سورة
اية:

بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ

تفسير بن كثير

{ ق} حرف من حروف الهجاء المذكورة في أوائل السور، كقوله تعالى: { ص - ون - والم} ونحو ذلك قاله مجاهد وغيره، وقد أسلفنا الكلام عليها في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته، وقوله تعالى: { والقرآن المجيد} ، أي الكريم العظيم الذي { لا يأتيه باطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} ، واختلفوا في جواب القسم ما هو؟ فحكى ابن جرير عن بعض النحاة أنه قوله تعالى: { قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ} وفي هذا نظر، بل الجواب هو مضمون الكلام بعد القسم وهو إثبات النبوة وإثبات المعاد وتقريره وتحقيقه، وإن لم يكن القسم يتلقى لفظاً، وهذا كثير في أقسام القرآن كما تقدم في قوله: { ص والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق} ، وهكذا قال ههنا { ق والقرآن المجيد بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب} أي تعجبوا من إرسال رسول إليهم من البشر، كقوله جلَّ جلاله: { أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس} أي وليس هذا بعجيب، فإن اللّه يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس، ثم قال عزَّ وجلَّ مخبراً عنهم في تعجبهم أيضاً من المعاد واستبعادهم لوقوعه { أئذا متنا وكنا تراباً ذلك رجع بعيد} أي يقولون أئذا متنا وبلينا وتقطعت الأوصال منا وصرنا تراباً، كيف يمكن الرجوع بعد ذلك إلى هذه البنية والتركيب؟ { ذلك رجع بعيد} أي بعيد الوقوع، والمعنى أنهم يعتقدون استحالته وعدم إمكانه، قال اللّه تعالى راداً عليهم { قد علمنا ما تنقص الأرض منهم} أي ما تأكل من أجسادهم في البلى، نعلم ذلك ولا يخفى علينا أين تفرقت الأبدان، وأين ذهبت وإلى أين صارت { وعندنا كتاب حفيظ} أي حافظ لذلك، فالعلم شامل والكتاب أيضاً فيه كل الأشياء مضبوطة، قال ابن عباس { قد علمنا ما تنقص الأرض منهم} أي ما تأكل من لحومهم وأبشارهم، وعظامهم وأشعارهم؛ ثم بين تبارك وتعالى سبب كفرهم وعنادهم واستبعادهم ما ليس ببعيد، فقال: { بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج} أي وهذا حال كل من خرج عن الحق مهما قال بعد ذلك فهو باطل، و(المريج) المختلف المضطرب المنكر، كقوله تعالى: { إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك} .

