سورة
اية:

هَٰذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ

تفسير بن كثير

التفسير من اية رقم 20 الى 26

يخبر تعالى عن الكفار يوم القيامة، أنهم يرجعون على أنفسهم بالملامة، ويعترفون بأنهم كانوا ظالمين لأنفسهم، فإذا عاينوا أهوال القيامة، ندموا كل الندامة حيث لا ينفعهم الندم، { وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين} ، فتقول لهم الملائكة والمؤمنون: { هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون} على وجه التقريع والتوبيخ، ويأمر اللّه تعالى الملائكة أن تميز الكفار من المؤمنين، في الموقف في محشرهم ومنشرهم، ولهذا قال تعالى: { احشروا الذين ظلموا وأزواجهم} ، قال النعمان بن بشير: يعني بأزواجهم أشباههم وأمثالهم وكذا قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد والسدي وأبو العالية وغيرهم. وروي عن ابن عباس أنه قال: { أزواجهم} نساؤهم، وهو غريب والمعروف عنه الأول ؛ وعن عمر بن الخطاب: { وأزواجهم} قال: إخوانهم، وقال النعمان: سمعت عمر يقول: { احشروا الذين ظلموا وأزواجهم} قال: أشباههم، قال: يجيء أصحاب الزنا مع أصحاب الزنا، وأصحاب الربا مع أصحاب الربا، وأصحاب الخمر مع أصحاب الخمر، وقال ابن عباس: { أزواجهم} قرناءهم، { وما كانوا يعبدون من دون اللّه} أي من الأصنام والأنداد تحشر معهم في أماكنهم، وقوله تعالى: { فاهدوهم إلى صراط الجحيم} أي أرشدوهم إلى طريق جهنم، وهذا كقوله تعالى: { مأواهم جهنم كلما خبت زنادهم سعيراً} ، وقوله تعالى: { وقفوهم إنهم مسؤولون} أي قفوهم حتى يسألوا عن أعمالهم وأقوالهم، التي صدرت عنهم في الدار الدنيا، قال ابن عباس: يعني احبسوهم إنهم محاسبون، وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (أيما داع دعا إلى شيء كان موقوفاً معه إلى يوم القيامة لا يغادره ولا يفارقه، وإن دعا رجل رجلاً) ثم قرأ: { وقفوهم إنهم مسؤولون} "رواه ابن أبي حاتم وابن جرير والترمذي عن أنَس بن مالك مرفوعاً" وقال ابن المبارك: (إن أول ما يسأل عنه الرجل جلساؤه: ثم يقال لهم على سبيل التقريع والتوبيخ { ما لكم لا تناصرون؟} أي كما زعمتم أنكم جميع منتصر؟ { بل هم اليوم مستسلمون} أي منقادون لأمر اللّه لا يخالفونه ولا يحيدون عنه، واللّه أعلم.

تفسير الجلالين

{ هذا يوم الفصل } بين الخلائق { الذي كنتم به تكذبون } ويقال للملائكة .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { هَذَا يَوْم الْفَصْل الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : هَذَا يَوْم فَصْل اللَّه بَيْن خَلْقه بِالْعَدْلِ مِنْ قَضَائِهِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ فِي الدُّنْيَا فَتُنْكِرُونَهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22458 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { هَذَا يَوْم الْفَصْل الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ } يَعْنِي : يَوْم الْقِيَامَة . 22459 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , فِي قَوْله : { هَذَا يَوْم الْفَصْل } قَالَ : يَوْم يَقْضِي بَيْن أَهْل الْجَنَّة وَأَهْل النَّار وَقَوْله : { هَذَا يَوْم الْفَصْل الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : هَذَا يَوْم فَصْل اللَّه بَيْن خَلْقه بِالْعَدْلِ مِنْ قَضَائِهِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ فِي الدُّنْيَا فَتُنْكِرُونَهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22458 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { هَذَا يَوْم الْفَصْل الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ } يَعْنِي : يَوْم الْقِيَامَة . 22459 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , فِي قَوْله : { هَذَا يَوْم الْفَصْل } قَالَ : يَوْم يَقْضِي بَيْن أَهْل الْجَنَّة وَأَهْل النَّار '

