سورة
اية:

وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: { ومن آياته} الدالة على قدرته العظيمة { خلق السموات والأرض} أي خلق السماوات في ارتفاعها واتساعها، وشفوف أجرامها وزهارة كواكبها، ونجومها الثوابت والسيارات، وخلق الأرض في انخفاضها وكثافة، وما فيها من جبال وأودية، وبحار وقفار وحيوان وأشجار، وقوله تعالى: { واختلاف ألسنتكم} يعني اللغات، فهؤلاء بلغة العرب، وهؤلاء تتر، وهؤلاء كرج، وهؤلاء روم، وهؤلاء فرنج، وهؤلاء بربر، وهؤلاء حبشة، وهؤلاء هنود، وهؤلاء عجم، وهؤلاء صقالبة، وهؤلاء أكراد، إلى غير ذلك مما لا يعلمه إلا اللّه من اختلاف لغات بني آدم واختلاف ألوانهم، وهي حلاهم فجميع أهل الأرض بل أهل الدنيا منذ خلق اللّه آدم إلى قيام الساعة، كل له عينان وحاجبان وأنف وجبين وفم وخدان وليس يشبه واحد منهم الآخر، بل لا بد أن يفارقه بشيء من السمت أو الهيئة أو الكلام، ظاهراً كان أو خفياً يظهر عند التأمل. كل وجه منهم أسلوب بذاته، وهيئة لا تشبه أخرى، ولو توافق جماعة في صفة من جمال أو قبح، لا بد من فارق بين كل واحد منهم وبين الآخر { إن في ذلك لآيات للعالمين . ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله} أي ومن الآيات ما جعل اللّه من صفة النوم في الليل والنهار، فيه تحصل الراحة، وسكون الحركة، وذهاب الكلال والتعب، وجعل لكم الانتشار والسعي في الأسباب والأسفار في النهار وهذا ضد النوم، { إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون} أي يعون، روى الطبراني عن زيد بن ثابت رضي اللّه عنه، قال: أصابني أرق من الليل فشكوت ذلك إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: (قل: اللهم غارت النجوم، وهدأت العيون، وأنت حي قيوم، يا حي يا قيوم، أنم عيني، وأهدئ ليلي) فقلتها فذهب عني ""أخرجه الطبراني عن زيد بن ثابت"".

