: 25].

ومن كان يظن أن الهدهد، وهو طائر، يكون على هذه البصيرة بالعقائد على أصفى ما تكون؟ لأن الحق سبحانه أراد أن يبيّن لنا أن هذا الطائر لا هوى له يفسد عقيدته، وأن أهواءنا هي التي تفسد العقائد، ومَنْ أعطاه الله سبحانه البدائل هو الذي يفسد الاختيار ما دام لا يحرس الاختيار بالإيمان، وأن يختار في ضوء منهج الله تعالى.

ونحن نرى أن ما دون الإنسان من طائر أو حيوان لا يفسد شيئاً؛ لأن غريزته تقوده، فلا نجد حيواناً يأكل فوق طاقته، لكننا نجد إنساناً يصيب نفسه بالتخمة، ولا نجد حماراً يقفز فوق قناة من الماء لا يقدر عليها، بل نراه وهو يتراجع عنها، وكلنا نجد إنساناً يشمر عن ساعديه؛ ليقفز فوق قناة مياه؛ فيقع فيها.إذن: فنحن بأهوائنا التي تسيطر على غرائزنا نوقع أنفسنا فيما يضرنا، ما لم نحرس أنفسنا بمنهج الله سبحانه وتعالى. ونجد في مثال الهدهد صفاءً عقدياً في التوحيد كأصفى ما يكون المتصوِّفة، ويأتي بما يهمه { أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ ٱلَّذِي يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } لأن الخبء هو رزق الهدهد، فهو لا يأكل من الشيء الظاهر على سطح الأرض، بل يضرب بمنقاره الأرض؛ ليأتي لنفسه بما يطعمه.

ويعطينا الحق سبحانه مثلاً آخر بالنملة التي قالت:
{  يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ }
[النمل: 18].

وهذه دقة عدالة من هذه النملة، فإنها لم تقل: إن سليمان وجنوده سيحطمون أخواتها من النمل ظلماً لهم، بل قالت: { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } لأنكم لا تظهرون تحت أرجلهم.

إذن: كل كائن في الوجود له حياة تناسبه، ولكن الآفة أننا نريد أن نتصور الحياة في كل كائن، كتصورها في الكائن الأعلى وهو الإنسان.

ولا بد لنا أن نعلم أن النبات له حياة تناسبه، والحيوان له حياة تناسبه، والجماد له حياة تناسبه، وكل شيء في الحياة له لون من الحياة المناسبة له.

وقد أوضحنا من قبل أن الحق سبحانه قد قال:
{  لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ }
[الأنفال: 42].

والهلاك مقابل للحياة، والحياة مقابلة للموت، والهلاك يساوي الموت. والحق سبحانه يصور الحالة يوم القيامة فيقول:
{  كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ }
[القصص: 88].

إذن: فالجماد هالك، ولكنه يتمتع بلون من الحياة لا نعرفه، وكذلك كل كائن له حياة تناسبه، والآفة أن الإنسان يريد أن يعرِّف الحياة التي في الجماد كالحياة في الإنسان.

وانظر إلى دقة الأداء القرآني في قوله الحق: { حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً } [يونس: 24].

وقد جاء هذا القول من قبل أن يتقدم العلم ويثبت أن الأرض تشبه الكرة، وأنها تدور، وأن كل ليل يقابله نهار، وكذلك جاء قول الحق سبحانه:
{  أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ * أَوَ أَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى }
[الأعراف: 97ـ98].

إذن: فأمر الله سبحانه يتحقق حين يشاء، وهو أمر واحد عند من يكونون في ضحى أو في ليل.

ثم يقول الحق سبحانه: { فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلأَمْسِ } [يونس: 24].

أي: كأنها لم يكن لها وجود.

ويُنهي الحق سبحانه الآية بقوله: { كَذٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } [يونس: 24].

فإذا كانت الدنيا كلها مثل عملية الزرع في الأرض الذي ينمو ويزدهر ويزدان، ثم ينتهي، ألا يجب أن ننتبه إلى أن كل زخرف إلى زوال؛ وعلينا ألا نفتتن بزينة الدنيا ومتاعها في شيء، وأن نحرص على ألا نبغي في الأرض؛ لأن البغي متاع الحياة الدنيا، وهي إلى زوال.ونجد القرآن يأتي بذكر التفصيل للآيات، ويتبع ذلك بأن هذا التفصيل لقوم " يتفكرون " ، أو " يتذكرون " ، أو " يعقلون " ، أو " يتدبرون ".

وكل هذه عمليات تتناول المعلوم الواحد في مراحل متعددة، فالتعقُّل: هو أن تأتي بالمقدمات؛ لتستنبط ولترى إلى أي نتائج تصل. والتذكُّر يعني: ألا تنسى وألا تغفل عن الأمر الهام. والتفكُّر: هو أن تُعْمل الفكر. والفارق بين الفكر والعقل هو أن العقل أداة التفكُّر. والتدبُّر: هو ألا تنظر إلى ظواهر الأشياء، بل إلى المعطيات الخفية في أي أمر.

والحق سبحانه يقول:
{  أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ }
[النساء: 82].

أي: اجعل بصيرتك تمحِّص البدايات والنهايات؛ لتعرف أن المرجع والمصير إلى الله تعالى. والعاقل هو مَنْ يعدّ نفسه للقاء الله سبحانه، وقد يرهق نفسه في الدنيا الفانية؛ ليستريح في الآخرة.

وإذا نظرنا إلى الدنيا والآخرة من خلال معادلة تجارية، سنجد أن الآخرة لا بد وأن ترجح كفتها؛ لأن عمر الإنسان في الدنيا مظنون، ولا يعرف فرد هل يحيا في الدنيا عاماً أو عشرة أو سبعين أو مائة عام.

ومهما طالت الدنيا مع كل الخَلْق فهي منتهية، والنعيم فيها على قدر: إمكاناتك البشرية وعلى قدر تصورك للنعيم، أما الآخرة فهي بلا نهاية، وأمر الإنسان فيها متيقَّن، والنعيم فيها على قدر عطاءات الله تعالى ومراده سبحانه للنعيم. فإن قارنت هذا بذاك وقارنت الدنيا بالآخرة لرجحتْ كفّة الآخرة.

لذلك يقول الحق سبحانه:
{  وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ }
[العنكبوت: 64].

وفي قوله سبحانه: { لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ }. مبالغة في كونها حياة لا فناء فيها. فاتبع منهج الله سبحانه؛ ليأخذك هذا المنهج إلى دار السلام والسلامة من الآفات. واضمن لنفسك الخروج من دار الفناء والأغيار، وَضَعْ يدك في يد من يدعوك إلى دار السلام.

ولذلك يقول الحق سبحانه: { وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ }


www.alro7.net