سورة
اية:

أُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ

تفسير بن كثير

يبيّن تعالى حال المفترين عليه وفضيحتهم في الدار الآخرة على رؤوس الخلائق، كما ورد عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (إن اللّه عزَّ وجلَّ يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه ويستره من الناس، ويقرره بذنوبه، ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد هلك، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون فيقول: { الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة اللّه على الظالمين} ) ""أخرجه البخاري ومسلم وأحمد عن ابن عمر رضي اللّه عنهما""الآية. وقوله: { الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا} أي يردون عن اتباع الحق، وسلوك طريق الهدى الموصلة إلى اللّه عزَّ وجلَّ، { ويبغونها عوجا} أي ويريدون أن يكون طريقهم { عوجا} غير معتدلة، { وهم بالآخرة هم كافرون} أي جاحدون بها مكذبون بوقوعها، { أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون اللّه من أولياء} أي بل كانوا تحت قهره وغلبته، وفي قبضته وسلطانه، وهو قادر على الانتقام منهم، ولكنْ { يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار} ، وفي الصحيحين: (إن اللّه ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)، ولهذا قال تعالى: { يضاعف لهم العذاب} ، الآية، أي يضاعف عليهم العذاب، وذلك أن اللّه تعالى جعل لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدة، فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم، بل كانوا صماً عن سماع الحق، عمياً عن اتباعه، كما أخبر تعالى عنهم حين دخولهم النار { وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} . وقوله تعالى: { أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون} أي خسروا أنفسهم لأنهم أدخلوا ناراً حامية، فهم معذبون فيها لا يفتر عنهم من عذابها، كما قال تعالى: { كلما خبت زدناهم سعيرا} ، { وضل عنهم} أي ذهب عنهم، { ما كانوا يفترون} ، من دون اللّه من الأنداد والأصنام فلم تجد عنهم شيئا بل ضرتهم كل الضرر، كما قال تعالى: { وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين} ، وقال تعالى: { سيكفرون بعبادتهم ويكون عليهم ضدا} ، وقال الخليل لقومه: { ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين} إلى غير ذلك من الآيات الدالة على خسرهم ودمارهم، ولهذا قال: { لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون} ، يخبر تعالى عن مآلهم بأنهم أخسر الناس في الآخرة، لأنهم اعتاضوا عن نعيم الجنان بحميم آن، وعن الحور العين بطعام من غسلين، وعن القصور العالية بالهاوية، فلا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون.