تفسير الجلالين

{ بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم } رسول من أنفسهم يخوّفهم بالنار بعد البعث { فقال الكافرون هذا } الإنذار { شيء عجيب } .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِر مِنْهُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَذَّبَك يَا مُحَمَّد مُشْرِكُو قَوْمك أَنْ لَا يَكُونُوا عَالِمِينَ بِأَنَّك صَادِق مُحِقّ , وَلَكِنَّهُمْ كَذَّبُوك تَعَجُّبًا مِنْ أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِر يُنْذِرهُمْ عِقَاب اللَّه مِنْهُمْ , يَعْنِي بَشَرًا مِنْهُمْ مِنْ بَنِي آدَم , وَلَمْ يَأْتِهِمْ مَلَك بِرِسَالَةٍ مِنْ عِنْد اللَّه .وَقَوْله : { بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِر مِنْهُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَذَّبَك يَا مُحَمَّد مُشْرِكُو قَوْمك أَنْ لَا يَكُونُوا عَالِمِينَ بِأَنَّك صَادِق مُحِقّ , وَلَكِنَّهُمْ كَذَّبُوك تَعَجُّبًا مِنْ أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِر يُنْذِرهُمْ عِقَاب اللَّه مِنْهُمْ , يَعْنِي بَشَرًا مِنْهُمْ مِنْ بَنِي آدَم , وَلَمْ يَأْتِهِمْ مَلَك بِرِسَالَةٍ مِنْ عِنْد اللَّه .' وَقَوْله : { فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْء عَجِيب } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَقَالَ الْمُكَذِّبُونَ بِاَللَّهِ وَرَسُوله مِنْ قُرَيْش إِذْ جَاءَهُمْ مُنْذِر مِنْهُمْ { هَذَا شَيْء عَجِيب } : أَيْ مَجِيء رَجُل مِنَّا مِنْ بَنِي آدَم بِرِسَالَةِ اللَّه إِلَيْنَا , { هَلَّا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَك فَيَكُون مَعَهُ نَذِيرًا } 25 7 وَقَوْله : { فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْء عَجِيب } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَقَالَ الْمُكَذِّبُونَ بِاَللَّهِ وَرَسُوله مِنْ قُرَيْش إِذْ جَاءَهُمْ مُنْذِر مِنْهُمْ { هَذَا شَيْء عَجِيب } : أَيْ مَجِيء رَجُل مِنَّا مِنْ بَنِي آدَم بِرِسَالَةِ اللَّه إِلَيْنَا , { هَلَّا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَك فَيَكُون مَعَهُ نَذِيرًا } 25 7 '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ق والقرآن المجيد} قرأ العامة [قاف] بالجزم. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق ونصر بن عاصم [قاف] بكسر الفاء؛ لأن الكسر أخو الجزم، فلما سكن آخره حركوه بحركة الخفض. وقرأ عيسى الثقفي بفتح الفاء حركه إلى أخف الحركات. وقرأ هارون ومحمد بن السميقع [قاف] بالضم؛ لأنه في غالب الأمر حركة البناء نحو منذ وقد وقبل وبعد. واختلف في معنى [قاف] ما هو؟ فقال ابن زيد وعكرمة والضحاك : هو جبل محيط بالأرض من زمردة خضراء أخضرت السماء منه، وعليه طرفا السماء والسماء عليه مقبية، وما أصاب الناس من زمرد كان مما تساقط من ذلك الجبل. ورواه أبو الجوزاء عن عبدالله بن عباس. قال الفراء : كان يجب على هذا أن يظهر الإعراب في { ق} لأنه اسم وليس بهجاء. قال : ولعل القاف وحدها ذكرت من اسمه؛ كقوله القائل : قلت لها قفي فقالت قاف أي أنا واقفة. وهذا وجه حسن وقد تقدم أول [البقرة]. وقال وهب : أشرف ذو القرنين على جبل قاف فرأى تحته جبالا صغارا، فقال له : ما أنت؟ قال : أنا قاف، قال : فما هذه الجبال حولك ؟ قال : هي عروقي وما من مدينة إلا وفيها عرق من عروقي، فإذا أراد الله أن يزلزل مدينة أمرني فحركت عرقي ذلك فتزلزلت تلك الأرض؛ فقال له : يا قاف أخبرني بشيء من عظمة الله؛ قال : إن شأن ربنا لعظيم، وإن ورائي أرضا مسيرة خمسمائة عام في خمسمائة عام من جبال ثلج يحطم به بعضها بعضا، لولا هي لاحترقت من حر جهنم. فهذا يدل على أن جهنم على وجه الأرض والله أعلم بموضعها؛ وأين هي من الأرض. قال : زدني، قال : إن جبريل عليه السلام واقف بين يدي الله ترعد فرائصه، يخلق الله من كل رعدة مائة ألف ملك، فأولئك الملائكة وقوف بين يدي الله