سورة
اية:

فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عن المتقين للّه عزَّ وجلَّ، أنهم يوم معادهم يكونون في جنات وعيون، بخلاف ما أولئك الأشقياء فيه من العذاب والنكال والحريق والأغلال، وقوله تعالى: { آخذين ما آتاهم ربهم} ، قال ابن جرير: أي عاملين بما آتاهم اللّه من الفرائض، { إنهم كانوا قبل ذلك محسنين} أي قبل أن يفرض عليهم الفرائض كانوا محسنين في الأعمال أيضاً، والذي فسر به ابن جرير فيه نظر، لأن قوله تبارك وتعالى { آخذين} حال من قوله { في جنات وعيون} فالمتقون في حال كونهم في الجنان والعيون آخذين ما آتاهم ربهم، أي من النعيم والسرور والغبطة. وقوله عزَّ وجلَّ: { إنهم كانوا قبل ذلك} أي في الدار الدنيا، { محسنين} كقوله تعالى: { كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية} ، ثم إنه تعالى بيّن إحسانهم في العمل فقال جلَّ وعلا: { كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون} . اختلف المفسرون في ذلك على قولين: أحدهما: أن ما نافية تقديره: كانوا قليلاً من الليل لا يهجعونه، قال ابن عباس: لم تكن تمضي عليهم ليلة إلا يأخذون منها ولو شيئاً؛ وقال قتادة: قلّ ليلة تأتي عليهم إلا يصلون فيها للّه عزَّ وجلَّ، إما من أولها أو من وسطها، وقال مجاهد: قلَّ ما يرقدون ليلة حتى الصباح لا يتهجدون، والقول الثاني: أن ما مصدرية تقديره: كانوا قليلاً من الليل هجوعهم ونومهم، واختاره ابن جرير، وقال الحسن البصري: { كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون} ، كابدوا قيام الليل فلا ينامون من الليل إلا أقله، ونشطوا فمدوا إلى السحر حتى كان الاستغفار بسحر، وقال الأحنف بن قيس: { كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون} كانوا لا ينامون إلا قليلاً، ثم يقول: لست من أهل هذه الآية، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال رجل من بني تميم لأبي: يا أبا أسامة صفةٌ لا أجدها فينا ذكر اللّه تعالى قوماً فقال: { كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون} ونحن واللّه قليلاً من الليل ما نقوم، فقال له أبي: (طوبى لمن رقد إذا نعس، واتقى اللّه إذا استيقظ) وقال عبد اللّه بن سلام: لما قدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المدينة انجفل الناس إليه فكنت فيمن انجفل، فلما رأيت وجهه صلى اللّه عليه وسلم عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول ما سمعته صلى اللّه عليه وسلم يقول: (يا أيها الناس أطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وأفشوا السلام، وصلّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا إلى الجنة بسلام) وروى الإمام أحمد، عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما قال: إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (إن في الجنة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها) فقال أبو موسى الأشعري رضي اللّه عنه: لمن هي يا رسول اللّه؟ قال صلى اللّه عليه وسلم: (لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وبات للّه قائماً والناس نيام) ""أخرجه الإمام أحمد"". وقوله عزَّ وجلَّ: { وبالأسحار هم يستغفرون} ، قال مجاهد: يصلون، وقال آخرون: قاموا الليل وأخروا الاستغفار إلى الأسحار، كما قال تبارك وتعالى: { والمستغفرين بالأسحار} ، وقد ثبت في الصحاح، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (إن اللّه تعالى ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فيعطى سؤله؟ حتى يطلع الفجر) وقوله تعالى: { وفي أموالهم حق للسائل والمحروم} لما وصفهم بالصلاة، ثنى بوصفهم بالزكاة والبر والصلة، فقال { وفي أموالهم حق} أي جزء مقسوم قد أفرزوه للسائل والمحروم، أما السائل فمعروف وهو الذي يبتديء بالسؤال وله حق، كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (للسائل حق وإن جاء على فرس) ""أخرجه أحمد وأبو داود"". وأما المحروم فقال ابن عباس ومجاهد: هو المحارب الذي ليس له في الإسلام سهم، يعني لا سهم له في بيت المال ولا كسب له ولا حرفة يتقوت منها، وقالت أم المؤمنين عائشة رضي اللّه عنها: هو المحارب الذي لا يكاد يتيسر له مكسبه، وقال الضحّاك: هو الذي لا يكون له مال إلا ذهب، قضى اللّه تعالى له ذلك، وقال ابن عباس وسعيد بن المسيب وعطاء: المحروم المحارف، وقال قتادة والزهري: المحروم الذي لا يسأل الناس شيئاً، وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (ليس المسكين بالطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه) ""هذا الحديث أسنده الشيخان من وجه آخر"". وقال سعيد بن جبير: هو الذي يجيء وقد قسم المغنم فيرضخ له، وقال الشعبي: أعياني أن أعلم ما المحروم، واختار ابن جرير أن المحروم الذي لا مال له بأي سبب كان وقد ذهب ماله، سواء كان لا يقدر على الكسب، أو قد هلك ماله بآفة أو نحوها. وقوله عزَّ وجلَّ: { وفي الأرض آيات للموقنين} أي فيها من الآيات الدالة على عظمة خالقها وقدرته الباهرة، مما فيها من صنوف النبات والحيوانات والمهاد، والجبال والقفار والأنهار والبحار، واختلاف ألسنة الناس وألوانهم، وما بينهم من التفاوت في العقول والفهوم والسعادة والشقاوة، وما في تركيبهم من الحكم، في وضع كل عضو من أعضائهم في المحل الذي هو محتاج إليه فيه، ولهذا قال عزَّ وجلَّ: { وفي أنفسكم أفلا تبصرون} ؟ قال قتادة: من تفكر في خلق نفسه عرف أنه إنما خلق ولينت مفاصله للعبادة، ثم قال تعالى: { وفي السماء رزقكم} يعني المطر { وما توعدون} يعني الجنة، قاله ابن عباس ومجاهد وغير واحد، وقوله تعالى: { فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون} ، يقسم تعالى بنفسه الكريمة: أن ما وعدهم به من أمر القيامة، والبعث والجزاء كائن لا محالة، وهو حق لا مرية فيه، فلا تشكوا فيه كما لا تشكوا في نطقكم حين تنطقون، وكان معاذ رضي اللّه عنه إذا حدث بالشيء يقول لصاحبه إن هذا لحقٌ كما أنك ههنا. وعن الحسن البصري قال: بلغني أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (قاتل اللّه أقواماً أقسم لهم ربهم ثم لم يصدقوا) ""أخرجه ابن جرير عن الحسن مرسلاً"".