تفسير الجلالين

{ ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم } أي لغاتكم من عربية وعجمية وغيرها { وألوانكم } من بياض وسواد وغيرهما، وأنتم أولاد رجل واحد وامرأة واحدة { إن في ذلك لآيات } دلالات على قدرته تعالى { للعالمين } بفتح اللام وكسرها، أي: ذوي العقول وأولي العلم.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ آيَاته خَلْق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَاخْتِلَاف أَلْسِنَتكُمْ وَأَلْوَانكُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمِنْ حُجَجه وَأَدِلَّته أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْجِزهُ شَيْء , وَأَنَّهُ إِذَا شَاءَ أَمَاتَ مَنْ كَانَ حَيًّا مِنْ خَلْقه , ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ وَأَعَادَهُ كَمَا كَانَ قَبْل إِمَاتَته إِيَّاهُ خَلْقه السَّمَاوَات وَالْأَرْض مِنْ غَيْر شَيْء أَحْدَثَ ذَلِكَ مِنْهُ , بَلْ بِقُدْرَتِهِ الَّتِي لَا يَمْتَنِع مَعَهَا عَلَيْهِ شَيْء أَرَادَهُ { وَاخْتِلَاف أَلْسِنَتكُمْ } يَقُول : وَاخْتِلَاف مَنْطِق أَلْسِنَتكُمْ وَلُغَاتهَا { وَأَلْوَانكُمْ } يَقُول : وَاخْتِلَاف أَلْوَان أَجْسَامكُمْ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ آيَاته خَلْق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَاخْتِلَاف أَلْسِنَتكُمْ وَأَلْوَانكُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمِنْ حُجَجه وَأَدِلَّته أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْجِزهُ شَيْء , وَأَنَّهُ إِذَا شَاءَ أَمَاتَ مَنْ كَانَ حَيًّا مِنْ خَلْقه , ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ وَأَعَادَهُ كَمَا كَانَ قَبْل إِمَاتَته إِيَّاهُ خَلْقه السَّمَاوَات وَالْأَرْض مِنْ غَيْر شَيْء أَحْدَثَ ذَلِكَ مِنْهُ , بَلْ بِقُدْرَتِهِ الَّتِي لَا يَمْتَنِع مَعَهَا عَلَيْهِ شَيْء أَرَادَهُ { وَاخْتِلَاف أَلْسِنَتكُمْ } يَقُول : وَاخْتِلَاف مَنْطِق أَلْسِنَتكُمْ وَلُغَاتهَا { وَأَلْوَانكُمْ } يَقُول : وَاخْتِلَاف أَلْوَان أَجْسَامكُمْ' { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَات لِلْعَالِمِينَ } يَقُول : إِنَّ فِي فِعْله ذَلِكَ كَذَلِكَ لَعِبَرًا وَأَدِلَّة لِخَلْقِهِ الَّذِينَ يَعْقِلُونَ أَنَّهُ لَا يَعِيبهُ إِعَادَتهمْ لِهَيْئَتِهِمْ الَّتِي كَانُوا بِهَا قَبْل مَمَاتهمْ مِنْ بَعْد فَنَائِهِمْ . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْعَالَمِينَ فِيمَا مَضَى قَبْل . { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَات لِلْعَالِمِينَ } يَقُول : إِنَّ فِي فِعْله ذَلِكَ كَذَلِكَ لَعِبَرًا وَأَدِلَّة لِخَلْقِهِ الَّذِينَ يَعْقِلُونَ أَنَّهُ لَا يَعِيبهُ إِعَادَتهمْ لِهَيْئَتِهِمْ الَّتِي كَانُوا بِهَا قَبْل مَمَاتهمْ مِنْ بَعْد فَنَائِهِمْ . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْعَالَمِينَ فِيمَا مَضَى قَبْل .