سورة
اية:

فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عن المؤمنين، أنهم تمنوا شرعية الجهاد، فلما فرضه اللّه عزَّ وجلَّ وأمر به، نكل عنه كثير من الناس كقوله تبارك وتعالى: { فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية اللّه أو أشد خشية وقالوا ربنا لما كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب} ؟ قال عزَّ وجلَّ ههنا: { ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة} أي مشتملة على القتال { فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت} أي من فزعهم ورعبهم وجبنهم من لقاء الأعداء، ثم قال مشجعاً لهم: { فأولى لهم طاعة وقول معروف} أي وكان لهم الأولى بهم أن يسمعوا ويطيعوا، أي في الحالة الراهنة { فإذا عزم الأمر} أي جد الحال، وحضر القتال { فلو صدقوا اللّه} أي أخلصوا له النية { لكان خيراً لهم} ، وقوله سبحانه وتعالى: { فهل عسيتم إن توليتم} أي عن الجهاد ونكلتم عنه { أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم} ؟ أي تعودوا إلى ما كنتم فيه من الجاهلية الجهلاء، تسفكون الدماء وتقطعون الأرحام، ولهذا قال تعالى: { أولئك الذين لعنهم اللّه فأصمهم وأعمى أبصارهم} وهذا نهي عن الإفساد في الأرض عموماً، وعن قطع الأرحام خصوصاً، بل أمر اللّه تعالى بالإصلاح في الأرض وصلة الأرحام، وقد وردت الأحاديث بذلك عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، روى البخاري عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (خلق اللّه تعالى الخلق، فلما فرغ منه قامت الرحم، فأخذت بحقوي الرحمن عزَّ وجلَّ، فقال: مه، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، فقال تعالى: ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى. قال: فذاك لك) قال أبو هريرة رضي اللّه عنه: اقرأوا إن شئتم { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم} . وروى الإمام أحمد عن أبي بكرة رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (ما من ذنب أحرى أن يعجل اللّه تعالى عقوبته في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم) ""أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة"". وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاء رجل إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: يا رسول اللّه إن لي ذوي أرحام: أصل ويقطعون، وأعفو ويظلمون، وأحسن ويسيئون، أفأكافئهم؟ قال صلى اللّه عليه وسلم: (لا، إذن تتركون جميعاً، ولكن جُدْ بالفضل وصلهم، فإنه لن يزال معك ظهير من اللّه عزَّ وجلَّ ما كنت على ذلك) ""أخرجه الإمام أحمد"". وقال الإمام أحمد عن عبد اللّه بن عمرو رضي اللّه عنهما قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (إن الرحم معلقة بالعرش، وليس الواصل بالمكافيء، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها) ""أخرجه البخاري والإمام أحمد""، وفي الحديث القدسي: (قال اللّه عزَّ وجلَّ أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي، فمن يصلها أصله، ومن يقطعها أقطعه فأبُّته) ""أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي""، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف) وفي الحديث قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (إذا ظهر القول وخزن العمل وائتلفت الألسنة وتباغضت القلوب، وقطع كل ذي رحم رحمه، فعند ذلك لعنهم اللّه وأصمهم وأعمى أبصارهم) ""أخرجه الإمام أحمد""، والأحاديث في هذا كثيرة، واللّه أعلم.