تفسير الجلالين

{ فورب السماء والأرض إنه } أي ما توعدون { لحق مثلُ ما أنكم تنطقون } برفع مثل صفة، وما مزيدة وبفتح اللام مركبة مع ما، المعنى: مثل نطقكم في حقيقته أي معلوميته عندكم ضرورة صدوره عنكم .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْض إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ مُقْسِمًا لِخَلْقِهِ بِنَفْسِهِ : فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْض , إِنَّ الَّذِي قُلْت لَكُمْ أَيّهَا النَّاس : إِنَّ فِي السَّمَاء رِزْقكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ لَحَقّ , كَمَا حُقَّ أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ. وَقَدْ : 24919 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي عَدِيّ , عَنْ عَوْف , عَنِ الْحَسَن , فِي قَوْله : { فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْض إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ } قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " قَاتَلَ اللَّه أَقْوَامًا أَقْسَمَ لَهُمْ رَبّهمْ بِنَفْسِهِ فَلَمْ يُصَدِّقُوهُ " وَقَالَ الْفَرَّاء : لِلْجَمْعِ بَيْن " مَا " و " أَنَّ " فِي هَذَا الْمَوْضِع وَجْهَانِ : أَحَدهمَا : أَنْ يَكُون ذَلِكَ نَظِير جَمْع الْعَرَب بَيْن الشَّيْئَيْنِ مِنَ الْأَسْمَاء وَالْأَدَوَات , كَقَوْلِ الشَّاعِر فِي الْأَسْمَاء : مِنَ النَّفَر اللَّائِي الَّذِينَ إِذَا هُمُ يُهَاب اللِّئَام حَلْقَةَ الْبَاب قَعْقَعُوا فَجَمَعَ بَيْن اللَّائِي وَالَّذِينَ , وَأَحَدهمَا مُجْزِئٌ مِنَ الْآخَر ; وَكَقَوْلِ الْآخَر فِي الْأَدَوَات : مَا إِنْ رَأَيْت وَلَا سَمِعْت بِهِ كَالْيَوْمِ طَالِي أَيْنُقٍ جُرْب فَجَمَعَ بَيْن " مَا " وَبَيْن " إِنْ " , وَهُمَا جَحْدَانِ يُجْزِئ أَحَدهمَا مِنَ الْآخَر . وَأَمَّا الْآخَر : فَهُوَ لَوْ أَنَّ ذَلِكَ أُفْرِدَ بِمَا , لَكَانَ خَبَرًا عَنْ أَنَّهُ حَقّ لَا كَذِب , وَلَيْسَ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِهِ . وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ : إِنَّهُ لَحَقٌّ كَمَا حُقَّ أَنَّ الْآدَمِيَّ نَاطِق. أَلَا يُرَى أَنَّ قَوْلَك : أَحَقٌّ مَنْطِقُك , مَعْنَاهُ : أَحَقٌّ هُوَ أَمْ كَذِب , وَأَنَّ قَوْلَك أَحَقّ أَنَّك تَنْطِق مَعْنَاهُ لِلِاسْتِثْبَاتِ لَا لِغَيْرِهِ , فَأُدْخِلَتْ " أَنَّ " لِيُفَرَّق بِهَا بَيْن الْمَعْنَيَيْنِ , قَالَ : فَهَذَا أَعْجَب الْوَجْهَيْنِ إِلَيَّ . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ } فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة { مِثْل مَا } نَصْبًا بِمَعْنَى : إِنَّهُ لَحَقّ حَقًّا يَقِينًا كَأَنَّهُمْ وَجَّهُوهَا إِلَى مَذْهَب الْمَصْدَر . وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون نَصْبهَا مِنْ أَجْل أَنَّ الْعَرَبَ تَنْصِبُهَا إِذَا رَفَعَتْ بِهَا الِاسْم , فَتَقُول : مِثْل مَنْ عَبْد اللَّه , وَعَبْد اللَّه مِثْلك , وَأَنْتَ مِثْله , وَمِثْله رَفْعًا وَنَصْبًا. وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون نَصْبهَا عَلَى مَذْهَب الْمَصْدَر , إِنَّهُ لَحَقّ كَنُطْقِكُمْ. وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة , وَبَعْض أَهْل الْبَصْرَة رَفْعًا " مِثْل مَا أَنَّكُمْ " عَلَى وَجْه النَّعْت لِلْحَقِّ . وَالصَّوَاب مِنَ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قِرَاءَة الْأَمْصَار , مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيبٌ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْض إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ مُقْسِمًا لِخَلْقِهِ بِنَفْسِهِ : فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْض , إِنَّ الَّذِي قُلْت لَكُمْ أَيّهَا النَّاس : إِنَّ فِي السَّمَاء رِزْقكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ لَحَقّ , كَمَا حُقَّ أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ. وَقَدْ : 24919 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي عَدِيّ , عَنْ عَوْف , عَنِ الْحَسَن , فِي قَوْله : { فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْض إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ } قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " قَاتَلَ اللَّه أَقْوَامًا أَقْسَمَ لَهُمْ رَبّهمْ بِنَفْسِهِ فَلَمْ يُصَدِّقُوهُ " وَقَالَ الْفَرَّاء : لِلْجَمْعِ بَيْن " مَا " و " أَنَّ " فِي هَذَا الْمَوْضِع وَجْهَانِ : أَحَدهمَا : أَنْ يَكُون ذَلِكَ نَظِير جَمْع الْعَرَب بَيْن الشَّيْئَيْنِ مِنَ الْأَسْمَاء وَالْأَدَوَات , كَقَوْلِ الشَّاعِر فِي الْأَسْمَاء : مِنَ النَّفَر اللَّائِي الَّذِينَ إِذَا هُمُ يُهَاب اللِّئَام حَلْقَةَ الْبَاب قَعْقَعُوا فَجَمَعَ بَيْن اللَّائِي وَالَّذِينَ , وَأَحَدهمَا مُجْزِئٌ مِنَ الْآخَر ; وَكَقَوْلِ الْآخَر فِي الْأَدَوَات : مَا إِنْ رَأَيْت وَلَا سَمِعْت بِهِ كَالْيَوْمِ طَالِي أَيْنُقٍ جُرْب فَجَمَعَ بَيْن " مَا " وَبَيْن " إِنْ " , وَهُمَا جَحْدَانِ يُجْزِئ أَحَدهمَا مِنَ الْآخَر . وَأَمَّا الْآخَر : فَهُوَ لَوْ أَنَّ ذَلِكَ أُفْرِدَ بِمَا , لَكَانَ خَبَرًا عَنْ أَنَّهُ حَقّ لَا كَذِب , وَلَيْسَ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِهِ . وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ : إِنَّهُ لَحَقٌّ كَمَا حُقَّ أَنَّ الْآدَمِيَّ نَاطِق. أَلَا يُرَى أَنَّ قَوْلَك : أَحَقٌّ مَنْطِقُك , مَعْنَاهُ : أَحَقٌّ هُوَ أَمْ كَذِب , وَأَنَّ قَوْلَك أَحَقّ أَنَّك تَنْطِق مَعْنَاهُ لِلِاسْتِثْبَاتِ لَا لِغَيْرِهِ , فَأُدْخِلَتْ " أَنَّ " لِيُفَرَّق بِهَا بَيْن الْمَعْنَيَيْنِ , قَالَ : فَهَذَا أَعْجَب الْوَجْهَيْنِ إِلَيَّ . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ } فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة { مِثْل مَا } نَصْبًا بِمَعْنَى : إِنَّهُ لَحَقّ حَقًّا يَقِينًا كَأَنَّهُمْ وَجَّهُوهَا إِلَى مَذْهَب الْمَصْدَر . وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون نَصْبهَا مِنْ أَجْل أَنَّ الْعَرَبَ تَنْصِبُهَا إِذَا رَفَعَتْ بِهَا الِاسْم , فَتَقُول : مِثْل مَنْ عَبْد اللَّه , وَعَبْد اللَّه مِثْلك , وَأَنْتَ مِثْله , وَمِثْله رَفْعًا وَنَصْبًا. وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون نَصْبهَا عَلَى مَذْهَب الْمَصْدَر , إِنَّهُ لَحَقّ كَنُطْقِكُمْ. وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة , وَبَعْض أَهْل الْبَصْرَة رَفْعًا " مِثْل مَا أَنَّكُمْ " عَلَى وَجْه النَّعْت لِلْحَقِّ . وَالصَّوَاب مِنَ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قِرَاءَة الْأَمْصَار , مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيبٌ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وفي الأرض آيات للموقنين} لما ذكر أمر الفريقين بين أن في الأرض علامات تدل على قدرته على البعث والنشور؛ فمنها عود النبات بعد أن صار هشيما، ومنها أنه قدر الأقوات فيها قواما للحيوانات، ومنها سيرهم في البلدان التي يشاهدون فيها أثار الهلاك النازل بالأمم المكذبة. والموقنون هم العارفون المحققون وحدانية ربهم، وصدق نبوة نبيهم؛ خصهم بالذكر لأنهم المنتفعون بتلك الآيات وتدبرها. { وفي أنفسكم أفلا تبصرون} قيل : التقدير وفي الأرض وفي أنفسكم آيات للموقنين. وقال قتادة : المعنى من سار في الأرض رأى آيات وعبرا، ومن تفكر في نفسه علم أنه خلق ليعبد الله. ابن الزبير ومجاهد : المراد سبيل الخلاء والبول. وقال السائب بن شريك : يأكل ويشرب من مكان واحد ويخرج من مكانين؛ ولو شرب لبنا محضا لخرج منه الماء ومنه الغائط؛ فتلك الآية في النفس. وقال ابن زيد : المعنى أنه خلقكم من تراب، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة { ثم إذا أنتم بشر تنتشرون} [الروم : 20]. السدي { وفي أنفسكم} أي في حياتكم وموتكم، وفيما يدخل ويخرج من طعامكم. الحسن : وفي الهرم بعد الشباب، والضعف بعد القوة، والشيب بعد السواد. وقيل : المعنى وفي خلق أنفسكم من نطفة وعلقة ومضغة ولحم وعظم إلى نفخ الروح، وفي اختلاف الألسنة والألوان والصور، إلى غير ذلك من الآيات الباطنة والظاهرة، وحسبك بالقلوب وما ركز فيها من العقول، وما خصت به من أنواع المعاني والفنون، وبالألسن والنطق ومخارج الحروف والأبصار والأطراف وسائر الجوارح، وتأتيها لما خلقت له، وما سوى في الأعضاء من المفاصل للانعطاف والتثني، وأنه إذا جسا شيء منها جاء العجز، وإذا استرخى أناخ الذل { فتبارك الله أحسن الخالقين} [المؤمنون : 14]. { أفلا تبصرون} يعني بصر القلب ليعرفوا كمال قدرته. وقيل : إنه نجح العاجز، وحرمان الحازم. قلت : كل ما ذكر مراد في الاعتبار. وقد قدمنا في آية التوحيد من سورة [البقرة] أن ما في بدن الإنسان الذي هو العالم الصغير شيء إلا وله نظير في العالم الكبير، وذكرنا هناك من الاعتبار ما يكفي ويغني لمن تدبر. قوله تعالى { وفي السماء رزقكم وما توعدون} قال سعيد بن جبير والضحاك : الرزق هنا ما ينزل من السماء من مطر وثلج ينبت به الزرع ويحيا به الخلق. قال سعيد بن جبير : كل عين قائمة إنها من الثلج. وعن الحسن أنه كان إذا رأى السحاب قال لأصحابه : فيه والله رزقكم ولكنكم تحرمونه