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { ومن آياته أن خلقكم من تراب} أي من علامات ربوبيته ووحدانيته أن خلقكم من تراب؛ أي خلق أباكم منه والفرع كالأصل، وقد مضى بيان هذا في "الأنعام". و { أن} في موضع رفع بالابتداء وكذا { أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا} . قوله تعالى: { ثم إذا أنتم بشر تنتشرون} ثم أنتم عقلاء ناطقون تتصرفون فيما هو قوام معايشكم، فلم يكن ليخلقكم عبثا؛ ومن قدر على هذا فهو أهل للعبادة والتسبيح. ومعنى { خلق لكم من أنفسكم أزواجا} أي نساء تسكنون إليها. { من أنفسكم} أي من نطف الرجال ومن جنسكم. وقيل : المراد حواء، خلقها من ضلع آدم؛ قاله قتادة. { وجعل بينكم مودة ورحمة} قال ابن عباس ومجاهد : المودة الجماع، والرحمة الولد؛ وقاله الحسن. وقيل : المودة والرحمة عطف قلوبهم بعضهم على بعض. وقال السدي : المودة : المحبة، والرحمة : الشفقة؛ وروي معناه عن ابن عباس قال : المودة حب الرجل امرأته، والرحمة رحمته إياها أن يصيبها بسوء. ويقال : إن الرجل أصله من الأرض، وفيه قوة الأرض، وفيه الفرج الذي منه بدئ خلقه فيحتاج إلى سكن، وخلقت المرأة سكنا للرجل؛ قال الله تعالى: { ومن آياته أن خلقكم من تراب} الآية. وقال: { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها} فأول ارتفاق الرجل بالمرأة سكونه إليها مما فيه من غليان القوة، وذلك أن الفرج إذا تحمل فيه هيج ماء الصلب إليه، فإليها يسكن وبها يتخلص من الهياج، وللرجال خلق البضع منهن، قال الله تعالى: { وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم} الشعراء : 166] فأعلم الله عز وجل الرجال أن ذلك الموضع خلق منهن للرجال، فعليها بذله في كل وقت يدعوها الزوج؛ فإن منعته فهي ظالمة وفي حرج عظيم؛ ويكفيك من ذلك ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطا عليها حتى يرضى عنها). وفي لفظ آخر : (إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح). { ومن آياته خلق السماوات والأرض} تقدم في "البقرة". وكانوا يعترفون بأن الله هو الخالق. { واختلاف ألسنتكم وألوانكم} اللسان في الفم؛ وفيه اختلاف اللغات : من العربية والعجمية والتركية والرومية. واختلاف الألوان في الصور : من البياض والسواد والحمرة؛ فلا تكاد ترى أحدا إلا وأنت تفرق بينه وبين الآخر. وليس هذه الأشياء من فعل النطفة ولا من فعل الأبوين؛ فلا بد من فاعل، فعلم أن الفاعل هو الله تعالى؛ فهذا من أدل دليل على المدبر البارئ. { إن في ذلك لآيات للعالمين} أي للبر والفاجر. وقرأ حفص { للعالِمين} بكسر اللام جمع عالم. قوله تعالى: { ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله} قيل : في هذه الآية تقديم وتأخير، والمعنى : ومن آياته منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار؛ فحذف حرف الجر لاتصاله بالليل وعطفه عليه، والواو تقوم مقام حرف الجر إذا اتصلت بالمعطوف عليه في الاسم الظاهر خاصة؛ فجعل النوم بالليل دليلا على الموت، والتصرف بالنهار دليلا على البعث. { إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون} يريد سماع تفهم وتدبر. وقيل : يسمعون الحق فيتبعونه. وقيل : يسمعون الوعظ فيخافونه. وقيل : يسمعون القرآن فيصدقونه؛ والمعنى متقارب. وقيل : كان منهم من إذا تلي القرآن وهو حاضر سد أذنيه حتى لا يسمع؛ فبين الله عز وجل هذه الدلائل عليه. { ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا} قيل : المعنى أن يريكم، فحذف { أن} لدلالة الكلام عليه؛ قال طرفة : ألا أيهذا اللائمي أحضُرُ الوغى ** وأن أشهدَ اللذات هل أنت مخلدي وقيل : هو على التقديم والتأخير؛ أي ويريكم البرق من آياته. وقيل : أي ومن آياته آية يريكم بها البرق؛ كما قال الشاعر : وما الدهر إلا تارتان