سورة
اية:

سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ

تفسير بن كثير

يقول تعالى موهناً أمر الحياة ومحقراً لها: { إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد} أي إنما حاصل أمرها عند أهلها هذا، كما قال تعالى: { زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا واللّه عنده حسن المآب} ، ثم ضرب تعالى مثل الحياة الدنيا في أنها زهرة فانية ونعمة زائلة فقال: { كمثل غيث} وهو المطر الذي يأتي بعد قنوط الناس، كما قال تعالى: { وهو الذي ينزّل الغيث من بعد ما قنطوا} ، وقوله تعالى: { أعجب الكفار نباته} أي يعجب الزراع نبات ذلك الزرع الذي نبت بالغيث، وكما يعجب الزراع ذلك، كذلك تعجب الحياة الدنيا الكفار، فإنهم أحرص شيء عليها وأميل الناس إليها، { ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطاماً} أي يهيج ذلك الزرع فتراه مصفراً بعد ما كان خضراً نضراً، ثم يكون بعد ذلك كله حطاماً، أي يصير يبساً متحطماً، هكذا الحياة الدنيا، تكون أولاً شابة، ثم تكتهل، ثم تكون عجوزاً شوهاء، والإنسان يكون كذلك في أول عمره وعنفوان شبابه غضاً طرياً لين الأعطاف، بهي المنظر، ثم يكبر فيصير شيخاً كبيراً ضعيف القوى، كما قال تعالى: { اللّه الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفاً وشيبة} ، ولما كان هذا المثل دالاً على زوال الدنيا وانقضائها وفراغها لا محالة، وأن الآخرة كائنة لا محالة، حذّر من أمرها ورغّب فيما فيها من الخير، فقال: { وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من اللّه ورضوان} أي وليس في الآخرة الآتية القريبة إلا عذاب شديد، أو مغفرة من اللّه ورضوان، وقوله تعالى: { وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} أي هي متاع فانٍ، يغتر بها من يعتقد أنه لا دار سواها ولا معاد وراءها، وهي حقيرة قليلة بالنسبة إلى الدار الآخرة، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، اقرأوا: { وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} ) ""أخرجه ابن جرير، وهو في الصحيح ثابت بدون الزيادة"". وروى الإمام أحمد، عن عبد اللّه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (لَلْجنَّة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله والنار مثل ذلك) ""أخرجه البخاري في الرقاق والإمام أحمد""ففي هذا الحديث دليل على اقتراب الخير والشر من الإنسان، فلهذا حثه اللّه تعالى على المبادرة إلى الخيرات فقال اللّه تعالى: { سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض} والمراد جنس السماء والأرض كما قال تعالى في الآية الأُخْرى: { وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين} ، وقال ههنا: { أعدت للذين آمنوا باللّه ورسله ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء واللّه ذو الفضل العظيم} ، أي هذا الذي أهلهم اللّه له هو من فضله عليهم، وإحسانه إليهم، كما قدمنا في الصحيح: أن فقراء المهاجرين قالوا: يا رسول اللّه ذهب أهل الدثور بالأجور، بالدرجات العلى والنعيم المقيم، قال: (وما ذاك؟) قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق قال: (أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه سبقتم من بعدكم ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين) قال، فرجعوا فقالوا: سمع اخواننا أهل الأموال ما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء)

