سورة
اية:

وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَٰكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: { ويوم يحشر أعداء اللّه إلى النار فهم يوزعون} أي اذكر لهؤلاء المشركين يوم يحشرون إلى النار { يوزعون} أي تجمع الزبانية أولهم على آخرهم، كما قال تعالى: { ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً} أي عطاشاً وقوله عزَّ وجلَّ: { حتى إذا ما جاءوها} أي وقفوا عليها { شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون} أي بأعمالهم مما قدموه وأخروه لا يكتم منه حرف، { وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا} أي لاموا أعضاءهم وجلودهم حين شهدوا عليهم فعند ذلك أجابتهم الأعضاء { قالوا أنطقنا اللّه الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة} ، أي فهو لا يخالف ولا يمانع وإليه ترجعون، عن أنّس بن مالك رضي اللّه عنه قال: ضحك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذات يوم وتبسم، فقال صلى اللّه عليه وسلم: (ألا تسألوني عن أي شيء ضحكت؟) قالوا: يا رسول اللّه من أي شيء ضحكت؟ قال صلى اللّه عليه وسلم: (عجبت من مجادلة العبد ربه يوم القيامة، يقول: أي ربي أليس وعدتني ألا تظلمني، قال: بلى، فيقول: فإنني لا أقبل عليَّ شاهداً إلا من نفسي، فيقول اللّه تبارك وتعالى: أو ليس كفى بي شهيداً والملائكة الكرام الكاتبين - قال - فيردد هذا الكلام مراراً - فيختم على فيه، وتتكلم أركانه بما كان يعمل، فيقول: بعداً لكُنَّ وسحقاً، عنكن كنت أجادل) ""أخرجه الحافظ البزار، ورواه مسلم والنسائي بنحوه""، وقال أبو موسى: (يدعى الكافر والمنافق للحساب، فيعرض عليه ربه عزَّ وجلَّ عمله، فيجحد، ويقول: أي رب وعزتك لقد كتب علي هذا الملك ما لم أعمل، فيقول له الملك: أما عملت كذا في يوم كذا في مكان كذا؟ فيقول: لا وعزتك، أي رب ما عملته، قال: فإذا فعل ذلك ختم على فيه، قال الأشعري فإني لأحسب أول ما ينطق منه فخذه اليمنى) ""أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي موسى الأشعري""، وروى الحافظ أبو يعلى، عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (إذا كان يوم القيامة عرف الكافر بعمله فجحد وخاصم، فيقول: هؤلاء جيرانك يشهدون عليك، فيقول: كذبوا، فيقول: أهلك وعشيرتك، فيقول: كذبوا، فيقول: احلفوا، فيحلفون، ثم يصمتهم اللّه تعالى، وتشهد عليهم ألسنتهم ويدخلهم النار) ""أخرجه الحافظ أبو يعلى الموصلي"". وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما: إن يوم القيامة يأتي على الناس منه حين لا ينطقون ولا يعتذرون ولا يتكلمون، حتى يؤذن لهم، فيختصمون، فيجحد الجاحد بشركه باللّه تعالى، فيحلفون له كما يحلفون لكم فيبعث اللّه تعالى عليهم حين يجحدون شهداء من أنفسهم، جلودهم وأبصارهم وأيديهم وأرجلهم ويختم على أفواههم، ثم يفتح لهم الأفواه، فتخاصم الجوارح، فتقول: { أنطقنا اللّه الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون} فتقر الألسنة بعد الجحود ""رواه ابن أبي حاتم"". وقوله تعالى: { وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم} أي تقول لهم الأعضاء والجلود حين يلومونها على الشهادة عليهم: ما كنتم تكتمون منا الذي كنتم تفعلونه، بل كنتم تجاهرون اللّه بالكفر والمعاصي، ولا تبالون منه في زعمكم لأنكم كنتم لا تعتقدون أنه يعلم جميع أفعالكم، ولهذا قال تعالى: { ولكن ظننتم أن اللّه لا يعلم كثيراً مما تعملون وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم} أي هذا الظن الفاسد وهو اعتقادكم أن اللّه تعالى لا يعلم كثيراً مما تعملون، هو الذي أتلفكم وأرداكم عند ربكم { فأصبحتم من الخاسرين} أي في مواقف القيامة خسرتم أنفسكم وأهليكم، روى الإمام أحمد، عن عبد اللّه رضي اللّه عنه قال: كنت مستتراً بأستار الكعبة، فجاء ثلاثة نفر قرشي وختناه ثقفيان - أو ثقفي وختناه قرشيان - كثير شحم بطونهم، قليل فقه قلوبهم، فتكلموا بكلام لم أسمعه، فقال أحدهم: أترون أن اللّه يسمع كلامنا هذا؟ فقال الآخر: إنا إذا رفعنا أصواتنا سمعه وإذا لم نرفعه لم يسمعه، فقال الآخر: إن سمع منه شيئاً سمعه كله، قال: فذكرت ذلك للنبي صلى اللّه عليه وسلم فأنزل اللّه عزَّ وجلَّ: { وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم - إلى قوله - من الخاسرين} ""أخرجه أحمد ورواه مسلم والترمذي عن عبد اللّه بن مسعود بنحوه"". وروى الإمام أحمد، عن جابر رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (لا يموتن أحد منكم إلا وهو يحسن باللّه الظن، فإن قوماً قد أرداهم سوء ظنهم باللّه، فقال اللّه تعالى: { وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين} ) ""أخرجه الإمام أحمد في المسند""، وقوله تعالى: { فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين} أي سواء عليهم صبروا أم لم يصبروا، هم في النار لا محيد لهم عنها، ولا خروج لهم منها، وإن طلبوا أن يستعتبوا ويبدوا أعذاراً فما لهم أعذار، ولا تقال لهم عثرات، قال ابن جرير: ومعنى قوله تعالى: { وإن يستعتبوا} أي يسألوا الرجعة إلى الدنيا فلا جواب لهم، قال: وهذا كقوله تعالى إخباراً عنهم: { قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوماً ضالين . ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون . قال اخسئوا فيها ولا تكلمون} .

تفسير الجلالين

{ وما كنتم تستترون } عن ارتكابكم الفواحش من { أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم } لأنكم لم توقنوا بالبعث { ولكن ظننتم } عند استتاركم { أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون } .

تفسير الطبري

{ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ } فِي الدُّنْيَا { أَنْ يَشْهَد عَلَيْكُمْ } يَوْم الْقِيَامَة { سَمْعكُمْ وَلَا أَبْصَاركُمْ وَلَا جُلُودكُمْ } . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى قَوْله : { وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ } , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَخْفُونَ. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23533 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ { وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ } : أَيْ تَسْتَخْفُونَ مِنْهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : وَمَا كُنْتُمْ تَتَّقُونَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23534 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ } قَالَ : تَتَّقُونَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَمَا كُنْتُمْ تَظُنُّونَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23535 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ } يَقُول : وَمَا كُنْتُمْ تَظُنُّونَ { أَنْ يَشْهَد عَلَيْكُمْ سَمْعكُمْ وَلَا أَبْصَاركُمْ } حَتَّى بَلَغَ { كَثِيرًا مِمَّا } كُنْتُمْ { تَعْمَلُونَ } , وَاللَّه إِنَّ عَلَيْك يَا ابْن آدَم لَشُهُودًا غَيْر مُتَّهَمَة مِنْ بَدَنك , فَرَاقِبْهُمْ وَاتَّقِ اللَّه فِي سِرّ أَمْرك وَعَلَانِيَتك , فَإِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَة , الظُّلْمَةُ عِنْده ضَوْءٌ , وَالسِّرُّ عِنْده عَلَانِيَةٌ , فَمَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوت وَهُوَ بِاللَّهِ حَسَن الظَّنّ فَلْيَفْعَلْ , وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّهِ . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَخْفُونَ , فَتَتْرُكُوا رُكُوب مَحَارِم اللَّه فِي الدُّنْيَا حَذَرًا أَنْ يَشْهَد عَلَيْكُمْ سَمْعكُمْ وَأَبْصَاركُمُ الْيَوْم , وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ ; لِأَنَّ الْمَعْرُوف مِنْ مَعَانِي الِاسْتِتَار الِاسْتِخْفَاء. فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْفَ يَسْتَخْفِي الْإِنْسَان عَنْ نَفْسه مِمَّا يَأْتِي ؟ قِيلَ : قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ الْأَمَانِي , وَفِي تَرْكه إِتْيَانه إِخْفَاؤُهُ عَنْ نَفْسه . وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ مِنْ أَجْل نَفَر تَدَارَءُوا بَيْنهمْ فِي عِلْم اللَّه بِمَا يَقُولُونَهُ وَيَتَكَلَّمُونَ سِرًّا . ذِكْر الْخَبَر بِذَلِكَ . 23536 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن يَحْيَى الْقَطْعِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو دَاوُد , قَالَ : ثنا قَيْس , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , عَنْ أَبِي مَعْمَر الْأَزْدِيّ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود , قَالَ : كُنْت مُسْتَتِرًا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة , فَدَخَلَ ثَلَاثَة نَفَر , ثَقَفِيَّانِ وَقُرَشِيّ , أَوْ قُرَشِيَّانِ وَثَقَفِيّ , كَثِير شُحُوم بُطُونهمَا , قَلِيل فِقْه قُلُوبهمَا , فَتَكَلَّمُوا بِكَلَامٍ لَمْ أَفْهَمهُ , فَقَالَ أَحَدهمْ : أَتَرَوْنَ أَنَّ اللَّه يَسْمَع مَا نَقُول ؟ فَقَالَ الرَّجُلَانِ : إِذَا رَفَعْنَا أَصْوَاتنَا سَمِعَ , وَإِذَا لَمْ نَرْفَع لَمْ يَسْمَع , فَأَتَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَذَكَرْت لَهُ ذَلِكَ , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَد عَلَيْكُمْ سَمْعكُمْ وَلَا أَبْصَاركُمْ } . .. إِلَى آخِر الْآيَة . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن سَعِيد , قَالَ : ثنا سُفْيَان , قَالَ : ثني الْأَعْمَش , عَنْ عُمَارَة بْن عُمَيْر , عَنْ وَهْب بْن رَبِيعَة , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود , قَالَ : إِنِّي لَمُسْتَتِرٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة , إِذْ دَخَلَ ثَلَاثَة نَفَر , ثَقَفِيّ وَخَتَنَاهُ قُرَشِيَّانِ , قَلِيل فِقْه قُلُوبهمَا , كَثِير شُحُوم بُطُونهمَا , فَتَحَدَّثُوا بَيْنهمْ بِحَدِيثٍ , فَقَالَ أَحَدهمْ : أَتَرَى اللَّه يَسْمَع مَا قُلْنَا ؟ فَقَالَ الْآخَر : إِنَّهُ يَسْمَع إِذَا رَفَعْنَا , وَلَا يَسْمَع إِذَا خَفَضْنَا , وَقَالَ الْآخَر : إِذَا كَانَ يَسْمَع مِنْهُ شَيْئًا فَهُوَ يَسْمَعهُ كُلّه , قَالَ : فَأَتَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَد عَلَيْكُمْ سَمْعكُمْ وَلَا أَبْصَاركُمْ } . .. حَتَّى بَلَغَ { وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ } . * - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا يَحْيَى , قَالَ : ثنا سُفْيَان , قَالَ : ثني مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , عَنْ أَبِي مَعْمَر , عَنْ عَبْد اللَّه بِنَحْوِهِ. { وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ } فِي الدُّنْيَا { أَنْ يَشْهَد عَلَيْكُمْ } يَوْم الْقِيَامَة { سَمْعكُمْ وَلَا أَبْصَاركُمْ وَلَا جُلُودكُمْ } . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى قَوْله : { وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ } , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَخْفُونَ. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23533 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ { وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ } : أَيْ تَسْتَخْفُونَ مِنْهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : وَمَا كُنْتُمْ تَتَّقُونَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23534 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ } قَالَ : تَتَّقُونَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَمَا كُنْتُمْ تَظُنُّونَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23535 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ } يَقُول : وَمَا كُنْتُمْ تَظُنُّونَ { أَنْ يَشْهَد عَلَيْكُمْ سَمْعكُمْ وَلَا أَبْصَاركُمْ } حَتَّى بَلَغَ { كَثِيرًا مِمَّا } كُنْتُمْ { تَعْمَلُونَ } , وَاللَّه إِنَّ عَلَيْك يَا ابْن آدَم لَشُهُودًا غَيْر مُتَّهَمَة مِنْ بَدَنك , فَرَاقِبْهُمْ وَاتَّقِ اللَّه فِي سِرّ أَمْرك وَعَلَانِيَتك , فَإِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَة , الظُّلْمَةُ عِنْده ضَوْءٌ , وَالسِّرُّ عِنْده عَلَانِيَةٌ , فَمَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوت وَهُوَ بِاللَّهِ حَسَن الظَّنّ فَلْيَفْعَلْ , وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّهِ . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَخْفُونَ , فَتَتْرُكُوا رُكُوب مَحَارِم اللَّه فِي الدُّنْيَا حَذَرًا أَنْ يَشْهَد عَلَيْكُمْ سَمْعكُمْ وَأَبْصَاركُمُ الْيَوْم , وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ ; لِأَنَّ الْمَعْرُوف مِنْ مَعَانِي الِاسْتِتَار الِاسْتِخْفَاء. فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْفَ يَسْتَخْفِي الْإِنْسَان عَنْ نَفْسه مِمَّا يَأْتِي ؟ قِيلَ : قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ الْأَمَانِي , وَفِي تَرْكه إِتْيَانه إِخْفَاؤُهُ عَنْ نَفْسه . وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ مِنْ أَجْل نَفَر تَدَارَءُوا بَيْنهمْ فِي عِلْم اللَّه بِمَا يَقُولُونَهُ وَيَتَكَلَّمُونَ سِرًّا . ذِكْر الْخَبَر بِذَلِكَ . 23536 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن يَحْيَى الْقَطْعِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو دَاوُد , قَالَ : ثنا قَيْس , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , عَنْ أَبِي مَعْمَر الْأَزْدِيّ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود , قَالَ : كُنْت مُسْتَتِرًا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة , فَدَخَلَ ثَلَاثَة نَفَر , ثَقَفِيَّانِ وَقُرَشِيّ , أَوْ قُرَشِيَّانِ وَثَقَفِيّ , كَثِير شُحُوم بُطُونهمَا , قَلِيل فِقْه قُلُوبهمَا , فَتَكَلَّمُوا بِكَلَامٍ لَمْ أَفْهَمهُ , فَقَالَ أَحَدهمْ : أَتَرَوْنَ أَنَّ اللَّه يَسْمَع مَا نَقُول ؟ فَقَالَ الرَّجُلَانِ : إِذَا رَفَعْنَا أَصْوَاتنَا سَمِعَ , وَإِذَا لَمْ نَرْفَع لَمْ يَسْمَع , فَأَتَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَذَكَرْت لَهُ ذَلِكَ , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَد عَلَيْكُمْ سَمْعكُمْ وَلَا أَبْصَاركُمْ } . .. إِلَى آخِر الْآيَة . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن سَعِيد , قَالَ : ثنا سُفْيَان , قَالَ : ثني الْأَعْمَش , عَنْ عُمَارَة بْن عُمَيْر , عَنْ وَهْب بْن رَبِيعَة , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود , قَالَ : إِنِّي لَمُسْتَتِرٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة , إِذْ دَخَلَ ثَلَاثَة نَفَر , ثَقَفِيّ وَخَتَنَاهُ قُرَشِيَّانِ , قَلِيل فِقْه قُلُوبهمَا , كَثِير شُحُوم بُطُونهمَا , فَتَحَدَّثُوا بَيْنهمْ بِحَدِيثٍ , فَقَالَ أَحَدهمْ : أَتَرَى اللَّه يَسْمَع مَا قُلْنَا ؟ فَقَالَ الْآخَر : إِنَّهُ يَسْمَع إِذَا رَفَعْنَا , وَلَا يَسْمَع إِذَا خَفَضْنَا , وَقَالَ الْآخَر : إِذَا كَانَ يَسْمَع مِنْهُ شَيْئًا فَهُوَ يَسْمَعهُ كُلّه , قَالَ : فَأَتَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَد عَلَيْكُمْ سَمْعكُمْ وَلَا أَبْصَاركُمْ } . .. حَتَّى بَلَغَ { وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ } . * - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا يَحْيَى , قَالَ : ثنا سُفْيَان , قَالَ : ثني مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , عَنْ أَبِي مَعْمَر , عَنْ عَبْد اللَّه بِنَحْوِهِ.' وَقَوْله : { وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّه لَا يَعْلَم كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَلَكِنْ حَسِبْتُمْ حِين رَكِبْتُمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ مَعَاصِي اللَّه أَنَّ اللَّه لَا يَعْلَم كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ مِنْ أَعْمَالكُمُ الْخَبِيثَة , فَلِذَلِكَ لَمْ تَسْتَتِرُوا أَنْ يَشْهَد عَلَيْكُمْ سَمْعكُمْ وَأَبْصَاركُمْ وَجُلُودكُمْ , فَتَتْرُكُوا رُكُوب مَا حَرَّمَ اللَّه عَلَيْكُمْ .وَقَوْله : { وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّه لَا يَعْلَم كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَلَكِنْ حَسِبْتُمْ حِين رَكِبْتُمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ مَعَاصِي اللَّه أَنَّ اللَّه لَا يَعْلَم كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ مِنْ أَعْمَالكُمُ الْخَبِيثَة , فَلِذَلِكَ لَمْ تَسْتَتِرُوا أَنْ يَشْهَد عَلَيْكُمْ سَمْعكُمْ وَأَبْصَاركُمْ وَجُلُودكُمْ , فَتَتْرُكُوا رُكُوب مَا حَرَّمَ اللَّه عَلَيْكُمْ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم} يجوز أن يكون هذا من قول الجوارح لهم : ويجوز أن يكون من قول الله عز وجل أو الملائكة. وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود قال : اجتمع عند البيت ثلاثة نفر؛ قرشيان وثقفي أو ثقفيان وقرشي؛ قليل فقه قلوبهم، كثير شحم بطونهم : فقال أحدهم : أترون الله يسمع ما نقول؟ فقال الآخر : يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا؛ وقال الآخر : إن كان يسمع إذا جهرنا فهو يسمع إذا أخفينا؛ فأنزل الله عز وجل: { وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم} الآية؛ خرجه الترمذي فقال : اختصم عند البيت ثلاثة نفر. ثم ذكره بلفظه حرفا حرفا وقال : حديث حسن صحيح؛ حدثنا هناد قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمارة بن عمير عن عبدالرحمن بن يزيد قال : قال عبدالله : كنت مستترا بأستار الكعبة فجاء ثلاثة نفر كثير شحم بطونهم قليل فقه قلوبهم، قرشي وختناه ثقفيان، أو ثقفي وختناه قرشيان، فتكلموا بكلام لم أفهمه؛ فقال أحدهم : أترون أن الله يسمع كلامنا هذا، فقال الآخر : إنا إذا رفعنا أصواتنا سمعه، وإذا لم نرفع أصواتنا لم يسمعه، فقال الآخر : إن سمع منه شيئا