فمنهما ** أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح وقيل : أي من آياته أنه يريكم البرق خوفا وطمعا من آياته؛ قاله الزجاج، فيكون عطف جملة على جملة. { خوفا} أي للمسافر. { وطمعا} للمقيم؛ قاله قتادة. الضحاك { خوفا} من الصواعق، { وطمعا} في الغيث. يحيى بن سلام { خوفا} من البرد أن يهلك الزرع، { وطمعا} في المطر أن يحيي الزرع. ابن بحر { خوفا} أن يكون البرق برقا خُلَّبا لا يمطر، { وطمعا} أن يكون ممطرا؛ وأنشد قول الشاعر : لا يكن برقك برقا خلّبا ** إن خير البرق ما الغيث معه وقال آخر : فقد أرد المياه بغير زاد ** سوى عدي لها برق الغمام والبرق الخلّب : الذي لا غيث فيه كأنه خادع؛ ومنه قيل لمن يعد ولا ينجز : إنما أنت كبرق خلب. والخلب أيضا : السحاب الذي لا مطر فيه. ويقال : برق خلب، بالإضافة. قوله تعالى: { وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} تقدم. { ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره} { أن} في محل رفع كما تقدم؛ أي قيامها واستمساكها بقدرته بلا عمد. وقيل : بتدبيره وحكمته؛ أي يمسكها بغير عمد لمنافع الخلق. وقيل: { بأمره} بإذنه؛ والمعنى واحد. { ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون} أي الذي فعل هذه الأشياء قادر على أن يبعثكم من قبوركم؛ والمراد سرعة وجود ذلك من غير توقف ولا تلبث؛ كما يجيب الداعي المطاع مدعوه؛ كما قال القائل : دعوت كليبا باسمه فكأنما ** دعوت برأس الطود أو هو أسرع يريد برأس الطود : الصدى أو الحجر إذا تدهده. وإنما عطف هذا على قيام السموات والأرض بـ { ثم} لعظم ما يكون من ذلك الأمر واقتداره على مثله، وهو أن يقول : يأهل القبور قوموا؛ فلا تبقى نسمة من الأولين والآخرين إلا قامت تنظر؛ كما قال تعالى: { ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون} الزمر : 68]. { وإذا} الأولى في قوله تعالى: { إذا دعاكم} للشرط، والثانية في قوله تعالى: { إذا أنتم} للمفاجأة، وهي تنوب مناب الفاء في جواب الشرط. وأجمع القراء على فتح التاء هنا في { تخرجون} . واختلفوا في التي في "الأعراف" فقرأ أهل المدينة { ومنها تخرجون} الأعراف : 25] بضم التاء، وقرأ أهل العراق : بالفتح، وإليه يميل أبو عبيد. والمعنيان متقاربان، إلا أن أهل المدينة فرقوا بينهما لنسق الكلام، فنسق الكلام في التي في "الأعراف" بالضم أشبه؛ إذ كان الموت ليس من فعلهم، وكذا الإخراج. والفتح في سورة الروم أشبه بنسق الكلام؛ أي إذا دعاكم خرجتم أي أطعتم؛ فالفعل بهم أشبه. وهذا الخروج إنما هو عند نفخة إسرافيل النفخة الآخرة؛ على ما تقدم ويأتي. وقرئ { تخرجون} بضم التاء وفتحها، ذكره الزمخشري ولم يزد على هذا شيئا، ولم يذكر ما ذكرناه من الفرق، والله أعلم. { وله من في السماوات والأرض} خلقا وملكا وعبدا. { كل له قانتون} روي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (كل قنوت في القرآن فهو طاعة). قال النحاس : مطيعون طاعة انقياد. وقيل: { قانتون} مقرون بالعبودية، إما قالة وإما دلالة؛ قاله عكرمة وأبو مالك والسدي. وقال ابن عباس { قانتون} مصلون. الربيع بن أنس { كل له قانتون} أي قائم يوم القيامة؛ كما قال { يوم يقوم الناس لرب العالمين} المطففين : 6] أي للحساب. الحسن : كل له قائم بالشهادة أنه عبد له. سعيد بن جبير { قانتون} مخلصون.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الروم الايات 20 - 22


