سورة
اية:

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ السَّعِيرِ

تفسير بن كثير

يقول تعالى منبهاً خلقه على نعمه عليهم في الدنيا والآخرة، بأنه سخر لهم ما في السموات، من نجوم يستضيئون بها في ليلهم ونهارهم، وما يخلق فيها من سحاب وأمطار، وما خلق لهم في الأرض من أنهار وأشجار وزروع وثمار، وأسبغ عليهم نعمه الظاهرة والباطنة، ثم مع هذا كله ما آمن الناس كلهم، بل منهم من يجادل في اللّه أي في توحيده وإرساله الرسل، ومجادلته في ذلك بغير علم ولا مستند، من حجة صحيحة ولا كتاب مأثور صحيح، ولهذا قال تعالى: { ومن الناس من يجادل في اللّه بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير} أي مبين مضيء { وإذا قيل لهم} أي هؤلاء المجادلين في توحيد اللّه { اتبعوا ما أنزل اللّه} أي على رسوله من الشرائع المطهرة، { قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا} أي لم يكن لهم حجة إلا اتباع الآباء الأقدمين، قال اللّه تعالى: { أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون} أي فما ظنكم أيها المحتجون بصنيع آبائهم أنهم كانوا على ضلالة وأنتم خلف لهم فيما كانوا فيه، ولهذا قال تعالى: { أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير} .