تعالى منكسو رءوسهم، فاذا أذن الله لهم في الكلام قالوا : لا إله إلا الله؛ وهو قوله تعالى { يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا} [النبأ : 38] يعني قوله : لا إله إلا الله. وقال الزجاج : قوله { ق} أي قضي الأمر، كما قيل في { حم} أي حم الأمر. وقال ابن عباس { ق} اسم من أسماء الله تعالى أقسم به. وعنه أيضا : أنه اسم من أسماء القرآن. وهو قول قتادة. وقال القرظي : افتتاح أسماء الله تعالى قدير وقاهر وقريب وقاض وقابض. وقال الشعبي : فاتحة السورة. وقال أبوبكر الوراق : معناه قف عند أمرنا ونهينا ولا تعدهما. وقال محمد بن عاصم الأنطاكي : هو قرب الله من عباده، بيانه { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} [ق : 16] وقال ابن عطاء : أقسم الله بقوة قلب حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم، حيث حمل الخطاب ولم يؤثر ذلك فيه لعلو حاله. قوله تعالى { والقرآن المجيد} أي الرفيع القدر. وقيل : الكريم؛ قاله الحسن. وقيل : الكثير؛ مأخوذ من كثرة القدر والمنزلة لا من كثرة العدد، من قولهم : كثير فلان في النفوس؛ ومنه قول العرب في المثل السائر [كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار} أي استكثر هذان النوعان من النار فزادا على سائر الشجر؛ قال ابن بحر. وجواب القسم قيل هو { قد علمنا ما تنقص الأرض منهم} على إرادة اللام؛ أي لقد علمنا. وقيل : هو { إن في ذلك لذكرى} وهو اختيار الترمذي محمد بن علي قال { ق} قسم باسم هو أعظم الأسماء التي خرجت إلى العباد وهو القدرة، وأقسم أيضا بالقرآن المجيد، ثم اقتص ما خرج من القدرة من خلق السموات والأرضين وأرزاق العباد، وخلق الآدميين، وصفة يوم القيامة والجنة والنار، ثم قال { إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب} [ق : 37] فوقع القسم على هذه الكلمة كأنه قال { ق} أي بالقدرة والقرآن المجيد أقسمت أن فيما اقتصصت في هذه السورة { لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد} [ق : 37]. وقال ابن كيسان : جوابه { ما يلفظ من قول} . وقال أهل الكوفة : جواب هذا القسم { بل عجبوا} . وقال الأخفش : جوابه محذوف كأنه قال { ق والقرآن المجيد} لتبعثن؛ يدل عليه { أئذا متنا وكنا ترابا } . قوله تعالى { بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم} { أن} في موضع نصب على تقدير لأن جاءهم منذر منهم، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم والضمير للكفار. وقيل : للمؤمنين والكفار جميعا. ثم ميز بينهم { فقال الكافرون} ولم يقل فقالوا، بل قبح حالهم وفعلهم ووصفهم بالكفر، كما تقول : جاءني فلان فأسمعني المكروه، وقال لي الفاسق أنت كذا وكذا. { هذا شيء عجيب} العجيب الأمر الذي يتعجب منه، وكذلك العجاب بالضم، والعجاب بالتشديد أكثر منه، وكذلك الأعجوبة. وقال قتادة : عجبهم أن دعوا إلى إله واحد. وقيل : من إنذارهم بالبعث والنشور. والذي نص عليه القرآن أولى. قوله تعالى { أئذا متنا وكنا ترابا} نبعث؛ ففيه إضمار. { ذلك رجع بعيد} الرجع الرد أي هو رد بعيد أي محال. يقال : رجعته أرجعه رجعا، ورجع هو يرجع رجوعا، وفيه إضمار آخر؛ أي وقالوا أنبعث إذا متنا. وذكر البعث وإن لم يجرها هنا فقد جرى في مواضع، والقرآن كالسورة الواحدة. وأيضا ذكر البعث منطو تحت قوله { بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم} لأنه إنما ينذر بالعقاب والحساب في الآخرة. { قد علمنا ما تنقص الأرض منهم} أي ما تأكل من أجسادهم فلا يضل عنا شيء حتى تتعذر علينا الإعادة. وفي التنزيل { قال فما بال القرون الأولى قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى} [طه : 51].""