سورة الروم الايات 22 - 23

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

في خلق السماوات والأرض آيات أظهرها لنا كما قال في موضع آخر إنها تقوم على غير عمد:
{  خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا... }
[لقمان: 10].

فالسماء التي تروْنها على امتداد الأفق تقوم بغير أعمدة، ولكم أنْ تسيروا في الأرض، وأنْ تبحثوا عن هذه العُمد فلن تروْا شيئاً. أو
{  بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا... }
[لقمان: 10] يعني: هي موجودة لكن لا ترونها.

والمنطق يقتضي أن الشيء العالي لا بُدَّ له إما من عُمُد تحمله من أسفل، أو قوة تمسكه من أعلى؛ لذلك ينبغي أنْ نجمع بين الآيات لتكتمل لدينا هذه الصورة، فالحق سبحانه يقول في موضع آخر:
{  إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ... }
[فاطر: 41].

إذن: ليست للسماء أعمدة، إنما يمسكها خالقها - عز وجل - من أعلى، فلا تقع على الأرض إلا بإذنه، ولا تتعجب من هذه المسألة، فقد أعطانا الله تعالى مثالاً مُشاهداً في قوله سبحانه:
{  أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱللَّهُ... }
[النحل: 79].

فإنْ قُلْت: يمسكها في جو السماء حركة الجناحين ورفرفتها التي تحدث مقاومة للهواء، فترتفع به، وتمسك نفسها في الجو، نقول: وتُمسك أيضاً في جو السماء بدون حركة الجناحين، واقرأ إنْ شئتَ قوله تعالى:
{  أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ... }
[الملك: 19].

فترى الطير في السماء مادّاً جناحيه ثابتاً بدون حركة، ومع ذلك لا يقع على الأرض ولا يُمسكه في جَوِّ السماء إذن إلا قدرة الله.

إذن: خُذْ مما تشاهد دليلاً على صدْق ما لا تشاهد؛ لذلك يقول سبحانه:
{  لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ... }
[غافر: 57] مع أنها خُلِقت لخدمة الإنسان.

فمع أنك أيها الإنسان مظهر من مظاهر قدرة الله، وفيك انطوى العالم الأكبر، إلا أن عمرك محدود لا يُعَدُّ شيئاً إذا قِيسَ بعمر الأرض والسماء والشمس والقمر.. الخ.

ثم يعود السياق هنا إلى آية من آيات الله في الإنسان: { وَٱخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ... } [الروم: 22] اللسان يُطلَق على اللغة كما قال تعالى
{  بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ }
[الشعراء: 195] وقال:
{  لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ }
[النحل: 103].

ويًُطلَق أيضاً على هذه الجارحة المعروفة، وإنما أُطِلق اللسان على اللغة؛ لأن أغلبها يعتمد على اللسان وعلى النطق، مع أن اللسان يُمثِّل جزءاً بسيطاً في عملية النطق، حيث يشترك معه في النطق الفم والأسنان والشفتان والأحبال الصوتية.. إلخ، لكن اللسان هو العمدة في هذه العملية. إذن: فاختلاف الألسنة يعني اختلاف اللغات.

وسبق أنْ قُلْنا: إن اللغة ظاهرة اجتماعية يكتسبها الإنسان من البيئة المحيطة به، وحين نسلسلها لا بُدَّ أنْ نصلَ بها إلى أبينا آدم عليه السلام، وقلنا: إن الله تعالى هو الذي علَّمه اللغة حين علَّمه الأسماء كلها، ثم يتخذ آدم وذريته من بعده هذه الأسماء ليتفاهموا بها، وليضيفوا إليها أسماء جديدة.لذلك نرى أولادنا مثلاً حينما نريد أنْ نُعلِّمهم ونُرقِّيهم نُعلِّمهم أولاً أسماء الأشياء قبل أنْ يتعلموا الأفعال؛ لأن الاسم أظهر، أَلاَ ترى أن الفِعْل والحدث يدل عليه باسم، فكلمة (فِعْل) هي ذاتها اسم.

لكن، كيف ينشأ اختلاف اللغات؟ لو تأملنا مثلاً اللغة العربية نجدها لغة واحدةً، لكن بيئاتها متعددة: هذا مصري، وهذا سوداني، وهذا سوري، مغربي، عراقي.. الخ نشترك جميعاً في لغة واحدة، لكن لكل بيئة لهجة خاصة قد لا تُفهَم في البيئة الأخرى، أما إذا تحدَّثنا جميعاً باللغة العربية لغة القرآن تفاهم الجميع بها.