تفسير الجلالين

{ فهل عسَِيتم } بكسر السين وفتحها وفيه التفات عن الغيبة إلى الخطاب، أي لعلكم { إن توليتم } أعرضتم عن الإيمان { أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم } أي تعودوا إلى أمر الجاهلية من البغي والقتال .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامكُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفَ أَنَّهُمْ إِذَا نَزَلَتْ سُورَة مُحْكَمَة , وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَال نَظَرُوا إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَظَر الْمَغْشِيّ عَلَيْهِ { فَهَلْ عَسَيْتُمْ } أَيّهَا الْقَوْم , يَقُول : فَلَعَلَّكُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ عَنْ تَنْزِيل اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ , وَفَارَقْتُمْ أَحْكَام كِتَابه , وَأَدْبَرْتُمْ عَنْ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَمَّا جَاءَكُمْ بِهِ { أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض } يَقُول : أَنْ تَعْصُوا اللَّه فِي الْأَرْض , فَتَكْفُرُوا بِهِ , وَتَسْفِكُوا فِيهَا الدِّمَاء { وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامكُمْ } وَتَعُودُوا لِمَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ فِي جَاهِلِيَّتكُمْ مِنْ التَّشَتُّت وَالتَّفَرُّق بَعْد مَا قَدْ جَمَعَكُمْ اللَّه بِالْإِسْلَامِ , وَأَلَّفَ بِهِ بَيْن قُلُوبكُمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24302 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ } . .. الْآيَة . يَقُول : فَهَلْ عَسَيْتُمْ كَيْف رَأَيْتُمْ الْقَوْم حِين تَوَلَّوْا عَنْ كِتَاب اللَّه , أَلَمْ يَسْفِكُوا الدَّم الْحَرَام , وَقَطَّعُوا الْأَرْحَام , وَعَصَوْا الرَّحْمَن . 24303 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامكُمْ } قَالَ : فَعَلُوا . 24304 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحِيم الْبَرْقِيّ , قَالَ : ثَنَا اِبْن أَبِي مَرْيَم , قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر وَسُلَيْمَان بْن بِلَال , قَالَا : ثَنَا مُعَاوِيَة ابْن أَبِي الْمُزَرِّد الْمَدِينِيّ , عَنْ سَعِيد بْن يَسَار , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " خَلَقَ اللَّه الْخَلْق , فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُمْ تَعَلَّقَتْ الرَّحِم بِحَقْوِ الرَّحْمَن " فَقَالَ مَهْ : فَقَالَتْ : هَذَا مَقَام الْعَائِذ بِك مِنْ الْقَطِيعَة , قَالَ : أَفَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَقْطَع مَنْ قَطَعَك , وَأَصِل مَنْ وَصَلَك ؟ قَالَتْ : نَعَمْ , قَالَ : فَذَلِكَ لَك . قَالَ سُلَيْمَان فِي حَدِيثه : قَالَ أَبُو هُرَيْرَة : اِقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامكُمْ } وَقَدْ تَأَوَّلَهُ بَعْضهمْ : فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أُمُور النَّاس أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض بِمَعْنَى الْوِلَايَة , وَأَجْمَعَتْ الْقُرَّاء غَيْر نَافِع عَلَى فَتْح السِّين مِنْ { عَسَيْتُمْ } , وَكَانَ نَافِع يَكْسِرهَا " عَسِيتُمْ " . وَالصَّوَاب عِنْدنَا قِرَاءَة ذَلِكَ بِفَتْحِ السِّين لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنْ الْقُرَّاء عَلَيْهَا , وَأَنَّهُ لَمْ يُسْمَع فِي الْكَلَام : عَسِيَ أَخُوك يَقُوم , بِكَسْرِ السِّين وَفَتْح الْيَاء ; وَلَوْ كَانَ صَوَابًا كَسَرَهَا إِذَا اِتَّصَلَ بِهَا مُكَنًّى , جَاءَتْ بِالْكَسْرِ مَعَ غَيْر الْمُكَنَّى , وَفِي إِجْمَاعهمْ عَلَى فَتْحهَا مَعَ الِاسْم الظَّاهِر , الدَّلِيل الْوَاضِح عَلَى أَنَّهَا كَذَلِكَ مَعَ الْمُكَنَّى , وَإِنَّ الَّتِي تَلِي عَسَيْتُمْ مَكْسُورَة , وَهِيَ حَرْف حَزَّاء , و " أَنَّ " الَّتِي مَعَ تُفْسِدُوا فِي مَوْضِع نَصْب بِعَسَيْتُمْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامكُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفَ أَنَّهُمْ إِذَا نَزَلَتْ سُورَة مُحْكَمَة , وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَال نَظَرُوا إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَظَر الْمَغْشِيّ عَلَيْهِ { فَهَلْ عَسَيْتُمْ } أَيّهَا الْقَوْم , يَقُول : فَلَعَلَّكُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ عَنْ تَنْزِيل اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ , وَفَارَقْتُمْ أَحْكَام كِتَابه , وَأَدْبَرْتُمْ عَنْ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَمَّا جَاءَكُمْ بِهِ { أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض } يَقُول : أَنْ تَعْصُوا اللَّه فِي الْأَرْض , فَتَكْفُرُوا بِهِ , وَتَسْفِكُوا فِيهَا الدِّمَاء { وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامكُمْ } وَتَعُودُوا لِمَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ فِي جَاهِلِيَّتكُمْ مِنْ التَّشَتُّت وَالتَّفَرُّق بَعْد مَا قَدْ جَمَعَكُمْ اللَّه بِالْإِسْلَامِ , وَأَلَّفَ بِهِ بَيْن قُلُوبكُمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24302 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ } . .. الْآيَة . يَقُول : فَهَلْ عَسَيْتُمْ كَيْف رَأَيْتُمْ الْقَوْم حِين تَوَلَّوْا عَنْ كِتَاب اللَّه , أَلَمْ يَسْفِكُوا الدَّم الْحَرَام , وَقَطَّعُوا الْأَرْحَام , وَعَصَوْا الرَّحْمَن . 24303 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامكُمْ } قَالَ : فَعَلُوا . 24304 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحِيم الْبَرْقِيّ , قَالَ : ثَنَا اِبْن أَبِي مَرْيَم , قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر وَسُلَيْمَان بْن بِلَال , قَالَا : ثَنَا مُعَاوِيَة ابْن أَبِي الْمُزَرِّد الْمَدِينِيّ , عَنْ سَعِيد بْن يَسَار , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " خَلَقَ اللَّه الْخَلْق , فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُمْ تَعَلَّقَتْ الرَّحِم بِحَقْوِ الرَّحْمَن " فَقَالَ مَهْ : فَقَالَتْ : هَذَا مَقَام الْعَائِذ بِك مِنْ الْقَطِيعَة , قَالَ : أَفَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَقْطَع مَنْ قَطَعَك , وَأَصِل مَنْ وَصَلَك ؟ قَالَتْ : نَعَمْ , قَالَ : فَذَلِكَ لَك . قَالَ سُلَيْمَان فِي حَدِيثه : قَالَ أَبُو هُرَيْرَة : اِقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامكُمْ } وَقَدْ تَأَوَّلَهُ بَعْضهمْ : فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أُمُور النَّاس أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض بِمَعْنَى الْوِلَايَة , وَأَجْمَعَتْ الْقُرَّاء غَيْر نَافِع عَلَى فَتْح السِّين مِنْ { عَسَيْتُمْ } , وَكَانَ نَافِع يَكْسِرهَا " عَسِيتُمْ " . وَالصَّوَاب عِنْدنَا قِرَاءَة ذَلِكَ بِفَتْحِ السِّين لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنْ الْقُرَّاء عَلَيْهَا , وَأَنَّهُ لَمْ يُسْمَع فِي الْكَلَام : عَسِيَ أَخُوك يَقُوم , بِكَسْرِ السِّين وَفَتْح الْيَاء ; وَلَوْ كَانَ صَوَابًا كَسَرَهَا إِذَا اِتَّصَلَ بِهَا مُكَنًّى , جَاءَتْ بِالْكَسْرِ مَعَ غَيْر الْمُكَنَّى , وَفِي إِجْمَاعهمْ عَلَى فَتْحهَا مَعَ الِاسْم الظَّاهِر , الدَّلِيل الْوَاضِح عَلَى أَنَّهَا كَذَلِكَ مَعَ الْمُكَنَّى , وَإِنَّ الَّتِي تَلِي عَسَيْتُمْ مَكْسُورَة , وَهِيَ حَرْف حَزَّاء , و " أَنَّ " الَّتِي مَعَ تُفْسِدُوا فِي مَوْضِع نَصْب بِعَسَيْتُمْ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض} اختلف في معنى { إن توليتم} فقيل : هو من الولاية. قال أبو العالية : المعنى فهل عسيتم إن توليتم الحكم فجُعِلتم حكاما أن تفسدوا في الأرض بأخذ الرشا. وقال الكلبي : أي فهل عسيتم إن توليتم أمر الأمة أن تفسدوا في الأرض