سورة
اية:

أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ۚ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ

تفسير بن كثير

تقدم الكلام على حروف الهجاء في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته هنا وباللّه التوفيق، وأما قوله: { أحكمت آياته ثم فصلت} أي هي محكمة في لفظها، مفصلة في معناها فالقرآن كامل صورة ومعنى، هذا معنى ما روي عن مجاهد وقتادة واختاره ابن جرير، وقوله: { من لدن حكيم خبير} أي من عند اللّه الحكيم في أقواله وأحكامه، الخبير بعواقب الأمور { ألا تعبدوا إلا اللّه} أي أنزل هذا القرآن المحكم المفصل لعبادة اللّه وحده لا شريك له، وقوله: { إنني لكم منه نذير وبشير} أي إني لكم نذير من العذاب إن خالفتموه، وبشير بالثواب إن أطعتموه؛ كما جاء في الحديث الصحيح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم صعد الصفا، فدعا بطون قريش الأقرب ثم الأقرب، فاجتمعوا، فقال: (يا معشر قريش أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً تصبّحكم ألستم مصدقيّ؟) فقالوا: ما جربنا عليك كذباً، قال: (فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد)، وقوله: { وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه} أي وآمركم بالاستغفار من الذنوب السالفة والتوبة منها إلى اللّه عزَّ وجلَّ فيما تستقبلونه، وأن تستمروا على ذلك: { يمتعكم متاعا حسنا} أي في الدنيا، { إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله} أي في الدار الآخرة، قاله قتادة، كقوله: { من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة} الآية، وقد جاء في الصحيح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لسعد: (وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه اللّه إلا أجرت عليها حتى ما تجعل في فيّ امرأتك)، عن ابن مسعود في قوله: ( { ويؤت كل ذي فضل فضله} ، قال: من عمل سيئة كتبت عليه سيئة، ومن عمل حسنة كتبت له عشر حسنات، فإن عوقب بالسيئة التي كان عملها في الدنيا، بقيت له عشر حسنات، وإن لم يعاقب بها في الدنيا أخذ من الحسنات العشر واحدة وبقيت له تسع حسنات، ثم يقول: هلك من غلب آحاده على أعشاره ""أخرجه ابن جرير الطبري"". وقوله: { وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير} ، هذا تهديد شديد لمن تولى عن أوامر اللّه تعالى، وكذَّب رسله فإن العذاب يناله يوم القيامة لا محالة { إلى اللّه مرجعكم} أي معادكم يوم القيامة، { وهو على كل شيء قدير} أي وهو القادر على ما يشاء من إحسانه إلى أوليائه وانتقامه من أعدائه، وإعادة الخلائق يوم القيامة، وهذا مقام ترهيب كما أن الأول مقام ترغيب.