أما اختلاف اللغات فينشأ عن انعزال البيئات بعضها عن بعض، هذا الانعزال يؤدي إلى وجود لغة جديدة، فمثلاً الإنجليزية والفرنسية والألمانية و.. إلخ ترجع جميعها إلى أصل واحد هو اللغة اللاتينية، فلما انعزلتْ البيئات أرادتْ كل منها أن يكون لها استقلالية ذاتية بلغة خاصة بها مستقلة بألفاظها وقواعدها.

أو { وَٱخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ... } [الروم: 22] يعني: اختلاف ما ينشأ عن اللسان وغيره من آلات الكلام من أصوات مختلفة، كما نرى الآن في آخر صيحات علم الأصوات أنْ يجدوا للصوت بصمة تختلف من شخص لآخر كبصمة الأصابع، بل بصمة الصوت أوضح دلالة من بصمة اليد.

ورأينا لذلك خزائن تُضْبط على بصمة صوت صاحبها، فساعة يُصدر لها صوتاً تفتح له.

ومن العجيب والمدهش في مجال الصوت أن المصوِّتات كثيرة منها: الجماد كحفيف الشجر وخرير الماء، ومنها: الحيوان، نقول: نقيق الضفادع وصهيل الخيل، ونهيق الحمار، وثُغَاء الشاة، ورُغَاء الإبل.. الخ لكن بالله أسألك: لو سمعت صوت حمار ينهق، أتستطيع أن تقول هذا حمار فلان؟ لا، لأن كل الأصوات من كُلِّ الأجناس خلا الإنسان صوتها واحد لا يميزه شيء.

أما في الإنسان، فلكُلٍّ منّا صوته المميز في نبرته وحدّته واستعلائه أو استفاله، أو في رقته أو في تضخيمه.. الخ. فلماذا إذن تميَّز صوت الإنسان بهذه الميزة عن باقي الأصوات؟

قالوا: لأن الجماد والحيوان ليس لهما مسئوليات ينبغي أنْ تُضبط وأنْ تُحدَّد كما للإنسان، وإلا كيف نُميز المجرم حين يرتكب جريمته ونحن لا نعرف اسمه، ولا نعرف شيئاً من أوصافه؟ وحتى لو عرفنا أوصافه فإنها لا تدلُّنا عليه دلالة قاطعة تُحدِّد المسئولية ويترتب عليها الجزاء.

وقال سبحانه بعدها { وَأَلْوَانِكُمْ... } [الروم: 22] فاختلاف الألسنة والألوان ليحدث هذا التميُّز بين الناس، ولأن الإنسان هو المسئول خلق الله فيه اختلافَ الألسنة والألوان؛ لنستدل عليه بشكله: بطوله أو قِصَره أو ملابسة... إلخ.

وفي ذلك ما يضبط سلوك الإنسان ويُقوِّمه حين يعلم أنه لن يفلت بفِعْلته، ولا بُدَّ أنْ يدل عليه شيء من هذه المميزات.

لذلك نرى رجال البحث الجنائي ينظمون خطة للبحث عن المجرم قد تطول، لماذا؟ لأنهم يريدون أنْ يُضيِّقوا دائرة البحث فيُخرجون منها مَنْ لا تنطبق عليه مواصفاتهم، وما يزالون يُضيِّقون الدائرة حتى يصلوا للجاني.والحق - تبارك وتعالى - يقول:
{  يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوۤاْ.... }
[الحجرات: 13].

فالتميُّز والتعارف أمر ضروري لاستقامة حركة الحياة، ألاَ ترى الرجل يضع لكل ولد من أولاده اسماً يُميِّزه، فإن عشق اسم محمد مثلاً، وأحب أن يسمى كل أولاده محمداً لا بد أن يميزه، فهذا محمد الكبير، وهذا محمد الصغير، وهذا الأوسط.. إلخ.

إذن: لا بُدَّ أن يتميز الخَلْق لنستطيع تحديد المسئوليات.

ثم يقول سبحانه: { لِّلْعَالَمِينَ... } [الروم: 22] أي: الذين يبحثون في الأشياء، ولا يقفون عند ظواهرها، إنما يتغلغلون في بطونها، ويَسْبرون أغوارها للوصول إلى حقيقتها.