تفسير الجلالين

{ سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض } لو وصلت إحداهما بالأخرى والعرض: السعة { أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَة مِنْ رَبّكُمْ وَجَنَّة عَرْضهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْض أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاَللَّهِ وَرُسُله } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { سَابِقُوا } أَيّهَا النَّاس { إِلَى } عَمَل يُوجِب لَكُمْ { مَغْفِرَة مِنْ رَبّكُمْ وَجَنَّة عَرْضهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْض أُعِدَّتْ } هَذِهِ الْجَنَّة { لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاَللَّهِ وَرُسُله } يَعْنِي الَّذِينَ وَحَّدُوا اللَّه , وَصَدَّقُوا رُسُله . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَة مِنْ رَبّكُمْ وَجَنَّة عَرْضهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْض أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاَللَّهِ وَرُسُله } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { سَابِقُوا } أَيّهَا النَّاس { إِلَى } عَمَل يُوجِب لَكُمْ { مَغْفِرَة مِنْ رَبّكُمْ وَجَنَّة عَرْضهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْض أُعِدَّتْ } هَذِهِ الْجَنَّة { لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاَللَّهِ وَرُسُله } يَعْنِي الَّذِينَ وَحَّدُوا اللَّه , وَصَدَّقُوا رُسُله .' وَقَوْله : { ذَلِكَ فَضْل اللَّه يُؤْتِيه مَنْ يَشَاء } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : هَذِهِ الْجَنَّة الَّتِي عَرْضهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْض الَّتِي أَعَدَّهَا اللَّه لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاَللَّهِ وَرُسُله , فَضْل اللَّه تَفَضَّلَ بِهِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ , وَاَللَّه يُؤْتِي فَضْله مَنْ يَشَاء مِنْ خَلْقه , وَهُوَ ذُو الْفَضْل الْعَظِيم عَلَيْهِمْ , بِمَا بَسَطَ لَهُمْ مِنْ الرِّزْق فِي الدُّنْيَا , وَوَهَبَ لَهُمْ مِنْ النِّعَم , وَعَرَّفَهُمْ مَوْضِع الشُّكْر , ثُمَّ جَزَاهُمْ فِي الْآخِرَة عَلَى الطَّاعَة مَا وَصَفَ أَنَّهُ أَعَدَّهُ لَهُمْ .وَقَوْله : { ذَلِكَ فَضْل اللَّه يُؤْتِيه مَنْ يَشَاء } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : هَذِهِ الْجَنَّة الَّتِي عَرْضهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْض الَّتِي أَعَدَّهَا اللَّه لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاَللَّهِ وَرُسُله , فَضْل اللَّه تَفَضَّلَ بِهِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ , وَاَللَّه يُؤْتِي فَضْله مَنْ يَشَاء مِنْ خَلْقه , وَهُوَ ذُو الْفَضْل الْعَظِيم عَلَيْهِمْ , بِمَا بَسَطَ لَهُمْ مِنْ الرِّزْق فِي الدُّنْيَا , وَوَهَبَ لَهُمْ مِنْ النِّعَم , وَعَرَّفَهُمْ مَوْضِع الشُّكْر , ثُمَّ جَزَاهُمْ فِي الْآخِرَة عَلَى الطَّاعَة مَا وَصَفَ أَنَّهُ أَعَدَّهُ لَهُمْ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو} وجه الاتصال أن الإنسان قد يترك الجهاد خوفا على نفسه من القتل، وخوفا من لزوم الموت، فبين أن الحياة الدنيا منقضية فلا ينبغي أن يترك أمر الله محافظة على ما لا يبقى. و { ما} صلة تقديره : اعلموا أن الحياة الدنيا لعب باطل ولهو فرح ثم ينقضي. وقال قتادة : لعب ولهو : أكل وشرب. وقيل : إنه على المعهود من اسمه، قال مجاهد : كل لعب لهو. وقد مضى هذا المعنى في الأنعام وقيل : اللعب ما رغب في الدنيا، واللهو ما ألهى عن الآخرة، أي شغل عنها. وقيل : اللعب الاقتناء، واللهو النساء. { وزينة} الزينة ما يتزين به، فالكافر يتزين بالدنيا ولا يعمل للآخرة، وكذلك من تزين في غير طاعة الله. { وتفاخر بينكم} أي يفخر بعضكم على بعض بها. وقيل : بالخلقة والقوة. وقيل : بالأنساب على عادة العرب في المفاخرة