سورة
اية:

وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ ۖ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ ۗ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ

تفسير بن كثير

يوم الآزفة: اسم من أسماء يوم القيامة، وسميت بذلك لاقترابها، كما قال تعالى: { أزفت الآزفة ليس لها من دون اللّه كاشفة} ، وقال عزَّ وجلَّ: { اقتربت الساعة وانشق القمر} وقال جل وعلا: { فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا} الآية، وقوله تبارك وتعالى: { إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين} . قال قتادة: وقفت القلوب في الحناجر من الخوف، فلا تخرج ولا تعود إلى أماكنها وكذا قال عكرمة والسدي وغير واحد، ومعنى { كاظمين} أي ساكتين لا يتكلم أحد إلا بإذنه { لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً} ، وقال ابن جريج { كاظمين} أي باكين، وقوله سبحانه { ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع} ، أي ليس للذين ظلموا من قريب ينفعهم، ولا شفيع يشفع فيهم، بل قد تقطعت بهم الأسباب من كل خير، وقوله تعالى: { يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور} يخبر عزَّ وجلَّ عن علمه التام المحيط بجميع الأشياء، جليلها وحقيرها، صغيرها وكبيرها، دقيقها ولطيفها ليحذر الناس ربهم، فيتقوه حق تقواه، ويراقبوه مراقبة من يعلم أنه يراه، فإنه عزَّ وجلَّ يعلم العين الخائنة، ويلعم ما تنطوي عليه خبايا الصدور من الضمائر والسرائر، قال ابن عباس { يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور} : هو الرجل يدخل على أهل البيت بيتهم، وفيهم المرأة الحسناء، أو يمروا به وبهم المرأة الحسناء، فإذا غفلوا لحظ إليها، فإذا فطنوا غض بصره عنها، فإذا غفلوا لحظ، فإذا فطنوا غض، وقد اطلع اللّه تعالى من قلبه أنه ود لو اطلع على فرجها، وقال الضحّاك { خائنة الأعين} : هو الغمز، وقول الرجل رأيت ولم ير، وقال ابن عباس: يعلم اللّه تعالى من العين في نظرها هل تريد الخيانة أم لا؟ { وما تخفي الصدور} يعلم إذا أنت قدرت عليها هل تزني بها أم لا؟ وقال السدي: { وما تخفي الصدور} أي من الوسوسة، وقوله عزَّ وجلَّ { واللّه يقضي بالحق} أي يحكم بالعدل. قال ابن عباس: قادر على أن يجزي بالحسنة الحسنة وبالسيئة السيئة { إن اللّه هو السميع البصير} وهذا الذي فسر به ابن عباس رضي اللّه عنهما هذه الآية، كقوله تبارك وتعالى: { ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى} ، وقوله جلَّ وعلا: { والذين يدعون من دونه} أي من الأصنام والأوثان والأنداد، { لا يقضون بشيء} أي لا يملكون شيئاً ولا يحكمون بشيء، { إن اللّه هو السميع البصير} أي سميع لأقوال خلقه بصير بهم، فيهدي من يشاء ويضل من يشاء، وهو الحاكم العادل في جميع ذلك.

تفسير الجلالين

{ والله يقضي بالحق والذين يدعون } يعبدون، أي كفار مكة بالياء والتاء { من دونه } وهم الأصنام { لا يقضون بشيءٍ } فكيف يكونون شركاء لله { إن الله هو السميع } لأقوالهم { البصير } بأفعالهم .