تفسير الجلالين

{ وإذا قيل لهم اتَّبعوا ما أَنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا } قال تعالى: { أ } يتبعونه { ولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير } أي موجباته؟ لا.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّه قَالُوا بَلْ نَتَّبِع مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَإِذَا قِيلَ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي تَوْحِيد اللَّه جَهْلًا مِنْهُمْ بِعَظَمَةِ اللَّه : اتَّبِعُوا أَيّهَا الْقَوْم مَا أَنْزَلَ اللَّه عَلَى رَسُوله , وَصَدِّقُوا بِهِ , فَإِنَّهُ يُفَرِّق بَيْن الْمُحِقّ مِنَّا وَالْمُبْطِل , وَيَفْصِل بَيْن الضَّالّ وَالْمُهْتَدِي , فَقَالُوا : بَلْ نَتَّبِع مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا مِنَ الْأَدْيَان , فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَهْل حَقّ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّه قَالُوا بَلْ نَتَّبِع مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَإِذَا قِيلَ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي تَوْحِيد اللَّه جَهْلًا مِنْهُمْ بِعَظَمَةِ اللَّه : اتَّبِعُوا أَيّهَا الْقَوْم مَا أَنْزَلَ اللَّه عَلَى رَسُوله , وَصَدِّقُوا بِهِ , فَإِنَّهُ يُفَرِّق بَيْن الْمُحِقّ مِنَّا وَالْمُبْطِل , وَيَفْصِل بَيْن الضَّالّ وَالْمُهْتَدِي , فَقَالُوا : بَلْ نَتَّبِع مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا مِنَ الْأَدْيَان , فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَهْل حَقّ .' قَالَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره { أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَان يَدْعُوهُمْ } بِتَزْيِينِهِ لَهُمْ سُوء أَعْمَالهمْ , وَاتِّبَاعهمْ إِيَّاهُ عَلَى ضَلَالَتهمْ , وَكُفْرهمْ بِاللَّهِ وَتَرْكهمْ اتِّبَاع مَا أَنْزَلَ اللَّه مِنْ كِتَابه عَلَى نَبِيّه { إِلَى عَذَاب السَّعِير } يَعْنِي : عَذَاب النَّار الَّتِي تَتَسَعَّر وَتَلْتَهِب .قَالَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره { أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَان يَدْعُوهُمْ } بِتَزْيِينِهِ لَهُمْ سُوء أَعْمَالهمْ , وَاتِّبَاعهمْ إِيَّاهُ عَلَى ضَلَالَتهمْ , وَكُفْرهمْ بِاللَّهِ وَتَرْكهمْ اتِّبَاع مَا أَنْزَلَ اللَّه مِنْ كِتَابه عَلَى نَبِيّه { إِلَى عَذَاب السَّعِير } يَعْنِي : عَذَاب النَّار الَّتِي تَتَسَعَّر وَتَلْتَهِب .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض} ذكر نعمه على بني آدم، وأنه سخر لهم { ما في السموات} من شمس وقمر ونجوم وملائكة تحوطهم وتجر إليهم منافعهم. { وما في الأرض} عام في الجبال والأشجار والثمار وما لا يحصى. { وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة} أي أكملها وأتمها. وقرأ ابن عباس ويحيى بن عمارة { وأصبغ} بالصاد على بدلها من السين؛ لأن حروف الاستعلاء تجتذب السين من سفلها إلى علوها فتردها صادا. والنعم : جمع نعمة كسدرة وسدر (بفتح الدال) وهي قراءة نافع وأبي عمرو وحفص. الباقون "نعمة" على الإفراد؛ والإفراد يدل على الكثرة؛ كقوله تعالى: { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} إبراهيم : 34]. وهي قراءة ابن عباس من وجوه صحاح. وقيل : إن معناها الإسلام؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس وقد سأله عن هذه الآية : (الظاهرة الإسلام وما حسن من خلقك، والباطنة ما ستر عليك من سيئ عملك). قال النحاس : وشرح هذا أن سعيد بن جبير قال في قول الله عز وجل: { ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم} المائدة : 6] قال : يدخلكم الجنة. وتمام نعمة الله عز وجل على العبد أن يدخله الجنة، فكذا لما كان الإسلام يؤول أمره إلى الجنة سمي نعمة. وقيل : الظاهرة الصحة وكمال الخلق، والباطنة المعرفة والعقل. وقال المحاسبي : الظاهرة نعم الدنيا، والباطنة نعم العقبى. وقيل : الظاهرة ما يرى بالأبصار من المال والجاه والجمال في الناس وتوفيق الطاعات، والباطنة ما يجده المرء في نفسه من العلم بالله وحسن اليقين وما يدفع الله تعالى عن العبد من الآفات. وقد سرد الماوردي في هذا أقوالا تسعة، كلها ترجع إلى هذا. قوله تعالى: { ومن الناس من يجادل في الله} تقدمت. نزلت في يهودي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد، أخبرني عن ربك، من أي شيء هو؟ فجاءت صاعقة فأخذته؛ قاله مجاهد. وقد مضى هذا في "الرعد". وقيل : إنها نزلت في النضر بن الحارث، كان يقول : إن الملائكة بنات الله؛ قاله ابن عباس. { يجادل} يخاصم { بغير علم} أي بغير حجة { ولا هدى ولا كتاب منير} أي نير بين؛ إلا الشيطان فيما يلقي إليهم. { وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم} الأنعام : 121] وإلا تقليد الأسلاف كما في الآية بعد. { أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير} فيتبعونه.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة لقمان الايات 20 - 22

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

كلمة { مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ.. } [لقمان: 21] عامة تشمل كل الكتب المنزَّلة، وأقرب شيء في معناها أن نقول: اتبعوا ما أنزل الله على رسلكم الذين آمنتم بهم، ولو فعلتم ذلك لَسلَّمتم بصدق رسول الله وأقررتم برسالته.

أو: يكون المعنى { ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ.. } [لقمان: 21] أي: تصحيحاً للأوضاع، واعرضوه على عقولكم وتأملوه.

لكن يأتي ردهم: (بَلْ) وبل تفيد إضرابهم عما أنزل الله { نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا.. } [لقمان: 21] وفي آية أخرى
{  قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ... }
[البقرة: 170]

فما الفرق بين (وجدنا) و (ألفينا) وهما بمعنى واحد؟ قالوا: لأن أعمار المخاطبين مختلفة في صُحْبة آبائهم والتأثر بهم، فبعضهم عاش مع آبائه يُقلِّدهم فترة قصيرة، وبعضهم عاصر الآباء فترة طويلة حتى أَلف ما هم عليه وعشقه؛ لذلك قال القرآن مرة (أَلْفيْنَا) ومرة (وَجَدَنْا).