تفسير الجلالين

{ أ } أي بأن { لا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير } بالعذاب إن كفرتم { وبشير } بالثواب إن آمنتم .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّه إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِير وَبَشِير } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : ثُمَّ فُصِّلَتْ بِأَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّه وَحْده لَا شَرِيك لَهُ وَتَخْلَعُوا الْآلِهَة وَالْأَنْدَاد . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِلنَّاسِ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْ عِنْد اللَّه نَذِير يُنْذِركُمْ عِقَابه عَلَى مَعَاصِيه وَعِبَادَة الْأَصْنَام , وَبَشِير يُبَشِّركُمْ بِالْجَزِيلِ مِنْ الثَّوَاب عَلَى طَاعَته وَإِخْلَاص , الْعِبَادَة وَالْأُلُوهَة لَهُ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّه إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِير وَبَشِير } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : ثُمَّ فُصِّلَتْ بِأَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّه وَحْده لَا شَرِيك لَهُ وَتَخْلَعُوا الْآلِهَة وَالْأَنْدَاد . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِلنَّاسِ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْ عِنْد اللَّه نَذِير يُنْذِركُمْ عِقَابه عَلَى مَعَاصِيه وَعِبَادَة الْأَصْنَام , وَبَشِير يُبَشِّركُمْ بِالْجَزِيلِ مِنْ الثَّوَاب عَلَى طَاعَته وَإِخْلَاص , الْعِبَادَة وَالْأُلُوهَة لَهُ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى‏ { ‏الر‏} ‏ تقدم القول فيه‏.‏ { كتاب‏} ‏ بمعنى هذا كتاب‏.‏ ‏ { ‏أحكمت آياته‏} ‏ في موضع رفع نعت لكتاب‏.‏ وأحسن ما قيل في معنى ‏ { ‏أحكمت آياته‏} ‏ قول قتادة؛ أي جعلت محكمة كلها لا خلل فيها ولا باطل‏.‏ والإحكام منع القول من الفساد، أي نظمت نظما محكما لا يلحقها تناقض ولا خلل‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ أي لم ينسخها كتاب، بخلاف التوراة والإنجيل‏.‏ وعلى هذا فالمعنى؛ أحكم بعض آياته بأن جعل ناسخا غير منسوخ‏.‏ وقد تقدم القول فيه‏.‏ وقد يقع اسم الجنس على النوع؛ فيقال‏:‏ أكلت طعام زيد؛ أي بعض طعامه‏.‏ وقال الحسن وأبو العالية‏ { ‏أحكمت آياته‏} ‏ بالأمر والنهي‏. { ‏ثم فصلت‏} ‏ بالوعد والوعيد والثواب والعقاب‏.‏ وقال قتادة‏:‏ أحكمها الله من الباطل، ثم فصلها بالحلال والحرام‏.‏ مجاهد‏:‏ أحكمت جملة، ثم بينت بذكر آية آية بجميع ما يحتاج إليه من الدليل على التوحيد والنبوة والبعث وغيرها‏.‏ وقيل‏:‏ جمعت في اللوح المحفوظ، ثم فصلت في التنزيل‏.‏ وقيل‏ { ‏فصلت‏} ‏ أنزلت نجما نجما لتتدبر‏.‏ وقرأ عكرمة ‏ { ‏فصلت‏} ‏ مخففا أي حكمت بالحق‏.‏ { ‏من لدن‏} ‏ أي من عند‏‏} ‏حكيم‏} ‏ أي محكم للأمور‏.‏ ‏ { ‏خبير‏} ‏ بكل كائن وغير كائن‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏ألا تعبدوا إلا الله‏} ‏ قال الكسائي والفراء‏:‏ أي بألا؛ أي أحكمت ثم فصلت بألا تعبدوا إلا الله‏.‏ قال الزجاج‏:‏ لئلا؛ أي أحكمت ثم فصلت لئلا تعبدوا إلا الله‏.‏ قيل‏:‏ أمر رسوله أن يقول للناس ألا تعبدوا إلا الله‏.