بالظلم. وقال ابن جريج : المعنى فهل عسيتم إن توليتم عن الطاعة أن تفسدوا في الأرض بالمعاصي وقطع الأرحام. وقال كعب : المعنى فهل عسيتم إن توليتم الأمر أن يقتل بعضكم بعضا. وقيل : من الإعراض عن الشيء. قال قتادة : أي فهل عسيتم إن توليتم عن كتاب الله أن تفسدوا في الأرض بسفك الدماء الحرام، وتقطعوا أرحامكم. وقيل { فهل عسيتم} أي فلعلكم إن أعرضتم عن القرآن وفارقتم أحكامه أن تفسدوا في الأرض فتعودوا إلى جاهليتكم. وقرئ بفتح السين وكسرها. وقد مضى في [البقرة] القول فيه مستوفى. وقال بكر المزني : إنها نزلت في الحرورية والخوارج، وفيه بعد. والأظهر أنه إنما عني بها المنافقون. وقال ابن حيان : قريش. ونحوه قال المسيب بن شريك والفراء، قالا : نزلت في بني أمية وبني هاشم، ودليل هذا التأويل ما روى عبدالله بن مغفل قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض - ثم قال - هم هذا الحي من قريش أخذ الله عليهم إن ولوا الناس ألا يفسدوا في الأرض ولا يقطعوا أرحامهم). وقرأ علي بن أبي طالب { إن توليتم أن تفسدوا في الأرض} بضم التاء والواو وكسر اللام. وهي قراءة ابن أبي إسحاق، ورواها رويس عن يعقوب. يقول : إن وليتكم ولاة جائرة خرجتم معهم في الفتنة وحاربتموهم. قوله تعالى { وتقطعوا أرحامكم} بالبغي والظلم والقتل. وقرأ يعقوب وسلام وعيسى وأبو حاتم { وتقطعوا} بفتح التاء وتخفيف القاف، من القطع، اعتبارا بقوله تعالى { ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل} [البقرة : 27]. وروى هذه القراءة هارون عن أبى عمرو. وقرأ الحسن { وتقطعوا} مفتوحة الحروف مشددة، أعتبارا بقوله تعالى { وتقطعوا أمرهم بينهم} [الأنبياء : 93]. الباقون { وتقطعوا } بضم التاء مشددة الطاء، من التقطيع على التكثير، وهو اختيار أبي عبيد. وتقدم ذكر { عسيتم} [البقرة: 246] في البقرة. وقال الزجاج في قراءة نافع : لو جاز هذا لجاز { عيسى} بالكسر. قال الجوهري : ويقال عسيت أن أفعل ذلك، وعسيت بالكسر. وقرئ { فهل عسيتم} بالكسر. قلت : ويدل قوله هذا على أنهما لغتان. وقد مضى القول فيه في [البقرة] مستوفى. قوله تعالى { أولئك الذين لعنهم الله} أي طردهم وأبعدهم من رحمته. { فأصمهم} عن الحق. { وأعمى أبصارهم} أي قلوبهم عن الخير. فأتبع الأخبار بأن من فعل ذلك حقت عليه لعنته، وسلبه الانتفاع بسمعه وبصره حتى لا ينقاد للحق وإن سمعه، فجعله كالبهيمة التي لا تعقل. وقال { فهل عسيتم} ثم قال { أولئك الذين لعنهم الله} فرجع من الخطاب إلى الغيبة على عادة العرب في ذلك. { أفلا يتدبرون القرآن} أي يتفهمونه فيعلمون ما أعد الله للذين لم يتولوا عن الإسلام. { أم على قلوب أقفالها} أي بل على قلوب أقفال أقفلها الله عز وجل عليهم فهم لا يعقلون. وهذا يرد على القدرية والإمامية مذهبهم. وفي حديث مرفوع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إن عليها أقفالا كأقفال الحديد حتى يكون الله يفتحها). وأصل القفل اليبس والصلابة. ويقال لما يبس من الشجر : القفل. والقفيل مثله. والقفيل أيضا نبت. والقفيل : الصوت. قال الراجز : لما أتاك يابسا قرشبا ** قمت إليه بالقفيل ضربا كيف قريت شيخك الأزبا القِرْشَبُّ بكسر القاف المسن، عن الأصمعي. وأقفله الصوم أي أيبسه، قاله القشيري والجوهري. فالأقفال ها هنا إشارة إلى ارتجاج القلب وخلوه عن الإيمان. أي لا يدخل قلوبهم الإيمان ولا يخرج منها الكفر، لأن الله تعالى طبع على قلوبهم وقال { على قلوب} لأنه لو قال على قلوبهم لم يدخل قلب غيرهم في هذه الجملة. والمراد أم على قلوب هؤلاء وقلوب من كانوا بهذه الصفة أقفالها. في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت هذا مقام العائذ من القطيعة قال نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك قالت بلى قال فذاك لك - ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - اقرؤوا إن شئتم { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم. أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم. أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} ). وظاهر الآية