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { قل نعم} أي نعم تبعثون. { وأنتم داخرون} أي صاغرون أذلاء؛ لأنهم إذا رأوا وقوع ما أنكروه فلا محالة يذلون. وقيل : أي ستقوم القيامة وإن كرهتم، فهذا أمر واقع على رغمكم وإن أنكرتموه اليوم بزعمكم. { فإنما هي زجرة واحدة} أي صيحة واحدة، قاله الحسن وهي النفخة الثانية. وسميت الصيحة زجرة؛ لأن مقصودها الزجر أي يزجر بها كزجر الإبل والخيل عند السوق. { فإذا هم} قيام. قوله تعالى: { ينظرون} أي ينظر بعضهم إلى بعض. وقيل : المعنى ينتظرون ما يفعل بهم. وقيل : هي مثل قوله: { فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا} { الأنبياء : 97]. وقيل : أي ينظرون إلى البعث الذي أنكروه. قوله تعالى: { وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين} نادوا على أنفسهم بالويل؛ لأنهم يومئذ يعلمون ما حل بهم. وهو منصوب على أنه مصدر عند البصريين. وزعم الفراء أن تقديره : ياوي لنا، ووي بمعنى حزن. النحاس : ولو كان كما قال لكان منفصلا وهو في المصحف متصل، ولا نعلم أحدا يكتبه إلا متصلا. و { يوم الدين} يوم الحساب. وقيل : يوم الجزاء. { هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون} قيل : هو من قول بعضهم لبعض؛ أي هذا اليوم الذي كذبنا به. وقيل : هو قول الله تعالى لهم. وقيل : من قول الملائكة؛ أي هذا يوم الحكم بين الناس فيبين المحق من المبطل. فـ { فريق في الجنة وفريق في السعير} [الشورى : 7].

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الصّافات الايات 19 - 47

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

قوله تعالى { فَإِنَّمَا هِيَ } [الصافات: 19] أي: مسألة البعث { زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ } [الصافات: 19] صيحة واحدة، أو نفخة واحدة كافية لأن تُخرِجهم من قبورهم { فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ } [الصافات: 19] لا أننا سنذهب إلى كل واحد منهم ونوقظه (اصحى يا فلان) إذن: البعث الذي تكذِّبون به أمرُه يسير علينا، ولا يُكلِّفنا شيئاً.

والصيحة في ذاتها لا تبعث الموتى، إنما هي مجرد إذْنٍ للملَك، بأن يباشر مهمته، فهي مثل الجرس الذي يُبْدأ به العمل، فبعد الزَّجْرة { فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ } [الصافات: 19] هكذا مباشرة؛ لأن إذا هنا تدل على المفاجأة، فالأمر لن يستغرق وقتاً، وأول ما يقومون من القبور ينظرون أي: هنا وهناك؛ لأنهم سيروْنَ أمراً عجيباً لا عَهْدَ لهم به، وسيُفاجئهم ما كانوا يُكذِّبون به في الدنيا.

لذلك حكى القرآن عنهم في آية أخرى:
{  رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا }
[السجدة: 12] وهي أول آية في القرآن يتقدم فيها البصر على السمع؛ لأنهم أول ما يفاجئهم يفاجئهم منظرٌ جديد لم يَرَوْهُ من قَبْل، فينظرون إليه.

فإذا ما عاينوا هذا المنظر، قالوا: { يٰوَيْلَنَا هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ * هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ } [الصافات: 20-21] هم الذين يقولون، وهم الذين يدْعُون على أنفسهم بالوَيْل والثبور، لا نقولها نحن ويلكم، بل يقولونها هم { يٰوَيْلَنَا } [الصافات: 20] يعني: احضر، فهذا أوانك؛ لأنهم الآن تكشَّفَتْ لهم الحقائق وبَانَ كذبُهم وفسادُ تفكيرهم، وما كانوا فيه في الدنيا من اللَّدَد والعناد، وأول ما يتبين للإنسان فسادُ تفكيره وسوء عمله أوَّل ما يلوم يلوم نفسه، فيدعو عليها.

وقولهم: { هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ } [الصافات: 20] يعني: يوم الجزاء على الأعمال، هذا الجزاء الذي لم يؤمنوا به في الدنيا، ها هم يعترفون به، أو { هَـٰذَا يَوْمُ ٱلدِّينِ } [الصافات: 20] يعني: هذا هو اليوم الذي ينفع فيه الدين، كما تقول لولدك وهو مُقبل على الامتحان: هذا يوم المذاكرة. يعني: اليوم الذي لا تنفعك فيه إلا مذاكرتك.

ثم يقولون: { هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ } [الصافات: 21] ثم يعترفون { ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ } [الصافات: 21] والفصل لا يكون إلا في الخصومة، والخصومة هنا كانت بين الرسل وأقوامهم المكذِّبين لهم والمعاندين، ومثْل هذه الخصومة لا يُنهيها الجدل؛ لأن المكذبين لديهم لدَد وعناد، وقد لا يُنهيها السيف حتى يموت الظالم دون أنْ يقتصَّ منه.

إذن: لا بُدَّ أنْ يأتي يوم للقصاص وللفصل في هذه الخصومات؛ لذلك قال أحدهم: والله لا يموت ظلوم حتى ينتقمَ الله منه، فقال الآخر: كيف وفلان ظلم كثيراً ولم نَرَ فيه شيئاً؟ قال: والله، إن وراء هذه الدار داراً أخرى يُجَازَى فيها المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.

نعم، لا بُدَّ من هذا اليوم، وإلا لَكانَ الظالم أحظَّ من المظلوم.


www.alro7.net