‏ { ‏إنني لكم منه‏} ‏ أي من الله‏. { ‏نذير‏} ‏ أي مخوف من عذابه وسطوته لمن عصاه‏.‏ { ‏وبشير‏} ‏ بالرضوان والجنة لمن أطاعه‏.‏ وقيل‏:‏ هو من قول الله أولا وآخرا؛ أي لا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير؛ أي الله نذير لكم من عبادة غيره، كما قال‏ { ‏ويحذركم الله نفسه‏} ‏ [آل عمران‏:‏ 28‏]‏‏.‏ قوله تعالى ‏ { ‏وأن استغفروا ربكم‏} ‏ عطف على الأول‏.‏ { ‏ثم توبوا إليه‏} ‏ أي ارجعوا إليه بالطاعة والعبادة‏.‏ قال الفراء‏ { ‏ثم‏} ‏ هنا بمعنى الواو؛ أي وتوبوا إليه؛ لأن الاستغفار هو التوبة، والتوبة هي الاستغفار‏.‏ وقيل‏:‏ استغفروه من سالف ذنوبكم، وتوبوا إليه من المستأنف متى وقعت منكم‏.‏ قال بعض الصلحاء‏:‏ الاستغفار بلا إقلاع توبة الكذابين‏.‏ وقد تقدم هذا المعنى في ‏ { ‏آل عمران‏} ‏ مستوفى‏.‏ وفي { ‏البقرة‏} ‏ عند قوله‏ { ‏ولا تتخذوا آيات الله هزوا‏} ‏ [البقرة‏:‏ 231‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ إنما قدم ذكر الاستغفار لأن المغفرة هي الغرض المطلوب، والتوبة هي السبب إليها؛ فالمغفرة أول في المطلوب وآخر في السبب‏.‏ ويحتمل أن يكون المعنى استغفروه من الصغائر، وتوبوا إليه من الكبائر‏.‏ ‏ { ‏يمتعكم متاعا حسنا‏} ‏ هذه ثمرة الاستغفار والتوبة، أي يمتعكم بالمنافع ثم سعة الرزق ورغد العيش، ولا يستأصلكم بالعذاب كما فعل بمن أهلك قبلكم‏.‏ وقيل‏:‏ يمتعكم يعمركم؛ وأصل الإمتاع الإطالة، ومنه أمتع الله بك ومتع‏.‏ وقال سهل بن عبدالله‏:‏ المتاع الحسن ترك الخلق والإقبال على الحق‏.‏ وقيل‏:‏ هو القناعة بالموجود، وترك الحزن على المفقود‏.‏ { ‏إلى أجل مسمى‏} ‏ قيل‏:‏ هو الموت‏.‏ وقيل‏:‏ القيامة‏.‏ وقيل‏:‏ دخول الجنة‏.‏ والمتاع الحسن على هذا وقاية كل مكروه وأمر مخوف، مما يكون في القبر وغيره من أهوال القيامة وكربها؛ والأول أظهر؛ لقوله في هذه السورة ‏ { ‏ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم‏} [‏هود‏:‏ 52‏]‏ وهذا ينقطع بالموت وهو الأجل المسمى‏.‏ والله أعلم‏.‏ قال مقاتل‏:‏ فأبوا فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فابتلوا بالقحط سبع سنين حتى أكلوا العظام المحرقة والقذر والجيف والكلاب‏.‏ { ويؤت كل ذي فضل فضله‏} ‏ أي يؤت كل ذي عمل من الأعمال الصالحات جزاء عمله‏.‏ وقيل‏:‏ ويؤت كل من فضلت حسناته على سيئاته { ‏فضله‏} ‏ أي الجنة، وهي فضل الله؛ فالكناية في قوله‏ { ‏فضله‏} ‏ ترجع إلى الله تعالى‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ هو ما يحتسبه الإنسان من كلام يقوله بلسانه، أو عمل يعمله بيده أو رجله، أو ما تطوع به من ماله فهو فضل الله، يؤتيه ذلك إذا آمن، ولا يتقبله منه إن كان كافرا‏.‏ ‏ { ‏وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير‏} ‏ أي يوم القيامة، وهو كبير لما فيه من الأهوال‏.‏ وقيل‏:‏ اليوم الكبير هو يوم بدر وغيره‏:‏ و‏ { تولوا‏} ‏ يجوز أن يكون ماضيا ويكون المعنى‏:‏ وإن تولوا فقل لهم إني أخاف عليكم‏.‏ ويجوز أن يكون مستقبلا حذفت منه إحدى التاءين والمعنى‏:‏ قل لهم إن تتولوا فإني أخاف عليكم‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏إلى الله مرجعكم‏} ‏ أي بعد الموت‏.‏ ‏} ‏وهو على كل شيء قدير‏} ‏ من ثواب وعقاب‏.‏

