سورة
اية:

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: { أولم يسيروا} هؤلاء المكذبون برسالتك يا محمد { في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم} أي من الأمم المكذبة بالأنبياء، ما حل بهم من العذاب والنكال، مع أنهم كانوا أشد من هؤلاء قوة { وآثاراً في الأرض} أي أثروا في الأرض من البنايات والمعالم ما لم يقدر هؤلاء عليه كما قال عزَّ وجلَّ، { وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها} مع هذه القوة العظيمة والبأس الشديد، { فأخذهم اللّه بذنوبهم} وهي كفرهم برسلهم، { وما كان لهم من اللّه من واق} أي وما دفع عنهم عذاب اللّه أحد ولا رده عنهم راد، ولا وقاهم واق، ثم ذكر علة أخذه إياهم وذنوبهم التي ارتكبوها واجترموها، فقال تعالى: { ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات} أي بالدلائل الواضحات والبراهين القاطعات، { فكفروا} أي مع هذا البيان والبرهان كفروا وجحدوا، { فأخذهم اللّه} تعالى أي أهلكهم ودمر عليهم، { إنه قوي شديد العقاب} أي ذو قوة عظيمة وبطش شديد، وهو { شديد العقاب} أي عقابه أليم شديد وجيع، أعاذنا اللّه تبارك وتعالى منه.