لذلك يلوم علينا ربنا عز وجل:
{  وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ }
[يوسف: 105] فلا يليق بأصحاب العقول أن يغفلوا عن هذه الآيات، إنما يتأملونها ليستنبطوا منها ما ينفعهم في مستقبل حياتهم، كما نرى في المخترعات والاكتشافات الحديثة التي خدمتْ البشرية، كالذي اخترع عصر البخار، والذي اخترع العجلة، والذي اكتشف الكهرباء والجاذبية والبنسلين.. الخ، إذن: نمر على آيات الله في الكون بيقظة، وكل العلوم التجريبية نتيجة لهذه اليقظة.

والعَالمون: جمع عالم، وكانت تطلق في الماضي على مَنْ يعرف الحلال والحرام، لكن هي أوسع من ذلك، فالعالم: كل مَنْ يعلم قضية كونية أو شرعية، ويُسمَّى هذا " عالم بالكونيات " وهذا عالم بالشرع، وإنْ شئتَ فاقرأ:
{  أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ... }
[فاطر: 27-28].

فذكر سبحانه النبات، ثم الجماد، ثم الناس، ثم الحيوان.

ثم يقول سبحانه:
{  إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ... }
[فاطر: 28] على إطلاقها فلم يُحدِّد أي علماء: علماء النبات، أو الحيوان، أو الجمادات، أو علماء الشرع، إذن: العَالِم كل مَنْ يعلم حقيقة في الكون وجودية أو شرعية من عند الله.

لكن، لماذا أطلقوا العالم على العالم بالشرع خاصة؟ قالوا: لأنه أول العلوم المفيدة التي عرفوها؛ لذلك رأينا من آداب العلم في الإسلام ألاَّ يُدخِل علماء الشرع أنفسهم في الكونيات، وألاَّ يُدخل علماء الكونيات أنفسهم في علوم الشرع.

والذي أحدث الاضطراب بين هذه التخصصات أن يقول مثلاً علماء الكونيات بأن الأرض تدور حول الشمس، فيقوم من علماء الدين مَنْ يقول: هذا مخالف للدين - هكذا عن غير دراسة، سبحان الله، لماذا تُقحِم نفسك فيما لا تعلم؟ وماذا يضيرك كعالم بالشرع أن تكون الأرض كرة تدور أو لا تدور؟ ما الحرام الذي زاد بدوران الأرض وما الحلال الذي انتقص؟ كذلك الحال لما صعد الإنسان إلى القمر، اعترض على ذلك بعض رجال الدين.كذلك نسمع مَنْ لا عِلْم له بالشرع يعترض على بعض مسائل الشرع يقول: هذه لا يقبلها العقل. إذن: آفة العلم أن يقحم العالم نفسه فيما لا يعلم، ولو التزم كلٌّ بما يعلم لارتاح الجميع، وتركت كل ساحة لأهلها.

وعجيب أن يستشهد رجال الدين على عدم كروية الأرض بقوله تعالى:
{  وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا... }
[الحجر: 19] ولو تأملوا معنى
{  مَدَدْنَاهَا... }
[الحجر: 19] لما اعترضوا؛ لأن معنى مددناها يعني: كلما سِرْتُ في الأرض وجدتها ممتدة لا تنتهي حتى تعود إلى النقطة التي بدأت منها، وهذا يعني أنها كرة لا نهاية لها، ولو كانت مُسطحة أو مُثلثة مثلاً لكان لها نهاية.

إذن: نقول للعلماء عموماً: لا تُدخلوا أنوفكم فيما لا علْم لكم به، ودَعُوا المجال لأصحابه، عملاً بقوله تعالى:
{  قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ... }
[البقرة: 60].

ثم يقول الحق سبحانه: { وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِٱلَّيلِ... }.


www.alro7.net