تفسير الطبري

{ وَاَللَّه يَقْضِي بِالْحَقِّ } يَقُول : وَاَللَّه تَعَالَى ذِكْره يَقْضِي فِي الَّذِي خَانَتْهُ الْأَعْيُن بِنَظَرِهَا , وَأَخْفَتْهُ الصُّدُور عِنْد نَظَر الْعُيُون بِالْحَقِّ , فَيَجْزِي الَّذِينَ أَغْمَضُوا أَبْصَارهمْ , وَصَرَفُوهَا عَنْ مَحَارِمه حِذَار الْمَوْقِف بَيْن يَدَيْهِ , وَمَسْأَلَته عَنْهُ بِالْحُسْنَى , وَاَلَّذِينَ رَدَّدُوا النَّظَر , وَعَزَمَتْ قُلُوبهمْ عَلَى مُوَاقَعَة الْفَوَاحِش إِذَا قَدَرَتْ , جَزَاءَهَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23375 - حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد الْمَرْوَزِيّ , قَالَ : ثنا عَلِيّ بْن حُسَيْن بْن وَاقِد قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثنا الْأَعْمَش , قَالَ : ثنا سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس { يَعْلَم خَائِنَة الْأَعْيُن } إِذَا نَظَرَتْ إِلَيْهَا تُرِيد الْخِيَانَة أَمْ لَا { وَمَا تُخْفِي الصُّدُور } إِذَا قَدَرَتْ عَلَيْهَا أَتَزْنِي بِهَا أَمْ لَا ؟ قَالَ : ثُمَّ سَكَتَ , ثُمَّ قَالَ : أَلَا أُخْبِركُمْ بِاَلَّتِي تَلِيهَا ؟ قُلْت نَعَمْ , قَالَ : { وَاَللَّه يَقْضِي بِالْحَقِّ } قَادِر عَلَى أَنْ يَجْزِي بِالْحَسَنَةِ الْحَسَنَة , وَبِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَة { إِنَّ اللَّه هُوَ السَّمِيع الْبَصِير } قَالَ الْحَسَن : فَقُلْت لِلْأَعْمَشِ : حَدَّثَنِي الْكَلْبِيّ , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ اللَّه قَادِر عَلَى أَنْ يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَة , وَبِالْحَسَنَةِ عَشْرًا . وَقَالَ الْأَعْمَش : إِنَّ الَّذِي عِنْد الْكَلْبِيّ عِنْدِي , مَا خَرَجَ مِنِّي إِلَّا بِحَقِيرٍ . { وَاَللَّه يَقْضِي بِالْحَقِّ } يَقُول : وَاَللَّه تَعَالَى ذِكْره يَقْضِي فِي الَّذِي خَانَتْهُ الْأَعْيُن بِنَظَرِهَا , وَأَخْفَتْهُ الصُّدُور عِنْد نَظَر الْعُيُون بِالْحَقِّ , فَيَجْزِي الَّذِينَ أَغْمَضُوا أَبْصَارهمْ , وَصَرَفُوهَا عَنْ مَحَارِمه حِذَار الْمَوْقِف بَيْن يَدَيْهِ , وَمَسْأَلَته عَنْهُ بِالْحُسْنَى , وَاَلَّذِينَ رَدَّدُوا النَّظَر , وَعَزَمَتْ قُلُوبهمْ عَلَى مُوَاقَعَة الْفَوَاحِش إِذَا قَدَرَتْ , جَزَاءَهَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23375 - حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد الْمَرْوَزِيّ , قَالَ : ثنا عَلِيّ بْن حُسَيْن بْن وَاقِد قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثنا الْأَعْمَش , قَالَ : ثنا سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس { يَعْلَم خَائِنَة الْأَعْيُن } إِذَا نَظَرَتْ إِلَيْهَا تُرِيد الْخِيَانَة أَمْ لَا { وَمَا تُخْفِي الصُّدُور } إِذَا قَدَرَتْ عَلَيْهَا أَتَزْنِي بِهَا أَمْ لَا ؟ قَالَ : ثُمَّ سَكَتَ , ثُمَّ قَالَ : أَلَا أُخْبِركُمْ بِاَلَّتِي تَلِيهَا ؟ قُلْت نَعَمْ , قَالَ : { وَاَللَّه يَقْضِي بِالْحَقِّ } قَادِر عَلَى أَنْ يَجْزِي بِالْحَسَنَةِ الْحَسَنَة , وَبِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَة { إِنَّ اللَّه هُوَ السَّمِيع الْبَصِير } قَالَ الْحَسَن : فَقُلْت لِلْأَعْمَشِ : حَدَّثَنِي الْكَلْبِيّ , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ اللَّه قَادِر عَلَى أَنْ يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَة , وَبِالْحَسَنَةِ عَشْرًا . وَقَالَ الْأَعْمَش : إِنَّ الَّذِي عِنْد الْكَلْبِيّ عِنْدِي , مَا خَرَجَ مِنِّي إِلَّا بِحَقِيرٍ . ' وَقَوْله : { وَاَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونه لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ } يَقُول : وَالْأَوْثَان وَالْآلِهَة الَّتِي يَعْبُدهَا هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاَللَّهِ مِنْ قَوْمك مِنْ دُونه لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ , لِأَنَّهَا لَا تَعْلَم شَيْئًا , وَلَا تَقْدِر عَلَى شَيْء , يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَهُمْ : فَاعْبُدُوا الَّذِي يَقْدِر عَلَى كُلّ شَيْء , وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء مِنْ أَعْمَالكُمْ , فَيَجْزِي مُحْسِنكُمْ بِالْإِحْسَانِ , وَالْمُسِيء بِالْإِسَاءَةِ , لَا مَا لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء وَلَا يَعْلَم شَيْئًا , فَيَعْرِف الْمُحْسِن مِنْ الْمُسِيء , فَيُثِيب الْمُحْسِن , وَيُعَاقِب الْمُسِيء .وَقَوْله : { وَاَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونه لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ } يَقُول : وَالْأَوْثَان وَالْآلِهَة الَّتِي يَعْبُدهَا هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاَللَّهِ مِنْ قَوْمك مِنْ دُونه لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ , لِأَنَّهَا لَا تَعْلَم شَيْئًا , وَلَا تَقْدِر عَلَى شَيْء , يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَهُمْ : فَاعْبُدُوا الَّذِي يَقْدِر عَلَى كُلّ شَيْء , وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء مِنْ أَعْمَالكُمْ , فَيَجْزِي مُحْسِنكُمْ بِالْإِحْسَانِ , وَالْمُسِيء بِالْإِسَاءَةِ , لَا مَا لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء وَلَا يَعْلَم شَيْئًا , فَيَعْرِف الْمُحْسِن مِنْ الْمُسِيء , فَيُثِيب الْمُحْسِن , وَيُعَاقِب الْمُسِيء .' وَقَوْله : { إِنَّ اللَّه هُوَ السَّمِيع الْبَصِير } يَقُول : إِنَّ اللَّه هُوَ السَّمِيع لِمَا تَنْطِق بِهِ أَلْسِنَتكُمْ أَيّهَا النَّاس , الْبَصِير بِمَا تَفْعَلُونَ مِنْ الْأَفْعَال , مُحِيط بِكُلِّ ذَلِكَ مُحْصِيه عَلَيْكُمْ , لِيُجَازِيَ جَمِيعكُمْ جَزَاءَهُ يَوْم الْجَزَاء. وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { وَاَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونه } فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة : " وَاَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونه " بِالتَّاءِ عَلَى وَجْه الْخِطَاب . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة بِالْيَاءِ عَلَى وَجْه الْخَبَر. وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ صَحِيحَتَا الْمَعْنَى , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب .وَقَوْله : { إِنَّ اللَّه هُوَ السَّمِيع الْبَصِير } يَقُول : إِنَّ اللَّه هُوَ السَّمِيع لِمَا تَنْطِق بِهِ أَلْسِنَتكُمْ أَيّهَا النَّاس , الْبَصِير بِمَا تَفْعَلُونَ مِنْ الْأَفْعَال , مُحِيط بِكُلِّ ذَلِكَ مُحْصِيه عَلَيْكُمْ , لِيُجَازِيَ جَمِيعكُمْ جَزَاءَهُ يَوْم الْجَزَاء. وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { وَاَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونه } فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة : " وَاَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونه " بِالتَّاءِ عَلَى وَجْه الْخِطَاب . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة بِالْيَاءِ عَلَى وَجْه الْخَبَر. وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ صَحِيحَتَا الْمَعْنَى , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { وأنذرهم يوم الآزفة} أي يوم القيامة. سميت بذلك لأنها قريبة؛ إذ كل ما هو آت قريب. وأزف فلان أي قرب يأزف أزفا؛ قال النابغة : أزف الترحل غير أن ركابنا ** لما تزل برحالنا وكأن قد أي قرب. ونظير هذه الآية { أزفت الآزفة} [النجم : 57] أي قربت الساعة. وكان بعضهم يتمثل ويقول : أزف الرحيل وليس لي من زاد غير ** الذنوب لشقوتي ونكادي { إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين} على الحال وهو محمول على المعنى. قال الزجاج : المعنى إذ قلوب الناس { لدى الحناجر} في حال كظمهم. وأجاز الفراء أن يكون التقدير { وأنذرهم} كاظمين. وأجاز رفع { كاظمين} على أنه خبر للقلوب. وقال : المعنى إذ هم كاظمون. وقال الكسائي : يجوز رفع { كاظمين} على الابتداء. وقد قيل : إن المراد بـ { يوم الآزفة} يوم حضور المنية؛ قاله قطرب. وكذا { إذ القلوب لدى الحناجر} عند حضور المنية. والأول أظهر. وقال قتادة : وقعت في الحناجر المخافة فهي لا تخرج ولا تعود في أمكنتها، وهذا لا يكون إلا يوم القيامة كما قال: { وأفئدتهم هواء} . وقيل : هذا إخبار عن نهاية الجزع؛ كما قال: { وبلغت القلوب الحناجر} وأضيف اليوم إلى { الآزفة} على تقدير يوم القيامة { الآزفة} أو يوم المجادلة { الآزفة} . وعند الكوفيين هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه مثل مسجد الجامع وصلاة الأولى. { ما للظالمين من حميم} أي من قريب ينفع { ولا شفيع يطاع} فيشفع فيهم. قوله تعالى: { يعلم خائنة الأعين} قال المؤرج : فيه تقديم وتأخير أي يعلم الأعين الخائنة وقال ابن عباس : هو الرجل يكون جالسا مع القوم فتمر المرأة فيسارقهم النظر إليها. وعنه : هو الرجل ينظر إلى المرأة فإذا نظر إليه أصحابه غض بصره، فإذا رأى منهم غفلة تدسس بالنظر، فإذا نظر إليه أصحابه غض بصره، وقد علم الله عز وجل منه أنه يود لو نظر إلى عورتها. وقال مجاهد هي مسارقة نظر الأعين إلى ما نهى الله عنه. وقال قتادة : هي الهمزة بعينه وإغماضه فيما لا يحب الله تعالى. وقال الضحاك : هي قول الإنسان ما رأيت وقد رأى أو رأيت وما رأى. وقال السدي : إنها الرمز بالعين. وقال سفيان : هي النظرة بعد النظرة. وقال الفراء: { خائنة الأعين} النظرة الثانية { وما تخفي الصدور} النظرة الأولى. وقال ابن عباس: { وما تخفي الصدور} أي هل يزني بها لو خلا بها أو لا. وقيل: { وما تخفي الصدور} تكنه وتضمره. ولما جيء بعبدالله بن أبي سرح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد ما اطمأن أهل مكة وطلب له الأمان عثمان رضي الله عنه، صمت رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلا ثم قال: { نعم} فلما انصرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن حوله : (ما صمتُّ إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه) فقال رجل من الأنصار فهلا أومأت إلي يا رسول الله، فقال : (إن النبي لا تكون له خائنة أعين). قوله تعالى: { والله يقضي بالحق} أي يجازي من غض بصره عن المحارم، ومن نظر إليها، ومن عزم على مواقعة الفواحش إذا قدر عليها. { والذين يدعون من دونه} يعني الأوثان { لا يقضون بشيء} لأنها لا تعلم شيئا ولا تقدر عليه ولا تملك. وقراءة العامة بالياء على الخبر عن الظالمين وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. وقرأ نافع وشيبة وهشام { تدعون} بالتاء. { إن الله هو السميع البصير} { هو} زائدة فاصلة. ويجوز أن تكون في موضع رفع بالابتداء وما بعدها خبر والجملة خبر إن. قوله تعالى: { أولم يسيروا في الأرض فينظروا} في موضع جزم عطف على { يسيروا} ويجوز أن يكون في موضع نصب على أنه جواب، والجزم والنصب في التثنية والجمع واحد. { كيف كان عاقبة} اسم كان والخبر في { كيف} . و { واق} في موضع خفض معطوف على اللفظ. ويجوز أن يكون في موضع رفع على الموضع فرفعه وخفضه واحد؛ لأن الياء تحذف وتبقى الكسرة دالة عليها وقد مضى الكلام في معنى هذه الآية في غير موضع فأغنى عن الإعادة.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة غافر الايات 17 - 27