أنها خطاب لجميع الكفار. وقال قتادة وغيره : معنى الآية فلعلكم، أو يخاف عليكم، إن أعرضتم عن الإيمان أن تعودوا إلى الفساد في الأرض لسفك الدماء. قال قتادة : كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله تعالى ألم يسفكوا الدماء الحرام ويقطعوا الأرحام وعصوا الرحمن. فالرحم على هذا رحم دين الإسلام والإيمان، التي قد سماها الله إخوة بقوله تعالى { إنما المؤمنون إخوة} [الحجرات : 10]. وعلى قول الفراء أن الآية نزلت في بني هاشم وبني أمية، والمراد من أضمر منهم نفاقا، فأشار بقطع الرحم إلى ما كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم من القرابة بتكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم. وذلك يوجب القتال. وبالجملة فالرحم على وجهين : عامة وخاصة، فالعامة رحم الدين، ويوجب مواصلتها بملازمة الإيمان والمحبة لأهله ونصرتهم، والنصيحة وترك مضارتهم والعدل بينهم، والنصفة في معاملتهم والقيام بحقوقهم الواجبة، كتمريض المرضى وحقوق الموتى من غسلهم والصلاة عليهم ودفنهم، وغير ذلك من الحقوق المترتبة لهم. وأما الرحم الخاصة وهي رحم القرابة من طرفي الرجل أبيه وأمه، فتجب لهم الحقوق الخاصة وزيادة، كالنفقة وتفقد أحوالهم، وترك التغافل عن تعاهدهم في أوقات ضروراتهم، وتتأكد في حقهم حقوق الرحم العامة، حتى إذا تزاحمت الحقوق بدئ بالأقرب فالأقرب. وقال بعض أهل العلم : إن الرحم التي تجب صلتها هي كل رحم محرم وعليه فلا تجب في بني الأعمام وبني الأخوال. وقيل : بل هذا في كل رحم ممن ينطلق عليه ذلك من ذوي الأرحام في المواريث، محرما كان أو غير محرم. فيخرج من هذا أن رحم الأم التي لا يتوارث بها لا تجب صلتهم ولا يحرم قطعهم. وهذا ليس بصحيح، والصواب أن كل ما يشمله ويعمه الرحم تجب صلته على كل حال، قربة ودينية، على ما ذكرناه أولا والله أعلم. قد روى أبو داود الطيالسي في مسنده قال : حدثنا شعبة قال أخبرني محمد بن عبدالجبار قال سمعت محمد بن كعب القرظي يحدث عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (إن للرحم لسانا يوم القيامة تحت العرش يقول يا رب قطعت يا رب ظلمت يا رب أسيء إلي فيجيبها ربها ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك). في صحيح مسلم عن جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (لا يدخل الجنة قاطع). قال ابن أبي عمر قال سفيان : يعني قاطع رحم. رواه البخاري قوله عليه السلام : (إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم ...) خلق بمعنى اخترع وأصله التقدير، كما تقدم. والخلق هنا بمعنى المخلوق. ومنه قوله تعالى { هذا خلق الله} [لقمان : 11] أي مخلوقه. ومعنى فرغ منهم كمل خلقهم. لا أنه اشتغل بهم ثم فرغ من شغله بهم، إذ ليس فعله بمباشرة ولا مناولة، ولا خلقه بآلة ولا محاولة، تعالى عن ذلك. وقوله : [قامت الرحم فقالت] يحمل على أحد وجهين : أحدهما : أن يكون الله تعالى أقام من يتكلم عن الرحم من الملائكة فيقول ذلك، وكأنه وكل بهذه العبادة من يناضل عنها ويكتب ثواب من وصلها ووزر من قطعها، كما وكل الله بسائر الأعمال كراما كاتبين، وبمشاهدة أوقات الصلوات ملائكة متعاقبين. وثانيهما : أن ذلك على جهة التقدير والتمثيل المفهم للإعياء وشدة الاعتناء. فكأنه قال : لو كانت الرحم ممن يعقل ويتكلم لقالت هذا الكلام، كما قال تعالى { لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله } ثم قال { وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون} [الحشر: 21]. وقوله : (فقالت هذا مقام العائذ بك من القطيعة) مقصود هذا الكلام الإخبار بتأكد أمر صلة الرحم، وأن الله سبحانه قد نزلها بمنزلة من استجار به فأجاره، وأدخله في ذمته وخفارته. وإذا كان كذلك فجار الله غير مخذول وعهده غير منقوض. ولذلك قال مخاطبا للرحم : (أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك). وهذا كما قال عليه السلام : (ومن صلى الصبح فهو في ذمة الله تعالى فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء فإنه من يطلبه بذمته بشيء يدركه ثم يكبه في النار على وجهه).