بخطاياكم. وقال أهل المعاني { وفي السماء رزقكم} معناه وفي المطر رزقكم؛ سمي المطر سماء لأنه من السماء ينزل. قال الشاعر : إذا سقط السماء بأرض قوم ** رعيناه وإن كانوا غضابا وقال ابن كيسان : يعني وعلى رب السماء رزقكم؛ نظيره { وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} [هود : 6]. وقال سفيان الثوري { وفي السماء رزقكم} أي عند الله في السماء رزقكم. وقيل : المعنى وفي السماء تقدير رزقكم، وما فيه لكم مكتوب في أم الكتاب. وعن سفيان قال : قرأ واصل الأحدب { وفي السماء رزقكم} فقال : ألا أرى رزقي في السماء وأنا أطلبه في الأرض! فدخل خربة فمكث ثلاثا لا يصيب شيئا فإذا هو في الثالثة بدوخلة رطب، وكان له أخ أحسن نية منه فدخل معه فصارتا دوخلتين، فلم يزل ذلك دأبهما حتى فرق الله بالموت بينهما. وقرأ ابن محيصن ومجاهد { وفي السماء رازقكم} بالألف وكذلك في أخرها { إن الله هو الرازق} { وما توعدون} قال مجاهد : يعني من خير وشر. وقال غيره : من خير خاصة. وقيل : الشر خاصة. وقيل : الجنة؛ عن سفيان بن عيينة. الضحاك { وما توعدون} من الجنة والنار. وقال ابن سيرين { وما توعدون} من أمر الساعة. وقاله الربيع. قوله تعالى { فورب السماء والأرض إنه لحق} أكد ما أخبرهم به من البعث وما خلق في السماء من الرزق، وأقسم عليه بأنه لحق ثم أكده بقوله { مثل ما أنكم تنطقون} وخص النطق من بين سائر الحواس؛ لأن ما سواه من الحواس يدخله التشبيه، كالذي يرى في المرآة، واستحالة الذوق عند غلبة الصفراء ونحوها، والدوى والطنين في الأذن، والنطق سالم من ذلك، ولا يعترض بالصدى لأنه لا يكون إلا بعد حصول الكلام من الناطق غير مشوب بما يشكل به. وقال بعض الحكماء : كما أن كل إنسان ينطق بنفسه ولا يمكنه أن ينطق بلسان غيره، فكذلك كل إنسان يأكل رزقه ولا يمكنه أن يأكل رزق غيره. وقال الحسن : بلغني أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : (قاتل الله أقواما أقسم لهم ربهم بنفسه ثم لم يصدقوه) قال الله تعالى { فورب السماء والأرض إنه لحق} . وقال الأصمعي : أقبلت ذات مرة من مسجد البصرة إذ طلع أعرابي جلف جاف على قعود له متقلدا سيفه وبيده قوسه، فدنا وسلم وقال : ممن الرجل؟ قلت من بني أصمع، قال : أنت الأصمعي؟ قلت : نعم. قال : ومن أين أقبلت؟ قلت : من موضع يتلى فيه كلام الرحمن؛ قال : وللرحمن كلام يتلوه الآدميون؟ قلت : نعم؛ قال : فاتل علي منه شيئا؛ فقرأت { والذاريات ذروا} إلى قوله { وفي السماء رزقكم} فقال : يا أصمعي حسبك! ! ثم قام إلى ناقته فنحرها وقطعها بجلدها، وقال : أعني على توزيعها؛ ففرقناها على من أقبل وأدبر، ثم عمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما ووضعهما تحت الرحل وولى نحو البادية وهو يقول { وفي السماء زرقكم وما توعدون} فمقت نفسي ولمتها، ثم حججت مع الرشيد، فبينما أنا أطوف إذا أنا بصوت رقيق، فالتفت فإذا أنا بالأعرابي وهو ناحل مصفر، فسلم علي وأخذ بيدي وقال : اتل علي كلام الرحمن، وأجلسني من وراء المقام فقرأت { والذاريات} حتى وصلت إلى قوله تعالى { وفي السماء رزقكم وما توعدون} فقال الأعرابي : لقد وجدنا ما وعدنا الرحمن حقا، وقال : وهل غير هذا؟ قلت : نعم؛ يقول الله تبارك وتعالى { فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون} قال فصاح الأعرابي وقال : يا سبحان الله! من الذي أغضب الجليل حتى حلف! ألم يصدقوه في قوله حتى ألجأوه إلى اليمين؟ فقالها ثلاثا وخرجت بها نفسه. وقال يزيد بن مرثد : إن رجلا جاع بمكان ليس فيه شيء فقال : اللهم رزقك الذي وعدتني فأتني به؛ فشبع وروي من غير طعام ولا شراب. وعن أبي سعيد الخدري قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : (لو أن أحدكم فر من رزقه لتبعه كما يتبعه الموت) أسنده الثعلبي. وفي سنن ابن ماجة عن حبة وسواء ابني خالد قالا : دخلنا على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعالج شيئا فأعناه عليه، فقال : (لا تيأسا من الرزق ما تهززت رءوسكما فإن الإنسان تلده أمه أحمر ليس عليه قشر ثم يرزقه الله). وروي أن قوما من الأعراب زرعوا زرعا فأصابته جائحة فحزنوا لأجله، فخرجت عليهم أعرابية فقالت : ما لي أراكم قد نكستم رءوسكم، وضاقت صدوركم، هو ربنا والعالم بنا، رزقنا عليه يأتينا به حيث شاء! ثم أنشأت تقول : لو كان في صخرة في البحر راسية ** صما ململمة ملسا نواحيها رزق لنفس براهـا الله لانفلقـت ** حتى تؤدي إليها كل ما فيها أو كان بين طباق السبع مسلكها ** لسهل الله في المرقى مراقيها حتى تنال الذي في اللوح خط لها ** إن لم تنله وإلا سوف يأتيها قلت : وفي هذا المعنى قصة الأشعريين حين أرسلوا رسولهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسمع قوله تعالى { وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} [هود : 6] فرجع ولم يكلم النبي صلى الله عليه وسلم وقال : ليس الأشعريون بأهون على الله من الدواب؛ وقد ذكرناه في سورة [هود]. وقال لقمان { يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة} [لقمان : 16] الآية. وقد مضى في [لقمان] وقد استوفينا هذا الباب في كتاب (قمع الحرص بالزهد والقناعة) والحمد لله. وهذا هو التوكل الحقيقي الذي لا يشوبه شيء، وهو فراغ القلب مع الرب؛ رزقنا الله إياه ولا أحالنا على أحد سواه بمنه وكرمه. قوله تعالى { مثل ما أنكم تنطقون} قراءة العامة { مثل} بالنصب أي كمثل { ما أنكم} فهو منصوب على تقدير حذف الكاف أي كمثل نطقكم و { ما} زائدة؛ قاله بعض الكوفيين. وقال الزجاج والفراء : يجوز أن ينتصب على التوكيد؛ أي لحق حقا مثل نطقك؛ فكأنه نعت لمصدر محذوف وقول سيبوبه : انه مبني بني حين أضيف إلى غير متمكن و { ما} زائدة للتوكيد. المازني { مثل} مع { ما} بمنزلة شيء واحد فبني على الفتح لذلك. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ قال : ولأن من العرب من يجعل مثلا منصوبا أبدا؛ فتقول : قال لي رجل مثلك، ومررت برجل مثلك بنصب مثل على معنى كمثل. وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي والأعمش { مثل} بالرفع على أنه صفة لحق؛ لأنه نكرة وإن أضيف إلى معرفة، إذ لا يختصى بالإضافة لكثرة الأشياء التي يقع بعدها التماثل بين المتماثلين. و { مثل} مضاف إلى { أنكم} و { ما} زائدة ولا تكون مع ما بعدها بمنزلة. المصدر إذ لا فعل معه تكون معه مصدرا. ومجوز أن تكون بدلا من { لحق} .