بالآباء. وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد ولا يفخر أحد على أحد) وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : (أربع في أمتي من أمر الجاهلية الفخر في الأحساب) الحديث. وقد تقدم جميع هذا. { وتكاثر في الأموال والأولاد} لأن عادة الجاهلية أن تتكاثر بالأبناء والأموال، وتكاثر المؤمنين بالإيمان والطاعة. قال بعض المتأخرين { لعب} كلعب الصبيان { ولهو} كلهو الفتيان { وزينة} كزينة النسوان { وتفاخر} كتفاخر الأقران { وتكاثر} كتكاثر الدهقان. وقيل : المعنى أن الدنيا كهذه الأشياء في الزوال والفناء. وعن علي رضي الله عنه قال لعمار : لا تحزن على الدنيا فإن الدنيا ستة أشياء : مأكول ومشروب وملبوس ومشموم ومركوب ومنكوح، فأحسن طعامها العسل وهو بزقة ذبابة، وأكثر شرابها الماء يستوي فيه جميع الحيوان، وأفضل ملبوسها الديباج وهو نسج دودة، وأفضل المشموم المسك وهو دم فأرة، وأفضل المركوب الفرس وعليها يقتل الرجال، وأما المنكوح فالنساء وهو مبال في مبال، والله إن المرأة لتزين أحسنها يراد به أقبحها. ثم ضرب الله تعالى لها مثلا بالزرع في غيث فقال { كمثل غيث} أي مطر { أعجب الكفار نباته} الكفار هنا : الزراع لأنهم يغطون البذر. والمعنى أن الحياة الدنيا كالزرع يعجب الناظرين إليه لخضرته بكثرة الأمطار، ثم لا يلبث أن يصير هشيما كأن لم يكن، وإذا أعجب الزراع فهو غاية ما يستحسن. وقد مضى معنى هذا المثل في يونس والكهف . وقيل : الكفار هنا الكافرون بالله عز وجل، لأنهم أشد إعجابا بزينة الدنيا من المؤمنين. وهذا قول حسن، فإن أصل الإعجاب لهم وفيهم، ومنهم يظهر ذلك، وهو التعظيم للدنيا وما فيها. وفي الموحدين من ذلك فروع تحدث من شهواتهم، وتتقلل عندهم وتدق إذا ذكروا الآخرة. وموضع الكاف رفع على الصفة. { ثم يهيج} أي يجف بعد خضرته { فتراه مصفرا} أي متغيرا عما كان عليه من النضرة. { ثم يكون حطاما} أي فتاتا وتبنا فيذهب بعد حسنه، كذلك دنيا الكافر. { وفي الآخرة عذاب شديد} أي للكافرين. والوقف عليه حسن، ويبتدئ { ومغفرة من الله ورضوان} أي للمؤمنين. وقال الفراء { وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة} تقديره إما عذاب شديد وإما مغفرة، فلا يوقف على { شديد} . { وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} هذا تأكيد ما سبق، أي تغر الكفار، فأما المؤمن فالدنيا له متاع بلاغ إلى الجنة. وقيل : العمل للحياة الدنيا متاع الغرور تزهيدا في العمل للدنيا، وترغيبا في العمل للآخرة. قوله تعالى { سابقوا إلى مغفرة من ربكم} أي سارعوا بالأعمال الصالحة التي توجب المغفرة لكم من ربكم. وقيل : سارعوا بالتوبة، لأنها تؤدي إلى المغفرة، قاله الكلبي. وقيل التكبيرة الأولى مع الإمام، قال مكحول. وقيل : الصف الأول. { وجنة عرضها كعرض السماء والأرض} لو وصل بعضها ببعض. قال الحسن : يعني جميع السموات والأرضين مبسوطتان كل واحدة إلى صاحبتها. وقيل : يريد لرجل واحد أي لكل واحد جنة بهذه السعة. وقال ابن كيسان : عني به جنة واحدة من الجنات. والعرض أقل من الطول، ومن عادة العرب أنها تعبر عن سعة الشيء بعرضه دون طوله. قال : كأن بلاد الله وهي عريضة ** على الخائف المطلوب كفة حابل وقد مضى هذا كله في آل عمران . وقال طارق بن شهاب : قال قوم من أهل الحيرة لعمر رضي الله عنه : أرأيت قول الله عز وجل { وجنة عرضها كعرض السماء والأرض} فأين النار؟ فقال لهم عمر : أرأيتم الليل إذا ولى وجاء النهار أين يكون الليل؟ فقالوا : لقد نزعت بما في التوراة مثله. { أعدت للذين آمنوا بالله ورسله} شرط الإيمان لا غير، وفيه تقوية الرجاء. وقد قيل : شرط الإيمان هنا وزاد عليه في آل عمران فقال { أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس} [آل عمران : 133] { ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} أي أن الجنة لا تنال ولا تدخل إلا برحمة الله تعالى وفضله. وقد مضى هذا في الأعراف وغيرها. { والله ذو الفضل العظيم} .

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الحديد الايات 20 - 22


www.alro7.net