والاختلاف الثاني نلحظه في اختلاف تذييل الآيتين، فمرة يقول:
{  أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ }
[البقرة: 170] ومرة أخرى يقول:
{  أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ }
[المائدة: 104]

فما الفرق بين: يعقلون ويعلمون؟

الذي يعقل هو الذي يستطيع بعقله أنْ يستنبط الأشياء، فإذا لم يكن لديه العقل الاستنباطي عرف المسألة ممَّنْ يستنبطها، وعليه فالعلم أوسع دائرة من العقل؛ لأن العقل يعلم ما عقله، أما العلم فيعلم ما عقله هو ما عقله غيره، فقوله (يَعْلَمُونَ) تشمل أيضاً (يَعْقِلوُن).

إذن: إذا نُفي العقل لا يُنفي العلم؛ لأن غيرك يستنبط لك فالرجل الريفي البسيط يستطيع أن يدير التلفزيون مثلاً ويستفيد به ويتجول بين قنواته، وهو لا يعرف شيئاً عن طبيعة عمل هذا الجهاز الذي بين يديه، إنما تعلَّمه من الذي يعلمه، فالإنسان يعلم ما يعقله بذاته، ويعلم ما يعقله غيره، ويؤديه إليه؛ لذلك فنَفْي العلم دليل على الجهل المطبق الذي لا أملَ معه في إصلاح الحال.

ونلحظ أيضاً أن القرآن يقول هنا: { قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا.. } [لقمان: 21]، وفي موضع آخر يقول:
{  قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ... }
[المائدة: 104] فقولهم: نتبع ما وجدنا عليه آباءنا فيه دلالة على إمكانية اتباعهم الحق، فالإنكار هنا بسيط، أما الذين قالوا
{  حَسْبُنَا... }
[المائدة: 104] يعني: يكفينا ولا نريد غيره، فهو دلالة على شدة الإنكار؛ لذلك في الأولى نفى عنهم العقل، أما في الأخرى فنفى عنهم العلم، فعَجُز الآيات يأتي مناسباً لصدرها.

وهنا يقول تعالى في تذييل هذه الآية { أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ } [لقمان: 21] لأن آباءهم ما ذهبوا إلى ما ذهبوا إليه من عبادة الأصنام والكفر بالله إلا بوسوسة الشيطان، فالشيطان قَدْر مشترك بينهم وبين آبائهم.

وهذا يدلنا على أن منافذ الإغواء مرة تأتي من النفس، ومرة تأتي من الشيطان، وبهما يُطمس نور الإيمان ونور المنهج في نفس المؤمن.وسبق أنْ بينَّا أنك تستطيع أن تفرق بين المعصية التي تأتيك من قِبَل الشيطان، والتي تأتيك من قِبَل نفسك، فالشيطان يريدك عاصياً على أيِّ وجه من الوجوه، فإذا تأبيْتَ عليه في ناحية نقلك إلى ناحية أخرى.

أما النفس فتريد معصية بعينها تقف عندها لا تتحول عنها، فالنفس تميل إلى شيء بعينه، ويصعب عليها أنْ تتوبَ منه، ولكل نفس نقطة ضعف أو شهوة تفضلها؛ لذلك بعض الناس لديهم كما قلنا (طفاشات) للنفوس؛ لأنهم بالممارسة والتجربة يعرفون نقطة الضعف في الإنسان ويصلون إليه من خلالها، فهذا مدخله كذا، وهذا مدخله كذا.

لكن نرى الكثيرين ممن يقعون في المعصية يُلْقون بالتبعة على الشيطان، فيقول الواحد منهم: لقد أغواني الشيطان، ولا يتهم نفسه، وهذا يكذّبه الحديث النبوي في رمضان:

" إذا جاء رمضان فُتِحت أبواب الجنة، وغُلِّقت أبواب النار، وصُفِّدت الشياطين ".

فلو أن المعاصي كلها من قِبَل الشيطان ما رأينا معصية في رمضان، ولا ارتكبت فيه جريمة، أما وتقع فيه المعاصي وتُرتكب الجرائم، فلا بُدَّ أن لها سبباً آخر غير الشيطان؛ لأن الشياطين مُصفَّدة فيه مقيدة.

ثم يقول الحق سبحانه: { وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ... }.


www.alro7.net