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة محمد الايات 16 - 22


سورة محمد الايات 22 - 31

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

هذا استفهام من الله بهل، ورجاء من الله بعسى، والله لا يستفهم ليعلم إنما يستفهم ليقرر حقيقة واقعة.

كلمة (عسى) فعل يدل على الرجاء وبعدما الشيء المرجو، والرجاء يكون لأمر محبوب متوقع الحدوث وممكن الحدوث، على خلاف التمني فهو لشيء محبوب، لكن مستحيل أنْ يتحقق كقول الشاعر:
ألاَ لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ يَوْماً   فَأُخبرهُ بمَا فعَلَ المشِيبُ
أما الرجاء فتقول: عسى إنْ ذاكرتَ أنْ تنجح، لكن يختلف الرجاء باختلاف القائل والمقول له، فعندما أقول لك: اذهب إلى فلان عسى أن يقضي حاجتك، أو عساني أفعل لك شيئاً فالرجاء هنا في بشر، فإذا كان الرجاء في الله كان أقوى كأنْ تقول: عسى الله أن يغفر لي.

فقوله تعالى: { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ } [محمد: 22] لعلكم يحدث منكم هذا ويتوقع منكم، إذن: ظلوا على ما أنتم عليه من الإيمان والطاعة ولا تدخلوا من باب الذنوب والمعاصي.

{ إِن تَوَلَّيْتُمْ... } [محمد: 22] أي: أعرضتم عن الإيمان، أو توليتم بعض المناصب كالرئاسة مثلاً تأتي لك بالمصيبة إليك.

{ أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ... } [محمد: 22] يعني: مع الخَلْق جميعاً { وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ... } [محمد: 22] رقَّى المسألة إلى الأقارب والأرحام يعني: يتعدى فسادكم الناس جميعاً إلى الأقارب والأرحام.

أو نقول: { فَهَلْ عَسَيْتُمْ... } [محمد: 22] ما الذي صرفكم عن الحق الذي جاء به محمد، ولماذا تضعون في طريقه العقبات؟، وأولها أ نْ تسخروا منه، وأنْ تصفوه بما ليس فيه من قولكم: ساحر، وكاهن، وشاعر، وكذاب.