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

يعني: { يَقْضِي.. } [غافر: 20] أي: يحكم بالحق { وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ } [غافر: 20] أي: الأصنام وغيرها مما عبدوه من دون الله { لاَ يَقْضُونَ بِشَيْءٍ.. } [غافر: 20] لا يحكمون بشيء، فليس لهم مركز في القضاء أبداً ولا حتى في الظلم، ليس لهم أهلية لأنْ يقضوا { إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ } [غافر: 20]. السميع لكل قول خارج عن منهجه، العليم بكل فعل يخرج عن منهجه المشاهد لكل شي.

فالحق سبحانه وتعالى يكون هو الشاهد وهو القاضي والحاكم وهو المنفذ، فإذا كانت السلطات عندكم متعددة في الدنيا، فالسلطة في الآخرة لله وحده لا شريكَ له.

بعد ذلك يقول سبحانه: ما بال هؤلاء الكفار الذين يعاندون الدعوة ويصادمون الرسول الذي أرسله الله لهم رحمة، ألم ينظروا في تاريخ سابقيهم من الأمم التي كذَّبت وما جرى لهم من العقوبة، وما حَلَّ بهم من هلاك يروْنَ هم آثاره.

لقد سجَّل الحق سبحانه على نفسه، فقال:
{  وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ }
[الصافات: 171-172].

نعلم أن الإنسان يحفظ السند الذي له ولا يحفظ الذي عليه، أما الحق سبحانه فحفظ وسجَّل هذا الوعد عليه سبحانه
{  إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }
[الحجر: 9] فالحق سبحانه ضمن لرسله النصرة والتأييد، وما كان سبحانه وتعالى ليقول كلمة ويأتي واقع الحياة ليكذِّبها. إذن: فنُصرة الرسل سُنة من سُنَن الله في كونه، يقول سبحانه: { أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ... } [غافر: 21].


www.alro7.net