وفي الصحيح : ""(كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب منه خلق وفيه يركب) وقد تقدم. وثبت أن الأنبياء والأولياء والشهداء لا تأكل الأرض أجسادهم؛ حرم الله على الأرض أن تأكل أجسادهم. وقد بينا هذا في كتاب [التذكرة] وتقدم أيضا في هذا الكتاب. وقال السدي : النقص هنا الموت يقول قد علمنا منهم من يموت ومن يبقى؛ لأن من مات دفن فكأن الأرض تنقص من الناس. وعن ابن عباس : هو من يدخل في الإسلام من المشركين. { وعندنا كتاب حفيظ} أي بعدتهم وأسمائهم فهو فعيل بمعنى فاعل. وقيل : اللوح المحفوظ أي محفوظ من الشياطين أو محفوظ فيه كل شيء. وقيل : الكتاب عبارة عن العلم والإحصاء؛ كما تقول : كتبت عليك هذا أي حفظته؛ وهذا ترك الظاهر من غير ضرورة. وقيل : أي وعندنا كتاب حفيظ لأعمال بني آدم لنحاسبهم عليها. قوله تعالى { بل كذبوا بالحق} أي القرآن في قول الجميع؛ حكاه الماوردي. وقال الثعلبي : بالحق القرآن. وقيل : الإسلام. وقيل : محمد صلى الله عليه وسلم. { فهم في أمر مريج} أي مختلط. يقولون مرة ساحر ومرة شاعر ومرة كاهن؛ قاله الضحاك وابن زيد. وقال قتادة : مختلف. الحسن : ملتبس؛ والمعنى متقارب. وقال أبو هريرة : فاسد، ومنه مرجت أمانات الناس أي فسدت؛ ومرج الدين والأمر اختلط؛ قال أبو دواد : مرج الدين فأعددت له ** مشرف الحارك محبوك الكتد وقال ابن عباس : المريج الأمر المنكر. وقال عنه عمران بن أبي عطاء { مريج} مختلط. وأنشد : فجالت فالتمست به حشاها ** فخر كأنه خوط مريج الخوط الغصن. وقال عنه العوفي : في أمر ضلالة وهو قولهم ساحر شاعر مجنون كاهن. وقيل : متغير. وأصل المرج الاضطراب والقلق؛ يقال : مرج أمر الناس ومرج أمر الدين ومرج الخاتم في إصبعي إذا قلق من الهزال. وفي الحديث : (كيف بك يا عبدالله إذا كنت في قوم قد مرجت عهودهم وأماناتهم واختلفوا فكانوا هكذا وهكذا) وشبك بين أصابعه. أخرجه أبو داود وقد ذكرناه في كتاب [التذكرة]. { ق‏} ‏ حرف من حروف الهجاء المذكورة في أوائل السور، كقوله تعالى‏:‏ ‏ { ‏ص - ون - والم‏} ‏ ونحو ذلك قاله مجاهد وغيره، وقد أسلفنا الكلام عليها في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته، وقوله تعالى‏:‏ ‏ { ‏والقرآن المجيد‏} ‏، أي الكريم العظيم الذي ‏ { ‏لا يأتيه باطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد‏} ‏، واختلفوا في جواب القسم ما هو‏؟‏ فحكى ابن جرير عن بعض النحاة أنه قوله تعالى‏:‏ ‏ { ‏قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ‏} ‏ وفي هذا نظر، بل الجواب هو مضمون الكلام بعد القسم وهو إثبات النبوة وإثبات المعاد وتقريره وتحقيقه، وإن لم يكن القسم يتلقى لفظاً، وهذا كثير في أقسام القرآن كما تقدم في قوله‏:‏ ‏ { ‏ص والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق‏} ‏، وهكذا قال ههنا ‏ { ‏ق والقرآن المجيد بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب‏} ‏ أي تعجبوا من إرسال رسول إليهم من البشر، كقوله جلَّ جلاله‏:‏ ‏ { ‏أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس‏} ‏ أي وليس هذا بعجيب، فإن اللّه يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس، ثم قال عزَّ وجلَّ مخبراً عنهم في تعجبهم أيضاً من المعاد واستبعادهم لوقوعه ‏ { ‏أئذا متنا وكنا تراباً ذلك رجع بعيد‏} ‏ أي يقولون أئذا متنا وبلينا وتقطعت الأوصال منا وصرنا تراباً، كيف يمكن الرجوع بعد ذلك إلى هذه البنية والتركيب‏؟‏ ‏ { ‏ذلك رجع بعيد‏} ‏ أي بعيد الوقوع، والمعنى أنهم يعتقدون استحالته وعدم إمكانه، قال اللّه تعالى رادا عليهم ‏ { ‏قد علمنا ما تنقص الأرض منهم‏} ‏ أي ما تأكل من أجسادهم في البلى، نعلم ذلك ولا يخفى علينا أين تفرقت الأبدان، وأين ذهبت وإلى أين صارت ‏ { ‏وعندنا كتاب حفيظ‏} ‏ أي حافظ لذلك، فالعلم شامل والكتاب أيضاً فيه كل الأشياء مضبوطة، قال ابن عباس ‏ { ‏قد علمنا ما تنقص الأرض منهم‏} ‏ أي ما تأكل من لحومهم وأبشارهم، وعظامهم وأشعارهم؛ ثم بين تبارك وتعالى سبب كفرهم وعنادهم واستبعادهم ما ليس ببعيد، فقال‏:‏ ‏ { ‏بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج‏} ‏ أي وهذا حال كل من خرج عن الحق مهما قال بعد ذلك فهو باطل، و‏(‏المريج‏)‏ المختلف المضطرب المنكر، كقوله تعالى‏:‏ ‏ { ‏إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك‏} ‏‏.‏