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة هود الايات 1 - 4

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

إذن: فقد أحكمت آيات الكتاب وفصِّلت لغاية هي: ألا نعبد إلا الله.

والعبادة هي طاعة العابد للمعبود فيما أمر، وفيما نهى.

وهكذا نجد أن العبادة تقتضي وجود معبود له أمر وله نهي، والمعبود الذي لا أمر له ولا نهي لا يستحق العبادة، فهل مَنْ عَبَدَ الصنم تلقَّى من أمراً أو نهياً؟

وهل مَنْ عَبَدَ الشمس تلقَّى منها أمراً أو نهياً؟

إذن: فكلمة العبادة لكل ما هو غير الله هي عبادة باطلة؛ لأن مثل تلك المعبودات لا أمر لها ولا نهي، وفوق ذلك لا جزاء عندها على العمل الموافق لها أو المخالف لها.

والعبادة بدون منهج " افعل " و " لا تفعل " لا وجود لها، وعبادة لا جزاء عليها ليست عبادة.

وهنا يجب أن نلحظ أن قول الحق سبحانه:

{ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ } [هود: 2].

غير قوله سبحانه:


{  ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ }
[المائدة: 72].

ولو أن الرسل تأتي الناس وهم غير ملتفتين إلى قوة يعبدونها ويقدسونها لكان على الرسل أن يقولوا للناس:
{  ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ }
[الأعراف: 59].

ولكن هنا يقول الحق سبحانه: { أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ } [هود: 2].

فكأنه سبحانه يواجه قوماً لهم عبادة متوجهة إلى غير من يستحق العبادة؛ فيريد سبحانه أولاً أن يُنهي هذه المسألة، ثم يثبت العبادة لله.

إذن: فهنا نفي وإثبات، مثل قولنا: " أشهد ألا إله إلا الله " ، هنا ننفي أولاً أن هناك إلهاً غير الله، ونثبت الألوهية لله سبحانه.

وأنت لا تشهد هذه الشهادة إلا إذا وُجد قوم يشهدون أن هناك إلهاً غير الله تعالى، ولو كانوا يشهدون بألوهية الإله الواحد الأحد سبحانه؛ لكان الذهن خالياً من ضرورة أن نقول هذه الشهادة.

ولكن قول الحق سبحانه { أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ } [هود: 2].

معناه النفي أولاً للباطل، وإذا نُفِي الباطل لا بد أن يأتي إثبات الحق، حتى يكون كل شيء قائماً على أساس سليم.

ولذلك يقال: " درء المفسدة مقدَّم دائماً على جلب المنفعة " فالبداية ألا تعبد الأصنام، ثم وجِّه العبادة إلى الله سبحانه.

وما دامت العبادة هي طاعة الأمر، وطاعة النهي، فهي ـ إذن ـ تشمل كل ما ورد فيه أمر، وكل ما ورد فيه نهي.

وإنْ نظرت إلى الأوامر والنواهي لوجدتها تستوعب كل أقضية الحياة من قمة الشهادة بأن لا إله إلا الله، إلى إماطة الأذى عن الطريق.

وكل حركة تتطلبها الحياة لإبقاء الصالح على صلاحه أو زيادة الصالح ليكون أصلح، فهذه عبادة.

إذن: فالإسلام لا يعرف ما يقال عنه " أعمال دنيئة " ، و " أعمال شريفة " ولكنه يعرف أن هناك عاملاً دنيئاً وعاملاً شريفاً.وكل عامل يعمل عملاً تتطلبه الحياة بقاء للصالح أو ترقية لصلاحه وعدم الإفساد، فهذا عامل شريف؛ وقيمة كل امرىء فيما يحسنه.

وهكذا نجد أن كلمة العبادة تستوعب كل أقضية الحياة؛ لأن هناك أمراً بما يجب أن يكون، وهناك نهياً عما يجب ألا يكون، وما لم يرد فيه نهي لك الخيار في أن تفعله أو لا تفعله، فإذا نظرت إلى نسبة ما تؤمر به، ونظرت ألى ما تُنهى عنه بالنسبة لأعمال الحياة، لوجدت أنها نسبة لا تتجاوز خمسة في المائة من كل أعمال الحياة، ولكنها الأساس الذي تقوم عليه كل أوجه الحياة.

ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان ".

وأعداء الإسلام يحاولون أن يحددوا الدين في هذه الأركان الخمسة، ولكن هذه الأركان هي الأعمدة التي تقوم عليها عمارة الإسلام.

وأركان الإسلام هي إعلان استدامة الولاء لله تعالى، وكل أمر من أمور الحياة هو مطلوب للدين؛ لأنه يصلح الحياة.

وهكذا نجد أن العلم بالدين ضرورة لكل إنسان على الأرض، أما العلوم ا لأخرى فهي مطلوبة لمن يتخصص فيها ويرتقي بها ليفيد الناس كلهم، وكلما كان المتفوق من المسلمين كان ذلك تدعيماً لرفعة الإسلام.