سمعه كله فقال عبدالله : فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: { وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم} إلى قوله: { فأصبحتم من الخاسرين} قال : هذا حديث حسن صحيح. قال الثعلبي : والثقفي عبد ياليل، وختناه ربيعة وصفوان بن أمية. ومعنى { تستترون} تستخفون في قول أكثر العلماء؛ أي ما كنتم تستخفون من أنفسكم حذرا من شهادة الجوارح عليكم؛ لأن الإنسان لا يمكنه أن يخفي من نفسه عمله، فيكون الاستخفاء بمعنى ترك المعصية. وقيل : الاستتار بمعنى الاتقاء؛ أي ما كنتم تتقون في الدنيا أن تشهد عليكم جوارحكم في الآخرة فتتركوا المعاصي خوفا من هذه الشهادة. وقال معناه مجاهد. وقال قتادة: { وما كنتم تستترون} أي تظنون { أن يشهد عليكم سمعكم} بأن يقول سمعت الحق وما وعيت وسمعت ما لا يجوز من المعاصي { ولا أبصاركم} فتقول رأيت آيات الله وما اعتبرت ونظرت فيما لا يجوز { ولا جلودكم} تقدم. { ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون} من أعمالكم فجادلتم على ذلك حتى شهدت عليكم جوارحكم بأعمالكم. روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: { أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم} قال : (إنكم تدعون يوم القيامة مفدمة أفواهكم بفدام فأول ما يبين عن الإنسان فخذه وكفه) قال عبدالله بن عبدالأعلى الشامي فأحسن. العمر ينقص والذنوب تزيـــد ** وتقال عثـــرات الفتى فيعود هل يستطيع جحود ذنب واحــد ** رجـــل جوارحه عليه شهود والمرء يسأل عن سنيه فيشتهي ** تقليلها وعن الممات يــــحيد وعن معقل بن يسارعن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (ليس من يوم يأتي على ابن آدم إلا ينادي فيه يا ابن آدم أنا خلق جديد وأنا فيما تعمل غدا عليك شهيد فاعمل في خيرا أشهد لك به غدا فإني لو قد مضيت لم ترني أبدا ويقول الليل مثل ذلك) ذكره أبو نعيم الحافظ وقد ذكرناه في كتاب التذكرة في باب شهادة الأرض والليالي والأيام والمال. وقال محمد بن بشير فأحسن : مضى أمسك الأدنى شهيــدا معدلا ** ويومـك هذا بالفعال شهيد فإن تك بالأمس اقترفت إســـاءة ** فثن بإحسان وأنت حـميد ولا ترج فعل الخير مــنك إلى غد ** لعل غدا يأتي وأنت فــقيد قوله تعالى: { وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم} أي أهلككم فأوردكم النار. قال قتادة : الظن هنا بمعنى العلم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله فإن قوما أساءوا الظن بربهم فأهلكهم) فذلك قوله: { وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم} . وقال الحسن البصري : إن قوما ألهتهم الأماني حتى خرجوا من الدنيا وما لهم حسنة، ويقول أحدهم : إني أحسن الظن بربي وكذب، ولو أحسن الظن لأحسن العمل، وتلا قول الله تعالى: { وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين} . وقال قتادة : من استطاع منكم أن يموت وهو حسن الظن بربه فليفعل، فإن الظن اثنان ظن ينجي وظن يردي. وقال عمر بن الخطاب في هذه الآية : هؤلاء قوم كانوا يدمنون المعاصى ولا يتوبون منها ويتكلمون على المغفرة، حتى خرجوا من الدنيا مفاليس، ثم قرأ { وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين} . قوله تعالى: { فإن يصبروا فالنار مثوى لهم} أي فإن يصبروا في الدنيا على أعمال أهل النار فالنار مثوى لهم. نظيره { فما أصبرهم على النار} [البقرة : 175] على ما تقدم. { وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين} في الدنيا وهم مقيمون على كفرهم { فما هم من المعتبين} . وقيل : المعنى { فإن يصبروا} في النار أو يجزعوا { فالنار مثوى لهم} أي لا محيص لهم عنها، ودل على الجزع قوله: { وإن يستعتبوا} لأن المستعتب جزع والمعتب المقبول عتابه؛ قال النابغة : فإن أك مظلوما فعبد ظلمته ** وإن تك ذا عتبى فمثلك يعتب أي مثلك من قبل الصلح والمراجعة إذا سئل. قال الخليل : العتاب مخاطبة الإدلال ومذاكرة الموجدة. تقول : عاتبته معاتبة، وبينهم أعتوبة يتعاتبون بها. يقال : إذا تعاتبوا أصلح ما بينهم العتاب. وأعتبني فلان : إذا عاد إلى مسرتي راجعا عن الإساءة، والاسم منه العتبى، وهو رجوع المعتوب عليه إلى ما يرضي العاتب. واستعتب وأعتب بمعنى، واستعتب أيضا طلب أن يعتب؛ تقول : استعتبته فأعتبني أي استرضيته فأرضاني. فمعنى: { وإن يستعتبوا} أي طلبوا الرضا لم ينفعهم ذلك بل لا بد لهم من النار. وفي التفاسير : وإن يستقيلوا ربهم فما هم من المقالين. وقرأ عبيد بن عمير وأبو العالية { وإن يستعتبوا} بفتح التاء الثانية وضم الياء على الفعل المجهول { فما هم من المعتبين} بكسر التاء أي إن أقالهم الله وردهم إلى الدنيا لم يعملوا بطاعته لما سبق لهم في علم الله من الشقاء، قال الله تعالى: { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} [الأنعام : 28] ذكره الهروي. وقال ثعلب : يقال أعتب إذا غضب وأعتب إذا رضي. قوله تعالى: { وقيضنا لهم قرناء} قال النقاش : أي هيأنا لهم شياطين. وقيل : سلطنا عليهم قرناء يزينون عندهم المعاصي، وهؤلاء القرناء من الجن والشياطين ومن الإنس أيضا؛ أي سببنا لهم قرناء؛ يقال : قيض الله فلانا لفلان أي جاءه به وأتاحه له، ومنه قوله تعالى: { وقيضنا لهم قرناء} . القشيري : ويقال قيض الله لي رزقا أي أتاحه كما كنت أطلبه، والتقييض الإبدال ومنه المقايضة، قايضت الرجل مقايضة أي عاوضته بمتاع، وهما قيضان كما تقول بيعان. { فزينوا لهم ما بين أيديهم} من أمر الدنيا فحسنوه لهم حتى آثروه على الآخرة { وما خلفهم} حسنوا لهم ما بعد مماتهم ودعوهم إلى التكذيب بأمور الآخرة؛ عن مجاهد. وقيل : المعنى { قيضنا لهم قرناء} في النار { فزينوا لهم} أعمالهم في الدنيا؛ والمعنى قدرنا عليهم أن ذلك سيكون وحكمنا به عليهم. وقيل : المعنى أحوجناهم إلى الأقران؛ أي أحوجنا الفقير إلى الغني لينال منه، والغني إلى الفقير ليستعين به فزين بعضهم لبعض المعاصي. وليس قوله: { وما خلفهم} عطفا على { ما بين أيديهم} بل المعنى وأنسوهم ما خلفهم ففيه هذا الإضمار. قال ابن عباس: { ما بين أيديهم} تكذيبهم بأمور الآخرة { وما خلفهم} التسويف والترغيب في الدنيا. الزجاج { ما بين أيديهم} ما عملوه { وما خلفهم} ما عزموا على أن يعملوه. وقد تقدم قول مجاهد. وقيل : المعنى لهم مثل ما تقدم من المعاصي { وما خلفهم} ما يعمل بعدهم. { وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس} أي وجب عليهم من العذاب ما وجب على الأمم الذين من قبلهم الذين كفروا ككفرهم. وقيل: { في} بمعنى مع؛ فالمعنى هم داخلون مع الأمم الكافرة قبلهم فيما دخلوا فيه. وقيل: { في أمم} في جملة أمم، ومثله قول الشاعر : إن تك عن أحسن الصنيعة مأ ** فوكا ففي آخرين قد أفكوا يريد فأنت في جملة آخرين لست في ذلك بأوحد. ومحل { في أمم} النصب على الحال من الضمير في { عليهم} أي حق عليهم القول كائنين في جملة أمم. { إنهم كانوا خاسرين} أعمالهم في الدنيا وأنفسهم وأهليهم يوم القيامة.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة فُصّلت الايات 20 - 30

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

يعني: لقد فاتكم شيء هام ما تنبهتم إليه، وهو أنكم كنتم تستترون عن الخَلْق أنْ يراك أحد حال المعصية، ونسيتم أن الله مُطَّلع عليكم يراكم ويراقب أفعالكم وما كنتم تستترون عن أنفسكم وجوارحكم، وغاب عنكم أن الجوارح شاهدة عليكم يوم القيامة.