تفسير الجلالين

{ أولئك الذين خسروا أنفسهم } لمصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم { وضلَّ } غاب { عنهم ما كانوا يفترون } على الله من دعوى الشريك .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسهمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هَذِهِ صِفَتهمْ , هُمْ الَّذِينَ غَبَنُوا أَنْفُسهمْ حُظُوظهَا مِنْ رَحْمَة اللَّه . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسهمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هَذِهِ صِفَتهمْ , هُمْ الَّذِينَ غَبَنُوا أَنْفُسهمْ حُظُوظهَا مِنْ رَحْمَة اللَّه .' { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } وَبَطَلَ كَذِبهمْ وَإِفْكهمْ وَفِرْيَتهمْ عَلَى اللَّه بِادِّعَائِهِمْ لَهُ شُرَكَاء , فَسَلَكَ مَا كَانُوا يَدْعُونَهُ إِلَهًا مِنْ دُون اللَّه غَيْر مَسْلَكهمْ , وَأَخَذَ طَرِيقًا غَيْر طَرِيقهمْ , فَضَلَّ عَنْهُمْ , لِأَنَّهُ سَلَكَ بِهِمْ إِلَى جَهَنَّم , وَصَارَتْ آلَتهمْ عَدَمًا لَا شَيْء , لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي الدُّنْيَا حِجَارَة أَوْ خَشَبًا أَوْ نُحَاسًا , أَوْ كَانَ لِلَّهِ وَلِيًّا , فَسَلَكَ بِهِ إِلَى الْجَنَّة , وَذَلِكَ أَيْضًا غَيْر مَسْلَكهمْ , وَذَلِكَ أَيْضًا ضَلَال عَنْهُمْ . { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } وَبَطَلَ كَذِبهمْ وَإِفْكهمْ وَفِرْيَتهمْ عَلَى اللَّه بِادِّعَائِهِمْ لَهُ شُرَكَاء , فَسَلَكَ مَا كَانُوا يَدْعُونَهُ إِلَهًا مِنْ دُون اللَّه غَيْر مَسْلَكهمْ , وَأَخَذَ طَرِيقًا غَيْر طَرِيقهمْ , فَضَلَّ عَنْهُمْ , لِأَنَّهُ سَلَكَ بِهِمْ إِلَى جَهَنَّم , وَصَارَتْ آلَتهمْ عَدَمًا لَا شَيْء , لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي الدُّنْيَا حِجَارَة أَوْ خَشَبًا أَوْ نُحَاسًا , أَوْ كَانَ لِلَّهِ وَلِيًّا , فَسَلَكَ بِهِ إِلَى الْجَنَّة , وَذَلِكَ أَيْضًا غَيْر مَسْلَكهمْ , وَذَلِكَ أَيْضًا ضَلَال عَنْهُمْ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى ‏ { ‏أولئك الذين خسروا أنفسهم‏} ‏ ابتداء وخبر‏.‏ { ‏وضل عنهم ما كانوا يفترون‏} ‏ أي ضاع عنهم افتراؤهم وتلف‏.‏ ‏ { لا جرم‏} ‏ للعلماء فيها أقوال؛ فقال الخليل وسيبويه ‏ { ‏لا جرم‏} ‏ بمعنى حق، فـ ‏ { ‏لا‏} ‏ و‏ { ‏جرم‏} ‏ عندهما كلمة واحدة، و‏ { ‏أن‏} ‏ عندهما في موضع رفع؛ وهذا قول الفراء ومحمد بن يزيد؛ حكاه النحاس‏.‏ قال المهدوي‏:‏ وعن الخليل أيضا أن معناها لابد ولا محالة، وهو قول الفراء أيضا؛ ذكره الثعلبي‏.‏ وقال الزجاج‏ { ‏لا‏} ‏ ها هنا نفي وهو رد لقولهم‏:‏ إن الأصنام تنفعهم؛ كأن المعنى لا ينفعهم ذلك، وجرم بمعنى كسب؛ أي كسب ذلك الفعل لهم الخسران، وفاعل كسب مضمر، و‏ { ‏أن‏} ‏ منصوبة بجرم، كما تقول كسب جفاؤك زيدا غضبه عليك؛ وقال الشاعر‏:‏ نصبنا رأسه في جذع نخل ** بما جرمت يداه وما اعتدينا أي بما كسبت‏.‏ وقال الكسائي‏:‏ معنى ‏ { جرم‏} ‏ لا صد ولا منع عن أنهم‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى لا قطع قاطع، فحذف الفاعل حين كثر استعماله؛ والجرم القطع؛ وقد جرم النخل واجترمه أي صرمه فهو جارم، وقوم جرَّم وجرام وهذا زمن الجَرَام والجِرَام، وجرمت صوف الشاة أي جززته، وقد جرمت منه أي أخذت منه؛ مثل جلمت الشيء جلما أي قطعت، وجلمت الجزور أجلمها جلما إذا أخذت ما على عظامها من اللحم، وأخذت الشيء بجلمته - ساكنة اللام - إذا أخذته أجمع، وهذه جلمة الجزور - بالتحريك - أي لحمها أجمع؛ قاله الجوهري‏.‏ قال النحاس‏:‏ وزعم الكسائي أن فيها أربع لغات‏:‏ لا جرم، ولا عن ذا جرم؛ ولا أن ذا جرم، قال‏:‏ وناس من فزارة يقولون‏:‏ لا جر أنهم بغير ميم‏.‏ وحكى الفراء فيه لغتين أخريين قال‏:‏ بنو عامر يقولون لا ذا جرم، قال‏:‏ وناس من العرب‏.‏ يقولون‏:‏ لا جرم بضم الجيم‏.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة هود الايات 19 - 23

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

إذن: فهم خسروا أنفسهم؛ لأنهم بظلم النفس وإعطائها شهوة عاجلة زمنها قليل، أخذوا عذاباً آجلاً زمنه خالد.

وفي هذا ظلم للنفس، وهذه قمة الخيبة، وهذا يدل على اختلال الموازين،

وأنت قد تظلم غيرك فتأخذ من عنده بعضاً من الخير لتستفيد به، وبذلك تظلم الغير لصالح نفسك.

وظلم النفس يعني أنك تعطيها متعة عاجلة وتغفل عنها عذاباً آجلاً، والمتعة العاجلة لها مدة محدودة، أما العذاب فلا مدة تحدده.

ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى:

{ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } [هود: 21].

أي: لم يهتد إليهم ما كانوا يعبدونهم من دون الله، ولو كان لهؤلاء الذين عبدوهم قوة يوم القيامة؛ لهرعوا إليهم ليستنقذوهم من العذاب، ولكنهم بلا حول ولا قوة؛ لأن الحق سبحانه قد حكم على هؤلاء الكافرين، وقال:


{  وَمَا لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ }
[التوبة: 74].

وكذلك هؤلاء الآلهة المعبودة من دون الله تعالى، أو شركاء مع الله، لا يهتدون إليهم، حتى بفرض قدرتهم على النصرة، فتلك الآلهة أو الشركاء لا يهتدون إليهم، ولا يعرفون لهم مكاناً.

وقول الحق سبحانه: { وَضَلَّ عَنْهُمْ } [هود: 21].

أي: غاب وتاه عنهم.

وقوله سبحانه: { مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } [هود: 21].

أي: ما كانوا يدَّعونه كذباً.

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ }


www.alro7.net