إذن فالقاسم المشترك في الحياة هو العلم بالدين، ولكن يجب أن نفهم هذه القضية على قدرها، فلا يأتي إنسان لا يعرف صحيح الدين ليتكلم والعَوْل، والرد؛ لأن المسلم قد تمر حياته كلها ولا يحتاج رأياً في قضية التوريث، أو أن يتعرف على المستحقين للميراث وأنصبتهم، وغير ذلك.

وإن تعرَّض المسلم لقضية مثل هذه، نقول له: أنت إذا تعرضت لقضية مثل هذه فاذهب إلى المختصين بهذا العلم، وهم أهل الفقه والفتوى، لأنك حين تتعرض لقضية صحية تذهب إلى الطبيب، وحين تتعرض إلى قضية هندسية تذهب إلى المهندس، وإن تعرضت لعملية محاسبية تذهب إلى المحاسب، فإن تعرضت إى أي أمر ديني، فأنت تسأل عنه أهل الذكر.

وأنت إذا نظرت إلى العبادة، تجد أنها تتطلب كل حركة في الحياة، وسبق أن ضربت لذلك مثلاً وقلت: هَبْ أن إنساناً يصلي، ولا يفعل شيئاً في الحياة غير الصلاة، فمن أين له أن يشتري ثوباً يستر به عورته ما دام لا يعمل عملاً أخر غير الصلاة، وهو إن أراد أن يشتري ثوباً، فلا بد له من عمل يأخذ مقابله أجراً، ويشتري الثوب من تاجر التجزئة، الذي اشترى الأثواب من تاجر الجملة، وتاجر الجملة اشتراها من المصنع، في الدين؛ لأن العلم بالدين يقتضي اللجوء إلى أهل الذكر.

فإن قيل: الدين للجميع، نقول: صدقت بمعنى التدين للجميع، أما العلم بالدين فله الدراسة المتفقهة.وأهل الذكر أيضاً في العلوم الأخرى يقضون السنوات لتنمية دراساتهم، كما في الطب أو الهندسة أو غيرهما، وكذلك الأعمال المهنية تأخذ من الذي يتخصص فيها وقتاً وتتطلب جهداً، فما بالنا بالذي يُصلح أسس إقامة الناس في الحياة، وهو التفقه في الدين.

لذلك يقول الحق سبحانه:


{  فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ }
[التوبة: 122].

فنحن لا نطلب من كل مسلم ـ مثلاً ـ أن يدرس المواريث ليعرف العَصبة وأصحاب الفروض، وأولي الأرحام، والمصنع قام بتفصيل الثياب بعد أن نسجها مصنع آخر، والمصنع الآخر نسج الثياب من غزل القطن أو الصوف. والقطن جاء من الزراعة، والصوف جاء من جز شعر الأغنام.

وهكذا تجد أن مجرد الوقوف أمام خالقك لتصلي يقتضي أن تكون مستور العورة في صلاتك، هذا الستر يتطلب منك أن تتفاعل مع الحياة بالعمل.

وانظر لنفسك واسألها: ما أفطرتَ اليوم؟

وأقلُّ إجابة هي: أفطرت برغيف وقليل من الملح، وستجد أنك اشتريت الرغيف من البقال، وجاء البقال بالرغيف من المخبز، والمخبز جاء بالدقيق من المطحن، والمطحن أنتج الدقيق بعد طحن الغلال التي جاءت من الحقل. وكذلك تمت صناعة ألات الطحن في مصانع أخرى قد تكون أجنبية.

وهكذا تمت صناعة الرغيف بسلسلة هائلة من العمليات، فهناك الفلاح الذي حرث، وهناك مصمم آلة الطحن الذي درس الهندسة، وهناك عالم " الجيولوجيا " الذي درس طبقات الأرض ليستخرج الحديد الخام من باطنها، وهناك مصنع الحديد الذي صهر الحديد الخام؛ ليستخلص منه الحديد النقي الصالح للتصنيع.