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الذاريات الايات 20 - 30

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

حكى الأصمعي أنه قابل يوماً أعرابياً، فسأله الأعرابي: من أين؟ فقال: من أصمع، قال: من أين أتيتَ؟ قال: من المسجد، قال: ماذا تصعنون فيه؟ قال: نقرأ قرآن الله، قال: فاقرأ عليَّ.

فقرأتُ عليه سورة الذاريات حتى وصلتُ إلى قوله تعالى:
{  وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ }
[الذاريات: 22] فأتى بأدوات الصيعد التي كانت معه فكسرها، وقال: ما دام رزقي في السماء والله لا يكذب.

قال الأصمعي: فخرجتُ مع هارون الرشيد للحد، فلقيتُ هذا الأعرابي لكنه كان هذه المرة نحيفاً مُصفرَّ اللون فقلتُ له: ألستَ فلاناً؟ قال: ألستَ الأصمعي؟ قلت: نعم ما الذي صيَّرك إلى هذا؟

فقال: اقرأ عليَّ ما قرأته سابقاً فقرأتُ عليه إلى قوله تعالى { فَوَرَبِّ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ } [الذاريات: 23] فعتعجب وقال: ومَنْ أغضب الجليل حتى ألجأه أنْ يقسم. وظلَّ يرددها، فما انتهى من الثالثة حتى فاضتْ روحه معها.

وحكيت مرة أنني كنتُ أحج أنا والشيخ أحمد أبو شقرة، فعَنَّ لنا أنْ نصعد إلى غار حراء، فقال لي: نريد دليلاً يرشدنا فقلت له: نحن نعرف الطريق وسِرْنا، لكن وجدنا أنهم كسروا الطريق المؤدية إلى الغار فضللنا.

ثم تنحَّى صاحبي عني جانباً ليبول، وفجأة قال لي: انظر يا شيخ. فنظرتُ. فإذا بشحرة أتتْ وأخذت تشرب من بوله، فقلت: سبحان الله وكأننا ضللنا الطريق لنسقي هذه الحشرة، ثم مرَّ بنا رجل عرف أننا ظللنا الطريق فأرشدنا.

الحق سبحانه وتعالى هنا يقسم بذاته سبحانه، وربوبيته للسماء والأرض، لأن السماء ينزل منها المطر، والأرض تستقبل هذا المطر، وتنبت به النبات الذي به قوام المعيشة والحياة.

وقوله: { إِنَّهُ لَحَقٌّ... } [الذاريات: 23] أي قوله تعالى:
{  وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ }
[الذاريات: 22] هذا قول حقٌّ لا شك فيه، لأنه تقدير أزلي سُجِّل في اللوح المحفوظ.

ثم يعطينا مثالاً يُجسِّم لنا هذه المسألة، فيقول { مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ } [الذاريات: 23] فكما تدرك أنك تتكلم، وكما أنك متأكد من هذه الحقيقة ولا تشك فيها لأنك تباشرها بنفسك، فكذلك لا تشكّ في مسألة الرزق، وأنه من عند الله وثِقْ بهذا الخبر، لأن الذي أخبرك به صادق.


www.alro7.net