فاليد التي ضربتَ بها، والرِّجْل التي سعيتَ بها، واللسان والأذن والعين، كل الجوارح ستأتي شاهدة عليك يوم القيامة، هذه الجوارح التي أمرها الله أنْ تنفعل لمراداتك في الدنيا وتطيعك في كل ما تريد ستتحرر من هذا القيد يوم القيامة، فلا يكون لك سلطان عليها، ساعتها ستشهد عليك.

فإن أطاعتك في المعاصي في الدنيا، لأن الله سخرها لك فقد أطاعتك وهي كارهة لفعلك بريئة منه، أما وقد عاد الجميع إلى الله، وصار الملْك كله لله
{  لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }
[غافر: 16] فلا عجبَ إذن أنْ تشهد عليكم جوارحكم، وأنْ تكون خصماً لكم أمام خالقها عز وجل.

وسبق أنْ مثَّلْنا لهذه المسألة بقائد الكتيبة في الجيش يأمر جنوده فيأتمرون بأمره ينفذون الأوامر حتى لو كانت خاطئة، حتى إذا ما جاءوا إلى القائد الأعلى شكوْا إليه تعسُّف القائد المباشر، وقالوا: فعل بنا كذا وكذا.

كذلك جوارح الإنسان أمرها الله أنْ تطيعه حتى في المعصية، وأنْ تنفعل لمراداته، فجوارحك تطيعك في كل شيء تريده، في الخير وفي الشر.

وقوله: { وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ } [فصلت: 22] الحق سبحانه وتعالى يقول في حديث قدسي: " يا عبادي إن كنتم تعتقدون أني لا أراكم فالخلل في إيمانكم، وإن كنتم تعتقدون أني أراكم فَلِمَ جعلتموني أهون الناظرين إليكم " إذا كنتَ لا تستطيع أنْ تفعل في إنسان مثلك عملاً يسوؤه على مرأى ومسمع منه عيني عينك هكذا، فكيف تفعلها مع الله عز وجل؟

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ...} الآية. [22].
أخبرنا الأستاذ أبو منصور البغدادي، قال: أخبرنا إسماعيل بن نجيد، قال: حدَّثنا محمد بن إبراهيم بن سعيد قال: حدَّثنا أمية بن بسطام، قال: حدَّثنا يزيد بن زُرَيع، قال: حدَّثنا روح، عن القاسم، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن ابن مسعود في هذه الآية: { وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ...} الآية. قال:
كان رجلان من ثَقِيف وخَتَنٌ لهما من قريش، أو رجُلان من قريش وخَتَنٌ لهما من ثَقِيف، في بيت فقال بعضهم: أترون الله يسمع نجوانا أو حديثنا؟ فقال بعضهم: قد سمع بعضه ولم يسمع بعضه، قالوا: لئن كان يسمع بعضه لقد سمع كله، فنزلت هذه الآية: { وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ...} الآية. رواه البخاري عن الحميدي. ورواه مسلم عن ابن أبي عمرو كلاهما عن سفيان، عن منصور.
أخبرنا محمد بن عبد الرحمن الفقيه، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن علي الحِيري، قال: أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى قال: حدَّثنا أبو خَيْثَمَة قال: حدَّثنا محمد بن حازم قال: حدَّثنا الأعمش عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله، قال:
كنت مستتراً بأستار الكعبة، فجاء ثلاثة نفر كَثِيرٌ شَحْمُ بطونهم، قليلٌ فقْهُ قُلُوبهم، قرشي وخَتَنَاه ثَقفيَّان، أو ثَقَفِي وخَتَنَاهُ قرشيان؛ فتكلموا بكلام لم أفهمه، فقال بعضهم: أترون الله يسمع كلامنا هذا؟ فقال الآخر: إذا رفعنا أصواتنا سمع، وإذا لم نرفع لم يسمع. وقال الآخر: إن سمع منه شيئاً سمعه كله. قال: فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزل عليه: { وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ} إلى قوله تعالى: { فَأَصْبَحْتُمْ مِّنَ ٱلُخَاسِرِينَ} .


www.alro7.net