ثم آذيتموه في نفسه بالسب وفي بدنه وفي أهله وفي أصحابه، بل بيَّتم له لتقتلوه، ما الذي جعلكم تفعلون ذلك؟ هل ظننتم ورجوتم أنكم إذا فعلتُم ذلك تصبحون على حَلِّ شعوركم للإفساد في الأرض وقطع الأرحام.

والحق سبحانه يريد أنْ يُعلمنا أن الرسل لا تتدخل ولا تأتي السماء بمنهج جديد إلا إذا عَمَّ الفسادُ المجتمع كله، لأن الفساد له مراحل: أولها: فساد النفس وهذا له رادع من النفس اللوّامة، وهي مناعة في النفس الإنسانية تعود بها إلى الجادة وتُقوِّم سلوكياتها.

فإذا فسدتْ النفس وتلاشى دور النفس اللوامة جاء دور الرَّدْع من المجتمع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا لم يكُنْ رادع من المجتمع وعَمَّ الفساد الجميع هنا تتدخل السماء برسول جديد يأتى بمعجزة ليقنع الناس ليؤمنوا بما جاءهم به.

فأنتم حين توليتم عن الدعوة وأعرضتم عنها ووضعتم في طريقها العراقيل تنتظرون أنْ تظلوا على الفساد الذي نشأتم عليه في الأرض عموماً أو في تقطيع الأرحام، لا فأنتم تجنون على أنفسكم، ألم تنظروا إلى مَنْ سبقكم من الآباء والأجداد أين ذهبوا، إن مصيركم كمصيرهم، فاحذروا
{  هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ }
[الزخرف: 66].

وقال:
{  وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُـمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ * أَن تَقُولَ نَفْسٌ يٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي لَكُـنتُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَـرَّةً فَأَكُونَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ }
[الزمر: 55-58] إذن: لماذا لا تعملون حساباً لهذا اليوم؟

والذين استشروا في الفساد ظنوا أنه ينفعهم، لكن الفساد في الكون يضر الجميع، فالذين ينهبون أموال الناس سيأتي مَنْ هو أقوى منهم وينهب أموالهم، فأنت إذن لست بمنجى عن أنْ يطولك الفساد وتكتوي بناره، لأن المجتمع مركب واحد يضم الجميع.

ثم إن القيم ثابتة لا اختلاف عليها، فالخير خير حتى عند أهل الشر، والدليل على ذلك لو أن هناك صحبة من الأشرار، وأراد واحد منهم أنْ يتزوج أخت الآخر، فقال له: لا لا أزوجك أختي (أنا ملقتش غيرك أنت يا حرامي) إذن: القيم هي القيم. فالكذاب يحترم الصادق، والمنحرف يحترم المستقيم، وهكذا.

إذن: الحق سبحانه يقول لهم لا تفسدوا في الأرض، وأحرصوا على إنهاء الإفساد في مجتمعكم، فإنْ كانت لكم الآن قوة تفرضون بها الفساد على الناس فسوف يأتي مَنْ هو أقوى منكم، ويفرض عليكم مثله وأكثر.

وكلمة { تَوَلَّيْتُمْ... } [محمد: 22] أي: أعرضتم تدل على أنهم سمعوا كلاماً لا يعجبهم، فلو أعجبهم لَسمعوا وما أعرضوا عنه، لكن كيف وهم يريدون الفساد الذي يحقق لهم شهواتهم، فالفساد سبقه تولٍّ وإعراض.

لذلك يقول تعالى:
{  أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ }
[العلق: 13] كذب لأن الكلام لا يوافق هواه، لا أنه لا يوافق الوقع، إذن: أنت مخطئ في هذه المسألة ومخطئ في تكذيبك.

ثم نشأ عن هذا الخطأ خطأ آخر بأنْ توليت وظننتَ وتوقعت أنْ تظل على حالك في الإفساد في الأرض وتقطيع الأرحام.

والإفساد في الأرض أنْ تجعل الصالح فيها غير صالح، لأن الخالق سبحانه خلق الكون على هيئة الصلاح المطلق قبل أنْ يخلق الإنسان، إذن: عليك أنْ تزيد في صلاح الكون بما لديك من طموح للأفضل وللأرقى، أو أنْ تيسِّر الصلاح للناس، وإ ذا لم تزد في صلاح الكون فلا أقلَّ من أنْ تتركه على صلاحه لا تفسده.