تفسير الجلالين

{ ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات } بالمعجزات الظاهرات { فكفروا فأخذهم الله إنه قويٌ شديد العقاب } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلهمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمْ اللَّه إِنَّهُ قَوِيّ شَدِيد الْعِقَاب } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : هَذَا الَّذِي فَعَلْت بِهَؤُلَاءِ الْأُمَم الَّذِينَ مِنْ قَبْل مُشْرِكِي قُرَيْش مَنْ أَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ فَعَلْنَا بِهِمْ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُل اللَّه إِلَيْهِمْ بِالْبَيِّنَاتِ , يَعْنِي بِالْآيَاتِ الدَّالَّات عَلَى حَقِيقَة مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ مِنْ تَوْحِيد اللَّه , وَالِانْتِهَاء إِلَى طَاعَته { فَكَفَرُوا } يَقُول : فَأَنْكَرُوا رِسَالَتهَا , وَجَحَدُوا تَوْحِيد اللَّه , وَأَبَوْا أَنْ يُطِيعُوا اللَّه { فَأَخَذَهُمْ اللَّه } يَقُول : فَأَخَذَهُمْ اللَّه بِعَذَابِهِ فَأَهْلَكَهُمْ { إِنَّهُ قَوِيّ شَدِيد الْعِقَاب } يَقُول : إِنَّ اللَّه ذُو قُوَّة لَا يَقْهَرهُ شَيْء , وَلَا يَغْلِبهُ , وَلَا يُعْجِزهُ شَيْء أَرَادَهُ , شَدِيد عِقَابه مَنْ عَاقَبَ مِنْ خَلْقه ; وَهَذَا وَعِيد مِنْ اللَّه مُشْرِكِي قُرَيْش , الْمُكَذِّبِينَ رَسُوله مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَاحْذَرُوا أَيّهَا الْقَوْم أَنْ تَسْلُكُوا سَبِيلهمْ فِي تَكْذِيب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجُحُود تَوْحِيد اللَّه , وَمُخَالَفَة أَمْره وَنَهْيه فَيَسْلُك بِكُمْ فِي تَعْجِيل الْهَلَاك لَكُمْ مَسْلَكهمْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلهمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمْ اللَّه إِنَّهُ قَوِيّ شَدِيد الْعِقَاب } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : هَذَا الَّذِي فَعَلْت بِهَؤُلَاءِ الْأُمَم الَّذِينَ مِنْ قَبْل مُشْرِكِي قُرَيْش مَنْ أَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ فَعَلْنَا بِهِمْ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُل اللَّه إِلَيْهِمْ بِالْبَيِّنَاتِ , يَعْنِي بِالْآيَاتِ الدَّالَّات عَلَى حَقِيقَة مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ مِنْ تَوْحِيد اللَّه , وَالِانْتِهَاء إِلَى طَاعَته { فَكَفَرُوا } يَقُول : فَأَنْكَرُوا رِسَالَتهَا , وَجَحَدُوا تَوْحِيد اللَّه , وَأَبَوْا أَنْ يُطِيعُوا اللَّه { فَأَخَذَهُمْ اللَّه } يَقُول : فَأَخَذَهُمْ اللَّه بِعَذَابِهِ فَأَهْلَكَهُمْ { إِنَّهُ قَوِيّ شَدِيد الْعِقَاب } يَقُول : إِنَّ اللَّه ذُو قُوَّة لَا يَقْهَرهُ شَيْء , وَلَا يَغْلِبهُ , وَلَا يُعْجِزهُ شَيْء أَرَادَهُ , شَدِيد عِقَابه مَنْ عَاقَبَ مِنْ خَلْقه ; وَهَذَا وَعِيد مِنْ اللَّه مُشْرِكِي قُرَيْش , الْمُكَذِّبِينَ رَسُوله مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَاحْذَرُوا أَيّهَا الْقَوْم أَنْ تَسْلُكُوا سَبِيلهمْ فِي تَكْذِيب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجُحُود تَوْحِيد اللَّه , وَمُخَالَفَة أَمْره وَنَهْيه فَيَسْلُك بِكُمْ فِي تَعْجِيل الْهَلَاك لَكُمْ مَسْلَكهمْ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { وأنذرهم يوم الآزفة} أي يوم القيامة. سميت بذلك لأنها قريبة؛ إذ كل ما هو آت قريب. وأزف فلان أي قرب يأزف أزفا؛ قال النابغة : أزف الترحل غير أن ركابنا ** لما تزل برحالنا وكأن قد أي قرب. ونظير هذه الآية { أزفت الآزفة} [النجم : 57] أي قربت الساعة. وكان بعضهم يتمثل ويقول : أزف الرحيل وليس لي من زاد غير ** الذنوب لشقوتي ونكادي { إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين} على الحال وهو محمول على المعنى. قال الزجاج : المعنى إذ قلوب الناس { لدى الحناجر} في حال كظمهم. وأجاز الفراء أن يكون التقدير { وأنذرهم} كاظمين. وأجاز رفع { كاظمين} على أنه خبر للقلوب. وقال : المعنى إذ هم كاظمون. وقال الكسائي : يجوز رفع { كاظمين} على الابتداء. وقد قيل : إن المراد بـ { يوم الآزفة} يوم حضور المنية؛ قاله قطرب. وكذا { إذ القلوب لدى الحناجر} عند حضور المنية. والأول أظهر. وقال قتادة : وقعت في الحناجر المخافة فهي لا تخرج ولا تعود في أمكنتها، وهذا لا يكون إلا يوم القيامة كما قال: { وأفئدتهم هواء} . وقيل : هذا إخبار عن نهاية الجزع؛ كما قال: { وبلغت القلوب الحناجر} وأضيف اليوم إلى { الآزفة} على تقدير يوم القيامة { الآزفة} أو يوم المجادلة { الآزفة} . وعند الكوفيين هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه مثل مسجد الجامع وصلاة الأولى. { ما للظالمين من حميم} أي من قريب ينفع { ولا شفيع يطاع} فيشفع فيهم. قوله تعالى: { يعلم خائنة الأعين} قال المؤرج : فيه تقديم وتأخير أي يعلم الأعين الخائنة وقال ابن عباس : هو الرجل يكون جالسا مع القوم فتمر المرأة فيسارقهم النظر إليها. وعنه : هو الرجل ينظر إلى المرأة فإذا نظر إليه أصحابه غض بصره، فإذا رأى منهم غفلة تدسس بالنظر، فإذا نظر إليه أصحابه غض بصره، وقد علم الله عز وجل منه أنه يود لو نظر إلى عورتها. وقال مجاهد هي مسارقة نظر الأعين إلى ما نهى الله عنه. وقال قتادة : هي الهمزة بعينه وإغماضه فيما لا يحب الله تعالى. وقال الضحاك : هي قول الإنسان ما رأيت وقد رأى أو رأيت وما رأى. وقال السدي : إنها الرمز بالعين. وقال سفيان : هي النظرة بعد النظرة. وقال الفراء: { خائنة الأعين} النظرة الثانية { وما تخفي الصدور} النظرة الأولى. وقال ابن عباس: { وما تخفي الصدور} أي هل يزني بها لو خلا بها أو لا. وقيل: { وما تخفي الصدور} تكنه وتضمره. ولما جيء بعبدالله بن أبي سرح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد ما اطمأن أهل مكة وطلب له الأمان عثمان رضي الله عنه، صمت رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلا ثم قال: { نعم} فلما انصرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن حوله : (ما صمتُّ إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه) فقال رجل من الأنصار فهلا أومأت إلي يا رسول الله، فقال : (إن النبي لا تكون له خائنة أعين). قوله تعالى: { والله يقضي بالحق} أي يجازي من غض بصره عن المحارم، ومن نظر إليها، ومن عزم على مواقعة الفواحش إذا قدر عليها. { والذين يدعون من دونه} يعني الأوثان { لا يقضون بشيء} لأنها لا تعلم شيئا ولا تقدر عليه ولا تملك. وقراءة العامة بالياء على الخبر عن الظالمين وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. وقرأ نافع وشيبة وهشام { تدعون} بالتاء. { إن الله هو السميع البصير} { هو} زائدة فاصلة. ويجوز أن تكون في موضع رفع بالابتداء وما بعدها خبر والجملة خبر إن. قوله تعالى: { أولم يسيروا في الأرض فينظروا} في موضع جزم عطف على { يسيروا} ويجوز أن يكون في موضع نصب على أنه جواب، والجزم والنصب في التثنية والجمع واحد. { كيف كان عاقبة} اسم كان والخبر في { كيف} . و { واق} في موضع خفض معطوف على اللفظ. ويجوز أن يكون في موضع رفع على الموضع فرفعه وخفضه واحد؛ لأن الياء تحذف وتبقى الكسرة دالة عليها وقد مضى الكلام في معنى هذه الآية في غير موضع فأغنى عن الإعادة.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة غافر الايات 17 - 27

