سورة
اية:

طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ ۚ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عن المؤمنين، أنهم تمنوا شرعية الجهاد، فلما فرضه اللّه عزَّ وجلَّ وأمر به، نكل عنه كثير من الناس كقوله تبارك وتعالى: { فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية اللّه أو أشد خشية وقالوا ربنا لما كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب} ؟ قال عزَّ وجلَّ ههنا: { ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة} أي مشتملة على القتال { فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت} أي من فزعهم ورعبهم وجبنهم من لقاء الأعداء، ثم قال مشجعاً لهم: { فأولى لهم طاعة وقول معروف} أي وكان لهم الأولى بهم أن يسمعوا ويطيعوا، أي في الحالة الراهنة { فإذا عزم الأمر} أي جد الحال، وحضر القتال { فلو صدقوا اللّه} أي أخلصوا له النية { لكان خيراً لهم} ، وقوله سبحانه وتعالى: { فهل عسيتم إن توليتم} أي عن الجهاد ونكلتم عنه { أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم} ؟ أي تعودوا إلى ما كنتم فيه من الجاهلية الجهلاء، تسفكون الدماء وتقطعون الأرحام، ولهذا قال تعالى: { أولئك الذين لعنهم اللّه فأصمهم وأعمى أبصارهم} وهذا نهي عن الإفساد في الأرض عموماً، وعن قطع الأرحام خصوصاً، بل أمر اللّه تعالى بالإصلاح في الأرض وصلة الأرحام، وقد وردت الأحاديث بذلك عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، روى البخاري عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (خلق اللّه تعالى الخلق، فلما فرغ منه قامت الرحم، فأخذت بحقوي الرحمن عزَّ وجلَّ، فقال: مه، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، فقال تعالى: ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى. قال: فذاك لك) قال أبو هريرة رضي اللّه عنه: اقرأوا إن شئتم { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم} . وروى الإمام أحمد عن أبي بكرة رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (ما من ذنب أحرى أن يعجل اللّه تعالى عقوبته في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم) ""أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة"". وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاء رجل إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: يا رسول اللّه إن لي ذوي أرحام: أصل ويقطعون، وأعفو ويظلمون، وأحسن ويسيئون، أفأكافئهم؟ قال صلى اللّه عليه وسلم: (لا، إذن تتركون جميعاً، ولكن جُدْ بالفضل وصلهم، فإنه لن يزال معك ظهير من اللّه عزَّ وجلَّ ما كنت على ذلك) ""أخرجه الإمام أحمد"". وقال الإمام أحمد عن عبد اللّه بن عمرو رضي اللّه عنهما قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (إن الرحم معلقة بالعرش، وليس الواصل بالمكافيء، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها) ""أخرجه البخاري والإمام أحمد""، وفي الحديث القدسي: (قال اللّه عزَّ وجلَّ أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي، فمن يصلها أصله، ومن يقطعها أقطعه فأبُّته) ""أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي""، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف) وفي الحديث قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (إذا ظهر القول وخزن العمل وائتلفت الألسنة وتباغضت القلوب، وقطع كل ذي رحم رحمه، فعند ذلك لعنهم اللّه وأصمهم وأعمى أبصارهم) ""أخرجه الإمام أحمد""، والأحاديث في هذا كثيرة، واللّه أعلم.