لذلك رأينا أن عورات المجتمع ظهرت بظهور الفساد في الأرض والملوِّثات في البيئة التي أفسدتْ الماء والهواء والطعام وكل شيء
{  ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ... }
[الروم: 41].

والحق سبحانه وتعالى حينما يحذرنا من الإفساد في الأرض إنما يريد منا أنْ يستطرق الخير في المجتمع كله ويعمّ الجميع.

وقال بعدها: { وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ } [محمد: 22] لأن الإفساد في الأرض يكون عاماً لكل الناس أقارب وغير أقارب، فخصّ الأقارب لأنهم الأَوْلى بالمعروف والإحسان لا بالقطيعة والهجر، والأقارب إما ذكور وإما إناث، الذكور لهم قوة تحمل، أما النساء ففيهم ضعف وحاجة.لذلك كانت قيطعتهم أشدّ وأعظم عند الله.

لذلك يصل المجتمع إلى قمة الفساد حين يصل الفساد إلى هذه المرحلة، مرحلة إهانة المرأة أو قطيعتها وهي من رحمك.

وإذا رأيتَ المرأة في مجتمع مهيضة الجناح، أو وقع عليها ظلم أو تُركتْ لكسب العيش والسعي على المعيشة، فاعلم أن هناك خللاً في الأسرة، وأن الرجل فيها لا يقوم بدوره، أو قُلْ ليس عنده شهامة ولا نخوة، فترك زوجته للشقاء ولم يكْفها مؤنة لقمة العيش، لكن متى تخرج المرأة للعمل؟ وكيف تخرج؟

نجد الجواب في قصة سيدنا موسى مع ابنتيْ سيدنا شعيب عليهما السلام، اقرأ:
{  وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَينِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ }
[القصص: 23].

إذن: علة الخروج أن أباهما سيدنا شعيب شيخ كبير لا يقدر على القيام بهذه المهمة، ثم لما اضطرتهما الظروف للخروج لم يتخليا عن الوقار والحشمة ولم يختلطا بالرجال
{  لاَ نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ... }
[القصص: 23] يعني: حين ينصرف الرجال.

ثم يأتي دور المهمة الإيمانية في المجتمع
{  فَسَقَىٰ لَهُمَا... }
[القصص: 24] لابد أن يوجد هذا النموذج الشهم في المجتمع، وأن يكون للرجولة دور، ذكرت لكم زمان لما سافرتُ للسعودية سنة خمسين، وفي يوم ركبتُ السيارة للذهاب إلى الكلية، وفجأة نزل السائق وأخذ طاولة عليها عجين من أمام أحد البيوت، فسألته: لماذا أخذته والباب مغلق؟ فقال: هذا العجين يعني أن صاحب البيت غير موجود، وعلى مَنْ يراه أنْ يأخذه ويخبزه ويعيده إلى مكانه.

وقوله تعالى: { أَوْلَـٰئِكَ... } [محمد: 23] أي: الذين ارتضوا التولِّي والإعراض عن دعوة الحق وتكذيب الداعي؛ ليفسدوا في الأرض ويقطعوا الأرحام.

{ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ... } [محمد: 23] يعني: طردهم من رحمته وأبعدهم عن رضوانه، والذين يلعنهم الله تلعنهم كذلك الملائكة، ويلعنهم اللاعنون في كل زمان ومكان، ويلعنهم كل مَنْ شقي بفسادهم.

{ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ } [محمد: 23] هذه نتيجة طبيعية لمنْ لعنه الله أنْ يصم آذانهم عن سماع الحق ويُعمي أبصارهم عن رؤية الآيات فلا يتدبرونها.

إذن: هم يسمعون ويبصرون، لكن لا يسمعون إلا الشر، ولا يرون إلا الباطل، فقد حجبهم الله عن كل خير، وفتح عليهم باب كل شرٍّ جزاء وفاقاً، لأنهم أغلقوا قلوبهم عن الحق وأحبوا الباطل فأعانهم الله عليه ويسَّر سُبله له.


www.alro7.net