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة ق الايات 1 - 2


سورة ق الايات 2 - 10

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

والعجب لا يكون إلا من شيء غير معتاد، والنفس لا تهتدي إلى سببه، ولا إلى علَّته مثل الساحر نعجب لما يفعل لأننا لا نفهمه، والحديث هنا عن الكفار المعاصرين لبعثة النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد أوضح القرآن هذه المسالة وشرحها في موضع آخر هو قوله تعالى:
{  وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ }
[الزخرف: 31].


{  وَقَالُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ }
[الأنعام: 8-9].

إذن: عجبهم أو اعتراضهم ليس على القرآن، إنما على محمد صلى الله عليه وسلم، كيف ينزل عليه القرآن وهو من عامة الناس، ولماذا لم ينزل على أحد عظماء القوم ثم أتوا بشبهة أخرى، لماذا لم ينزل على ملَك.

وقد ردّ القرآن عليهم وبيَّن لهم هذه الشبهة، فمحمد صلى الله عليه وسلم رسول وقدوة، والقدوة لا تتم إلا إذا كان الرسولُ من جنس المرسل إليهم، وإلا كيف نقتدي بملك وله طبيعة غير طبيعتنا، وقدرة غير قدرتنا.

ولو أمرنا بعمل ما كان من حقنا أنْ نقول له: لا نستطيع أنْ نفعل مثلك، لأنك ملَك تقدر على ما لا نقدر عليه، فلا تتم الأُسْوة إذن.

فمن عظمة الرسالة أنْ يكون الرسولُ منكم، لذلك منَّ الله عليهم بذلك، فقال:
{  لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ... }
[التوبة: 128] أي: جنسكم بل من قومكم، ومن أقرب الناس لكم، وأنتم تعرفون صدقه وأمانته حتى قبل الرسالة، وشهدتم له بذلك.

وقوله تعالى: { فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ } [ق: 2].

يعني: أن الكافرين هم الذين تعجبوا من اختيار محمد صلى الله عليه وسلم للرسالة، إذن: غير الكافرين لم يتعجبوا من ذلك، وإذا كان القرآن نزل على مدى ثلاث عشرة سنة، فمن الناس مَنْ آمن بمحمد وصدَّقه من أول آية نزلتْ عليه. وقال: نزل عليّ اليوم كذا وكذا.

بل إن سيدنا أبا بكر صدَّق رسول الله وآمن به بمجرد أنْ قال: إني رسول الله دون أنْ يسأله عن شيء، لماذا؟

فماضيه في قومه يُؤهله لهذه المكانة، ولم لا يصدقه وهو الصادق الذي ما جُرّب عليه كذبٌ قط، والذي لا يكذب على الخَلْق أحرى ألاَّ يكذب على الخالق.

كذلك صدّقه في خبر الإسراء والمعراج ولم يناقش مثل غيره، بل قال عن رسول الله: إنْ قال فقد صدق، لقد أخذها بالعقل، وبما لديه من مقدما من سيرة رسول الله.

لذلك كلمة (محمد) ذاتها دليل على صدقه، فقوله تعالى:
{  مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ... }
[الفتح: 29] محمد مبتدأ أخبر عنه بأنه رسول الله، ومحمد بمعنى محمود يحمده الناس ويثنون عليه.إذن: هو من بدايته ونشأته مُعَدٌّ لهذه المهمة، لذلك ما جرَّبوا عليه كذباً أبداً، ولا شيئاً مما كان يفعله أترابه في الجاهلية، فكأنه يقول لهم: محمد هذا الذي تعرفونه، وتعرفون ماضيه وسيرته فيكم هو رسول الله، وكأن علة الإيمان بالرسول أنه محمد.

وسبق أن بيَّنا كيف عصمه الله من الزلل؟ وكيف عصمه من انكشاف عورته؟ لذلك ورد على لسانه صلى الله عليه وسلم وهو يجادل قومه:
{  فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }
[يونس: 16].

يعني: أنتم تعرفون عني كل شيء، تعرفون أنِّي لا أكذب، ولم يسبق لي أنْ وقفت خطيباً فيكم ولا شاعراً. إذن: لماذا تُكذِّبونني؟.

وكلمة { هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ... } [ق: 2] ليستْ تكراراً للتعجب في { بَلْ عَجِبُوۤاْ... } [ق: 2] بل عجيبٌ بالذي قيل، عجيبٌ قالها الكافرون، وقد شرحها القرآن في قوله تعالى:
{  وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً }
[الإسراء: 94].

فردَّ عليهم: ماذا تريدون؟ قالوا: نريده مَلَكاً، فقال لهم: إذا كان مَلَكاً فسوف يأتيكم في صورة بشر، إذن: ستظل الشبهة كما هي.


www.alro7.net