تفسير الجلالين

{ طاعة وقول معروف } أي حسن لك { فإذا عزم الأمر } أي فرض القتال { فلو صدقوا الله } في الإيمان والطاعة { لكان خيرا لهم } وجملة لو جواب إذا .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { طَاعَة وَقَوْل مَعْرُوف } وَهَذَا خَبَر مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره عَنْ قِيل هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ مِنْ قَبْل أَنْ تُنَزَّل سُورَة مُحْكَمَة , وَيُذْكَر فِيهَا الْقِتَال , وَأَنَّهُمْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ : إِنَّ اللَّه مُفْتَرِض عَلَيْكُمْ الْجِهَاد , قَالُوا : سَمْع وَطَاعَة , فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ { إِذَا أُنْزِلَتْ سُورَة } وَفُرِضَ الْقِتَال فِيهَا عَلَيْهِمْ , فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ , وَكَرِهُوهُ { طَاعَة وَقَوْل مَعْرُوف } قَبْل وُجُوب الْفَرْض عَلَيْكُمْ , فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْر كَرِهْتُمُوهُ وَشَقَّ عَلَيْكُمْ . وَقَوْله : { طَاعَة وَقَوْل مَعْرُوف } مَرْفُوع بِمُضْمَرٍ , وَهُوَ قَوْلكُمْ قَبْل نُزُول فَرْض الْقِتَال { طَاعَة وَقَوْل مَعْرُوف } . 24298 - رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس بِإِسْنَادٍ غَيْر مُرْتَضًى أَنَّهُ قَالَ : قَالَ اللَّه تَعَالَى : { فَأَوْلَى لَهُمْ } ثُمَّ قَالَ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ { طَاعَة وَقَوْل مَعْرُوف } فَعَلَى هَذَا الْقَوْل تَمَام الْوَعِيد فَأَوْلَى , ثُمَّ يَسْتَأْنِف بَعْد , فَيُقَال لَهُمْ { طَاعَة وَقَوْل مَعْرُوف } فَتَكُون الطَّاعَة مَرْفُوعَة بِقَوْلِهِ : { لَهُمْ } . وَكَانَ مُجَاهِد يَقُول فِي ذَلِكَ كَمَا : 24299 -حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { طَاعَة وَقَوْل مَعْرُوف } قَالَ : أَمَرَ اللَّه بِذَلِكَ الْمُنَافِقِينَ . وَقَوْله : { طَاعَة وَقَوْل مَعْرُوف } وَهَذَا خَبَر مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره عَنْ قِيل هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ مِنْ قَبْل أَنْ تُنَزَّل سُورَة مُحْكَمَة , وَيُذْكَر فِيهَا الْقِتَال , وَأَنَّهُمْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ : إِنَّ اللَّه مُفْتَرِض عَلَيْكُمْ الْجِهَاد , قَالُوا : سَمْع وَطَاعَة , فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ { إِذَا أُنْزِلَتْ سُورَة } وَفُرِضَ الْقِتَال فِيهَا عَلَيْهِمْ , فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ , وَكَرِهُوهُ { طَاعَة وَقَوْل مَعْرُوف } قَبْل وُجُوب الْفَرْض عَلَيْكُمْ , فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْر كَرِهْتُمُوهُ وَشَقَّ عَلَيْكُمْ . وَقَوْله : { طَاعَة وَقَوْل مَعْرُوف } مَرْفُوع بِمُضْمَرٍ , وَهُوَ قَوْلكُمْ قَبْل نُزُول فَرْض الْقِتَال { طَاعَة وَقَوْل مَعْرُوف } . 24298 - رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس بِإِسْنَادٍ غَيْر مُرْتَضًى أَنَّهُ قَالَ : قَالَ اللَّه تَعَالَى : { فَأَوْلَى لَهُمْ } ثُمَّ قَالَ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ { طَاعَة وَقَوْل مَعْرُوف } فَعَلَى هَذَا الْقَوْل تَمَام الْوَعِيد فَأَوْلَى , ثُمَّ يَسْتَأْنِف بَعْد , فَيُقَال لَهُمْ { طَاعَة وَقَوْل مَعْرُوف } فَتَكُون الطَّاعَة مَرْفُوعَة بِقَوْلِهِ : { لَهُمْ } . وَكَانَ مُجَاهِد يَقُول فِي ذَلِكَ كَمَا : 24299 -حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { طَاعَة وَقَوْل مَعْرُوف } قَالَ : أَمَرَ اللَّه بِذَلِكَ الْمُنَافِقِينَ . ' وَقَوْله : { فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْر } يَقُول : فَإِذَا وَجَبَ الْقِتَال وَجَاءَ أَمْر اللَّه بِفَرْضِ ذَلِكَ كَرِهْتُمُوهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24300 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْر } قَالَ : إِذَا جَدَّ الْأَمْر , هَكَذَا . * - قَالَ مُحَمَّد بْن عَمْرو فِي حَدِيثه , عَنْ أَبِي عَاصِم , وَقَالَ الْحَارِث فِي حَدِيثه , عَنْ الْحَسَن يَقُول : جَدَّ الْأَمْر . وَقَوْله : { فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْر } يَقُول : فَإِذَا وَجَبَ الْقِتَال وَجَاءَ أَمْر اللَّه بِفَرْضِ ذَلِكَ كَرِهْتُمُوهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24300 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْر } قَالَ : إِذَا جَدَّ الْأَمْر , هَكَذَا . * - قَالَ مُحَمَّد بْن عَمْرو فِي حَدِيثه , عَنْ أَبِي عَاصِم , وَقَالَ الْحَارِث فِي حَدِيثه , عَنْ الْحَسَن يَقُول : جَدَّ الْأَمْر . ' وَقَوْله : { فَلَوْ صَدَقُوا اللَّه لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَلَوْ صَدَقُوا اللَّه مَا وَعَدُوهُ قَبْل نُزُول السُّورَة بِالْقِتَالِ بِقَوْلِهِمْ : إِذْ قِيلَ لَهُمْ : إِنَّ اللَّه سَيَأْمُرُكُمْ بِالْقِتَالِ طَاعَة , فَوَفَّوْا لَهُ بِذَلِكَ , لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ فِي عَاجِل دُنْيَاهُمْ , وَآجِل مَعَادهمْ . كَمَا : 24301 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْر } يَقُول : طَوَاعِيَة اللَّه وَرَسُوله , وَقَوْل مَعْرُوف عِنْد حَقَائِق الْأُمُور خَيْر لَهُمْ . * - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة يَقُول : طَاعَة اللَّه وَقَوْل بِالْمَعْرُوفِ عِنْد حَقَائِق الْأُمُور خَيْر لَهُمْ وَقَوْله : { فَلَوْ صَدَقُوا اللَّه لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَلَوْ صَدَقُوا اللَّه مَا وَعَدُوهُ قَبْل نُزُول السُّورَة بِالْقِتَالِ بِقَوْلِهِمْ : إِذْ قِيلَ لَهُمْ : إِنَّ اللَّه سَيَأْمُرُكُمْ بِالْقِتَالِ طَاعَة , فَوَفَّوْا لَهُ بِذَلِكَ , لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ فِي عَاجِل دُنْيَاهُمْ , وَآجِل مَعَادهمْ . كَمَا : 24301 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْر } يَقُول : طَوَاعِيَة اللَّه وَرَسُوله , وَقَوْل مَعْرُوف عِنْد حَقَائِق الْأُمُور خَيْر لَهُمْ . * - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة يَقُول : طَاعَة اللَّه وَقَوْل بِالْمَعْرُوفِ عِنْد حَقَائِق الْأُمُور خَيْر لَهُمْ '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ويقول الذين آمنوا} أي المؤمنون المخلصون. { لولا نزلت سورة} اشتياقا للوحي وحرصا على الجهاد وثوابه. ومعنى { لولا} هلا. { فإذا أنزلت سورة محكمة} لا نسخ فيها. قال قتادة : كل سورة ذكر فيها الجهاد فهي محكمة، وهي أشد القرآن على المنافقين. وفي قراءة عبدالله { فإذا أنزلت سورة محدثة} أي محدثة النزول. { وذكر فيها القتال } أي فرض فيها الجهاد. وقرئ { فإذا أنزلت سورة وذكر فيها القتال } على البناء للفاعل ونصب القتال. { رأيت الذين في قلوبهم مرض } أي شك ونفاق. { ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت} أي نظر مغموصين مغتاظين بتحديد وتحديق، كمن يشخص بصره عند الموت، وذلك لجبنهم عن القتال جزعا وهلعا، ولميلهم في السر إلى الكفار. قوله تعالى { فأولى لهم} قال الجوهري : وقولهم : أولى لك، تهديد ووعيد. قال الشاعر : فأولى ثم أولى ثم أولى ** وهل للدر يحلب من مرد قال الأصمعي : معناه قاربه ما يهلكه، أي نزل به. وأنشد : فعادى بين هاديتين منها ** وأولى أن يزيد على الثلاث أي قارب أن يزيد. قال ثعلب : ولم يقل أحد في أولى أحسن مما قال الأصمعي. وقال المبرد : يقال لمن هم بالعطب ثم أفلت : أولى لك، أي قاربت العطب. كما روي أن أعرابيا كان يوالي رمي الصيد فيفلت منه ليقول : أولى لك. ثم رمى صيدا فقاربه ثم أفلت منه فقال : فلو كان أولى يطعم القوم صدتهم ** ولكن أولى يترك القوم جوعا وقيل : هو كقول الرجل لصاحبه : يا محروم، أي شيء فاتك وقال الجرجاني : هو مأخوذ من الويل، فهو أفعل، ولكن فيه قلب، وهو أن عين الفعل وقع موقع اللام. وقد تم الكلام على قوله { فأولى لهم} . قال قتادة : كأنه قال العقاب أولى لهم. وقيل : أي وليهم المكروه. ثم قال { طاعة وقول معروف} أي طاعة وقول معروف أمثل وأحسن، وهو مذهب سيبويه والخليل. وقيل : إن التقدير أمرنا طاعة وقول معروف، فحذف المبتدأ فيوقف على { فأولى لهم } . وكذا من قدر يقولون منا طاعة. وقيل : إن الآية الثانية متصلة بالأولى. واللام في قوله { لهم } بمعنى الباء، أي الطاعة أولى وأليق بهم، وأحق لهم من ترك أمتثال أمر الله. وهي قراءة أبي { يقولون طاعة} . وقيل إن { طاعة} نعت لـ { سورة} ، على تقدير : فإذا أنزلت سورة ذات طاعة، فلا يوقف على هذا على { فأولى لهم} . قال ابن عباس : إن قولهم { طاعة} إخبار من الله عز وجل عن المنافقين. والمعنى لهم طاعة وقول معروف، قيل : وجوب الفرائض عليهم، فإذا أنزلت الفرائض شق عليهم نزولها. فيوقف على هذا على { فأولى} . { فإذا عزم الأمر} أي جد القتال، أو وجب فرض القتال، كرهوه. فكرهوه جواب { إذا} وهو محذوف. وقيل : المعنى فإذا عزم أصحاب الأمر. { فلو صدقوا الله} أي في الإيمان والجهاد. { لكان خيرا لهم} من المعصية والمخالفة.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة محمد الايات 16 - 22