وهكذا تجد أن كل حركة في الحياة قد خدمت قضية دينك، وخدمت وقوفك أمام خالقك لتصلي، فلا تقل: " سأنقطع للعبادة " بمعنى أن تقصر حياتك على الصلاة فقط، لأن كل حركة تصلح في الحياة هي عبادة، وإن أردت ألا تعمل في الحياة، فلا تنتفع بحركة عامل في الحياة. وإذا لم تنتفع بحركة أي عامل في الحياة، فلن تقدر أن تصلي، ولن تقدر أن يكون لك قوة لتصلي.

إذن فالعبادة هي كل حركة تتطلبها الحياة في ضوء " افعل " و " لا تفعل ".

وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى:

{ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ } [هود: 2].

والنذير: هو من يُخبر بشرٍّ زمنه لم يجيء، لتكون هناك فرصة لتلافي العمل الذي يُوقع في الشر، والبشير هو من يبشِّر بخير سيأتي إن سلك الإنسان الطريق إلى ذلك الخير.

إذن: الإنذار والبشارة هي أخبار تتعلق بأمر لم يجيء.

وفي الإنذار تخويف ونوع من التعليم، وأنت حين تريد أن تجعل ابنك مُجِداً في دراسته؛ تقول له: إن لم تذاكر فسوف تكون كابن فلان الذي أصبح صعلوكاً تافهاً في الحياة.إذن: فأنت تنذر ابنك؛ ليتلافى من الآن العمل الذي يؤدي به إلى الفشل الدراسي.

وكذلك يبشر الإنسان ابنه أو أي إنسان آخر بالخير الذي ينتظره حين يسلك الطريق القويم.

إذن: فالعبادة هي كل حركة من حركات الحياة ما دام الإنسان مُتَّبعاً ما جاء بالمنهج الحق في ضوء " افعل " و " لا تفعل " ، وما لم يرد فيه " افعل " و " لا تفعل " فهو مباح.

وعلى الإنسان المسلم أن يُبصِّر نفسه، ومن حوله بأن تنفيذ أي فعل في ضوء " افعل " هو العمل المباح، وأن يمتنع عن أي فعل في ضوء " لا تفعل " ما دام الحق سبحانه وتعالى قد نهى عن مثل هذا الفعل، وعلى المسلم تحرِّي الدقة في مدلول كل سلوك.

ونحن نعلم أن التكليفات الإيمانية قد تكون شاقة على النفس، ومن اللازم أن نبيِّن للإنسان أن المشقة على النفس ستأتي له بخير كبير.

ومثال ذلك: حين نجد الفلاح وهو يحمل السماد العضوي من حظيرة البهائم؛ ليضعه على ظهر الحمار ويذهب به إلى الحقل؛ ليخلطه بالتربة، وهو يعمل هذا العمل بما فيه من مشقة انتظاراً ليوم الحصاد.

ويبيِّن الحق ـ سبحانه وتعالى ـ هنا على لسان رسوله أن الأمر بعدم عبادة أي كائن غير الله، هو أمر من الله سبحانه، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم هو نذير وبشير من الله.

وقول الحق سبحانه وتعالى:

{ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ } [هود: 2].

فيه نفي لعبادة غير الله، وإثبات لعبودية الله تعالى.

وهذا يتوافق ويتسق مع الإنذار والبشارة؛ لأن عبادة غير الله تقتضي نذيراً، وعبادة الله في الإسلام تقتضي بشيراً.

ولأن الحق سبحانه وتعالى هو خالق الإنسان ويعلم ضعف الإنسان، ومعنى هذا الضعف أنه قد يستولي عليه النفع العاجل، فيُذهبه عن خير آجلٍ أطول منه، فيقع في بعض من غفلات النفس.

لذلك بيَّن الحق سبحانه أن من وقع في بعض غفلات النفس عليه أن يستغفر الله؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا يبخل برحمته على أحدٍ من خلقه.

وإن طلب العبد المذنب مغفرة الله، فسبحانه قد شرع التوبة، وهي الرجوع عن المعصية إلى طاعة الله تعالى.

ولا يقع عبد في معصية إلا لأنه تأبَّى على منهج ربه، فإذا ما تاب واستغفر، فهو يعود إلى منهج الله سبحانه، ويعمل على ألا يقع في ذنب جديد.

وهنا يقول الحق سبحانه: { وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ }


www.alro7.net