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

{ بِٱلْبَيِّنَاتِ.. } [غافر: 22] بالآيات الواضحات وبالمعجزات الباهرات الدالة على صدق الرسول، والآيات التي عجزوا هم عن مثلها رغم أنها كانت مما نبغوا فيه، وقد كانت هذه الآياتُ كافيةً لأنْ يؤمنوا بالله وبرسول الله إليهم الذي جاء لهدايتهم، لكنهم كفروا { فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ.. } [غافر: 22] وكلمة (أخذهم) تدل على التناول بقوة { إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } [غافر: 22].

ولا شكَّ أن الأَخْذ يتناسب وقوة الآخذ، فأَخْذة الطفل غير أَخْذة الشاب غير أَخْذة الفتوة، فما بالك إنْ كان الآخذ هو الله القوي شديد العقاب، إذا كان الله سبحانه هو الآخذ فلا قوة لمأخوذ على المكابرة أو الامتناع.

لذلك قال في موضع آخر:
{  أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ }
[القمر: 42] هذه هي القوة العليا، فالعزيز هو الذي يَغلب ولا يُغلب، والمقتدر هو القادر على كل شيء، والذي لا يعجزه شيء.

ثم يقصُّ الحق سبحانه بعض قصص الرسل ممَّنْ كَذَّبوا وأُوذُوا، وهنا يقص علينا طرفاً من قصة سيدنا موسى عليه السلام: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ } [غافر: 23].


www.alro7.net