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

قوله تعالى: { طَاعَةٌ... } [محمد: 21] بعد
{  فَأَوْلَىٰ لَهُمْ }
[محمد: 20] تجعلنا نصرف نظرنا عن إثبات الهلاك لهم ونقول: طاعة منهم لأمر الله، وقول معروف أوْلَى من موقفهم وأوْلَى من نفاقهم.

{ فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْرُ... } [محمد: 21] يعني: صمم وجنّد عزيمته للعمل، كما قال سبحانه:
{  فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ... }
[آل عمران: 159] لكن هل الأمر هو الذي يعزم أم صاحبه؟

إذن: هنا مبالغة جعلتْ من الأمر المعنى شخصاً يعزم و يصمم ويعقد العزم على العمل، ذلك لأن الحديث هنا عن القتال، والقتال هو أشقّ ما يمكن أنْ يتحمله المرء، لأنه يعني إما الشهادة وإما النصر على العدو.


{  قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ }
[التوبة: 52].

إذن: { فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْرُ... } [محمد: 21] أبلغ في التعبير عن المعنى من: عزمت أنت على الأمر، فكأن الأمر نفسه هو الذي يُلح عليك، ولا يلح عليك الأمر إلا إذا كان فيه خير كثير لك، وهل هناك أفضل من الشهادة في سبيل الله؟

وقصة مخيريق اليهودي مشهورة، فعبد أنْ أعلن إسلامه نُودي للقتال فخرج وقاتل حتى قُتل ودخل الجنة وهو لم يُصَلِّ لله ركعة واحدة.

لذلك قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم: " مُخيريق خير يهود " صحيح احرص على الموت توهب لك الحياة، الحياة الباقية مع الله في الجنة.

وقوله: { فَلَوْ صَدَقُواْ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ } [محمد: 21] أي: صدّقوه في أوامره ومنهجه لكان خيراً لهم، والخير هنا هو البراءة من الموت بعد ذلك؛ لأنه جاد بنفسه طواعية في سبيل الله؛ فوهبه الله الحياة عنده.


www.alro7.net